«سد النهضة»: سجال مصري - إثيوبي في أروقة الأمم المتحدة

بموازاة استئناف المفاوضات في أديس أبابا

سامح شكري خلال إلقائه كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (وزارة الخارجية المصرية)
سامح شكري خلال إلقائه كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (وزارة الخارجية المصرية)
TT

«سد النهضة»: سجال مصري - إثيوبي في أروقة الأمم المتحدة

سامح شكري خلال إلقائه كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (وزارة الخارجية المصرية)
سامح شكري خلال إلقائه كلمة مصر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (وزارة الخارجية المصرية)

بموازاة انطلاق جولة جديدة من المفاوضات الثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، عادت قضية «سد النهضة» الإثيوبي مجدداً إلى الواجهة الدولية، عبر أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ برزت القضية في كلمتيْ وزيري خارجية مصر وإثيوبيا أمام المنظمة الدولية، وسط شكوك بشأن إحراز تقدم في جولات التفاوض الجارية حالياً بغية التوصل إلى اتفاق بنهاية نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل».

وركز وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال كلمته التي ألقاها (السبت) أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة على أزمة «سد النهضة»، إذ أشار إلى الندرة المائية الحادة التي تواجهها مصر، واعتمادها بصورة أساسية على نهر النيل بنسبة 98 في المائة، بما يجعلها عُرضة للتأثر بأي استخدام غير مستدام لمياه النهر، منوهاً بوجود عجز مائي سنوي يزيد على 50 في المائة من احتياجات مصر المائية، ما يفرض عليها إعادة استخدام المياه المحدودة المتاحة مرات عدة».

وأضاف أنه «لا مجال للاعتقاد الخطأ بإمكانية فرض الأمر الواقع، عندما يتصل الأمر بحياة ما يزيد على 100 مليون مصري»، لافتاً إلى أن ندرة الموارد المائية، والعجز في نصيب الفرد من المياه في مصر، أديا إلى استيراد مياه افتراضية في صورة واردات غذائية بقيمة 15 مليار دولار سنوياً».

وشدد شكري على «موقف مصر الراسخ، والمُستند إلى قواعد القانون الدولي، برفض أية إجراءات أحادية في إدارة الموارد المائية العابرة للحدود، والتي يُعد أحد أمثلتها (سد النهضة) الإثيوبي الذي بدأ إنشاؤه دون تشاور ودراسات وافية سابقة أو لاحقة للآثار على الدول المشاطئة».

وأوضح أن مصر «تحرص على استمرار الانخراط بجدية في عمليات التفاوض الجارية والتي امتدت ما يزيد على عقد كامل للوصول إلى اتفاق ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل بما يحفظ الحقوق والمصالح المشتركة، وننتظر أن يقابل التفاعل المصري بعزم صادق من إثيوبيا».

وفي المقابل، شدد نائب رئيس الوزراء الإثيوبي ووزير الخارجية ديميكي ميكونين على أهمية التعاون الإقليمي، ورحب باستئناف المحادثات الثلاثية مع مصر والسودان حول «سد النهضة». وفي كلمته أمام الجمعية العامة قال ميكونين إن بلاده «عازمة على التعاون مع جيرانها في مجالات التجارة والاستثمار والتكامل الإقليمي»، وأضاف أن أي عوائق أمام الازدهار المشترك للمنطقة «يجب أن تُعالج بنهج متضافر».

وأضاف نائب رئيس الوزراء الإثيوبي أن بلاده ترحب باستئناف المحادثات الثلاثية مع مصر والسودان بهذا الشأن، مؤكداً «مواصلة الالتزام بالوصول إلى نتيجة تفاوضية تعود بالنفع على الجميع بتيسير من الاتحاد الأفريقي».

كلمات وزيري خارجية البلدين تزامنت مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات بين الدول الثلاث؛ مصر والسودان وإثيوبيا، والتي استضافتها الأخيرة (السبت).

ومنذ 2011، تتفاوض مصر والسودان وإثيوبيا للوصول إلى اتفاق بشأن ملء «سد النهضة» وتشغيله، إلا أن جولات طويلة من التفاوض بين الدول الثلاث لم تثمر حتى الآن عن اتفاق، وتوقفت عملية التفاوض منذ عام 2021، قبل أن يعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال لقائهما في القاهرة في 13 يوليو (تموز) الماضي عن اتفاق لاستئناف التفاوض بهدف التوصل إلى اتفاق على قواعد ملء وتشغيل «سد النهضة» خلال 4 أشهر.

ولم تسفر جولة التفاوض التي استضافتها مصر خلال أغسطس (آب) الماضي عن إحراز أي تقدم وفق بيان رسمي لوزارة الموارد المائية والري المصرية، بينما أعلنت إثيوبيا في العاشر من الشهر الحالي إتمام الجولة الرابعة والأخيرة من ملء «سد النهضة»، في خطوة انتقدتها وزارة الخارجية المصرية وعدّتها «تجاهلاً لمصالح وحقوق دولتي المصب، وأمنهما المائي الذي تكفله قواعد القانون الدولي».

ومن جانبه، أشار وزير الموارد المائية والري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، إلى أن تركيز مصر على إعادة طرح قضية «سد النهضة» في المحافل الدولية، يأتي انعكاساً لصعوبة الوضع المائي في مصر، مشيراً إلى أن حصتها من مياه النيل توفر نحو 500 متر مكعب للفرد في السنة، أي نصف الحد الأدنى للفقر المائي كما حدده البنك الدولي.

وأعرب علام في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» عن اعتقاده أن التفاوض الحالي حول أزمة «سد النهضة» «لن يحقق جديداً»، مشيراً إلى أن ظروف السودان ومصر لا تتيح عوامل ضغط كافية لتحقيق حلحلة هذه الأزمة الإقليمية، ولفت إلى أن العودة إلى مجلس الأمن «لن توفر حلاً حاسماً لهذه القضية».

وتوقفت المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا حول السد، منذ يناير (كانون الثاني) 2021، ولجأت مصر إلى مجلس الأمن في يوليو (تموز) 2020، إلا أن الأخير اكتفى بِحَثِّ الدول الثلاث على استئناف المفاوضات، بدعوة من رئيس الاتحاد الأفريقي، بهدف وضع صيغة نهائية لاتفاق مقبول وملزم للأطراف، وعلى وجه السرعة، بشأن ملء وتشغيل «سد النهضة»، ضمن إطار زمني معقول، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

وعدّ السفير علي الحفني، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الأفريقية تركيز مصر على قضية «سد النهضة» في المحافل الدولية بمثابة «تحميل المؤسسات الدولية مسؤولياتها تجاه السلم والأمن الإقليميين والدوليين»، مؤكداً أنه رغم عدم اتخاذ مجلس الأمن قراراً حاسماً بشأن النزاع المتعلق بالسد الإثيوبي، فإن الأمم المتحدة ومجلس الأمن يمثلان «المرجعية الدولية» في هذا الشأن.

وأضاف الحفني لـ«الشرق الأوسط» أن إثيوبيا «أفرغت الدور الأفريقي من محتواه»، مشيراً إلى عدم تجاوب أديس أبابا مع جهود الكثير من رؤساء الاتحاد الأفريقي لدورات متعددة، وهو ما يدفع القاهرة إلى التعويل على الدور الدولي، خصوصاً في ظل تفاقم أزمات المناخ، وتصاعد المخاطر المائية في المنطقة، إضافة إلى التحولات التي تعترض مواقف الأطراف والمؤسسات الدولية من حين إلى آخر، وهو ما يعني ضرورة الاستمرار في إطلاع المجتمع الدولي على تطورات الأزمة.


مقالات ذات صلة

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

تحليل إخباري رئيس جيبوتي يستقبل نظيره الصومالي ورئيس وزراء إثيوبيا (وكالة الأنباء الصومالية)

قمة «جيبوتي - إثيوبيا - الصومال» تعزز التفاهمات بشأن ملفات التوتر

أثارت قمة رئاسية بين قادة جيبوتي وإثيوبيا والصومال، تعقد للمرة الثانية خلال نحو 40 يوماً، تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً في ظل تصاعد التوتر مع أديس أبابا.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري يناقش مع نظيره الجنوب سوداني في القاهرة التعاون بين دول حوض النيل (الخارجية المصرية)

رفض مصر نفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر يُعقد حلّ نزاع «سد النهضة»

جددت القاهرة موقفها الرافض لنفاذ إثيوبيا، الدولة الحبيسة بأفريقيا، إلى البحر الأحمر، نافية قبولها ذلك مقابل مرونة من أديس أبابا بشأن «سد النهضة».

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الكيني ويليام روتو يلتقي وزير الخارجية المصري ويتسلم رسالة خطية من السيسي (وزارة الخارجية المصرية)

مصر تتمسك بـ«توافق» دول حوض النيل ورفض الأحادية

تتمسك مصر بضرورة تحقيق التوافق بين دول حوض النيل، ورفض الإجراءات الأحادية، بما يضمن تحقيق المنفعة المشتركة لجميع الأطراف.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح «سد النهضة» في سبتمبر الماضي (حسابه على إكس)

«سد النهضة»: مصير غامض للوساطة الأميركية وسط تشدد مصري - إثيوبي

رغم مرور نحو شهر على عرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب وساطته بين القاهرة وأديس أبابا، فإن التباين لا يزال واضحاً في مواقف البلدين.

محمد محمود (القاهرة)
العالم العربي صورة لسد «النهضة» وضعها رئيس الوزراء الإثيوبي على صفحته الرسمية بـ«فيسبوك» في أغسطس 2024

مصر تشدد على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي لحوكمة نهر النيل

شددت مصر، الأحد، على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي الحاكم لاستخدام وإدارة المجاري المائية العابرة للحدود، وفي مقدمتها نهر النيل.

علاء حموده (القاهرة)

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)
TT

تونس: غضب حقوقي إثر تحفظ السلطات على صحافي معارض

من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)
من مظاهرة سابقة نظَّمها صحافيون وسط العاصمة للتنديد بما سموه «التضييق على وسائل الإعلام» (رويترز)

قال نافع ‌العريبي، محامي الصحافي التونسي زياد الهاني، إنَّ النيابة العامة أمرت، اليوم (الجمعة)، بالتحفظ على موكله، في خطوة أثارت غضب حقوقيين، ووصفها منتقدون للسلطات بأنها تصعيد لحملة ​أوسع على الأصوات المستقلة والمعارضة، في ظل حكم الرئيس قيس سعيد، بحسب تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

واعتاد الهاني، المعروف بمعارضته للنظام، على توجيه انتقادات لاذعة لحكم الرئيس قيس سعيد. وقال أمس إنه تلقى استدعاء للتحقيق، اليوم (الجمعة)، أمام فرقة متخصصة في جرائم تكنولوجيا المعلومات، تتبع الحرس الوطني، بصفة ذي شبهة.

الصحافي التونسي زياد الهاني (من حسابه بالإعلام الاجتماعي)

وقالت نقابة الصحافيين لاحقاً إن الهاني يواجه شبهة إزعاج الغير عبر شبكات الاتصال العمومية، بحسب قانون الاتصالات. ووصفت في بيان تنديد لها قرار إيقافه بـ«مواصلة سياسة تكميم الأفواه، وضرب حرية التعبير وحرية الصحافة». ويأتي التحفظ على الهاني بينما تحذِّر منظمات حقوقية ونشطاء من ازدياد المحاولات لتضييق الخناق على ما تبقَّى من الأصوات المستقلة، منذ أن حلَّ سعيد البرلمان المنتخب في 2021، وبدأ الحكم بالمراسيم، في خطوة وصفتها المعارضة بأنها انقلاب. في المقابل، قال محاميه إنَّ الهاني احتُجز بسبب نشره ‌مقالاً انتقد فيه القضاء، وندَّد ‌بحكم ⁠قضائي ​على ضابط ⁠أمن، وصحافي قضى 3.5 سنة في السجن، بينما قال الهاني إن الضابط توفي في سجنه، وبرأت محكمة التعقيب لاحقاً الرجلين.

وقال الهاني في المقال الذي أورد محتواه قبل ذلك في مداخلة بكلية الحقوق بتونس: «ضحيتهم الصحافي خليفة القاسمي، وضابط بالحرس... قضاة... لكنهم مجرمون». من جهته، قال رئيس نقابة الصحافيين، زياد دبار، لوكالة «رويترز» إن التحفظ على الهاني «أمر عبثي، وهو خطوة أخرى تهدف إلى ترهيب الصحافيين»، مضيفاً أن عدداً من الصحافيين ‌«يقبعون حالياً في السجن، وأنَّ ما لا يقل عن 15 آخرين يواجهون ملاحقات قضائية».

وزادت ⁠حرية التعبير ⁠في تونس بعد انتفاضة 2011 التي أطاحت بالرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وأطلقت شرارة ما عُرف بـ«الربيع العربي». لكن منتقدين يقولون إنَّ تركيز الرئيس سعيد للسلطات في يده منذ 2021، والمراسيم التي أصدرها منذ ذلك الحين، أدت إلى تفكيك الضمانات الديمقراطية، وسهَّلت ملاحقة الصحافيين. ويقبع عدد من قادة الأحزاب المعارضة الرئيسية بتونس في السجن، إلى جانب عشرات السياسيين والصحافيين والنشطاء ورجال الأعمال، بتهم تتعلق بالتآمر على الدولة وغسل الأموال والفساد.

في سياق قريب، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة فرع تونس، ليل الخميس، عن قلقها من التدهور الخطير للوضع الصحي للمعارض جوهر بن مبارك، الذي يقبع في السجن منذ 3 أعوام في قضية التآمر على أمن الدولة. ويخوض بن مبارك، وهو قيادي بارز في «جبهة الخلاص الوطني» المعارضة وأستاذ متخصص في القانون الدستوري، إضراباً عن الطعام في السجن منذ 27 يوماً.

جوهر بن مبارك (متداولة)

ويحتج بن مبارك ضد ظروف اعتقاله، وضد المحاكمات في قضية التآمر على أمن الدولة، بدعوى افتقارها لشروط المحاكمة العادلة، كما تقول المعارضة إنها تقوم على تهم ملفقة. وقالت المنظمة إنَّ جوهر بن مبارك يواجه ظروف اعتقال من شأنها أن تهدِّد سلامته الجسدية والنفسية وحياته.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي نقلت إدارة السجون بن مبارك من سجنه بولاية نابل إلى سجن آخر في ولاية الكاف، التي تبعد نحو 170 كيلومتراً عن العاصمة، ما فاقم من متاعب والده البالغ من العمر 80 عاماً في تنقله لزيارة ابنه. وطالبت منظمة العفو الدولية، في بيان لها، السلطات التونسية بتحمُّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية كاملة، وضمان حمايته الفورية، وتوفير الرعاية الطبية المستقلة والملائمة له، واحترام حقوقه الأساسية دون تأخير. وصدرت أحكام مُشدَّدة من محكمة الاستئناف ضد بن مبارك، والعشرات من قياديي المعارضة في قضية التآمر، تصل أقصاها إلى أكثر من 40 عاماً.


«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
TT

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)
خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

تسعى القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» الليبي إلى توسيع قاعدتها الشعبية والأمنية والعسكرية بجنوب البلاد في مواجهة القوات التابعة لسلطات العاصمة طرابلس، مستهدفة بذلك إحكام قبضتها على الحدود الجنوبية المترامية، والقضاء على تمرد تقوده «غرفة تحرير الجنوب»، التي يقودها محمد وردقو.

قيادات أمنية من «التبو» خلال لقائهم خالد حفتر (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

وأمام تحديات عديدة في الصحراء الجنوبية المترامية، اتجه «الجيش الوطني» إلى تعزيز علاقته مع بعض المكونات الاجتماعية، من بينها قبائل «التبو»، وإزالة أي شوائب قد علقت بعلاقتهما خلال السنوات الماضية.

وقالت رئاسة الأركان العامة للجيش إن رئيسها الفريق خالد حفتر، الذي التقى عدداً من قيادات «التبو»، شدد على «أهمية التنسيق المستمر، والتعاون بين القوى الأمنية والوحدات العسكرية بمناطق الجنوب».

ونقلت رئاسة الأركان أن خالد حفتر ثمّن جهود رجال الأمن من مختلف القبائل التي تساهم في ذلك، ومن بينهم أبناء «التبو»، وقال إنهم «لم يتأخروا في الدفاع عن الوطن وتقديم أرواحهم دونه، وقارعوا الإرهاب وساهموا في الانتصار عليه».

وخلال فبراير (شباط) الماضي تفجرت الأوضاع على نحو مفاجئ عند الحدود الجنوبية بين ليبيا والنيجر، كاشفة عن «لغم» أعاد التوتر الأمني إلى هذا الشريط الممتد على قرابة 340 كيلومتراً، بداية من النقطة الثلاثية مع الجزائر غرباً بالقرب من «ممر السلفادور»، وانتهاء عند النقطة الثلاثية مع تشاد شرقاً.

ويتمثل هذا «اللغم» فيما يسمى «غرفة تحرير الجنوب»، التي قادت هجوماً متزامناً في يناير (كانون الثاني) الماضي على ثلاث نقاط حدودية في الجنوب الليبي المحاذي للنيجر، والخاضعة لسيطرة «الجيش الوطني».

أحد أعيان قبيلة «أولاد سليمان» الليبية متحدثاً خلال لقاء صدام حفتر في سبتمبر 2025 (إعلام القيادة العامة)

وهذه النقاط الحدودية هي منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، الواقعة على الشريط الحدودي بين ليبيا والنيجر، حيث تتمركز قوات ركن حرس الحدود.

ومع تعاظم التحديات أمام «الجيش الوطني» بعمق الصحراء الجنوبية، بدأت قياداته في إذابة «خلافات الماضي» مع قبائل «التبو» والاهتمام بمشاكلها وأزماتها، من خلال لقاءات عديدة مع مشايخها.

وخلال لقائه بوزير الشؤون الأفريقية المفوض، عيسى عبد المجيد، وعدد من القيادات الأمنية من مكون «التبو» في مقر القيادة العامة بالرجمة، شدد خالد حفتر على أن الجيش «يثمّن تضحيات أهل الجنوب»، وقال بهذا الخصوص: «نعمل راهناً على حلحلة أي معوقات بهذه المنطقة الحيوية، حتى تزدهر وتتقدم وتنال نصيبها من الإعمار والأمن، وخصوصاً أنها مستهدفة».

ورغم تحدث خالد حفتر عن «صعوبة المهمة»، فإنه قال «إنها ليست مستحيلة؛ فبالإرادة والعزم والصدق يتحقق ما نريد، ويجب أن نكون يقظين وجاهزين دائماً لقطع الطريق على من يحاول النيل من قبائلنا، والزج بأبنائهم في صراعات وفتن لا تخدم الوطن، وتضر باستقراره».

ومن وقت لآخر، تطلّ ما تسمى قيادة «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على الليبيين ببيان، تتحدث فيه عن «انتصارات جديدة»؛ إذ ادعت مؤخراً أن قواتها المرابطة على الثغور «تمكنت من تطهير كامل الشريط الحدودي مع دولة النيجر الشقيقة، وفرض السيطرة النارية الكاملة على جميع المنافذ، والمعابر الحدودية في هذا القطاع الواسع»، وهي الرواية التي دحضها الجيش.

وكانت قبائل «التبو» قد أعلنت في نهاية فبراير الماضي تبرؤها من العناصر، التي انضمت إلى صفوف من وصفتهم بـ«المرتزقة» التابعين لـ«غرفة تحرير الجنوب»، وشددت على رفضها جر أبناء «التبو» إلى ما وصفتها بـ«محرقة عبثية»، أو صدام داخلي مع «مكونات فزان الأخرى».

وحدات من «اللواء الخامس مشاة» بـ«الجيش الوطني» الليبي تتجه إلى معبر التوم الحدودي في فبراير الماضي (رئاسة الأركان البرية)

وحمّلت القبائل حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، مسؤولية الزج بأبنائها في هذه الأحداث، وأكدت «التزامها بأمن واستقرار الجنوب الليبي ورفض الاقتتال».

وفي 24 أغسطس (آب) 2023 اشتكت قبائل «التبو» من اعتقالات تعسفية، طالت المئات من أبنائها على يد عناصر مسلحة شبه عسكرية تابعة لـ«الجيش الوطني»، احتجزتهم في قاعدة عسكرية في ظروف غير إنسانية، لكن القيادة العامة نفت الأمر في حينه.

ومنذ تصعيد خالد وصدام، نجلَي القائد العام لـ«الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، إلى قيادة المؤسسة العسكرية، وهما يعملان على تعزيز النفوذ في الأوساط الاجتماعية، ومن بينها قبائل «التبو»، و«أولاد سليمان»، و«الدرسة»، و«أولاد علي».


اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
TT

اجتماع عسكري جزائري - موريتاني للتنسيق الأمني وإدارة الحدود

صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»
صورة جماعية لمسؤولي البلدين نشرها الجيش الموريتاني من الاجتماع عبر «فيسبوك»

عقد وفدان عسكريان من الجزائر وموريتانيا اجتماعاً في مدينة تندوف، أقصى جنوب غربي الجزائر، بالقرب من الحدود بين البلدين، بهدف «تطوير التنسيق الأمني المشترك»، وفق ما أعلن الجيش الموريتاني في برقية إخبارية.

وقال الجيش الموريتاني في برقية عبر صفحته على «فيسبوك»، إن الاجتماع كان هو «اللقاء الأمني التنسيقي الأول لسنة 2026»، وذلك في إشارة إلى الاجتماعات الأمنية، التي يعقدها قادة المؤسسة العسكرية في البلدين.

الوفدان العسكريان بحثا سبل «تطوير التنسيق الأمني المشترك» بين البلدين (الجيش الموريتاني)

وأضاف الجيش أن اللقاء شارك فيه وفد من الجيش الموريتاني، يرأسه العقيد الشيخ سيدي بوي السالك؛ قائد المنطقة العسكرية الثانية، وهي المنطقة المحاذية للحدود مع الجزائر، كما شارك فيه وفد من الجيش الوطني الشعبي الجزائري، برئاسة اللواء مراجي كمال؛ قائد القطاع العملياتي الجنوبي بتندوف، المنطقة المحاذية للحدود مع موريتانيا.

وأوضح الجيش الموريتاني أن الجانبين ناقشا خلال اللقاء «سبل تطوير آليات التنسيق الأمني المشترك، القائم بين جيشي البلدين الشقيقين في المنطقة الحدودية المشتركة».

ويأتي هذا الاجتماع في وقت يواجه البلدان تحديات مشتركة، تتمثل في خطر التنظيمات الإرهابية المسيطرة على مناطق من دول الساحل القريبة، خصوصاً دولة مالي المحاذية لكل من الجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى خطر شبكات الجريمة المنظمة والعابرة للحدود، وشبكات تهريب المخدرات والبشر والسلاح، التي تنشط في منطقة الصحراء الكبرى.

تحية العلم الجزائري قبيل بدء الاجتماع (الجيش الموريتاني)

ومنذ 2016 ظهرت عمليات التنقيب الأهلي عن الذهب في موريتانيا، وأصبحت تستقطب عشرات آلاف الشبان، الذين يخاطرون بدخول مناطق عسكرية مغلقة، وتجاوز الحدود بين الجزائر وموريتانيا للتنقيب داخل أراضي الجزائر، وهو ما عرّض بعضاً منهم للاعتقال على يد الجيش الجزائري.

ويشكل التنقيب الأهلي عن الذهب واحداً من أهم الملفات التي تدار بحذر على طرفي الحدود بين البلدين، وذلك في ظل مخاوف من دخول تنظيمات متطرفة أو شبكات إجرامية على الخط، واستغلال نشاط التنقيب من أجل تمويل أنشطتها.

ولمواجهة هذا التحدي، وقع البلدان منذ أبريل (نيسان) 2021 بنواكشوط، مذكرة تفاهم لإنشاء لجنة حدودية مشتركة، تعني بتنسيق وتطوير التعاون في مجالات الأمن والاقتصاد، والثقافة وتسيير الأزمات بالمناطق الحدودية.

وأعلن آنذاك أن الهدف من هذه اللجنة هو تعزيز التبادلات الاقتصادية والتجارية والثقافية والرياضية بين المناطق الحدودية، إلى جانب تأمين الحدود المشتركة، ومكافحة الجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية، في إطار مواجهة التحديات الأمنية والتنموية.

من جهة أخرى، يأتي هذا اللقاء الأمني بعد انعقاد اللجنة الثنائية للتعاون بين البلدين، مطلع أبريل الحالي في الجزائر، حيث ناقش البلدان ملفات التعاون المشترك، التي يعد من أهمها الطريق البري الرابط بين مدينة تندوف الجزائرية ومدينة أزويرات الموريتانية.

ويوصف هذا المشروع بأنه واحد من أهم المشاريع التنموية التي تربط البلدين، وتسعى الجزائر من ورائه للوصول إلى السوق في دول غرب أفريقيا عبر موريتانيا، كما ترغب نواكشوط في تنويع وارداتها المحلية عبر الانفتاح أكثر على السوق الجزائرية.

ويمتد الطريق على مسافة تصل إلى 850 كيلومتراً، وسط صحراء وعرة وغير مأهولة، ويتولى تنفيذه أكثر من 10 شركات جزائرية، ورغم أن الأشغال مستمرة في الطريق، فإنه يواجه تحديات كبيرة بسبب صعوبة البيئة التي يشيد فيها.

وأكدت السلطات الجزائرية العام الماضي، أنها تسعى لإكمال الأشغال في الطريق في أجل أقصاه شهر يوليو (تموز) من العام الحالي؛ أي في غضون 3 أشهر فقط، فيما تشير التوقعات إلى إمكانية تأخر موعد التسليم.