العراق: «مواجهة مؤجلة» بين الحكومة وفصائل ترفض حصر السلاح

الزيدي يشكّل لجنة لتنفيذ القرار... و«النجباء» تتمسك بـ«المقاومة»

أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)
أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)
TT

العراق: «مواجهة مؤجلة» بين الحكومة وفصائل ترفض حصر السلاح

أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)
أفراد من «عصائب أهل الحق» يشاركون في مسيرة يوم القدس ببغداد يوم 1 يوليو 2016 (أ.ب)

يشير مراقبون في بغداد إلى إمكانية اندلاع مواجهة كانت مؤجلة مع الفصائل الرافضة لمبدأ «حصر السلاح بيد الدولة» الذي أعلنت عنه مجموعات سياسية، ورحبت به كل الحكومة العراقية والولايات المتحدة.

تأتي هذه التوقعات بالتزامن مع تقارير عن إمكانية إقرار الحكومة التي يقودها علي الزيدي، المدعوم أميركياً، تعيينات عسكرية لمناصب في «الحشد الشعبي» بهدف إعادة هيكلة الهيئة.

وخلال أسبوع واحد، أعلن «التيار الصدري» و«عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي»، انفصالها عن «الحشد الشعبي».

وبينما كانت هذه الفصائل تشرف على ما مجموعه نحو 7 ألوية داخل الهيئة، لم يعد مقاتلوها يتلقون أوامرهم، ظاهرياً، من الزعامات السياسية والحزبية.

ويوم الأربعاء، اتفق رئيس الحكومة علي الزيدي، مع وفدين من «حركة عصائب أهل الحق» و«كتائب الإمام علي» على تشكيل لجنة مشتركة لتنفيذ إجراءات حصر السلاح بيد الدولة خلال اليومين المقبلين.

وقال الزيدي، في بيان صحافي، إن العراق يشهد اليوم تحولاً مهماً في ظل ما تحقق من استقرار أمني كبير، الأمر الذي يجعل المرحلة الحالية مرحلة بناء وإعمار وتنمية شاملة.

من جهته، دعا رئيس مجلس القضاء فائق زيدان، الأربعاء، فصائل المقاومة إلى «الالتحاق بإخوتها ونزع السلاح»، فيما وجه الشكر إلى زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وأمين حركة «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، وأمين «كتائب الإمام علي» شبل الزيدي، على تأييدهم حصر السلاح.

في غضون ذلك، جددت «حركة النجباء»، الأربعاء، موقفها الرافض لـ«نزع السلاح» وتمسكها بـ«المقاومة». وقالت الحركة في بيان صحافي، إن «النجباء ثابتة ولم ولن تتغير بخصوص السلاح المقدس المنضبط الذي وُجد للدفاع عن عراق المقدسات وشعبه».

وكان زعيم الحركة أكرم الكعبي، قد اتهم في منشور على «إكس»، إسرائيل، بـ«تحريض القائم بالأعمال السفارة الأميركية في العراق للحديث حول سلاح المقاومة»، معرباً عن أسفه على أن «البعض القليل (من العراقيين) صار بوقاً لهؤلاء»، داعياً الفصائل المسلحة إلى «رفض أصل الحديث في هذا الأمر».

ويشكك كثيرون فيما بات يُعرف بـ«حصر السلاح»، بسبب غياب الآليات الفنية الواضحة التي سوف تتبعها الحكومة، إلى جانب الصمت الإيراني حيال سلاح وكلائها في بغداد.

ويعد كل من «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» أبرز فصيلين أعلنا صراحةً رفض «حصر السلاح»، وتمسكهما بـ«خيار المقاومة»، كما هدد فصيل مجهول يحمل اسم «أصحاب أهل الكهف» باستئناف العمليات ضد إسرائيل.

وتتسارع المواقف المؤيدة من فصائل عراقية لـ«حصر السلاح بيد الدولة»، وسط ارتياح أميركي لحصول رئيس الوزراء علي الزيدي على تفويض سياسي لـ«تثبيت الاستقرار في البلاد».

وفوَّض «الإطار التنسيقي» الزيدي باتخاذ القرارات والإجراءات الكفيلة بحفظ المصالح العليا للبلاد، وأيَّد «حصر السلاح بيد الدولة، وفك ارتباط (الحشد الشعبي) بالأُطر السياسية والحزبية».

وكان القائم بأعمال السفارة الأميركية، جوشوا هاريس، قد وصف تفويض «الإطار التنسيقي» للزيدي بأنه «خطوة نوعية في طريق ترسيخ الاستقلال والسيادة لمستقبل العراق الواعد»، مؤكداً «دعم واشنطن الإجراءات الحكومية الرامية لحصر السلاح».

رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي خلال لقائه القائم بأعمال السفارة الأميركية جوشوا هاريس (إعلام حكومي)

المواجهة

وقالت مصادر سياسية، لـ«الشرق الأوسط»، إن زعامات سياسية ومسؤولين حكوميين يراقبون من كثب مواقف الجماعات الممانعة لحصر السلاح وفق تفاهمات وطنية، مضيفين أن «باب المواجهة سيبقى مفتوحاً سواء بين الحكومة العراقية والفصائل المتمردة، أو بين واشنطن وبين طهران التي لم تبارك ولم تعارض إعلان باقي الفصائل نيتها تسليم سلاحها».

وكان توم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق وسوريا، قد هنأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بشأن البدء في حصر السلاح بيد الدولة، واصفاً الخطوات الأخيرة بأنها تمثل تقدماً مهماً نحو ترسيخ الاستقرار واستعادة السيادة.

وقال برّاك، في منشور على «إكس»، إن خطوة حصر السلاح تشكل اللبنة الأولى لحكم عراقي متجدد قائم على الإدارة الذاتية.

ومن اللافت أن يشيد برّاك بالمجموعات الشيعية التي قررت إعادة جميع الأسلحة إلى الدولة العراقية، معتبراً أن قرارها يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز النظام والاستقرار وبناء مؤسسات الدولة.

في المقابل، تكتفي الحكومة العراقية بالترحيب بمواقف الفصائل المسلحة دون الإفصاح عن خطتها العملية لحصر السلاح، كما لم يتبين حتى الآن مَن الجهة الحكومية المسؤولة عن تسلم السلاح.

ويقول مراقبون أمنيون إن تركيز الولايات المتحدة ينصبّ على نزع أسلحة استراتيجية من قبيل المسيَّرات الانتحارية والصواريخ الجوالة والقاذفات المضادة للدروع، ولا تتوافر بيانات دقيقة عمَّا تمتلكه الفصائل منها.

في المقابل، تفيد تقارير أمنية بأن جزءاً من الخطة يتضمن «إعادة تنظيم وهيكلة الحشد الشعبي من خلال بعض التغييرات في القيادات الحالية، وإشراك قيادات عسكرية تمتلك الخبرة في إدارة البنى التحتية لمقاتل الهيئة».

أفراد من «الحشد الشعبي» (أرشيفية - د.ب.أ)

صراع النفوذ

ويرصد مراقبون تحولات في «صراع النفوذ» بين واشنطن وطهران في المشهد العراقي. ويقول إحسان الشمري، رئيس «مركز التفكير السياسي»، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن «الولايات المتحدة لن تكون مضطرة إلى تقاسم النفوذ مع طهران في العراق بعد ميزان القوى الجديد في المنطقة».

وبخصوص ملف الفصائل الموالية لإيران، لا يرى الشمري «إعلان 4 أو 5 فصائل تسليم أسلحتها كافياً لإقناع واشنطن بنهاية هذا الملف المعقد، خصوصاً أن (كتائب حزب الله) و(كتائب سيد الشهداء) و(النجباء) تمتلك الترسانة الأشد خطورة، ولا تزال ترفض تسلمه».

وأوضح الشمري أن «القرار الأميركي يقضي بأن يكون العراق منزوع السلاح من يد حلفاء إيران وإنهاء منظومتهم بكل مستوياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية».

من جهته، يرى الباحث عباس عبود سالم أن «عملية حصر السلاح ستميز من الناحية العملية بين الجماعات المنخرطة في الحياة السياسية عبر التمثيل في البرلمان والعمل في الحكومة وبين الجماعات المرتبطة بإيران عقائدياً وسياسياً»، مشيراً إلى أن الأخيرة «ترى وجودها واستمرار سلاحها جزءاً من وظيفة إقليمية للصدام مع الولايات المتحدة».

خطة نزع السلاح

كانت «الشرق الأوسط» كشفت في 9 مايو (أيار) 2026 عن لجنة عراقية تضم رئيس الوزراء المكلّف علي الزيدي، تعمل على إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل المسلحة، تمهيداً لعرضه على واشنطن، وسط ضغوط أميركية متصاعدة لإبعاد الميليشيات عن الحكومة الجديدة ومفاصل الدولة.

وكانت اللجنة قد عرضت على قادة ميليشيات «أفكاراً بشأن كيفية نزع السلاح»، لكن بعض الاجتماعات «لم تكن تمر بهدوء»، على حدّ وصف مطلعين.

وتشمل الخطة نزع الأسلحة الثقيلة والمتوسطة وإعادة هيكلة «الحشد الشعبي» بالتزامن مع تغييرات مرتقبة في أجهزة أمنية حساسة، قد تشمل جهاز المخابرات.

لكن مصادر سياسية شكّكت في قدرة الحكومة على تنفيذ المشروع، عادّةً أنه قد يهدف إلى «شراء الوقت». في المقابل، أعلنت فصائل بارزة، بينها «كتائب حزب الله» و«النجباء»، رفضها تسليم السلاح «مهما كان الثمن».


مقالات ذات صلة

الزيدي لإقناع «الكونغرس» بصفحة موثوقة مع العراق

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض 14 يوليو الحالي(أ.ف.ب) p-circle

الزيدي لإقناع «الكونغرس» بصفحة موثوقة مع العراق

يحاول رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إقناع واشنطن بأن بغداد مستعدة لفتح صفحة جديدة وموثوقة في العلاقات الثنائية.

هبة القدسي (واشنطن)
المشرق العربي عنصر أمن سوري يحمل أجزاء من مسيرة تم تهريبها من العراق وضبطت في معبر التنف (الداخلية السورية) p-circle

العراق يحقق في صواريخ ومسيرات مهربة إلى سوريا

أعلنت قيادة العمليات المشتركة العراقية، الخميس، تشكيل لجنة تحقيقية للنظر في ملابسات إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وصواريخ عبر الحدود العراقية باتجاه سوريا.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي قلعة أربيل في إقليم كردستان العراق (متداولة)

الزيدي يشدد على منع تكرار هجمات المسيّرات في أربيل

أدان القائد العام للقوات المسلحة العراقية، علي الزيدي، الخميس، الهجوم بالطائرات المسيّرة الذي استهدف أربيل، وتعهد بعدم التهاون مع أي محاولة تهدد أمن البلاد...

«الشرق الأوسط» (أربيل)
المشرق العربي صورة وزعتها «الداخلية» السورية لصواريخ مهربة من العراق وضبطت يوم 16 يوليو 2026

مصادر: أسلحة هُربت من العراق إلى سوريا بوثائق نظامية

قالت مصادر أمنية عراقية، الخميس، إن شحنة تضم أسلحة وصواريخ وطائرات مسيّرة نُقلت من العراق إلى سوريا، بعد تسجيلها رسمياً على أنها حمولة من «النفط الأسود».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
شؤون إقليمية صورة وزَّعها القضاء العراقي لمَبالغ نقدية ضُبطت داخل صناديق وأكياس مقيَّدة بختم «البنك المركزي»

تقرير بريطاني: معركة العراق ضد الفساد تتحول إلى «ضرورة دولية»

قال تقرير بحثي بريطاني حديث، الخميس، إن مكافحة الفساد في العراق «دخلت منعطفاً بنيوياً حاسماً، مدفوعةً بضغوط دولية ومخاوف إقليمية متصاعدة»...

«الشرق الأوسط» (لندن)

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
TT

الجيش اللبناني ينتظر الضوء الأخضر لدخول «المناطق التجريبية»

مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)
مبنى السفارة الأميركية في روما حيث عُقدت الجولة السادسة من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية الأربعاء الماضي (أ.ب)

ينتظر الجيش اللبناني «الضوء الأخضر» لدخول المناطق التجريبية في جنوب لبنان، تطبيقاً لـ«اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، حيث من المزمع أن يُعقد اجتماع ثلاثي عبر تقنية الفيديو اليوم (الجمعة)، بين ممثلين عن الجيشين اللبناني والإسرائيلي بمشاركة ممثلين عن الجيش الأميركي، للاتفاق على الآلية التنفيذية وتحديد جغرافية المنطقة التجريبية.

وكثف الجيش اللبناني إجراءاته العسكرية والأمنية في بعض القرى المقترحة لتكون ضمن المنطقة التجريبية، حيث أعلن تدابير شملت بلدات في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية، وتقضي بتسيير دوريات وإقامة حواجز ونقاط مراقبة.

ويُنظَر إلى نجاح انتشار الجيش على أنه أول خطوة عملية على طريق عزل المسار التفاوضي اللبناني عن المسار الإيراني. وقالت مصادر لبنانية لـ«الشرق الأوسط» إن تثبيت النجاح «ينتظر أن يُحسم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه».

في المقابل، توعّد «حزب الله» بإسقاط الاتفاق «شعبياً»، إذ قال النائب عن الحزب حسن فضل الله: «إنّه اتفاق غير قابل للحياة ولن يتمكّن الصهاينة من فرض تطبيقه، وسيُسقط شعبنا مفاعيله على الأرض».


سوريا تضبط صواريخ مهرَّبة من العراق

أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
TT

سوريا تضبط صواريخ مهرَّبة من العراق

أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)
أسلحة وصورايخ ومسيرات صواريخ وذخائر ضبطها الأمن السوري داخل ناقلة نفط متجهة من العراق باتجاه ميناء بانياس البحري (الداخلية السورية)

أعلنت السلطات السورية، أمس (الخميس)، ضبط شحنة صواريخ وأسلحة مهرَّبة قادمة من العراق، قالت إنها كانت مخبَّأة داخل صهريج نفط ومتجهة، حسب تحقيقاتها الأولية، إلى «حزب الله»، اللبناني، بينما تحيط شبهات بفصائل ومسؤولين في معبر حدودي رسمي.

وقالت دمشق إن الشحنة ضُبطت عند معبر التنف وكانت تضم صواريخ وطائرات مسيَّرة وأسلحة مضادة للدروع.

أما في بغداد، فقد أعلنت قيادة العمليات المشتركة تشكيل لجنة تحقيق بأمر من رئيس الحكومة علي الزيدي للنظر في ملابسات الحادث، والتنسيق مع الجانب السوري، ومحاسبة أي مسؤول يثبت تقصيره.

وقالت مصادر عراقية إن التحقيق يشمل آلية عبور الصهريج عبر منفذ الوليد وإجراءات التفتيش، وسط تقارير عن شبهات تواطؤ مسؤولين وفصائل مسلحة، فيما لم يصدر تعليق من «حزب الله» على الاتهامات.

وأكدت السلطات السورية أن العملية جاءت بعد رصد المركبة وتفتيشها، فيما قالت بغداد إنها تعمل على تعزيز أمن الحدود المشتركة ومنع تكرار الحوادث.


تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
TT

تفجير «داعش» كنيسة مار إلياس في دمشق... اعترافات عناصر موقوفين

رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)
رجال إنقاذ يتفقدون الدمار بموقع هجوم انتحاري في كنيسة مار إلياس بمنطقة الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

كشفت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، حيثيات جريمة التفجير الإرهابي الذي نفذه تنظيم ‏«داعش» واستهدف كنيسة مار إلياس في حي الدويلعة بدمشق في 22 يونيو (حزيران) 2025، ‏ومخططاً متزامناً لاستهداف مقام السيدة زينب، مؤكدةً أن الهدف كان «ضرب النسيج ‏المجتمعي وتأليب الرأي العام ضد الدولة السورية الجديدة».‏

نائب وزير الداخلية اللواء عبد القادر طحان قال في مقطع مصور نشرته الوزارة، إن ‏تنظيم «داعش» استغل الفترة الأولى من تحرير سوريا وسقوط الأنظمة الأمنية والعسكرية ‏والغياب التام لقوات الأمن، فتحرك من الصحراء السورية نحو المحافظات والعمق ‏السوري، إضافة إلى السيطرة على بعض مخازن الأسلحة والمتفجرات، ما منحه القدرة ‏على تنفيذ عمليات في بداية مرحلة التحرير.‏

وأوضح طحان أن التنظيم قبل التحرير كان يستهدف فصائل الثورة والمعارضة، ولم تُرصد في ‏المناطق المحررة سابقاً عمليات ضد الطوائف الموجودة فيها، ‏مشيراً إلى أن 99 في المائة من عمليات «داعش» كانت تستهدف فصائل الثورة.‏ غير أن استراتيجية «داعش» تغيرت بعد تحرير سوريا، بحسب تقرير «الداخلية السورية»؛ فبعد انخراط الفصائل العسكرية ‏في وزارة الدفاع وإعادة بناء الأنظمة الأمنية والعسكرية، انتقل التنظيم إلى استهداف ‏مكونات أخرى في المجتمع السوري، مثل استهداف التنظيم للشيعة في مقام السيدة زينب، ‏والمسيحيين في بعض المناطق، ومنها كنيسة مار إلياس في دمشق.‏

وزارة الداخلية السورية تداهم وكر منفذي هجوم كنيسة مار إلياس بدمشق في يونيو 2025 (الإخبارية السورية)

وبيّن طحان أن وزارة الداخلية وجهاز الاستخبارات تمكنا خلال الفترة الماضية من تطوير ‏أساليب لمواجهة «داعش» وتجفيف منابع تمويله، مشيراً إلى أن عدد عناصر التنظيم المعتقلين بلغ ‏نحو 1300 عنصر، بينهم قيادات بارزة، وتم خلال الفترة الماضية تدمير 34 خلية ‏للتنظيم.‏

وأضاف أن خلايا «داعش» نفذت عمليات ضد الدولة السورية ومؤسساتها، منها استهداف ‏دورية للجمارك بين إدلب وحلب، حيث تم تفكيك الخلية والقبض على عناصرها، إضافة ‏إلى تفكيك خلايا مسؤولة عن عمليات اغتيال في الساحل السوري.‏

آليات عمل التنظيم

في اعترافاته، قال أحد الإرهابيين الموقوفين إن التنظيم بدأ بعد سقوط النظام الانتقال من الصحراء ‏إلى المدن السورية لإعادة تنظيم صفوفه، وتشكيل خلايا متفرقة بين المحافظات بهدف ‏تسهيل الحركة والاختباء بين أفراد المجتمع.‏

وقال عبد الإله الجميلي من الحجر الأسود في دمشق، إنه انضم إلى التنظيم عام 2017، ‏وشارك في نقل شخصين من النبك إلى دمشق، واكتشف لاحقاً أن أحدهما ‏لديه مهمة في الكنيسة.‏

وقال الإرهابي «أبو وقاص»، إن «أبو مجاهد» شرح له خطة تنفيذ التفجير في الكنيسة؛ إذ تضمنت إطلاق النار على الناس، ثم تفجير نفسه. كما تحدث عن مخطط ‏آخر لاستهداف مقام السيدة زينب.‏

وأوضح أحد الإرهابيين أن التوجيهات في البداية كانت استهداف نقاط حكومية لإظهار ‏ضعف الحكومة أمنياً، وقال إن في كل ولاية للتنظيم مسؤولين عسكريين وأمنيين يختارون ‏الأهداف.‏

عناصر أمن سوريون خلال حملة اعتقالات يوم 23 يونيو بعد تفجير كنيسة مار إلياس في اليوم السابق بدمشق (أ.ف.ب)

الدولة تحمي جميع أبنائها

من جهته، قال أحد الضباط في إدارة مكافحة الإرهاب إن استراتيجية التنظيم كانت تقوم ‏على استهداف دور العبادة ذات الطابع الخاص بهدف خلق ‏شرخ بين هذه المكونات، وإضعاف الدولة الجديدة.‏

وأوضح أن التفجير الأول في الكنيسة كان مسؤولاً عنه شخص غير قادر على الرفض، في حين تم تأجيل العملية الثانية التي كانت تستهدف مقام السيدة زينب بسبب الحالة الأمنية ‏والتدقيق الأمني.‏ وأشار إلى أن مراقبة كنيسة مار إلياس أُوكلت إلى الإرهابي المدعو خالد أبو عائشة، الذي ‏تلقى أمراً بتنفيذ العملية في الكنيسة.‏

الدمار الذي أحدثه التفجير الانتحاري لـ«داعش» داخل كنيسة مار إلياس بحي الدويلعة بدمشق في يونيو 2025 (أ.ف.ب)

وفي تصريح لوكالة «سانا»، قال مدير إدارة التوجيه المعنوي بوزارة الداخلية عبد الرحمن خضرة، إن آيديولوجية «داعش» تقوم على الجرائم، وإن التنظيم لا يجد مشكلة في استهداف المدنيين أو ‏المتظاهرين أو عناصر وزارتَي الدفاع والداخلية، وإنه أوغل في الدماء منذ ‏نشأته.‏

وأكد خضرة أن الدولة تحمي جميع أبنائها من جميع المكونات، وتحافظ على النسيج ‏الاجتماعي، وتقوم بواجبها في حماية المناسبات الدينية.‏

مطالبات بالعدالة

في شهادات الناجين وذوي الضحايا، قالت ماري برهوم إنها دخلت الكنيسة بعد التفجير، ‏ورأت الدماء على الدرج، وشمت رائحة الدم والبارود والبلاستيك، مؤكدةً أنها صُدمت من ‏المشهد.‏

وقالت أم سهام إنها وجدت ابنتها على الأرض، وإنها فتحت عينَيها عندما نادتها، قبل ‏نقلها إلى المستشفى.‏ وقال ذوو الضحايا إنهم يطالبون بالعدالة، مؤكدين أن السوريين عاشوا معاً، وأن محاولات ‏إثارة الفتنة لن تنجح.‏

وكانت وزارة الداخلية أعلنت في يونيو 2025 إلقاء القبض على متزعم خلية تتبع «داعش» ‏و5 آخرين متورطين في الاعتداء الإرهابي على كنيسة مار إلياس.