يبني الجيش الإسرائيلي جداراً ترابياً ضخماً يفصل أكثر من 50في المائة من قطاع غزة الذي يسيطر عليه عن بقية الأراضي الفلسطينية؛ ما يعزز تقسيم القطاع الصغير، حسبما أفادت صور التقطت بالأقمار الاصطناعية.
وقد تم بناء أكثر من 23 كيلومتراً (14 ميلاً) من هذا الجدار خلال الأشهر الأخيرة، ممتداً عبر تجمعات سكنية فلسطينية هدمها الجيش. وهذا يعادل أكثر من نصف طول الشريط الساحلي، الذي يبلغ طوله نحو 40 كيلومتراً (25 ميلاً) وعرضه 11 كيلومتراً (7 أميال)، ويقطنه أكثر من مليوني فلسطيني، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

ورداً على ذلك؛ أكد الجيش الإسرائيلي لوكالة «أسوشييتد برس» أنه بنى جداراً مادياً في منطقة ما يُسمى الخط الأصفر، وهو الحد الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول). وقد نص الاتفاق، المدعوم من الولايات المتحدة، على أن هذا الخط يمثل تقسيماً مؤقتاً للأراضي ريثما يتم الانسحاب الإسرائيلي الكامل.
تسارع وتيرة بناء الجدار
ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، يخشى الفلسطينيون في غزة من عدم إعادة إسرائيل الجزء الذي تسيطر عليه من القطاع. لكن يبدو أن قلةً منهم على دراية بالسواتر الترابية التي تُبنى حولهم حالياً؛ ونظراً لخطورة الاقتراب من تلك المنطقة. وقد تم توسيع جزء من شبكة السواتر الترابية في جنوب غزة بأكثر من كيلومترين (1.2 ميل) خلال أسبوعين هذا الشهر، وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي قدمتها شركة «بلانيت لابز».
كان طول الساتر الترابي نحو 500 متر (0.3 ميل) في الأول من يوليو (تموز). وبحلول الخامس عشر من الشهر نفسه، بلغ طوله نحو 2.4 كيلومتر (1.5 ميل)، قاطعاً أنقاض مدينة رفح التي تسيطر عليها إسرائيل من منطقة المواصي، التي تضم بعضاً من أكبر المخيمات الفلسطينية.

وإذا استمر البناء في اتجاهه الحالي، فسيتصل بأطول جزء من الجدار، الذي يمتد بشكل شبه متصل لمسافة 17 كيلومتراً (10 أميال) تقريباً من مدينة خان يونس جنوباً إلى قرب مدينة غزة شمالاً.
بدأ البناء في هذا الجزء في فبراير (شباط)، ويبدو أن العمل على تمديده جنوباً مستمر، وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية. وقد أُضيف أكثر من كيلومتر واحد (0.6 ميل) بين 21 يونيو (حزيران) و7 يوليو، ويمرّ بالقرب من قاعدة عسكرية إسرائيلية بُنيت على أنقاض بلدة بني سهيلة، قرب خان يونس.
وفي أقصى شمال غزة، تمتد امتدادات عدة غير متصلة من السواتر الترابية خارج بلدة بيت لاهيا التي دُمّرت معظمها. ولا يزال ارتفاع السواتر في كل موقع غير واضح. وفي بعض المواقع، يبدو أن الحواجز تمتد خارج الخط الأصفر، وفق الوكالة.
اكتظاظ السكان في المنطقة الساحلية
وأفاد التقرير بأن إسرائيل دمرت قرابة نصف قطاع غزة الذي تسيطر عليه وأفرغته من سكانه. بينما اكتظ سكان غزة في المنطقة الساحلية غرب الخط الأصفر، حيث يعيش معظمهم في مخيمات خيام بائسة ويعتمدون على المساعدات.
وعلى الجانب الآخر من الخط، تُظهر صور الأقمار الاصطناعية أن القوات الإسرائيلية سوّت غالبية المباني بالأرض باستخدام الجرافات والمتفجرات؛ ما أدى إلى محو الكثير من البلدات ورفح، التي كانت موطناً لأكثر من ربع مليون نسمة.

ورصد التقرير أن الجيش شق شبكات طرق جديدة وأقام قواعد جديدة على أنقاض المدن الفلسطينية. كما تم تدمير الأراضي الزراعية. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يهدم البنية التحتية التي تستخدمها حركة «حماس».
لم يتم تحديد الخط الأصفر بدقة مطلقاً، سواء في اتفاق وقف إطلاق النار أو من قِبل المسؤولين الإسرائيليين أو الأميركيين، وقد تم تحديده بشكل غير متسق على الأرض.
وقتلت القوات الإسرائيلية الفلسطينيين الذين اقتربوا من الخط أو عبروه. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يطلق النار على من يعتقد أنهم نشطاء يهددون قواته. لكن من بين القتلى أطفال ومدنيون آخرون على ما يبدو غير مدركين للخط. وقال بعض الجنود إنهم لا يعرفون دائماً على من يطلقون النار، ويتلقون أوامر بقتل أي شخص يعبر الحدود.
وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل مئات الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار. وقتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 1100 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، معظمهم في غارات جوية وهجمات بطائرات مسيَّرة حول غزة. وقد أسفرت هجمات المسلحين عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين خلال الفترة نفسها.
وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، من المفترض أن تسحب إسرائيل قواتها تدريجياً إلى أطراف غزة، ليحل محلها قوة أمنية دولية. إلا أن تنفيذ الاتفاق متوقف منذ أشهر.
وتقول مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن مناطق واسعة يشاهد فيها حفر خندق بالمنطقة الواقعة داخل الخط الأصفر، وأن الرمال التي يتم إخراجها من باطن الأرض يتم استخدامها كساتر ترابي كبير.
وبيَّنت أنه يمكن مشاهدة هذه السواتر الترابية الضخمة والآليات الهندسية الإسرائيلية التي تعمل على تشييده في إطار عملية حفر الخندق، بشكل كبير في مناطق بيت لاهيا وجباليا، وصولاً إلى بعض المناطق شرق مدينة غزة، كما يلاحظ بشكل أوسع في مناطق شرق وسط القطاع من البريج شمالاً وحتى دير البلح جنوباً، ووصولاً إلى أجزاء أخرى في خان يونس حتى رفح.
وأوضحت المصادر أن سكان مواصي شمال غربي رفح، وخان يونس، يشهدون بشكل واضح عملية حفر الخندق ووضع الساتر الترابي والذي يظهر بشكل عالٍ وكبير جداً في تلك المنطقة، مرجحةً وجود علاقة بين عمليات الحفر و محاولة عزل تمركز القوات الإسرائيلية عن المنطقة الإنسانية التي يتم الحديث عنها مؤخراً في إطار خطط «مجلس السلام» لنقل سكان غزيين إليها.

ولوحظ في الأيام الأخيرة وضع بوابتين حديديتين تؤديان إلى مناطق غرب رفح وتحديداً حي تل السلطان ومناطق محيطة به، فيما تبدو محاولة للسماح للسكان بالانتقال عبرهما إلى منطقة تل السلطان التي ستكون أولى المناطق التي سيتم تجهيز منطقة إنسانية فيها.
وتقدر المصادر الميدانية أن الهدف الأساسي من إقامة الخندق والساتر الترابي على طول غالبية مساحة القطاع، مع إبقاء مناطق كما هي لإتاحة الفرصة أمام القوات الإسرائيلية التحرك بحرية، هو الحفاظ على عزل تلك القوات عن أي خطر أمني، ومنع أي هجمات مستقبلية ضدها أو محاولة التسلل للمستوطنات.
وكشفت المصادر عن أن «فكرة الخنادق ليست بالجديدة في غزة، وكانت قد أقامتها إسرائيل بمساحة صغيرة ومحدودة في محيط موقع ماغين العسكري شرق المنطقة الوسطى، وقد أفشلت من خلالها عملية كبيرة خططت لها حركة (الجهاد الإسلامي) في عام 2007، مما أدى إلى سقوط العناصر التي حاولت تنفيذ الهجوم فيه ودفنهم في الخندق وقتلهم».
