تصاعد القتال بين طرفي الصراع في السودان

السعودية تدين الهجمات على البعثات الدبلوماسية في الخرطوم

TT

تصاعد القتال بين طرفي الصراع في السودان

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)
تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)

مع دخول الحرب في السودان شهرها الثاني، تصاعدت وتيرة الضربات الجوية والقصف المدفعي بشدة منذ ساعات الصباح الأولى، الثلاثاء، في وقت اتهم فيه الجيش قوات «الدعم السريع» باقتحام السفارات والممثليات الدبلوماسية، بما فيها مقر الملحقية العسكرية السعودية، وإتلاف الوثائق الرسمية، لكن قوات «الدعم السريع» كذّبت تلك الأنباء. وأعلنت نقابة أطباء السودان إحصائية جديدة للمعارك، مشيرة إلى أن عدد القتلى تخطى الـ800.

وذكر شهود في الخرطوم أنهم سمعوا دوي ضربات جوية واشتباكات وانفجارات في جنوب الخرطوم، وكان هناك قصف عنيف في مناطق بمدينتي بحري وأم درمان المجاورتين اللتين يفصلهما نهر النيل عن العاصمة. وشهدت منطقة شرق النيل اشتباكات بالأسلحة الثقيلة.

وشهدت مناطق متفرقة من الخرطوم معارك عنيفة بين الطرفين في شمال «الكدرو» بمدينة بحري، وقصف الطيران الحربي للجيش عدداً من المواقع لقوات «الدعم السريع» في جنوب الخرطوم.

ويتركز القتال بين الجيش وقوات «الدعم السريع» في العاصمة، لكنه أثار اضطرابات في أنحاء أخرى من السودان، خاصة في إقليم دارفور بغرب البلاد.

وفجّر الصراع أزمة إنسانية تنذر بزعزعة استقرار المنطقة، وأجبر آلافاً على الفرار إلى بلدان مجاورة، وأسفر عن نزوح ما يربو على 700 ألف داخل السودان.

تصاعد الدخان بعد قصف طال سوق أم درمان المركزية (رويترز)

ويكافح من بقوا في العاصمة للنجاة بحياتهم، في ظل شح الإمدادات الغذائية، وانهيار الخدمات الصحية، وانتشار الفوضى. وسجل المسؤولون 822 حالة وفاة، وأكثر من 5500 إصابة، لكن من المتوقع أن تكون الأعداد الحقيقية أعلى بكثير مع ورود كثير من التقارير عن جثث تُركت في الشوارع وأشخاص يعانون لدفن الموتى.

وقال أحد السكان، ويدعى أيمن حسن (32 عاماً): «هذا وضع لا يطاق، خرجنا من منزلنا إلى منزل أحد الأقرباء في الخرطوم هرباً من الحرب، لكن الضرب يلاحقنا، أين نذهب؟!». وأضاف: «لا نعرف ما ذنب المواطن. لماذا الحرب في وسط البيوت؟!».

وبحسب سكان وشهود، هاجمت قوات «الدعم السريع» قواعد عسكرية رئيسية في شمال أم درمان وجنوب الخرطوم، الثلاثاء، في مسعى لمنع الجيش من نشر أسلحة ثقيلة وطائرات مقاتلة على ما يبدو. وقالت قوات «الدعم السريع»، في بيان، إنها أسرت مئات من قوات الجيش بهجوم مضاد في بحري، ونشرت لقطات فيديو تظهر رجالاً يرتدون الزي العسكري ويجلسون على الأرض، بينما يحتفل عناصر من القوة شبه العسكرية حولهم.

ولم يتسنَ التحقق من صحة مزاعم قوات «الدعم السريع»، التي نفاها الجيش.

ويعمل الجيش على قطع خطوط إمداد قوات «الدعم السريع» من خارج العاصمة، وتأمين مواقع استراتيجية. من بينها المطار بوسط الخرطوم، ومصفاة الجيلي الرئيسية للنفط في بحري، حيث احتدم القتال مرة أخرى الثلاثاء.

الهجمات على المقرات الدبلوماسية

تصاعد القتال في مناطق جنوب الخرطوم، الثلاثاء (أ.ف.ب)

وتبادل طرفا النزاع السوداني الاتهامات بالاعتداء على المقرات الدبلوماسية. وفيما وجّهت وزارة الخارجية السودانية، في بيان، أصابع الاتهام مباشرة لقوات «الدعم السريع» بالاعتداء على عدد من مقرات السفارات، وعلى رأسها السعودية والأردن وجنوب السودان والصومال والأردن وأوغندا، ومقر الملحقيتين العسكريتين للسعودية والكويت، وإتلاف وثائق فيهما، ردّت قوات «الدعم السريع» بتكذيب هذا البيان.

وذكر بيان الخارجية السودانية أن قوات «الدعم السريع» قامت بالعبث بالمستندات وإتلاف الأثاث وسرقة أشياء ثمينة، بما في ذلك أجهزة الحاسوب والسيارات الدبلوماسية.

وعدّت الخارجية السودانية تلك الأفعال انتهاكات للقانون الدولي والأعراف المعنية بحرمة وحماية مقرات وممتلكات البعثات الدبلوماسية.

وأدانت الخارجية ما أسمته بالسلوك الإجرامي والهمجي لقوات «الدعم السريع» «المتمردة»، داعية المجتمع الدولي لإدانة تلك الممارسات، باعتبارها تصدر من «منظمة إرهابية»، وتحميلها المسؤولية القانونية والأخلاقية أمام آليات العدالة الدولية.

وكرر الجيش السوداني مرات كثيرة توجيه الاتهامات لقوات «الدعم السريع»، التي يقودها محمد حمدان دقلو، الشهير باسم «حميدتي»، بالتمادي في التعدي على السفارات العربية والأجنبية في البلاد.

وبدورها، نفت قوات «الدعم السريع» أي صلة لأفرادها بالاعتداءات التي حدثت لمقار البعثات الدبلوماسية بالخرطوم، وقالت، في بيان، الثلاثاء، إن «قادة الجيش وكتائب الظلام الإرهابية يواصلون بث الشائعات والأكاذيب».

وكانت دول عدة أصدرت بيانات، أدانت فيها الاعتداءات التي حدثت لسفاراتها بالخرطوم.

إدانات سعودية

وأعلنت المملكة العربية السعودية عن رفضها التام لكل أشكال العنف والتخريب التي طالت أخيراً البعثات والممثليات الدبلوماسية في العاصمة الخرطوم. وقالت وزارة الخارجية السعودية إنها تابعت ببالغ الأسف ما حدث من اقتحام لسفارة الأردن، ومقر سكن رئيس المكتب العسكري في السفارة الكويتية بالعاصمة السودانية.

وطالبت السعودية الأطراف السودانية كافة «بالالتزام بالتهدئة وفق نتائج مباحثات جدة الأخيرة، والانخراط في المسارات السياسية التي تسعى للوصول إلى حل عادل وشامل للأزمة في جمهورية السودان الشقيقة».

من جانبه، أعرب جاسم محمد البديوي، الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، عن إدانته واستنكاره الشديدين لتعرض مقر سكن رئيس المكتب العسكري بسفارة الكويت في مدينة الخرطوم للاقتحام والتخريب.

وشدد البديوي على ضرورة احترام الاتفاقيات الدولية والأعراف الدبلوماسية التي تضمن حرمة وسلامة مقرات البعثات الدبلوماسية، داعياً جميع الأطراف في السودان إلى اتخاذ الإجراءات الفورية واللازمة لحماية الدبلوماسيين والمقرات الدبلوماسية.

وأدانت الأمانة العامة لمنظمة «التعاون الإسلامي» تعرض مبنى السفارة الأردنية في العاصمة السودانية للاقتحام والتخريب، وشددت على ضرورة إنهاء العنف واحترام حرمة المباني الدبلوماسية، وتوفير الحماية اللازمة للدبلوماسيين والمباني الدبلوماسية، والالتزام بالاتفاقيات الدولية، وخاصة «اتفاقية فيينا» للعلاقات الدبلوماسية.

ومن العاصمة المصرية، أدان رئيس البرلمان العربي عادل العسومي بشدة تعرض مبنى سفارة الأردن في الخرطوم للاقتحام والتخريب، وقال في بيان: «إن هذا العمل الإجرامي يتنافى مع قواعد القانون الدولي والاتفاقيات الدولية التي تفرض حماية البعثات الدبلوماسية، وتوفير الأمن لها، واحترام حرمتها»، معرباً عن تقدير البرلمان العربي للدور الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية في السودان في ظل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها، ومجدداً دعوته إلى جميع الأطراف للاستجابة لدعوات التهدئة كافة، واللجوء إلى الحوار السلمي، والالتزام بما نص عليه إعلان جدة من أجل توفير الحماية للمدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.

وخلال عمليات إجلاء الرعايا الأجانب في الأيام الأولى للحرب، منتصف أبريل (نيسان) الماضي، تبادل الجيش و«الدعم السريع» اتهام بعضهما لبعض بالتعرض لعملية إجلاء البعثة الدبلوماسية الفرنسية، ما أدى إلى إصابة أحد الفرنسيين بطلق ناري.

كما تعرض أيضاً السفير التركي في الخرطوم لإطلاق نار على سيارته في منطقة بوسط العاصمة (الخرطوم).

رجل يسير بينما يتصاعد الدخان فوق المباني بعد قصف جوي في شمال الخرطوم، 1 مايو 2023 (رويترز)

ويدعي كل من الجيش وقوات «الدعم السريع» التعاون والتنسيق مع كثير من الدول في تأمين وحماية عمليات الإجلاء الواسعة للسفراء والمواطنين الأجانب من البلاد.

وخرق الطرفان كثيراً من «الهدن» في وقت سابق، من أجل فتح ممرات آمنة للمدنيين في مناطق الصراع، واستكمال عمليات إجلاء الرعايا الأجانب من البلاد.

وتم إجلاء كثير من البعثات الدبلوماسية والموظفين الدوليين من العاصمة (الخرطوم) عن طريق البر إلى ميناء «بورتسودان»، شرق البلاد، ومنها عبر الطيران والبواخر إلى بلدانهم، بسبب تصاعد الاشتباكات بين الجيش و«الدعم السريع» في مطار الخرطوم الدولي.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

شمال افريقيا سودانيون ينتظرون استخراج رفات شقيقهم الذي قتلته «قوات الدعم السريع» في أم درمان (أ.ب)

الأمم المتحدة: هجوم بطائرة مسيّرة يستهدف شاحنة مساعدات في السودان

أفادت «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» عن تعرّض قافلة مساعدات تابعة لها لهجوم بطائرة مسيّرة في شمال دارفور بالسودان.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طفل يجلس على قمة تل مطل على مخيم للاجئين قرب الحدود السودانية مع تشاد في نوفمبر 2023 (رويترز)

قوات «تأسيس» تعلن السيطرة على منطقة الكيلي بولاية النيل الأزرق

أعلنت قوات «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» سيطرتها على منطقة الكيلي، في ولاية النيل الأزرق بجنوب شرقي السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
TT

دعوات لمراجعة قانون توافقي لـ«العدالة الانتقالية» في ليبيا

 جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)
جانب من المشاركين في جولة مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» 25 أبريل (البعثة الأممية)

اختتم أعضاء مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان» في ليبيا جولة ثالثة من الاجتماعات المباشرة في العاصمة طرابلس، بالمطالبة بمراجعة «جوهرية» لمشروع قانون العدالة الانتقالية الحالي، وضمان إبعاد المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان عن المشهد السياسي.

وأدرجت بعثة الأمم المتحدة، في بيان، مساء السبت، المناقشات التي انتهت الخميس الماضي، في إطار «الحوار المهيكل» برعاية الأمم المتحدة، لوضع «خريطة طريق» لـ«المساءلة عن تجاوزات الماضي وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة كركيزة أساسية للوصول إلى انتخابات وطنية سلمية».

وشدّد المشاركون في توصياتهم الختامية على أن مشروع قانون العدالة الانتقالية المطروح عام 2025 «يحتاج إلى إصلاحات جذرية» لتلافي «إخفاقات الماضي» التي غذّتها الانقسامات السياسية والمعاملة غير المتساوية للضحايا.

«الحقيقة والعدالة»

واعتبرت هانا تيتيه، رئيسة البعثة الأممية، أن أي تحول ذي مصداقية في ليبيا «يجب أن يتجذر في الحقيقة والعدالة والكرامة للضحايا وعائلاتهم»، مشيرة إلى أنه «لا يمكن استدامة المصالحة الوطنية دون مقاربة قائمة على الحقوق بقيادة وملكية ليبية».

وشملت التوصيات الرئيسية الصادرة عن الاجتماع ضمان استقلال هيئة تقصي الحقائق والمصالحة المزمع إنشاؤها، واعتماد إطار شفاف لجبر الضرر ومنح الأولوية لعودة النازحين، بالإضافة إلى إنهاء ممارسات الاحتجاز التعسفي وحماية الفضاء المدني والصحافيين، وتعزيز تمثيل المرأة والمكونات الثقافية في عملية صنع القرار.

وفي سياق متصل، استعرض المشاركون نتائج استطلاع للرأي العام المحلي شمل نحو 6 آلاف ليبي، عكس حالة من عدم الرضا الشعبي والمخاوف الأمنية؛ حيث أيّد 82 في المائة من المستطلعين استبعاد الشخصيات المتورطة في الانتهاكات والمتسببة في الانقسام من مناصب السلطة.

كما أظهر الاستطلاع أن 67 في المائة من المشاركين لا يزالون يخشون الاعتقال أو الانتقام، ما يشكل عائقاً رئيسياً أمام المشاركة السياسية وحرية التعبير في البلاد التي تعاني عدم استقرار مزمناً منذ سنوات.

وأكّد سفراء وممثلون عن «مجموعة عمل القانون الدولي الإنساني» المنبثقة عن «عملية برلين»، الذين انضموا إلى اليوم الختامي لمناقشات مسار «المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان»، على ضرورة استقلال القضاء الليبي كضمانة وحيدة لإنهاء حقبة الإفلات من العقاب.

الدبيبة يتوسط ليبيات خلال فعاليات إحياء «اليوم الوطني للمرأة الليبية» 26 أبريل (مكتب الدبيبة)

اليوم الوطني للمرأة

على صعيد آخر، حضر رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، الأحد، في العاصمة طرابلس، فعاليات الاحتفاء بـ«اليوم الوطني للمرأة الليبية»، المخصص هذا العام للمرأة العاملة بالقطاع الحكومي.

وأكّد الدبيبة خلال كلمته «استمرار دعم الحكومة لبرامج تمكين المرأة وتعزيز مشاركتها في مواقع صنع القرار، بما يضمن حضوراً أكثر فاعلية داخل مؤسسات الدولة».

وأشاد بالدور الذي تضطلع به المرأة العاملة في مختلف القطاعات، معتبراً أنها ركيزة أساسية في استقرار المؤسسات واستمرار أدائها، مؤكداً «أن ما حققته من إنجازات يعكس قدرتها على تحمل المسؤولية والمساهمة في دفع عجلة التنمية».

وقالت المبعوثة الأممية، التي التقت مع بعض الليبيات بهذه المناسبة، إنه «رغم التحديات والعقبات، تواصل النساء في ليبيا التقدم للمساهمة في بناء وطنٍ يسوده السلام والازدهار للجميع»، مؤكدة أن النساء «عنصر أساسي في تعزيز وحدة المجتمع الليبي واستقراره وجعله أكثر عدلاً».


وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
TT

وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال بمصر

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)
رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال إحدى الفعاليات الشهر الجاري (مجلس الوزراء المصري)

قررت الحكومة المصرية وقف قرار «الإغلاق المبكر» للمحال والمقاهي. وقال المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، محمد الحمصاني، مساء الأحد، إن «(اللجنة المركزية لإدارة الأزمات) وافقت خلال اجتماعها على إيقاف العمل بقرار غلق المحال العامة والمراكز التجارية والمطاعم في تمام الساعة 11 مساءً، والعودة إلى المواعيد الطبيعية المعمول بها سابقاً».

وكانت الحكومة المصرية قد قررت تطبيق «إجراءات استثنائية» لمدة شهر بدءاً من 28 مارس (آذار) الماضي، بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها إغلاق المحال والمقاهي الساعة 9 مساء - تم تمديدها لاحقاً إلى الساعة 11 يومياً - وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقار المصالح الحكومية، إلى جانب العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع.

وترأس رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماع «لجنة الأزمات» لمتابعة مستجدات تداعيات الحرب الإيرانية. وقال الحمصاني إنه «تم خلال الاجتماع استعراض آخر تطورات موقف العمليات العسكرية في المنطقة وانعكاسات تلك العمليات على الأوضاع الاقتصادية، إقليمياً وعالمياً، وكذا على المستوى المحلي».

وتحدث رئيس الوزراء المصري عن جهود مختلف جهات الدولة المعنية للتعامل مع تداعيات ومستجدات هذه الأزمة غير المسبوقة، وما يتم إعداده بشكل متواصل ومستمر من سيناريوهات مختلفة، وفقاً لرؤى وتوقعات أمد الصراع، ومدى اتساع دائرته.

ولفت إلى ما يتم من تنسيق وتعاون بين مختلف الجهات لتأمين أرصدة واحتياطات بكميات ومدد طويلة من السلع والمنتجات البترولية، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي في هذا الشأن، وبما يسهم في توفير وتلبية مختلف المتطلبات الاستهلاكية والإنتاجية.

وشدد مدبولي على «أهمية الاستمرار في تطبيق مختلف الإجراءات الرقابية من جانب الجهات المعنية، سعياً لمزيد من الاستقرار والانضباط في حركة الأسواق ومنعاً لأي تلاعب، وهو الذي من شأنه أن يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة لمختلف المواطنين».

مصريون وأجانب أمام مطعم مغلق في وسط القاهرة الشهر الحالي (أ.ف.ب)

وتابع مدبولي خلال اجتماع «لجنة الأزمة» موقف ما يتم تطبيقه من إجراءات وخطوات تتعلق بترشيد استهلاك المنتجات البترولية والكهرباء، وكذا ما يتعلق بترشيد الإنفاق الحكومي، مؤكداً «أهمية العمل على تعزيز ثقافة ترشيد الاستهلاك، في ظل ما نشهده من تداعيات لأزمة ألقت بظلالها على مختلف دول المنطقة والعالم، وهو الذي من شأنه أن يسهم في تحسين الأداء واستقرار التشغيل لمختلف المرافق الحيوية».

كما وجه رئيس الوزراء المصري بسرعة الإعلان عن مبادرة تحفيزية للمصانع والمنازل للتحول إلى الطاقة الشمسية، مؤكداً أن «الحكومة تضع هذا الملف على أجندة اهتماماتها».

وكانت قرارات «الترشيد الحكومية» قد واجهت اعتراضات في وقت سابق من قطاعات إنتاجية ومواطنين بسبب تأثيرها السلبي على الأنشطة التجارية. وسبق أن ذكرت الحكومة أن قرار «الإغلاق المبكر» لمدة شهر واحد جاء بهدف «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وأشار وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، أحمد رستم، خلال الاجتماع، الأحد، إلى أن «صندوق النقد الدولي يتوقع انخفاض معدل النمو إلى 3.1 في المائة عام 2026 مقارنة بمعدل بلغ 3.4 في المائة عام 2025. كما يتوقع الصندوق تراجعاً حاداً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يصل إلى 1.1 في المائة عام 2026، وذلك يأتي انعكاساً لارتفاع أسعار السلع الأساسية عالمياً، وخاصة الطاقة والغذاء، فضلاً عن عزوف المستثمرين عن المخاطر في الأسواق المالية».

كما لفت بحسب بيان «مجلس الوزراء المصري» إلى «التوقعات والسيناريوهات المرجحة فيما يتعلق بمعدلات التضخم العالمية، وكذا ما يتعلق بمعدلات التجارة العالمية وانخفاض حجم نموها من 5.1 في المائة عام 2025 إلى 2.8 في المائة في عام 2026».


«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
TT

«الفساد بقوة السلاح»... عقدة تكبّل الأجهزة الرقابية في ليبيا

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)
رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في لقاء مع برلمانيين في طرابلس يوم 13 أبريل 2026 (الصفحة الرسمية للهيئة)

يربط تقرير أممي ودراسة محلية حديثة بين تعثر آليات الرقابة في ليبيا على النحو الأمثل، وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، في ظل واقع سياسي وأمني مضطرب.

وكان تقرير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة قد أفاد الأسبوع الماضي بأن «جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة أدوات تتراوح بين العنف المسلح والتأثير السياسي والضغط الاقتصادي، بما أفضى إلى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة».

رئيس ديوان المحاسبة الليبي خالد شكشك في لقاء مع نائبتي مبعوثة الأمم المتحدة في طرابلس 24 أبريل 2026 (البعثة الأممية)

وبحسب التقرير، فإن «هذه التشكيلات المسلحة استخدمت أدوات العنف دون مساءلة، ما مكّنها من تعزيز تدفق مكاسبها، وأتاح لها الإفلات من العقاب»، كما أُجبرت مؤسسات الدولة على العمل في «بيئة تكرّس نفوذ هذه الجماعات وتُضعف آليات المساءلة، بما يعزز هيمنتها على الدولة».

ويتفق أبو عجيلة سيف النصر، عضو «الحوار المهيكل» الذي ترعاه البعثة الأممية راهناً، مع هذه المعطيات، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشأن الفساد في ليبيا «يتسق مع الواقع». وقال إن هذه الآفة «وجدت بيئة خصبة» في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.

ويشير سيف النصر إلى أن الأجهزة الرقابية «دفعت جزءاً كبيراً من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة».

وأضاف أن ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الأجهزة الرقابية «لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا»، لافتاً إلى أن «وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الأدراج، دون مسار قضائي فعلي».

وسبق أن شدّدت البعثة الأممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من أي نفوذ سياسي أو تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتَي المبعوثة الأممية، ستيفاني خوري وأولريكا ريتشاردسون، في طرابلس الأسبوع الماضي مع رئيس ديوان المحاسبة، خالد شكشك.

وتستشعر أحزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن «تشابك بين السلطة وحملة السلاح، والاقتصاد غير المشروع»، واعتبر «التحالف الليبي لأحزاب التوافق الوطني» ذلك «نمط حكم موازياً تُدار فيه الموارد خارج الأطر القانونية وتتآكل فيه أدوات الرقابة».

وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون إجراءات ردع كافية. بل خُطف رضا قرقاب، وهو أحد مديري ديوان المحاسبة، عام 2020، وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشأن «عرقلة أعمال الرقابة».

وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تُنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة «الجيش الوطني» الليبي بقيادة خليفة حفتر.

لكن تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة أشار إلى أن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة و«الجيش الوطني» «استخدما آليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح».

رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة خلال إطلاق استراتيجية مكافحة الفساد في ديسمبر 2024 (مكتب الدبيبة)

ويصف مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» الدكتور مصطفى بن حكومة، هذه الممارسات بأنها «فساد بقوة السلاح»، عاداً أن «هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات أحد أبرز العوائق أمام عمل الأجهزة الرقابية وسبباً رئيسياً في تعطّل مسارات الإصلاح وبناء الدولة».

ويحذر بن حكومة، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، من «مخاطر مستقبلية»، منها «تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، وإعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، إضافة إلى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد».

وسبق أن أطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024. وتشير تقارير دولية إلى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد، إذ جاءت في المرتبة 177 من أصل 182 دولة عام 2025، مقارنة بالمرتبة 173 من أصل 180 دولة في 2024، وفق منظمة الشفافية الدولية.

وخلصت دراسة أكاديمية في جامعة فزان، بجنوب ليبيا، حول معوقات أداء الرقابة، إلى أن الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلباً على أدائهم. علماً بأن الدراسة التي أعدّها الباحثان هشام مسعود وإسراء دنكم شملت 70 موظفاً بالديوان.

ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، ما يثير مخاوف «من ضعف قبضته في مكافحة الفساد».

ويرى مدير «المركز الليبي للتنمية المستدامة» أن التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام، مشدداً على «ضرورة توحيد المؤسسات السيادية، وفكّ الارتباط بين السلاح والاقتصاد، وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد، وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحدّ من التدخلات».