العراق على أعتاب هيكلة «الحشد الشعبي»

الصدر سلّم مقاتلي «السرايا» إلى الدولة... ولجنة عسكرية لدمج الفصائل

أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
TT

العراق على أعتاب هيكلة «الحشد الشعبي»

أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)
أعضاء «سرايا السلام» خلال مراسم في سامراء يوم 4 يونيو 2026 بمناسبة إعلان اندماجهم بالقوات الأمنية العراقية (أ.ف.ب)

سلّم الجناح العسكري لزعيم التيار الصدري، الخميس، الملف الأمني لمدينة سامراء إلى الجيش العراقي، ضمن مراسم رمزية تضمنت إنزال راية الفصيل في مقر العمليات.

وتزامنت الخطوة التي يراها مراقبون «نقلة نوعية»، مع إعلان الناطق باسم القوات المسلحة العراقية «الشروع بإعادة هيكلة تشكيلات (الحشد الشعبي) وضمان حقوق منتسبيه».

وقال سعد معن، رئيس خلية الإعلام الأمني، إن «جميع مقاتلي (سرايا السلام) التابعين لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر باتوا الآن تحت إمرة رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة».

وأظهرت لقطات مصورة بثها التلفزيون الحكومي عناصر من «سرايا السلام» وهم ينزلون راية فصيلهم من أمام مقر العمليات بحضور لجنة عسكرية أوفدها رئيس الحكومة علي الزيدي.

و«سرايا السلام» منضوية في هيئة «الحشد الشعبي» عبر الألوية «313» و«314» و«315»، وتتولى مهام أمنية في مناطق عدة، أبرزها سامراء.

وكان الصدر قد أعلن في 27 مايو (أيار) الماضي دمج جناحه العسكري «سرايا السلام» في الدولة، داعياً فصائل «الحشد الشعبي» إلى تسليم سلاحها.

وخلال أسبوع واحد، أعلن كل من «عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» انفصالهما أيضاً عن «الحشد الشعبي»، في حين تواصل «كتائب حزب الله» وحركة «النجباء» رفضهما الاستجابة لمطالب نزع السلاح، وتفكيك الفصائل.

«السرايا» تحت إمرة «القائد»

بعد مراسم تسليم الملف الأمني، قال نائب قائد العمليات المشتركة، قيس المحمداوي، خلال مؤتمر صحافي، إن دمج «سرايا السلام» يعني ربطها بالقائد العام للقوات المسلحة، مؤكداً «تشكيل لجنة بأمر ديواني لإعادة ارتباط وتوزيع التشكيلات المسلحة لتبتعد عن أي عنوان أو تشكيل سياسي آخر».

وتتمركز ألوية «سرايا السلام» في مدينة سامراء منذ تفجير مرقد الإمام العسكري في يونيو (حزيران) 2007. وليس من الواضح ما إذا كان عناصر «سرايا السلام» سيغادرون المدينة للمرة الأولى منذ 19 عاماً، لكن مصدراً عسكرياً أبلغ «الشرق الأوسط» أن الفصيل سلّم جميع مقراته إلى الجيش، في حين يتبع مقاتلوه القائد العام للقوات المسلحة.

مع ذلك، ما زالت تفاصيل عمليات التفكيك ونزع السلاح تفتقر إلى كثير من الوضوح بحسب مراقبين، كما تثار كثير من الأسئلة حول نوعية وحجم الأسلحة التي تمتلكها الفصائل، وإذا ما كانت ستقوم فعلاً بتسليمها إلى السلطات الحكومية، وتتخلى عنها بشكل كامل.

وأفاد مسؤول أمني عراقي بأن آلية حصر السلاح بيد الدولة «لا تزال غير واضحة»، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية». بيد أن وسائل إعلام محلية تداولت مزاعم عن طرح مبادرة للنقاش أمام تحالف «الإطار التنسيقي» تتضمن «تأمين عشرات الآلاف من الوظائف الحكومية في المؤسسات الأمنية الرسمية للأفراد الذين وافقت فصائلهم المسلحة على الانفكاك».

أعضاء «سرايا السلام» أصبحوا تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة (أ.ف.ب)

هيكلة «الحشد الشعبي»

في تطور لافت، أعلن الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، أن اللجنة المشكّلة بتوجيه من القائد العام للقوات المسلحة باشرت عملها لحصر السلاح بيد الدولة، مبيناً أن فك الارتباط بـ«الحشد الشعبي» يتضمن إعادة هيكلة التشكيلات وضمان حقوق المنتسبين.

وهذه هي المرة الأولى التي يشار فيها رسمياً إلى مصطلح «هيكلة تشكيلات (الحشد الشعبي)» منذ تأسيسه عام 2014 بهدف محاربة تنظيم «داعش».

وقال النعمان إن «مصطلح (فك الارتباط) يتضمن أطراً إدارية وإعادة هيكلة هذه التشكيلات ضمن الأجهزة الأمنية، وضمان حقوق المقاتلين وإدماجهم مع التشكيلات العسكرية».

وحسب الناطق العسكري، فإن «اللجنة تشكلت وباشرت أعمالها، وستضع الآليات لدمج وانضمام التشكيلات المعنية، وتسليم الأسلحة والمعدات والمعسكرات إلى الجهات الأمنية العراقية».

وأوضح النعمان أن «كل الأسلحة وكل المعدات سيتم تسليمها إلى اللجنة المركزية وإلى الجهات الأمنية العراقية، وخلال يومين سيتم تسليم جرد كامل إلى اللجنة المركزية التي هي بإشراف وتوجيه ومتابعة مباشرة من القائد العام للقوات المسلحة».

وتضم اللجنة جهات متعددة منها «الدفاع»، و«الداخلية»، وقيادة العمليات المشتركة، وهيئة «الحشد الشعبي».

وفوَّض «الإطار التنسيقي» رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، وأيَّد «حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط هيئة (الحشد الشعبي) عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية».

جانب من مراسم انفصال «سرايا السلام» عن التيار الصدري واندماجهم في المؤسسات الأمنية (أ.ف.ب)

ما التالي؟

من المتوقع أن تبادر «عصائب أهل الحق» التي يقودها قيس الخزعلي إلى خطوة مماثلة للتيار الصدري، بعدما اتفقت مع رئيس الحكومة على تشكيل لجنة للانفصال عن «الحشد الشعبي». والخزعلي خاضع لعقوبات أميركية، وهو أحد قادة «الإطار»، صاحب أكبر كتلة في البرلمان، وتعزّز نفوذه السياسي مع فوزه في الانتخابات النيابية الأخيرة بـ27 مقعداً. ويؤكد مصدر مقرّب من «العصائب» أنها «تعتبر حالياً العمل السياسي والوجود في الحكومة أهم من القتال (...). لذلك تريد أن تعطي تطمينات للولايات المتحدة». كذلك قالت «كتائب الإمام علي» إنها ستشكّل لجنة لـ«متابعة عملية الجرد والتسليم والنقل تحت إشراف» الزيدي، وأخرى لـ«متابعة شؤون الأفراد والمنتسبين وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة». عملياً، يعني ذلك أن «كل القرارات المتعلقة بألويتهما بـ(الحشد الشعبي)»، ستصبح في يد الزيدي «من الناحية الإدارية»، وفق مصدر مقرّب من الفصائل.

ورحّب المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم برّاك بخطوة «ستسهم في بناء النظام»، وبمبادرة رئيس الوزراء علي الزيدي الذي تعهّد منذ تسلّمه منصبه الشهر الماضي حصر السلاح بيد الدولة. ويأتي ذلك في ظلّ اكتساب واشنطن نقاطاً سياسية واقتصادية في العراق، مقابل تراجع نفوذ طهران الإقليمي منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة بين إسرائيل و«حماس» المدعومة من طهران في 2023، ثم الحرب الإسرائيلية الأولى ضد إيران في 2025، ثم الحرب الثانية التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في فبراير (شباط)، وطالت تداعياتها العراق.

خطة نزع السلاح

كانت «الشرق الأوسط» كشفت في 9 مايو 2026 عن لجنة عراقية تضم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، تعمل على إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة.

وكانت اللجنة قد عرضت على قادة ميليشيات «أفكاراً بشأن كيفية نزع السلاح»، لكن بعض الاجتماعات «لم تكن تمر بهدوء»، على حدّ وصف مطلعين.

وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات. لكن مصادر سياسية شكّكت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، عادّةً أنه قد يهدف إلى «شراء الوقت».


مقالات ذات صلة

الزيدي لإقناع «الكونغرس» بصفحة موثوقة مع العراق

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض 14 يوليو الحالي(أ.ف.ب) p-circle

الزيدي لإقناع «الكونغرس» بصفحة موثوقة مع العراق

يحاول رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إقناع واشنطن بأن بغداد مستعدة لفتح صفحة جديدة وموثوقة في العلاقات الثنائية.

هبة القدسي (واشنطن)
المشرق العربي عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية) p-circle

العراق يحقق في صواريخ ومسيرات مهربة إلى سوريا

أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، الخميس، تشكيل لجنة تحقيقية للنظر في ملابسات إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ عبر الحدود العراقية باتجاه سوريا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي قلعة أربيل في إقليم كردستان العراق (متداولة)

الزيدي يشدد على منع تكرار هجمات المسيّرات في أربيل

أدان القائد العام للقوات المسلحة العراقية، علي الزيدي، الخميس، الهجوم بالطائرات المسيّرة الذي استهدف أربيل، وتعهد بعدم التهاون مع أي محاولة تهدد أمن البلاد...

«الشرق الأوسط» (أربيل)
المشرق العربي صورة وزعتها «الداخلية» السورية لصواريخ مهربة من العراق وضبطت يوم 16 يوليو 2026

مصادر: أسلحة هُربت من العراق إلى سوريا بوثائق نظامية

قالت مصادر أمنية عراقية، الخميس، إن شحنة تضم أسلحة وصواريخ وطائرات مسيّرة نُقلت من العراق إلى سوريا، بعد تسجيلها رسمياً على أنها حمولة من «النفط الأسود».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»

تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

قال تقرير بحثي بريطاني حديث، الخميس، إن مكافحة الفساد في العراق «دخلت منعطفاً بنيوياً حاسماً، مدفوعةً بضغوط دولية ومخاوف إقليمية متصاعدة»...

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

ينتظر الجيش اللبناني «الضوء الأخضر» لدخول المناطق التجريبية في جنوب لبنان، تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، حيث من المزمع أن يُعقد اجتماع ثلاثي عبر تقنية الفيديو اليوم (الجمعة)، بين ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي بمشاركة ممثلين عن الجيش الأميركي، للاتفاق على الآلية التنفيذية وتحديد جغرافية المنطقة التجريبية.

وكثف الجيش اللبناني إجراءاته العسكرية والأمنية في بعض القرى المقترحة لتكون ضمن المنطقة التجريبية، حيث أعلن تدابير شملت بلدات في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية، وتقضي بتسيير دوريات وإقامة حواجز ونقاط مراقبة.

ويُنظَر إلى نجاح انتشار الجيش على أنه أول خطوة عملية على طريق عزل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني. وقالت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن تثبيت النجاح «ينتظر أن يُحسم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه».

في المقابل، توعّد «حزب الله» بإسقاط الاتفاق «شعبياً»، إذ قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «إنّه اتفاق غير قابل للحياة ولن يتمكّن الصهاينة من فرض تطبيقه، وسيُسقط شعبنا مفاعيله على الأرض».


سوريا تضبط صواريخ مهرَّبة من العراق

أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
TT

سوريا تضبط صواريخ مهرَّبة من العراق

أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، أمس (الخميس)، ضبط شحنة صواريخ وأسلحة مهرَّبة قادمة من العراق، قالت إنها كانت مخبَّأة داخل صهريج نفط ومتجهة، حسب تحقيقاتها الأولية، إلى «حزب الله»، اللبناني، بينما تحيط شبهات بفصائل ومسؤولين في معبر حدودي رسمي.

وقالت دمشق إن الشحنة ضُبطت عند معبر التنف وكانت تضم صواريخ وطائرات مسيَّرة وأسلحة مضادة للدروع.

أما في بغداد، فقد أعلنت قيادة العمليات المشتركة تشكيل لجنة تحقيق بأمر من رئيس الحكومة علي الزيدي للنظر في ملابسات الحادث، والتنسيق مع الجانب السوري، ومحاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره.

وقالت مصادر عراقية إن التحقيق يشمل آلية عبور الصهريج عبر منفذ الوليد وإجراءات التفتيش، وسط تقارير عن شبهات تواطؤ مسؤولين وفصائل مسلحة، فيما لم يصدر تعليق من «حزب الله» على الاتهامات.

وأكدت السلطات السورية أن العملية جاءت بعد رصد المركبة وتفتيشها، فيما قالت بغداد إنها تعمل على تعزيز أمن الحدود المشتركة ومنع تكرار الحوادث.


تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
TT

تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

كشفت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، حيثيات جريمة التفجير الإرهابي الذي نفذه تنظيم ‏«داعش» واستهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق في 22 يونيو (حزيران) 2025، ‏ومخططاً متزامناً لاستهداف مقام السيدة زينب، مؤكدةً أن الهدف كان «ضرب النسيج ‏المجتمعي وتأليب الرأي العام ضد الدولة السورية الجديدة».‏

نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان قال في مقطع مصور نشرته الوزارة، إن ‏تنظيم «داعش» استغل الفترة الأولى من تحرير سوريا وسقوط الأنظمة الأمنية والعسكرية ‏والغياب التام لقوات الأمن، فتحرك من الصحراء السورية نحو المحافظات والعمق ‏السوري، إضافة إلى السيطرة على بعض مخازن الأسلحة والمتفجرات، ما منحه القدرة ‏على تنفيذ عمليات في بداية مرحلة التحرير.‏

وأوضح طحان أن التنظيم قبل التحرير كان يستهدف فصائل الثورة والمعارضة، ولم تُرصد في ‏المناطق المحررة سابقاً عمليات ضد الطوائف الموجودة فيها، ‏مشيراً إلى أن 99 في المائة من عمليات «داعش» كانت تستهدف فصائل الثورة.‏ غير أن استراتيجية «داعش» تغيرت بعد تحرير سوريا، بحسب تقرير «الداخلية السورية»؛ فبعد انخراط الفصائل العسكرية ‏في وزارة الدفاع وإعادة بناء الأنظمة الأمنية والعسكرية، انتقل التنظيم إلى استهداف ‏مكونات أخرى في المجتمع السوري، مثل استهداف التنظيم للشيعة في مقام السيدة زينب، ‏والمسيحيين في بعض المناطق، ومنها كنيسة مار إلياس في دمشق.‏

وزارة الداخلية السورية تداهم وكر منفذي هجوم كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو 2025 (الإخبارية السورية)

وبيّن طحان أن وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات تمكنا خلال الفترة الماضية من تطوير ‏أساليب لمواجهة «داعش» وتجفيف منابع تمويله، مشيراً إلى أن عدد عناصر التنظيم المعتقلين بلغ ‏نحو 1300 عنصر، بينهم قيادات بارزة، وتم خلال الفترة الماضية تدمير 34 خلية ‏للتنظيم.‏

وأضاف أن خلايا «داعش» نفذت عمليات ضد الدولة السورية ومؤسساتها، منها استهداف ‏دورية للجمارك بين إدلب وحلب، حيث تم تفكيك الخلية والقبض على عناصرها، إضافة ‏إلى تفكيك خلايا مسؤولة عن عمليات اغتيال في الساحل السوري.‏

آليات عمل التنظيم

في اعترافاته، قال أحد الإرهابيين الموقوفين إن التنظيم بدأ بعد سقوط النظام الانتقال من الصحراء ‏إلى المدن السورية لإعادة تنظيم صفوفه، وتشكيل خلايا متفرقة بين المحافظات بهدف ‏تسهيل الحركة والاختباء بين أفراد المجتمع.‏

وقال عبد الإله الجميلي من الحجر الأسود في دمشق، إنه انضم إلى التنظيم عام 2017، ‏وشارك في نقل شخصين من النبك إلى دمشق، واكتشف لاحقاً أن أحدهما ‏لديه مهمة في الكنيسة.‏

وقال الإرهابي «أبو وقاص»، إن «أبو مجاهد» شرح له خطة تنفيذ التفجير في الكنيسة؛ إذ تضمنت إطلاق النار على الناس، ثم تفجير نفسه. كما تحدث عن مخطط ‏آخر لاستهداف مقام السيدة زينب.‏

وأوضح أحد الإرهابيين أن التوجيهات في البداية كانت استهداف نقاط حكومية لإظهار ‏ضعف الحكومة أمنياً، وقال إن في كل ولاية للتنظيم مسؤولين عسكريين وأمنيين يختارون ‏الأهداف.‏

عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات يوم 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

الدولة تحمي جميع أبنائها

من جهته، قال أحد الضباط في إدارة مكافحة الإرهاب إن استراتيجية التنظيم كانت تقوم ‏على استهداف دور العبادة ذات الطابع الخاص بهدف خلق ‏شرخ بين هذه المكونات، وإضعاف الدولة الجديدة.‏

وأوضح أن التفجير الأول في الكنيسة كان مسؤولاً عنه شخص غير قادر على الرفض، في حين تم تأجيل العملية الثانية التي كانت تستهدف مقام السيدة زينب بسبب الحالة الأمنية ‏والتدقيق الأمني.‏ وأشار إلى أن مراقبة كنيسة مار إلياس أُوكلت إلى الإرهابي المدعو خالد أبو عائشة، الذي ‏تلقى أمراً بتنفيذ العملية في الكنيسة.‏

الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري لـ«داعش» داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وفي تصريح لوكالة «سانا»، قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بوزارة الداخلية عبد الرحمن خضرة، إن آيديولوجية «داعش» تقوم على الجرائم، وإن التنظيم لا يجد مشكلة في استهداف المدنيين أو ‏المتظاهرين أو عناصر وزارتَي الدفاع والداخلية، وإنه أوغل في الدماء منذ ‏نشأته.‏

وأكد خضرة أن الدولة تحمي جميع أبنائها من جميع المكونات، وتحافظ على النسيج ‏الاجتماعي، وتقوم بواجبها في حماية المناسبات الدينية.‏

مطالبات بالعدالة

في شهادات الناجين وذوي الضحايا، قالت ماري برهوم إنها دخلت الكنيسة بعد التفجير، ‏ورأت الدماء على الدرج، وشمت رائحة الدم والبارود والبلاستيك، مؤكدةً أنها صُدمت من ‏المشهد.‏

وقالت أم سهام إنها وجدت ابنتها على الأرض، وإنها فتحت عينَيها عندما نادتها، قبل ‏نقلها إلى المستشفى.‏ وقال ذوو الضحايا إنهم يطالبون بالعدالة، مؤكدين أن السوريين عاشوا معاً، وأن محاولات ‏إثارة الفتنة لن تنجح.‏

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في يونيو 2025 إلقاء القبض على متزعم خلية تتبع «داعش» ‏و5 آخرين متورطين في الاعتداء الإرهابي على كنيسة مار إلياس.