مصر واليونان تؤكدان «اتساق مواقفهما» في «شرق المتوسط»

قمة السيسي وميتسوتاكيس الأولى منذ التقارب بين القاهرة وأنقرة

مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)
مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)
TT

مصر واليونان تؤكدان «اتساق مواقفهما» في «شرق المتوسط»

مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)
مباحثات السيسي وكيرياكوس ميتسوتاكيس بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

استضافت مدينة العلمين الجديدة (شمال غربي مصر)، قمة مصرية يونانية بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، وهذه القمة هي الأولى عقب فوز الأخير بالانتخابات النيابية اليونانية للمرة الثانية، كما أن القمة تأتي في أعقاب تقارب مصري تركي، وترفيع التمثيل الدبلوماسي بين البلدين إلى مستوى السفراء.

ووفق المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، أحمد فهمي، فإن المباحثات شهدت «تبادلاً للرؤى ووجهات النظر تجاه الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك»، لافتاً إلى «اتساق مواقف الدولتين في منطقة (شرق المتوسط)»، مع تأكيد أن منتدى غاز شرق المتوسط «يمثل إحدى أهم الأدوات في هذا الإطار».

وأضاف متحدث «الرئاسة المصرية»، الخميس، أن القمة ناقشت كذلك تطورات «ظاهرة (الهجرة غير المشروعة) في حوض البحر المتوسط»، حيث ثمَّن رئيس الوزراء اليوناني «ما تقوم به مصر من جهود لمواجهة هذه الظاهرة، خاصة في ضوء ما تفرضه من أعباء، بسبب استضافة ملايين اللاجئين على أرض مصر». وأشار إلى أن المباحثات تناولت كذلك عدداً من القضايا ذات الاهتمام المتبادل، وعلى رأسها «التبعات العالمية لتطورات الأزمة الروسية الأوكرانية، فضلاً عن مستجدّات الأزمات القائمة في المنطقة، خاصة ليبيا»، حيث أكد السيسي موقف مصر بـ«دعم المسار السياسي، وأهمية إجراء الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والبرلماني، وخروج كل القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، واستعادة ليبيا سيادتها ووحدة أراضيها واستقرارها».

الرئيس المصري خلال استقباله رئيس الوزراء اليوناني بمدينة العلمين الجديدة (الرئاسة المصرية)

وذكر متحدث «الرئاسة المصرية» أن اللقاء شهد التباحث حول سبل تعزيز آفاق التعاون الثنائي بين البلدين، حيث جرى «تأكيد الحرص المتبادل على سرعة تفعيل وتنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقَّعة بين البلدين، واستمرار دفع التعاون في مجالات التعاون العسكري والاقتصادي والثقافي، إلى جانب ملف الطاقة وما يتعلق بالغاز الطبيعي والربط الكهربائي، وكذا التعاون في قطاعات التحول الأخضر».

تأتي القمة المصرية اليونانية في أعقاب تقارب بين مصر وتركيا تُوّج باستئناف البلدين، الشهر الماضي، التمثيل الدبلوماسي على مستوى السفراء، بعد نحو 10 أعوام من القطيعة، علاوة على توجيه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان دعوة إلى نظيره المصري لزيارة بلاده، وفق ما أعلنه السفير التركي في القاهرة صالح موتلو شان، قبل أسابيع، وهي الزيارة التي لم تتمَّ إلى الآن، أو يعلَن رسمياً عن موعدها.

وعلى عكس العلاقات بين مصر واليونان وقبرص، التي «تشهد نمواً لافتاً، خلال السنوات العشر الأخيرة»، فإن العلاقات بين الدولتين الأوروبيتين وتركيا «تشهد توتراً متكرراً»؛ بسبب ما يوصَف بأنه «نشاط تركي غير مشروع»، للتنقيب عن الغاز في مناطق بحرية تقول أثينا ونيقوسيا إنها «خاضعة لسيادتهما».

وأكد الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلاقات الدولية والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أهمية القمة المصرية اليونانية ورمزيتها في تأكيد التعاون بين البلدين باعتباره أحد أطر التعاون الفعال في منطقة شرق المتوسط، ومن بين الركائز التي أثبتت فعاليتها في الحفاظ على أمن تلك المنطقة التي تزداد أهميتها الجيواستراتيجية في ضوء الاكتشافات الكبيرة للغاز.

ويوضح فهمي، لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر «دولة مسؤولة في إقليمها، وتدير علاقاتها الثنائية بنوع من (التوازن والرشد)»، ولهذا فإن أي تطوير للعلاقات المصرية التركية «لن يكون على حسابات علاقات مصر مع اليونان وقبرص»، لافتاً إلى أن تلك العلاقات باتت «جماعية وراسخة، بموجب اتفاقات دولية، فضلاً عن تحقيقها مصالح ذات أولوية للقاهرة، اتصالاً بالانفتاح المصري على الساحة الأوروبية، وتطلُّع مصر إلى مزيد من تعميق الشراكة مع دول شمال المتوسط».

وشهدت العلاقات المصرية اليونانية نمواً ملموساً، خلال السنوات الماضية، إذ قفزت قيمة التبادل التجاري بين البلدين، وفقاً لإحصاءات رسمية مصرية، بنسبة «بلغت 112.8 في المائة خلال عام2021»، وتحتل الاستثمارات اليونانية في مصر المركز الخامس بين دول «الاتحاد الأوروبي»، وسط مساعٍ معلَنة من الجانبين لزيادة حجم الاستثمارات بمقدار 5 أضعاف.

كما تُجري مصر واليونان وقبرص تدريبات عسكرية بحرية وجوية منتظمة في البحر المتوسط، تحت اسم «ميدوزا»، وهو ما يُعدّ أحد أبرز الأنشطة المشتركة للقوات المسلَّحة بالدول الثلاث.

ويعتقد الدكتور عبد اللطيف درويش، أستاذ الاقتصاد وإدارة الأزمات بجامعة كارديف متروبوليتان البريطانية، المقيم في العاصمة اليونانية، أن التقارب المصري التركي «قد يحمل بعض الهواجس بالنسبة لأثينا»، مشيراً إلى أن «اليونان كانت تنظر إلى الخلاف المصري التركي على أنه (يصبّ في مصلحتها)، ولا ترى في التقارب بين القاهرة وأنقرة (إيجابية)».

وأضاف درويش، لـ«الشرق الأوسط»، أن «ثمة متغيرات كبيرة تجري في منطقة شرق المتوسط، ومن بينها الرغبة الأوروبية الأميركية المشتركة في تهدئة الأجواء بين تركيا واليونان». ويلفت، في هذا الصدد، إلى اللقاء الأخير بين الرئيس التركي، ورئيس الوزراء اليوناني، على هامش «قمة الناتو»، الشهر الماضي، إضافة إلى موجة التسويات التي تشهدها المنطقة، ومن بينها التقارب المصري التركي، وجميعها أمور «قد تكون لها انعكاسات على مستقبل بناء العلاقات بين دول المتوسط، والاستفادة من ثروات المنطقة البحرية، من خلال خفض التوتر، أو احتمال انضمام تركيا إلى (منتدى غاز شرق المتوسط)».

عودة إلى طارق فهمي، الذي يرى أن تركيا «لن تدخل (منتدى غاز شرق المتوسط) إلا بموافقة الدول الأعضاء في المنتدى، وبعد تسوية عدد من الملفات العالقة، ومن بينها الاعتراف بقبرص، وترسيم الحدود البحرية مع اليونان وقبرص ودول شرق المتوسط، وهي ملفات شائكة ومتداخلة».

وتأسس «منتدى شرق المتوسط للغاز (EMGF)» عام 2019، وتستضيف القاهرة مقره، وشاركت في تأسيسه 6 دول، بالإضافة إلى مصر، هي: إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين، على أن «تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب بذلك بعد استيفاء إجراءات العضوية اللازمة، وفق إعلان القاهرة المؤسس للمنتدى.

ويثير ترسيم الحدود خلافات سياسية وقانونية بين دول شرق المتوسط، إذ سبق لتركيا أن أعلنت اعتراضها على توقيع مصر واليونان، في أغسطس (آب) 2020، اتفاقاً لترسيم الحدود البحرية بينهما، بعد ما يقرب من 13 جولة تفاوضية، خلال أكثر من 15 عاماً، في حين رفضت مصر واليونان وقبرص اتفاقاً وقّعته تركيا في ديسمبر (كانون الأول) 2019 مع حكومة «الوفاق الوطني» الليبية لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط.


مقالات ذات صلة

السيسي يحذر من محاولات «إسقاط مصر» وينفي «عسكرة الدولة»

شمال افريقيا السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

السيسي يحذر من محاولات «إسقاط مصر» وينفي «عسكرة الدولة»

حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من محاولات مستمرة لإسقاط مصر، وذلك خلال حفل، شهده الخميس، لتخريج قضاة ضمن دورة تدريبية بالأكاديمية العسكرية المصرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
تحليل إخباري مقر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر (صفحة الوزارة على فيسبوك)

تحليل إخباري التوسع في استقدام الطلاب الوافدين... هل «يجور» على حقوق المصريين؟

أثارت خطط حكومية للتوسع في استقطاب الطلاب الوافدين إلى الجامعات المصرية جدلاً بشأن مدى تأثير زيادة أعدادهم على فرص الطلاب المصريين.

منى أبو النصر (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع وزيري الري المصري والسوداني في القاهرة الأربعاء (صفحة وزارة الري المصرية على «فيسبوك»)

تحذير مصري - سوداني من المساس بـ«الحقوق المائية» للبلدين

أكد وزير الري المصري، هاني سويلم، خلال لقاء نظيره السوداني عصمت قرشي عبد الله في القاهرة، الأربعاء، «حقوق بلديهما التاريخية في مياه النيل».

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري أكد لنظيره الفلسطيني الأربعاء دعم بلاده للسلطة الوطنية الفلسطينية (الرئاسة المصرية)

«قمة السيسي-عباس» بالقاهرة: المصالحة الفلسطينية أولوية الفترة المقبلة

استحوذ ملف المصالحة الفلسطينية على جزء من محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الفلسطيني محمود عباس.

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي وفد دبلوماسي مصر رفيع يزور دمشق (وكالة الأنباء السورية)

مصر وسوريا... لقاءات رسمية متتالية تدفع وتيرة التعاون

تدفع لقاءات رسمية متتالية جرت مؤخراً بين مسؤولين بمصر وسوريا وتيرة التعاون الثنائي بين البلدين بعد فترة جمود حسب مصدر دبلوماسي مصري ومراقبين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

السيسي يحذر من محاولات «إسقاط مصر» وينفي «عسكرة الدولة»

السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)
السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يحذر من محاولات «إسقاط مصر» وينفي «عسكرة الدولة»

السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)
السيسي في زيارة سابقة إلى الأكاديمية العسكرية المصرية بالعاصمة الجديدة (الرئاسة المصرية)

حذر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، من محاولات مستمرة لإسقاط مصر، قائلاً خلال حفل حضره، الخميس، لتخريج قضاة ضمن دورة تدريبية بالأكاديمية العسكرية المصرية، إن ما حدث في الفترة الممتدة من 2011 – 2013 «لم ينته»، موضحاً أن خطته لم تتوقف، وأن «الإلحاح لإسقاط الدولة لا يزال موجوداً».

وأشار السيسي إلى الأحداث التي شهدتها البلاد في 25 يناير (كانون الثاني) 2011، والتي أطاحت بالرئيس الراحل حسني مبارك، وما تلاها من أعمال عنف وصعود جماعة «الإخوان» المحظورة إلى الحكم، قبل إسقاطها عام 2013.

وشدد على «ضرورة أن يكون الشعب والأسر واعين ومنتبهين لذلك»، مؤكداً أن «المسؤولية تقع على الجميع، وليس فقط على المسؤولين والمفكرين والإعلاميين».

وبرر الرئيس المصري إلزامية الدورات التدريبية، التي تقدمها الأكاديمية العسكرية المصرية لقادة وموظفي الدولة في التخصصات المختلفة، والتي أثارت تحفظات البعض، قائلاً إن «الأكاديمية تعتبر معبراً لتولي الوظائف في الدولة المصرية، وهذا الأمر كان من الطبيعي أن يكون في البداية مستغرباً وغير واضح، إلا أن التأثير المتوقع لهذه الفكرة سيتم الشعور به بعد سنوات».

وأكد أنه حينما تم طرح قيام الأكاديمية بهذا الدور، وأن تكون معبراً لكل مؤسسات الدولة، سواء للقضاء أو لوزارة الخارجية أو هيئة الرقابة الإدارية، أو غيرها من مؤسسات الدولة، فإن الهدف كان هو «تطبيق وتنفيذ معايير واحدة على الجميع»، موضحاً أنه «تم وضع معايير تفصيلية لاختيار الشباب، أو الشابات في كل وزارة وفقاً لمتطلباتها، وكان الهدف إيجاد كيان جديد يطبق معايير صادقة لا تجامل، ولا تحابي أحداً».

وكان السيسي أعلن، في يناير الماضي، انضمام القضاة إلى برامج الأكاديمية، بعد أزمة في الأوساط القضائية، ارتبطت بما أُشيع حول احتمال إسناد ملف تعيينات النيابة العامة إلى «الأكاديمية العسكرية المصرية».

وأبدى بعض القضاة تحفظهم على قرار أصدره مجلس الوزراء المصري في أبريل (نيسان) 2023، نص على استحداث شرط جديد في جميع جهات وقطاعات وهيئات الدولة، وهو حصول المعينين الجدد، بما في ذلك القضاة، على دورة تأهيلية في الأكاديمية العسكرية بالقاهرة لمدة 6 أشهر.

ورد السيسي على تلك التحفظات، الخميس، قائلاً: «إذا أردنا إجراء إصلاح حقيقي لمؤسسات الدولة فلا بد من وجود مسار جاد، ويعتبر عامل الوقت لتنفيذه أمراً حاسماً، وهذا الإصلاح، خاصة في الدول التي يوجد فيها ملايين المواطنين، سوف يستغرق وقتاً، ولذلك ينبغي على الجميع إدراك ذلك».

في سياق ذلك، نفى الرئيس المصري «عسكرة الدولة»، قائلاً إنه «يتعين على الجميع التنبه إلى أن ما حدث ما بين 2011 - 2013 لم ينته، والإلحاح على إسقاط الدولة ما زال موجوداً».

مضيفاً أن «الهدف من دورات الأكاديمية كذلك هو إعطاء فرصة لمؤسسات الدولة لأن تتعايش مع بعضها البعض، وأن يرى المتدربون مسارات متعددة»، ومؤكداً أن «فترات التدريب سوف يترتب عليها بالقطع تحقيق استفادة، ومزيداً من التماسك، وفهماً لأواصر الدولة بشكل أعمق».

وأضاف الرئيسي السيسي موضحاً: «في عام 2011، شهدت مصر ممارسات خطيرة للغاية، وواجهت مشكلات كبيرة، إلا أن الله سبحانه وتعالى أراد أن تنجو مصر دون غيرها»، مبرزاً أن «ما حدث مع دول أخرى كان مرتباً ومخططاً، لكن مصر نجت بفضل الله، وهذا يلقي مسؤولية علينا، خاصة أن موارد مصر لا تسمح بمواجهة تحديات ممتدة».

وتقدم الأكاديمية العسكرية، بحسب السيسي، برامج شارك في وضعها علماء النفس والاجتماع. موضحاً أن من أهداف الدورات التي تقدمها «تحصين الشباب ضد فكرة تخريب مصر على نحو ما كان مدبراً لمصر عامي 2011 و2012».


المغرب وإسرائيل يقرران رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية

لقاء وزيرَي خارجية المغرب وإسرائيل الذي عُقد في نيويورك برعاية أميركية (الخارجية الإسرائيلية)
لقاء وزيرَي خارجية المغرب وإسرائيل الذي عُقد في نيويورك برعاية أميركية (الخارجية الإسرائيلية)
TT

المغرب وإسرائيل يقرران رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية

لقاء وزيرَي خارجية المغرب وإسرائيل الذي عُقد في نيويورك برعاية أميركية (الخارجية الإسرائيلية)
لقاء وزيرَي خارجية المغرب وإسرائيل الذي عُقد في نيويورك برعاية أميركية (الخارجية الإسرائيلية)

أعلنت إسرائيل، أمس (الأربعاء)، أنَّها اتفقت مع المغرب على رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي، وتبادل فتح السفارات، وذلك إثر لقاء بين وزيرَي خارجية البلدين عُقد في نيويورك برعاية أميركية.

وكان البلدان قد أعلنا في ديسمبر (كانون الأول) 2020 تطبيع العلاقات، وذلك في إطار اتفاقات أبراهام، التي تمَّ توقيعها برعاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب إبان ولايته الأولى. كما أفضت هذه الاتفاقات إلى تطبيع العلاقات بين الدولة العبرية، وكل من الإمارات والبحرين والسودان.

وجاء في بيان أصدرته وزارة الخارجية الإسرائيلية أن وزير الخارجية جدعون ساعر عقد في نيويورك قمة دبلوماسية ثلاثية مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، بدعوة من السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز.

وقال البيان إن الدول الثلاث «جدَّدت تأكيد التزامها بمجموعة من التدابير، الرامية إلى تعزيز العلاقات بين إسرائيل والمغرب، بما يشمل رفع مستوى البعثتين الدبلوماسيَّتين المتبادلتين إلى مستوى سفارتين، وتعيين سفيرين».

وأضاف البيان أنه تم الاتفاق أيضاً ⁠على «توسيع ⁠الرحلات الجوية بين إسرائيل والمغرب، لتشمل رحلات تسيِّرها شركات طيران مغربية، على أن تدخل هذه الخطوة حيز التنفيذ بحلول نهاية عام 2026».

لقاء وزيرَي خارجية المغرب وإسرائيل في نيويورك (الخارجية الإسرائيلية)

وأوضح البيان أيضاً أن إسرائيل والمغرب «اتفقا على استكمال اتفاقيَّتين بشأن حماية الاستثمارات، ومنع الازدواج الضريبي بحلول نهاية عام 2026، بما من شأنه تسهيل الاستثمارات المتبادلة، ودفع العلاقات الاقتصادية والتجارية ​بين البلدين ​والشعبين قدماً»، وإبرام اتفاقات اقتصادية بين البلدين قبل نهاية عام 2026، إضافة إلى زيادة عدد الرحلات المباشرة بينهما، وإجراء زيارات متبادلة رفيعة المستوى بين البلدين خلال الأشهر المقبلة. ولم يأتِ على ذكر أي مواعيد لإقامة السفارتين. كما لم يصدر بعد أي تعليق عن المغرب.

وجاءت قمة نيويورك غداة فعالية أقامها السفير والتز في مقر إقامته بمناسبة الذكرى السادسة لاتفاقات أبراهام، بمشاركة ممثلين عن الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب وكازاخستان وإسرائيل والولايات المتحدة.

وبهذه المناسبة قال ‏وزير الخارجية الإسرائيلي إن الصداقة بين الشعبين المغربي واليهودي «ضاربة بجذورها عميقاً في التاريخ، ولها إرث غني. والإعلان الذي وقَّعناه اليوم يرسم خطوات عملية للارتقاء بالعلاقات بين إسرائيل والمغرب، بما يخدم مصلحة الشعبين، وسنعمل على تنفيذه».

وجاء في بيان مشترك صدر بعد اللقاء أن «إقامة علاقات دبلوماسية كاملة سلمية وودية بين إسرائيل والمغرب تصب في مصلحة الدولتين، وستعود بالفائدة على قضية السلام، وتفتح فرصاً جديدة للمنطقة بأكملها»، مبرزاً أن الدولتين «تلتزمان بتعزيز السلام والعلاقات الودية، والسعي لتحقيق رؤية السلام والرخاء والأمن في المنطقة وحول العالم».

وفي هذا السياق قال ساعر عبر تطبيق «إكس»: «إن هذه الخطوات المهمة ستعزز العلاقات بين الدولتين. والعلاقة بين إسرائيل والمغرب مهمة، وتنطوي على إمكانات كبيرة لشعبَي الدولتين. ونشكر أصدقاءنا الأميركيين على مساهمتهم المهمة لتعزيز هذه العلاقة».

ويعيد إعلان سبتمبر (أيلول) 2026 طرح مسألة رفع العلاقات إلى مستوى السفارات، التي كانت قد أُثيرت بشكل واضح منذ زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي السابق يائير لبيد إلى الرباط عام 2021. لكن الفارق هذه المرة هو أن الإعلان الإسرائيلي يتحدَّث عن اتفاق بين الطرفين على تحويل البعثتين إلى سفارتين، وتعيين سفيرين، وليس مجرد نية أو توجه مستقبلي.

وبحسب مراقبين، يعكس هذا الاتفاق استمرار الدور الأميركي في مسار العلاقات المغربية - الإسرائيلية منذ استئنافها في ديسمبر 2020.


هل ينهض القطاع الصحي في السودان من تحت الأنقاض؟

مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)
مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)
TT

هل ينهض القطاع الصحي في السودان من تحت الأنقاض؟

مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)
مدخل مجمع الإصابات والحوادث بمستشفى أم درمان (الشرق الأوسط)

بين مستشفيات أعادت فتح أبوابها بعد تعرضها للتدمير والنهب، ومرافق لا تزال تكافح نقص الكهرباء والأجهزة والأدوية والكوادر، تظهر في السودان صورتان متناقضتان لنظام صحي أنهكه أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة.

ففي الخرطوم، بدأت مستشفيات مرجعية تستعيد نشاطها تدريجياً مع عودة السكان وانحسار المعارك عن أجزاء واسعة من العاصمة، بينما تبدو الصورة أكثر قتامة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، حيث لا يزال القتال ونقص التمويل وصعوبة الوصول إلى المرافق يحرم قطاعات واسعة من السكان من الرعاية الصحية.

وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 37 في المائة من المرافق الصحية في السودان لا تعمل، فيما يحتاج نحو 21 مليون شخص إلى خدمات طبية، وسط نقص الأدوية وارتفاع تكلفة الوصول إلى العلاج.

لكن المنظمة ترصد، في الوقت نفسه، تحسناً في بعض الولايات مع بدء جهود التعافي المبكر وإعادة تأهيل المرافق، وهي مفارقة تجعل السؤال أكثر تعقيداً: «هل بدأ النظام الصحي السوداني بالفعل في التعافي، أم أن ما يحدث هو استعادة جزئية للخدمات في المناطق التي ابتعدت عنها الحرب؟».

كوادر صحية داخل مستشفى أم درمان التعليمي (الشرق الأوسط)

مستشفيات تتعافى

في مستشفى أم درمان التعليمي، أحد أكبر المستشفيات المرجعية في العاصمة، تبدو مؤشرات العودة واضحة، ويقول مديره العام عبد المنعم علي القاسم، لـ«الشرق الأوسط»، إن المستشفى تعرض خلال الحرب لتدمير واسع طال البنية التحتية والأجهزة والمعدات وشبكات الكهرباء والكوابل والمولدات، قبل أن تبدأ في 2024 عملية تأهيل قسم الحوادث لاستقبال المرضى، بينما ظلت أجزاء أخرى من المستشفى مدمرة.

وبدعم من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية وشريكه الوطني منظمة «كفاءات»، حصل المستشفى في يوليو (تموز) 2025 على مولد كهربائي بقدرة 730 كيلوفولت/أمبير، إلى جانب معدات للعناية المكثفة والحوادث والمختبر، ضمن دعم يقول القاسم إن قيمته بلغت نحو مليون دولار.

وانعكس استقرار الكهرباء، وفق القاسم، مباشرةً على الخدمات، فتراجعت فترة انتظار نتائج الفحوصات المخبرية من أربع إلى ست ساعات إلى نحو ساعة وربع، وأُجريت نحو 500 عملية جراحية خلال الشهر الأول من الدعم، قبل أن يرتفع العدد إلى ما بين ألف و1500 عملية شهرياً، بمتوسط يومي يصل إلى ما بين 40 و50 عملية.

ويستقبل المستشفى حالياً نحو 600 مريض يومياً، فيما دخل 11 سريراً للعناية المكثفة الخدمة من أصل 15، ويجري تجهيز الأربعة المتبقية.

كما حصل المستشفى على محطة متكاملة لإنتاج الأكسجين، ودشن مركزاً للأطراف الصناعية بطاقة إنتاجية تصل إلى 50 طرفاً شهرياً خلال الوردية الواحدة، ويمكن مضاعفتها بتشغيل ورديتين.

لكن عودة النشاط لا تعني انتهاء المشكلات، فالمستشفى لا يزال، وفق مديره، يعاني نقص العنابر والحاجة إلى الوقود، إلى جانب تذبذب الكهرباء، بينما تؤدي عودة السكان إلى زيادة الضغط على المرافق التي استعادت نشاطها.

اختصاصي المختبرات الطبية الطيب يوسف (الطيب يوسف)

مبانٍ عادت... ونواقص تنتظر

الصورة نفسها تتكرر في مستشفى بحري التعليمي، الذي أُعيد إعماره وتشغيله بعد تعرضه لدمار واسع خلال الحرب، ويقول مديره العام أحمد البشير لـ«الشرق الأوسط»، إن المستشفى بسعته البالغة 640 سريراً و20 غرفة عمليات، لا يزال يحتاج إلى أجهزة ومعدات للعناية المكثفة، لرفع قدرته على استقبال الحالات على مدار الساعة، فضلاً عن مصدر احتياطي للكهرباء.

ويحتاج المستشفى كذلك إلى استكمال شبكة الصرف الصحي، وربطها بالشبكة العامة، أو توفير ناقلات للتخلص من مياه الصرف، فيما تسعى الإدارة إلى تحويل مجمع الحوادث إلى مركز للتدريب المهني المستمر لتعويض جانب من الكوادر التي فقدها المستشفى خلال الحرب.

وتكشف هذه التفاصيل عن واحدة من أبرز معضلات إعادة بناء النظام الصحي، فإصلاح المبنى وإعادة فتح أبوابه لا يعنيان بالضرورة استعادة كامل قدرته على تقديم الخدمات.

مرافقون للمرضى مستشفى أم درمان التعليمي (الشرق الأوسط)

صورة قاتمة خارج المستشفيات الكبرى

على مسافة من المستشفيات المرجعية الكبرى التي بدأت تستعيد نشاطها، يمكن أن تختلف الصورة حتى داخل ولاية الخرطوم نفسها؛ ففي «فتاشة» بغرب أم درمان، انتظرت إيمان ثلاثة أيام فيما كان ابنها يعاني حمى شديدة وسعالاً يزداد سوءاً، لأن أقرب مرفق صحي لا يقدم الخدمات التي يحتاج إليها. وقالت إيمان، في شهادة نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في ديسمبر (كانون الأول) 2025، إن المركز الصحي الوحيد في المنطقة لا يملك سوى عامل صحي واحد، ولا تتوفر فيه خدمات التطعيم والتغذية والأدوية والصيدلية والمختبر. ولم تجد الأم خياراً سوى انتظار عيادة متنقلة مدعومة من «يونيسف» تزور المنطقة مرتين شهرياً. ورغم مرور الوقت على تلك الشهادة، فإن المعاناة نفسها لا تزال مستمرة لتكشف عن الفجوة الكبيرة بين عودة المستشفيات الكبيرة في قلب العاصمة وتلك التي تقع على أطراف الولاية.

المسافة تصبح أكثر وضوحاً خارج الخرطوم؛ ففي مركز الثورة الصحي بمحلية حلفا الجديدة في ولاية كسلا، تروي نور، وهي حامل بطفلها الثامن، أنها كانت تضطر في السابق إلى شراء مكملات الحديد التي يصفها الأطباء خلال الحمل، لكنها كانت أحياناً تتوقف عن تناولها لأنها لا تملك ثمنها.

أرشيفية لطفل سوداني فرّ من مدينة الفاشر مع عائلته يتلقى العلاج في مخيم بمدينة الطويلة (أ.ب)

وقالت نور في شهادة نشرتها «يونيسف» في يوليو 2025 إن توفير الأدوية مجاناً أصبح يمثل ارتياحاً كبيراً للأسرة، بعدما كانت تكلفة العلاج تَحول دون حصولها على الدواء.

وفي المركز نفسه، قالت عائشة، وهي أم حصلت على أدوية لأطفالها، إن تلقي العلاج مجاناً يمثل مساعدة كبيرة في ظل الظروف الاقتصادية التي تواجهها الأسر.

وفي ولاية النيل الأبيض، تواجه الأسر مشكلة أخرى هي المسافة، ففي يناير (كانون الثاني) 2026، وثَّقت «يونيسف» رحلة زهرة بصحبة ابنتها أمينة، البالغة تسعة أشهر، للحصول على التطعيم.

تستغرق زهرة نحو ساعتين للوصول إلى أقرب مرفق صحي من منزلها، بعدما كانت تضطر سابقاً إلى السفر إلى مدينة الجبلين بحثاً عن الخدمة.

وفي المنطقة نفسها، وصلت أم أخرى تدعى أمينة بطفلتها عائشة، البالغة عامين، بعدما أُصيبت بإسهال وقيء شديدين وأصبحت ضعيفة إلى درجة أنها لم تعد قادرة على المشي، وبعد إدخالها إلى مركز للاستقرار وتلقي العلاج والحليب العلاجي، بدأت الطفلة تستعيد قوتها.

العناية المكثفة بمستشفى بحري التعليمي (الشرق الأوسط)

الفاشر... وولادة تحت شجرة

القسوة تبلغ أقصى درجاتها في مناطق الحرب والنزوح؛ فقد روت «أماني»، وهي أم نازحة من شمال دارفور، كيف اضطرت إلى التنقل مع أسرتها هربا من القتال في الفاشر، بينما كانت في الشهور الأخيرة من الحمل.

وقالت في شهادة نشرتها «يونيسف» في أغسطس (آب) 2025، إن الأسرة مرَّت بأيام لم تجد فيها الطعام أو الماء أو من يقدم لها المساعدة، وخلال رحلة النزوح بين شارقة وطويلة بدأت آلام المخاض، ولم يكن هناك مستشفى أو عاملون صحيون في المكان.

ووضعت أماني طفلتها على جانب الطريق، تحت شجرة وفوق حصيرة صغيرة، بمساعدة والدتها وبعض السكان، وقالت إنها لم تكن تعرف في أثناء الولادة إن كانت ستعيش أم ستموت، أو ماذا سيحدث لأطفالها إن فارقت الحياة.

وبعد الولادة كانت أضعف من أن تحمل مولودتها أو تواصل الرحلة، فاضطرت إلى التوقف نحو أسبوع قبل أن تتمكن من الوصول مع أسرتها إلى طويلة.

وتجسد تجربتها الوجه الآخر تماماً للصورة التي تقدمها المستشفيات المستعيدة لنشاطها في الخرطوم، ففي مناطق الحرب لا يتعلق الأمر بجودة الخدمة أو توفر الأجهزة فحسب، وإنما بوجود مرفق صحي من الأساس.

أرشيفية للاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم في تشاد (رويترز)

خلاف حول تعريف «الانهيار»

وتقف هذه الفوارق في قلب الخلاف حول توصيف وضع القطاع، فقد حذرت منظمة «أطباء بلا حدود» من أن خفض تمويل المساعدات يدفع مزيداً من المرافق الصحية إلى الإغلاق ويحرم ملايين السودانيين من الرعاية الأساسية.

وتقول المنظمة إن خطة الاستجابة الإنسانية للسودان، البالغة 2.87 مليار دولار، لم تحصل، حتى 11 أغسطس، إلا على نحو 41 في المائة من التمويل المطلوب.

لكن وزير الصحة السوداني هيثم محمد إبراهيم يرى أن تقرير «أطباء بلا حدود» يتناول بدرجة كبرى أنشطة المنظمة وظروف عملها، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يعكس وحده واقع القطاع الصحي في البلاد».

ويرفض مدير مستشفى أم درمان عبد المنعم القاسم، بدوره وصف النظام بأنه «على شفا الانهيار»، ويقول إن القطاع يعاني بالفعل نقصاً كبيراً في الموارد، لكنه بدأ يتعافى تدريجياً نتيجة جهود الدولة والمنظمات الوطنية والإقليمية والدولية.

ويتفق معه مدير مستشفى بحري أحمد البشير في القول إن «وصف الانهيار غير دقيق»، لكنه يُقرّ في الوقت نفسه بالحاجة إلى توسيع الدعم للمستشفيات المرجعية وتوفير الأجهزة والتخصصات الدقيقة.

من داخل مستشفى أم درمان التعليمي (الشرق الأوسط)

مريضة سرطان تبحث عن دواء

بالنسبة إلى المرضى، لا يقاس التعافي بعدد المستشفيات التي أُعيد فتحها وحده، وإنما بما إذا كانوا يجدون العلاج عندما يصلون إليها، ففي يوليو 2026، كانت نائلة حمد، المصابة بسرطان عنق الرحم، تتلقى العلاج الكيميائي في مستشفى الخرطوم للأورام المعروف بـ«الذرة»، بينما كانت ابنتها إيثار السر تبحث خارج المستشفى عن دواء مكمل للعلاج لم يكن متوفراً داخله.

وقالت إيثار في شهادة وثقتها وكالة «رويترز» إن الأسرة وجدت الدواء خارج المستشفى بنحو 180 ألف جنيه سوداني -أي نحو 45 دولاراً وقتها- بسعر السوق وقتها، وإن والدتها تحتاج إليه مع جرعة العلاج الكيميائي كل 21 يوماً.

ولا تتوقف التكلفة عند الدواء؛ إذ قالت إنها تدفع كذلك 40 ألف جنيه مقابل السرير الذي تتلقى عليه والدتها الجرعة، متسائلةً: كيف يمكن للأسرة تحمل هذه النفقات في ظل غياب العمل والدخل؟

أما نائلة فتقول إن الأسرة كانت في السابق تكافح لتوفير ثمن الطعام، وأصبحت الآن تكافح للحصول على الطعام والدواء معاً، بينما دُمّر منزلها واضطرت إلى الإقامة لدى الجيران.

ونقلت «رويترز» عن رئيسة الصيادلة في مستشفى الخرطوم للأورام، منى عبد الرحمن، أن بعض المرضى تأخرت جرعاتهم أسبوعين أو أكثر بعد توقف توفير بعض الأدوية مجاناً، لأنهم لم يستطيعوا شراءها على نفقتهم الخاصة.

وتنعكس الأزمة الاقتصادية كذلك على الخدمات التشخيصية. ويقول اختصاصي المختبرات الطبية الطيب يوسف، لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع سعر الدولار انعكس مباشرةً على القطاع، نظراً إلى اعتماد المختبرات على المحاليل والمستلزمات المستوردة بالعملة الصعبة.

ويضيف أن كثيراً من أصحاب المختبرات الذين عادوا إلى الخرطوم اضطروا إلى البدء «من الصفر»، بعد فقدان محالهم وأجهزتهم، ومواجهة تكاليف الصيانة والإيجارات وشراء المعدات مجدداً.

ودفعت التكلفة المرتفعة بعض أصحاب المختبرات إلى شراء الأجهزة بنظام الشراكة وتجميعها في موقع واحد، بدل امتلاك كل مختبر تجهيزاته بصورة منفردة، باعتبار ذلك حلاً مؤقتاً يساعد على استمرار تقديم الخدمات.

دواء باهظ ومصانع قيد التعافي

لا يختلف الوضع كثيراً في سوق الدواء. يقول الصيدلاني محمود النعيم لـ«الشرق الأوسط»، إن ارتفاع الأسعار وشكاوى المواطنين تفاقمت بعد الحرب، نتيجة تدمير عدد من مصانع الأدوية المحلية وتعطل سلاسل الإمداد الخارجية واعتماد الاستيراد على العملة الصعبة.

ويشير إلى أن المجلس القومي للأدوية والسموم بدأ تشجيع تسجيل أصناف وشركات دوائية جديدة، معتبراً زيادة المنافسة يمكن أن تساعد على خفض الأسعار.

وبدأ بعض المصانع في الخرطوم العودة إلى الإنتاج، وإن كانت تعمل دون طاقتها القصوى، مما يفتح الباب أمام انفراج تدريجي إذا استقر الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد.

طفلة سودانية تتلقى لقاحاً ضدّ الكوليرا في حملة تلقيح قامت بها وزارة الصحة في الخرطوم صيف 2026 (أ.ب)

الأوبئة... خطر لم ينتهِ بعد

وإلى جانب الدمار ونقص التمويل وغلاء العلاج، يواجه النظام الصحي خطر الأمراض الوبائية. يقول مدير مستشفى أم درمان إن معدلات الإسهالات المائية والملاريا وحمى الضنك بين الحالات التي يتعامل معها المستشفى، تراجعت، مع استمرار حملات مكافحة الأوبئة وإنشاء مركز للعزل للتعامل مع حالات الكوليرا وحمى الضنك وغيرها.

أما مدير مستشفى بحري فيقول إن الملاريا، بوصفها من الأمراض المستوطنة في السودان، لا يمكن أن تكافحها المستشفيات وحدها، وإنما يتطلب الأمر تكاملاً بين النظام الصحي الاتحادي والولايات والمحليات والمجتمعات، من التوعية والوقاية ومكافحة النواقل إلى التشخيص والعلاج.

وتظل هذه المخاطر أشد في مناطق النزوح والقتال، حيث تتزامن الأمراض وسوء التغذية مع ضعف خدمات المياه والصرف الصحي، وصعوبة الوصول إلى المرافق.

وهكذا، قد لا تقدم الصورة الراهنة قطاعاً انهار بالكامل، لكنها أيضاً ليست صورة نظام صحي تجاوز آثار الحرب؛ ففي الخرطوم، عادت مستشفيات إلى العمل، واستؤنفت العمليات الجراحية وخدمات العناية المكثفة والمختبرات، وبدأت مشاريع إعادة التأهيل وإنتاج الأكسجين، وفي كسلا والنيل الأبيض تظهر نماذج لمرافق استعادت قدرتها على تقديم خدمات مجانية أو أقرب إلى السكان.

لكن إيمان ما زالت تنتظر العيادة المتنقلة لعلاج طفلها، وزهرة تقطع ساعتين للوصول إلى مركز صحي، وأماني وضعت طفلتها تحت شجرة وهي تهرب من الحرب، فيما وصلت نائلة إلى أحد أكبر مراكز علاج السرطان في العاصمة ولم تجد الدواء الذي تحتاج إليه.