تتسع دائرة العمليات الإسرائيلية جنوب لبنان إلى قرى ومناطق أبعد من نطاق الوجود العسكري المباشر، عبر التوغلات والتفجيرات والتجريف والسيطرة بالنار، بما يعيد طرح مفهوم «القرية الحدودية» وحدود ما بات يُعرف بـ«الخط الأصفر».
ويكشف هذا الواقع الميداني عن تعدد في أشكال الحضور والتأثير العسكري داخل الجنوب، بين مناطق تشهد وجوداً مباشراً للقوات، وأخرى تتعرَّض لتوغلات متكررة أو عمليات محدودة، إضافة إلى مناطق تتأثر بالنيران من مواقع مجاورة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة خضوعها لنمط واحد من السيطرة.
بلدات في دائرة العمليات
يقول مصدر محلي في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط» إن «العمليات الإسرائيلية امتدت تباعاً إلى 10 بلدات: وهي كفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وبيت ياحون، وبرعشيت، وحداثا، وعيتا الجبل، وحاريص، ومجدل زون، والمنصوري، وبيوت السياد».
ويوضح المصدر أن هذه البلدات لا تخضع لنمط عسكري واحد، فمنها 8 بلدات شهدت، بدرجات متفاوتة، عمليات دخول أو تفجير وتحريك آليات، بينما يختلف الوضع في النبطية الفوقا وعيتا الجبل، حيث تُفرَض السيطرة بالنار من المواقع المحيطة من دون انتشار ثابت داخل الأحياء.
وفي القطاع الغربي، يشير المصدر إلى أن محور المنصوري - مجدل زون - بيوت السيّاد شهد انتقالاً من القصف والتمشيط إلى عمليات دخول وتفجير وتجريف وتحريك آليات، بحيث باتت المنطقة ميدانياً أقرب إلى مساحة عمليات مترابطة.
أما في القطاع الأوسط، فتشمل العمليات بيت ياحون، وبرعشيت، وحداثا، وعيتا الجبل، وحاريص، مع تفاوت بين التوغلات والتفجيرات في بعضها والسيطرة بالنار في أخرى، في حين يأخذ الوضع بعداً مختلفاً باتجاه كفرتبنيت والنبطية الفوقا، حيث تنتقل دائرة الضغط إلى عمق أكبر، بالتوازي مع العمليات في محيط مرتفعات علي الطاهر.
ويختصر المصدر المشهد بـ3 مستويات: مناطق يوجد فيها الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة، وبلدات تتكرَّر فيها التوغلات والتفجيرات والتجريف من دون تمركز دائم، ومناطق ثالثة تخضع للسيطرة أو الضغط بالنار من مواقع محيطة.

المنطقة العازلة تكبر
في قراءة هذا الواقع، قال العميد المتقاعد بسام ياسين لـ«الشرق الأوسط»: «إن المنطقة العازلة تكبر بلا إعلان، وإن المنطقة الصفراء التي حُددت تشكل عملياً هذه المنطقة العازلة، بينما يتصرف الجيش الإسرائيلي على أساس أن لديه حرية الحركة للدفاع عن نفسه ضمنها، وكذلك ضمن نطاق التأثير المباشر في محيطها».
وأضاف: «الخط يمتد من الناقورة حتى مزارع شبعا، بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات بحسب كل منطقة، وهو يشبه إلى حد كبير المنطقة التي كان يحتلها الإسرائيليون قبل عام 2000».
ويوضح ياسين أن «كفررمان والنبطية كانتا خارج منطقة الاحتلال قبل عام 2000، وهما اليوم أيضاً خارج الوجود الإسرائيلي المباشر، بينما كان جزء كبير من كفرتبنيت خارج منطقة الاحتلال، أما اليوم فأصبحت كفرتبنيت ضمن الخط الأصفر وعلي الطاهر، بحسب الخرائط».
وعن أشكال السيطرة، يقول: «كل القرى الموجودة داخل المنطقة الصفراء هي تحت الاحتلال المباشر، بينما القرى والمدن المجاورة يمكن أن تكون تحت السيطرة بالنار». ويضع ياسين النبطية ضمن النموذج الثاني، قائلاً: «هي تحت السيطرة بالنار».
ويرى ياسين أن «ما يحصل اليوم يعني عملياً أننا أمام منطقة تشبه المنطقة التي كان يوجد فيها الجيش الإسرائيلي قبل عام 2000»، مضيفاً: «هناك اتجاه إلى توسعتها باتجاه الريحان وسود، لتقترب من كامل منطقة الوجود التي كانت قائمة قبل عام 2000».

منطقة العمليات تتوسع
في المقابل، يقدّم العميد المتقاعد خليل الحلو توصيفاً مختلفاً، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك مناطق تغيّرت فيها حدود العمليات، لكن الإسرائيليين لا يسيطرون على الأرض فيها بشكل دائم، ولا يبدو أنهم مستعدون في المقابل للتنازل عن حرية العمل فيها. ما يفعلونه هو تدمير الأهداف التي يعدّون أنها يجب أن تُدمَّر».
ويضيف: «نحن لا نتحدث عن توسعة المنطقة العازلة بالمعنى الذي يعني تمركز القوات الإسرائيلية بصورة دائمة في قرى جديدة، بل عن توسعة منطقة العمليات جغرافياً، شمالاً وشرقاً بالنسبة إلى الخط الأصفر».

النبطية الفوقا وعلي الطاهر مثالاً
يعطي الحلو مثال النبطية الفوقا لشرح اتساع مسرح العمليات، قائلاً: «النبطية الفوقا، على سبيل المثال، باتت مرتبطة مباشرة بمسرح العمليات المتصل بمرتفعات علي الطاهر، خصوصاً عند المداخل المؤدية إلى المنطقة، وقد سُجِّل وجود إسرائيلي فيها أكثر من مرة وفق شهادات ميدانية. والأمر نفسه ينسحب على بلدات أخرى مثل حداثا وحاريص، بينما تقع المنصوري في القطاع الغربي ضمن سياق ميداني مختلف».
ويشدد الحلو على أن «التوصيف العسكري الأدق لما يجري ليس أن إسرائيل توسع المنطقة العازلة أو أنها تضم قرى جديدة إلى نطاق تمركز دائم، بل إنها توسع منطقة عملياتها شمالاً وشرقاً خارج الخط الأصفر، وتتحرك عسكرياً في نطاق أوسع من دون أن يعني ذلك بالضرورة إقامة وجود ثابت في كل منطقة تدخل إليها».









