صور بالأقمار الاصطناعية تُظهِر بناء إسرائيل جداراً ترابياً يُقسم غزة

أكثر من 23 كيلومتراً من الجدار بُنيت خلال الأشهر الأخيرة

صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر جزءاً من جدار ترابي تُشيّده القوات الإسرائيلية وسط قطاع غزة 7 يوليو 2026 ويظهر مخيم البريج للاجئين على اليسار بينما يقطع وادي غزة الجدار وتقع قاعدة عسكرية إسرائيلية على الجانب الآخر (أ.ب)
صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر جزءاً من جدار ترابي تُشيّده القوات الإسرائيلية وسط قطاع غزة 7 يوليو 2026 ويظهر مخيم البريج للاجئين على اليسار بينما يقطع وادي غزة الجدار وتقع قاعدة عسكرية إسرائيلية على الجانب الآخر (أ.ب)
TT

صور بالأقمار الاصطناعية تُظهِر بناء إسرائيل جداراً ترابياً يُقسم غزة

صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر جزءاً من جدار ترابي تُشيّده القوات الإسرائيلية وسط قطاع غزة 7 يوليو 2026 ويظهر مخيم البريج للاجئين على اليسار بينما يقطع وادي غزة الجدار وتقع قاعدة عسكرية إسرائيلية على الجانب الآخر (أ.ب)
صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر جزءاً من جدار ترابي تُشيّده القوات الإسرائيلية وسط قطاع غزة 7 يوليو 2026 ويظهر مخيم البريج للاجئين على اليسار بينما يقطع وادي غزة الجدار وتقع قاعدة عسكرية إسرائيلية على الجانب الآخر (أ.ب)

يبني الجيش الإسرائيلي جداراً ترابياً ضخماً يفصل أكثر من 50في المائة من قطاع غزة الذي يسيطر عليه عن بقية الأراضي الفلسطينية؛ ما يعزز تقسيم القطاع الصغير، حسبما أفادت صور التقطت بالأقمار الاصطناعية.

وقد تم بناء أكثر من 23 كيلومتراً (14 ميلاً) من هذا الجدار خلال الأشهر الأخيرة، ممتداً عبر تجمعات سكنية فلسطينية هدمها الجيش. وهذا يعادل أكثر من نصف طول الشريط الساحلي، الذي يبلغ طوله نحو 40 كيلومتراً (25 ميلاً) وعرضه 11 كيلومتراً (7 أميال)، ويقطنه أكثر من مليوني فلسطيني، وفق ما أفادت وكالة «أسوشييتد برس».

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تُظهر جزءاً من جدار ترابي كان الجيش الإسرائيلي يبنيه في شمال قطاع غزة 8 يوليو 2026 وإلى اليسار تظهر بلدة بيت لاهيا المدمرة وإلى اليمين محطة معالجة مياه صرف صحي متوقفة عن العمل (أ.ب)

ورداً على ذلك؛ أكد الجيش الإسرائيلي لوكالة «أسوشييتد برس» أنه بنى جداراً مادياً في منطقة ما يُسمى الخط الأصفر، وهو الحد الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار مع «حماس» في أكتوبر (تشرين الأول). وقد نص الاتفاق، المدعوم من الولايات المتحدة، على أن هذا الخط يمثل تقسيماً مؤقتاً للأراضي ريثما يتم الانسحاب الإسرائيلي الكامل.

تسارع وتيرة بناء الجدار

ومنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار، يخشى الفلسطينيون في غزة من عدم إعادة إسرائيل الجزء الذي تسيطر عليه من القطاع. لكن يبدو أن قلةً منهم على دراية بالسواتر الترابية التي تُبنى حولهم حالياً؛ ونظراً لخطورة الاقتراب من تلك المنطقة. وقد تم توسيع جزء من شبكة السواتر الترابية في جنوب غزة بأكثر من كيلومترين (1.2 ميل) خلال أسبوعين هذا الشهر، وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية التي قدمتها شركة «بلانيت لابز».

كان طول الساتر الترابي نحو 500 متر (0.3 ميل) في الأول من يوليو (تموز). وبحلول الخامس عشر من الشهر نفسه، بلغ طوله نحو 2.4 كيلومتر (1.5 ميل)، قاطعاً أنقاض مدينة رفح التي تسيطر عليها إسرائيل من منطقة المواصي، التي تضم بعضاً من أكبر المخيمات الفلسطينية.

صورة التقطها قمر اصطناعي تُظهر جزءاً من جدار ترابي يمتد أفقياً عبر منتصف الصورة كان الجيش الإسرائيلي يبنيه في جنوب قطاع غزة 15 يوليو 2026 (أ.ب)

وإذا استمر البناء في اتجاهه الحالي، فسيتصل بأطول جزء من الجدار، الذي يمتد بشكل شبه متصل لمسافة 17 كيلومتراً (10 أميال) تقريباً من مدينة خان يونس جنوباً إلى قرب مدينة غزة شمالاً.

بدأ البناء في هذا الجزء في فبراير (شباط)، ويبدو أن العمل على تمديده جنوباً مستمر، وفقاً لصور الأقمار الاصطناعية. وقد أُضيف أكثر من كيلومتر واحد (0.6 ميل) بين 21 يونيو (حزيران) و7 يوليو، ويمرّ بالقرب من قاعدة عسكرية إسرائيلية بُنيت على أنقاض بلدة بني سهيلة، قرب خان يونس.

وفي أقصى شمال غزة، تمتد امتدادات عدة غير متصلة من السواتر الترابية خارج بلدة بيت لاهيا التي دُمّرت معظمها. ولا يزال ارتفاع السواتر في كل موقع غير واضح. وفي بعض المواقع، يبدو أن الحواجز تمتد خارج الخط الأصفر، وفق الوكالة.

اكتظاظ السكان في المنطقة الساحلية

وأفاد التقرير بأن إسرائيل دمرت قرابة نصف قطاع غزة الذي تسيطر عليه وأفرغته من سكانه. بينما اكتظ سكان غزة في المنطقة الساحلية غرب الخط الأصفر، حيث يعيش معظمهم في مخيمات خيام بائسة ويعتمدون على المساعدات.

وعلى الجانب الآخر من الخط، تُظهر صور الأقمار الاصطناعية أن القوات الإسرائيلية سوّت غالبية المباني بالأرض باستخدام الجرافات والمتفجرات؛ ما أدى إلى محو الكثير من البلدات ورفح، التي كانت موطناً لأكثر من ربع مليون نسمة.

جزء من جدار ترابي يبنيه الجيش الإسرائيلي وسط قطاع غزة وعلى اليسار يظهر مخيم المغازي للاجئين وعلى الجانب الآخر منازل هدمها الجيش (أ.ب)

ورصد التقرير أن الجيش شق شبكات طرق جديدة وأقام قواعد جديدة على أنقاض المدن الفلسطينية. كما تم تدمير الأراضي الزراعية. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يهدم البنية التحتية التي تستخدمها حركة «حماس».

لم يتم تحديد الخط الأصفر بدقة مطلقاً، سواء في اتفاق وقف إطلاق النار أو من قِبل المسؤولين الإسرائيليين أو الأميركيين، وقد تم تحديده بشكل غير متسق على الأرض.

وقتلت القوات الإسرائيلية الفلسطينيين الذين اقتربوا من الخط أو عبروه. ويقول الجيش الإسرائيلي إنه يطلق النار على من يعتقد أنهم نشطاء يهددون قواته. لكن من بين القتلى أطفال ومدنيون آخرون على ما يبدو غير مدركين للخط. وقال بعض الجنود إنهم لا يعرفون دائماً على من يطلقون النار، ويتلقون أوامر بقتل أي شخص يعبر الحدود.

وأسفرت الغارات الإسرائيلية عن مقتل مئات الفلسطينيين منذ وقف إطلاق النار. وقتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 1100 فلسطيني منذ بدء وقف إطلاق النار، معظمهم في غارات جوية وهجمات بطائرات مسيَّرة حول غزة. وقد أسفرت هجمات المسلحين عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين خلال الفترة نفسها.

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار، من المفترض أن تسحب إسرائيل قواتها تدريجياً إلى أطراف غزة، ليحل محلها قوة أمنية دولية. إلا أن تنفيذ الاتفاق متوقف منذ أشهر.

وتقول مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن مناطق واسعة يشاهد فيها حفر خندق بالمنطقة الواقعة داخل الخط الأصفر، وأن الرمال التي يتم إخراجها من باطن الأرض يتم استخدامها كساتر ترابي كبير.

وبيَّنت أنه يمكن مشاهدة هذه السواتر الترابية الضخمة والآليات الهندسية الإسرائيلية التي تعمل على تشييده في إطار عملية حفر الخندق، بشكل كبير في مناطق بيت لاهيا وجباليا، وصولاً إلى بعض المناطق شرق مدينة غزة، كما يلاحظ بشكل أوسع في مناطق شرق وسط القطاع من البريج شمالاً وحتى دير البلح جنوباً، ووصولاً إلى أجزاء أخرى في خان يونس حتى رفح.

وأوضحت المصادر أن سكان مواصي شمال غربي رفح، وخان يونس، يشهدون بشكل واضح عملية حفر الخندق ووضع الساتر الترابي والذي يظهر بشكل عالٍ وكبير جداً في تلك المنطقة، مرجحةً وجود علاقة بين عمليات الحفر و محاولة عزل تمركز القوات الإسرائيلية عن المنطقة الإنسانية التي يتم الحديث عنها مؤخراً في إطار خطط «مجلس السلام» لنقل سكان غزيين إليها.

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

ولوحظ في الأيام الأخيرة وضع بوابتين حديديتين تؤديان إلى مناطق غرب رفح وتحديداً حي تل السلطان ومناطق محيطة به، فيما تبدو محاولة للسماح للسكان بالانتقال عبرهما إلى منطقة تل السلطان التي ستكون أولى المناطق التي سيتم تجهيز منطقة إنسانية فيها.

وتقدر المصادر الميدانية أن الهدف الأساسي من إقامة الخندق والساتر الترابي على طول غالبية مساحة القطاع، مع إبقاء مناطق كما هي لإتاحة الفرصة أمام القوات الإسرائيلية التحرك بحرية، هو الحفاظ على عزل تلك القوات عن أي خطر أمني، ومنع أي هجمات مستقبلية ضدها أو محاولة التسلل للمستوطنات.

وكشفت المصادر عن أن «فكرة الخنادق ليست بالجديدة في غزة، وكانت قد أقامتها إسرائيل بمساحة صغيرة ومحدودة في محيط موقع ماغين العسكري شرق المنطقة الوسطى، وقد أفشلت من خلالها عملية كبيرة خططت لها حركة (الجهاد الإسلامي) في عام 2007، مما أدى إلى سقوط العناصر التي حاولت تنفيذ الهجوم فيه ودفنهم في الخندق وقتلهم».


مقالات ذات صلة

إصابة فلسطيني إثر هجوم مستوطنين في شمال الضفة الغربية

المشرق العربي سحابة من الغبار تتصاعد بينما يهدم الجيش الإسرائيلي منزل فلسطيني في مدينة الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

إصابة فلسطيني إثر هجوم مستوطنين في شمال الضفة الغربية

أصيب فلسطيني بجروح، اليوم (السبت)، جراء تعرضه للضرب من قبل مستوطنين في قرية دوما جنوب نابلس بشمال الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي طريق النفق الذي يوصل القدس بمستوطنات ومناطق جنوب الضفة الغربية (الشرق الأوسط)

كيف تسارع الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية؟

شهد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية توسّعاً مستمراً منذ عام 1967 رغم الضغوط الدولية، لكنّ وتيرته تسارعت بشكل ملحوظ منذ عودة نتنياهو إلى السلطة عام 2022.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية لوحات إعلانية إلكترونية خاصة بالانتخابات تظهر كلاً من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (د.ب.أ) p-circle

«الخوف دافعهم الأكبر»... ارتفاع التصويت بين فلسطينيي إسرائيل قد يهدد بقاء نتنياهو

تستعد إسرائيل لتنظيم انتخابات يوم الثلاثاء المقبل، ويبرز دور أصوات فلسطينيي الداخل، الذين يشكّلون نحو 20 في المائة من السكان.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
TT

الخوف من تجدد الحرب يغيّر خريطة السكن في ضاحية بيروت

عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)
عائلات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت على عجل بعد أوامر إسرائيلية بشن غارات على المنطقة وسط موجة نزوح جديدة ومخاوف من اتساع رقعة التصعيد في لبنان (الشرق الأوسط - أرشيفية)

يدفع الخوف من تجدد الحرب سكاناً في الضاحية الجنوبية لبيروت إلى تغيير أماكن إقامتهم، أو استئجار منازل في مناطق أخرى، رغم امتلاك بعضهم منازل سليمة لم تتعرض لأي ضرر. ولم تعد قرارات الانتقال مرتبطة حصراً بالدمار أو الإنذارات بالإخلاء، بل باتت المخاوف من اندلاع مواجهة جديدة عاملاً أساسياً في اختيار مكان السكن، حتى التخطيط للزواج وتمضية سنوات التقاعد.

وتكشف شهادات جمعتها «الشرق الأوسط» عن تحولات في حياة عائلات اختارت الابتعاد عن الضاحية بحثاً عن الأمان، فيما يواصل آخرون الإقامة فيها مع الاحتفاظ بمكان بديل يمكن اللجوء إليه عند الضرورة. وبين من يتحمل إيجاراً إضافياً رغم امتلاكه منزلاً، ومن يستأجر شقة واسعة لاستقبال أفراد عائلتين إذا تجدد النزوح، تتقدم الهواجس الأمنية على الاعتبارات المادية والاجتماعية.

الجيش اللبناني ينفذ تدابير أمنية عند مداخل الضاحية الجنوبية لبيروت قبل أسابيع (قيادة الجيش اللبناني)

منزل الزوجية يتسع لعائلتين

لم يكن اختيار ناديا حوري لمنزل الزوجية قراراً تقليدياً. فالشابة التي تزوجت حديثاً، وكانت تقيم في الضاحية الجنوبية قبل زواجها، قرّرت الانتقال إلى منطقة بشامون، واضعة احتمال تجدد الحرب في مقدمة حساباتها.

وتروي حوري لـ«الشرق الأوسط»: «عندما قررت الزواج، لم أفكر فقط في المنزل الذي سأعيش فيه مع زوجي، بل أيضاً في المكان الذي يمكن أن يلجأ إليه أهلي وأهل زوجي إذا اندلعت حرب جديدة. لذلك اخترت الانتقال إلى بشامون، وحرصت على أن يكون المبنى آمناً والشقة واسعة بما يكفي لاستقبال العائلتين».

وتضيف: «فضّلت تحمل التكلفة الإضافية على أن أجد أهلي أو أهل زوجي مضطرين إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان لاستقبالهم. أردت أن أكون مستعدة لأي طارئ».

مبانٍ مدمرة نتيجة القصف الإسرائيلي في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث يرتفع علم لـ«حزب الله» يوم 6 مايو 2026 (إ.ب.أ)

صدمة القصف تدفع إلى الرحيل

أما لانا شعيب، وهي من سكان منطقة المريجة في الضاحية الجنوبية، فقد استأجرت استوديو صغيراً في الأشرفية، بعدما باتت غير مطمئنة إلى العودة إلى منزلها، فيما غادر والدها ووالدتها إلى قريتهما في البقاع.

وتقول شعيب لـ«الشرق الأوسط» إن «الوضع مقلق والمخاوف الأمنية ليست وحدها ما يدفعنا إلى الابتعاد عن الضاحية، بل أيضاً الظروف المعيشية التي خلّفها القصف».

وتضيف: «المنطقة لا تزال تعاني بسبب كمية الخراب والغبرة والمشاكل في المياه...كل هذه العوامل تجعلني أبحث عن مكان آخر».

لكن العامل الأكثر تأثيراً في قرارها يبقى الخوف من تجدد الغارات، خصوصاً بعد التجربة التي عاشتها خلال إحدى الضربات الليلية، وتوضح أن «عدم وجود ضمانات تحول دون تجدد الحرب يجعل العودة إلى الضاحية خياراً صعباً بالنسبة إليها».

وتكشف شعيب أنها تفكر في مغادرة المنطقة بصورة نهائية، قائلة: «عندما ينتهي هذا الوضع وتعود الأمور إلى طبيعتها، نبيع المنزل ونبحث عن مكان آخر»، مشددة على صعوبة أن يترك الإنسان منزلاً أنفق عليه شقاء عمره.

أحد مباني مؤسسة «القرض الحسن» في الضاحية الجنوبية لبيروت (أرشيفية - أ.ب)

تقاعد بعيداً عن الخوف... ولو بتكلفة إضافية

ولم ينتظر خير الدين، الذي فضّل عدم الكشف عن بقية اسمه، تعرض منزله في منطقة السانت تيريز في الضاحية لأي ضرر حتى يقرر مغادرته. فقد ترك المنزل السليم وانتقل مع زوجته إلى خلدة في جبل لبنان، حيث استأجر منزلاً مقابل 600 دولار شهرياً، رغبة في تمضية سنوات تقاعدهما بعيداً عن الخوف واحتمالات النزوح المتكرر.

ويروي خير الدين لـ«الشرق الأوسط»: «منزلي لم يتضرر، وكان بإمكاننا البقاء فيه، لكننا تعبنا من الخوف ومن احتمال اضطرارنا إلى الهروب مجدداً. وصلنا إلى عمر نريد فيه أن نرتاح ونعيش بهدوء، بعيداً عن القصف والقلق من عودة الحرب».

ويوضح أن قراره الانتقال إلى خلدة ارتبط أيضاً برغبته وزوجته في البقاء بالقرب من أولادهما الذين يقيمون في المنطقة ومحيطها.

ويضيف: «أردنا أن نكون قريبين من أولادنا، وأن نمضي تقاعدنا في مكان نشعر فيه بالأمان. لم نعد نريد أن نعيش كل فترة على أعصابنا، أو نفكر إلى أين سنذهب إذا تجددت الحرب».

ويقرّ خير الدين بأن استئجار منزل مقابل 600 دولار شهرياً، رغم امتلاكه منزلاً صالحاً للسكن، يشكل عبئاً مالياً إضافياً عليه في مرحلة التقاعد، لكنه يبرر قراره بالقول: «راحة البال أصبحت أهم بالنسبة إلينا. نريد أن نعيش ما تبقى من عمرنا بعيداً عن الخوف والهروب».

شاليه صيفي يتحول إلى ملاذ للطوارئ

وعلى خلاف الذين غادروا الضاحية، لا يزال «أبو علي»، الرجل الثمانيني، يقيم في منزله فيها، لكنه اتخذ إجراءً احترازياً باستئجار شاليه في منطقة فاريا بعقد سنوي، تحسباً لاحتمال اندلاع حرب جديدة.

ويروي أبو علي لـ«الشرق الأوسط»: «ما زلت أسكن في الضاحية، ولا أريد ترك منزلي، لكنني استأجرت شاليه في فاريا طوال السنة حتى يكون لدي مكان أذهب إليه إذا تجددت الحرب. أستخدمه عادة في الصيف، لكنني فضّلت الاحتفاظ به تحسباً لأي طارئ».

ويوضح أن تقدمه في السن جعله أكثر حرصاً على تأمين مكان يمكن الانتقال إليه فوراً إذا تدهورت الأوضاع الأمنية، بدلاً من الاضطرار إلى البحث عن مأوى في اللحظات الصعبة.

ويؤكد أبو علي أن استئجار الشاليه لا يعني اتخاذ قرار نهائي بمغادرة الضاحية، بل هو إجراء احترازي فرضته المخاوف من تكرار الحرب، ولا أريد أن أجد نفسي مضطراً إلى النزوح من دون أن يكون لديّ مكان ألجأ إليه».


العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
TT

العراق يسترد 21.4 مليار دينار من شركتين

تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)
تحالف «الإطار التنسيقي» أعلن دعمه إجراءات رئيس الحكومة العراقية لمكافحة الفساد (واع)

في إطار الحملة التي أطلقتها الحكومة العراقية لمكافحة الفساد، تتواصل الإجراءات القضائية بحق متورطين في عمليات فساد مالي. وفي أحدث تطورات الحملة، أعلن ضياء جعفر، قاضي محكمة تحقيق الكرخ الثانية، استرداد مبلغ 21 ملياراً و424 مليون دينار عراقي (نحو 14.1 مليون دولار) من شركتين مخالفتين متهمتين بالاحتيال.

وأوضح جعفر، في بيان صدر يوم الأحد، أن المخالفات ارتُكبت بهدف الاستفادة من فروق أسعار صرف الدولار في عمليات تحويل الأموال إلى خارج البلاد بطرق احتيالية.

وجاء هذا الإعلان بعد أيام من صدور أحكام بالسجن بحق نائبين، لمدة 6 سنوات لأحدهما و5 سنوات للآخر، مع إلزامهما برد مبالغ مالية في قضية فساد تتعلق بعقود مصافي تكرير النفط.

وقضت محكمة مكافحة الفساد، الخميس الماضي، بالسجن 6 سنوات بحق النائب مثنى السامرائي، رئيس كتلة «العزم»، وإلزامه برد مبلغ 30 مليار دينار، قالت المحكمة إنه انتفع بها نتيجة توسطه في عقود مصافي تكرير الشمال والجنوب.

كما قضت المحكمة بالحبس المشدد لمدة 5 سنوات بحق النائب زياد الجنابي، وإلزامه برد مبلغ 4 مليارات دينار، انتفع بها من عقود مصافي الشمال.

وفي قضية ذات صلة، صدر حكم بالسجن لمدة 8 سنوات بحق حسين طالب، المدير العام السابق لشركة توزيع المنتجات النفطية، على خلفية تدخله في ترسية العقود بهدف تحقيق مكاسب شخصية.

وكانت الحكومة العراقية قد شرعت، أواخر يونيو (حزيران) الماضي، في حملة اعتقالات بتهم تتعلق بالفساد الإداري، شملت العشرات من النواب السابقين والحاليين ووكلاء الوزارات والمديرين العامين، في إطار حملة أُطلق عليها حينها اسم «صولة الفجر».

وأطلق رئيس الوزراء علي الزيدي الحملة بعد توليه منصبه في مايو (أيار) الماضي، بهدف ملاحقة المتورطين في قضايا الفساد. غير أن وتيرتها تراجعت لاحقاً تحت ضغوط سياسية، وفق تقارير محلية.

وقال موسى فرج، الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة الاتحادية، إن حملة الزيدي «تمثل تقدماً مقارنة بمراحل سابقة، حين كانت قرارات حكومية تسهم في حماية الفاسدين، أو عرقلة عمل الأجهزة الرقابية والقضائية»، على حد قوله.

وأضاف أن الحملة «حققت نتائج في ملفات مرتبطة بقضية الفساد في المصافي، استناداً إلى إفادات أدلى بها الجميلي أمام الجهات القضائية، فضلاً عن تحركات في قضايا الكسب غير المشروع».

لكنه رأى أن الحملة لا تزال محدودة النطاق، مشيراً إلى أن «ملفات رئيسية، بينها فساد العملة، والعقارات، وتهريب النفط، والموظفون الوهميون، لم تشملها الإجراءات بالقدر نفسه».

وقال فرج، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن من أوجه القصور أيضاً «عدم مساءلة الكتل السياسية التي ينتمي إليها مسؤولون متهمون بالفساد، رغم نفوذ تلك الكتل واستفادتها من بعض المتورطين»، وفق تقديره.

وأضاف أن «استمرار الحملة وفاعليتها يتوقفان على توسيع نطاق التحقيقات وملاحقة الملفات الأوسع، إلى جانب منع الكتل السياسية من استبدال مرشحين تابعين لها بالمحكومين».


زيارات الزيدي إلى دول الجوار... إعادة ترتيب العلاقات الخارجية

رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
TT

زيارات الزيدي إلى دول الجوار... إعادة ترتيب العلاقات الخارجية

رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)
رئيس الوزراء علي الزيدي في مقر جهاز المخابرات العراقي يوم 29 أكتوبر 2026 (واع)

أفاد مصدر حكومي بأن رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لزيارة الكويت والبحرين خلال هذا الأسبوع، ضمن سلسلة زياراته إلى دول الجوار، وذلك بعد أن كان قد زار كلاً من السعودية والأردن وسوريا وتركيا وإيران.

واستناداً إلى الحسابات السياسية وما تُدوول في الأروقة السياسية العراقية، فإن زيارتَي الزيدي إلى السعودية والأردن كانتا تهدفان إلى بناء الثقة مع قيادتي البلدين، لا سيما بعد سلسلة الهجمات التي تعرضت لها الدولتان من قبل الميليشيات المسلحة في العراق.

وفي هذا السياق، قدم الزيدي ضمانات بعدم تكرار مثل هذه الهجمات مستقبلاً، خصوصاً أن إجراءات حصر السلاح ماضية قدماً، رغم رفض بعض الفصائل إياها، أو محاولاتها تأخير تنفيذها عن المواعيد المقررة، التي من المؤمل أن تنتهي بحلول يونيو (حزيران) 2027.

أما زيارته تركيا، فكانت تهدف إلى بحث ملفات جديدة، في مقدمتها مرور النفط العراقي عبر ميناء «جيهان» التركي، و«مشروع طريق التنمية»، إلى جانب الملفات القديمة المتعلقة بالمياه.

ملفات قديمة وآفاق جديدة

وفي حين تترقب الأوساط السياسية الزيارتين المرتقبتين إلى الكويت والبحرين، تشير أبرز المعلومات المتداولة إلى أن القضايا العالقة بين بغداد والكويت ستكون في صدارة المباحثات، في حين سيكون ملف الأقليات أحد محاور زيارة الزيدي إلى البحرين؛ وفق المصادر.

وفي هذا السياق، أفاد مصدر مطلع، في تصريح صحافي، بأن «زيارة الزيدي إلى البحرين والكويت ستتناول محاور مهمة، من بينها معالجة الملفات الشائكة بين العراق والكويت، والمتعلقة بترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وملف «ميناء مبارك» وتأثيره على «ميناء الفاو»، إلى جانب الملف الأمني وأهمية تحقيق الاستقرار في المنطقة».

وأضاف المصدر أن «زيارة رئيس الوزراء إلى البحرين ستركز على التهدئة لضمان استقرار الأمن في المنطقة». وأشار إلى أن «الزيارة التي سيجريها الزيدي ناقش محاورها مع قيادات (الإطار التنسيقي) في وقت سابق».

وكان الزيدي قد أجرى، خلال الفترة الماضية، سلسلة زيارات خارجية، شملت تركيا في 28 يوليو (تموز) 2026، حيث التقى الرئيس رجب طيب إردوغان، ثم السعودية في 14 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث التقى الأمير محمد بن سلمان ولي العهد، والأردن في 26 من الشهر ذاته، حيث التقى الملك عبد الله الثاني.

كما زار سوريا في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، والتقى الرئيس السوري، أحمد الشرع، في دمشق، وبحث الجانبان العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني.

زيارات مفصلية

وفي حين بدت زيارته سوريا مفصلية؛ لأنها الأولى من رئيس وزراء عراقي بعد التغيير السياسي الذي شهدته سوريا عقب إسقاط نظام بشار الأسد ووصول نظام سياسي جديد برئاسة أحمد الشرع، وما أعقب ذلك من ملابسات سياسية وطائفية، فإن الزيارة نجحت، وفقاً لتقديرات المراقبين، في تبديد المخاوف بين الطرفين، فضلاً عن بحث القضايا المشتركة بين البلدين، وفي مقدمتها أمن الحدود، في ظل وجود خلايا لتنظيم «داعش» على جانبي الحدود، بالإضافة إلى بحث إمكانية إعادة تشغيل «خط أنابيب النفط العراقي» عبر ميناء بانياس السوري.

أما الزيارة الوحيدة التي بدت مرتبطة بما يتجاوز إطار العلاقات الثنائية، فهي تلك التي أجراها الزيدي إلى إيران، والتي أثارت كثيراً من التكهنات في الأوساط العراقية، من بينها احتمال نقل رسائل أميركية حازمة إلى طهران، لا سيما أن الزيارة جاءت بعد زيارة الزيدي الولايات المتحدة خلال شهر يوليو الماضي.

معادلة التسويات

رجل يلوّح بالعلم العراقي في «ساحة التحرير» ببغداد (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، قال عضو البرلمان العراقي السابق القيادي في تحالف «العزم»، حيدر الملا، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنطقة تعيش حالة من الصراع، والعراق لا يحمل تأثيراً في هذه المعادلة الدولية، وليس جزءاً من معادلة التسويات، بل هو متأثر بما يجري».

وأضاف الملا أن «الزيارات المكوكية التي يجريها رئيس مجلس الوزراء تمثل خطوات إيجابية تندرج ضمن المسار الصحيح للدولة، لكيلا يُحسب العراق ضمن سياسة المحاور». وأوضح أن «العراق ينوي فتح بوصلة الحوار مع دول الجوار العربي وغير العربي، وهي خطوة إيجابية تبعدنا عن الاصطفافات الجارية في المنطقة».

من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المستنصرية، عصام الفيلي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «رئيس الوزراء يحرص على إقامة علاقات متوازنة بجميع دول المنطقة، مستنداً في ذلك إلى أهمية موقع العراق الجيوسياسي، وما يمتلكه من قدرات بشرية وموارد تمكنه من الانفتاح على العالم».

وأضاف الفيلي أن «الزيدي يريد تأسيس علاقة استراتيجية مع الدول العربية عبر المصالح الاقتصادية بشكل رئيسي، وهو يدرك أهمية العراق بالنسبة إلى دول الخليج، بما يسهم مستقبلاً في عودته إلى المنظومة الخليجية».

وأوضح أن «العراق يجب أن يسهم في استقرار المنطقة في مرحلة ما بعد الحرب، لا سيما أن سياسة الأحلاف والمحاور في المنطقة باتت أوضح من السابق، وأن الزيدي ينوي إبعاد العراق عن سياسة المحاور والاصطفافات».

واختتم الفيلي بالقول إن «الزيدي نجح في تحجيم دور أذرع إيران في المنطقة، بعد محاولات لتحرير العراق من الضغوط الإيرانية، وهو ما يمثل، في نهاية المطاف، رسالة إلى دول الخليج مفادها بأن القرار العراقي سيكون قراراً مؤثراً، بما يسهم في تعزيز العلاقات بجميع الدول العربية».