قلعة الشقيف بجنوب لبنان... ماذا نعرف عنها وما أهميتها الاستراتيجية؟

انتزعها صلاح الدين من الصليبيين... وشهدت أعنف معارك «منظمة التحرير»

الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
TT

قلعة الشقيف بجنوب لبنان... ماذا نعرف عنها وما أهميتها الاستراتيجية؟

الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)
الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

يعيد إعلان إسرائيل السيطرة على قلعة الشقيف الأثرية والاستراتيجية شرق النبطية في جنوب لبنان، إحياء الجدل حول واحد من أكثر المواقع حساسية في جنوب لبنان. فالقلعة التي شكّلت عبر العقود عقدة عسكرية حاكمة ومسرحاً لمعارك طبعت الذاكرة الإسرائيلية واللبنانية، عادت إلى واجهة الأحداث مع تصاعد العمليات العسكرية في الجنوب، وسط تقديرات عسكرية تؤكد أن أهميتها الميدانية لم تتراجع رغم التحولات التي شهدتها طبيعة الحروب خلال العقود الأخيرة.

العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف بجنوب لبنان بعد إعلان وزير الدفاع يسرائيل كاتس السيطرة عليها (رويترز)

ومع عودة الشقيف إلى دائرة الضوء بعد إعلان وزير الدفع الإسرائيلي يسرائيل كاتس السيطرة عليها؛ تعود الأسئلة حول القيمة العسكرية للموقع الذي بقي حاضراً في مختلف المواجهات الكبرى التي شهدها جنوب لبنان منذ اجتياح عام 1982.

معلم تراثي

وتُعدّ قلعة الشقيف، أحد أبرز المعالم التاريخية والتراثية في جنوب لبنان، وهي واحدة من أهم وأشهر القلاع الصليبية في بلاد الشام

، أطلق عليها الصليبيون اسم قلعة «بوفور» أي «الحصن الجميل»، سقطت القلعة لاحقاً بيد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار طويل، ثم استردها الصليبيون لفترة وسكنها «فرسان المعبد»، حتى سيطر عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268م.

وعلى الرغم من أن الرومان

هم أول من بنى تحصينات أولية في هذا الموقع الاستراتيجي، فإن الصليبيين

هم الذين وسَّعوها بشكل كبير وبنوا معظم أبنيتها الحالية خلال فترة وجودهم في المنطقة. وتتمتع القلعة منذ عام 2024 بصفة «الحماية المعززة» بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، حسبما قالت بلدية أرنون في بيان، محذرة من الأضرار التي قد تلحق بقلعة الشقيف جراء الغارات الإسرائيلية المتكررة. ودعت الجهات اللبنانية والمنظمات الدولية المعنية إلى التحرك لحماية الموقع ومنع تعرضه لمزيد من الأضرار.

أفضلية ميدانية حاسمة

ولطالما كانت القلعة ميدان صراع، واختبرت في السبعينات من القرن الماضي، قصفاً جوياً إسرائيلياً عنيفاً؛ كون منظمة التحرير الفلسطينية اتخذت منها ميداناً لإطلاق النار باتجاه إسرائيل، ولاحقاً في عام 1982، شهدت أعنف معركة عسكرية بين القوات الإسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين وحلفائهم اللبنانيين. واحتلتها إسرائيل حتى عام 2000.

ويرى العميد المتقاعد بسام ياسين أن الأهمية التي تكتسبها قلعة الشقيف اليوم لا تختلف كثيراً عن تلك التي جعلتها محوراً للمعارك منذ اجتياح عام 1982، عادَّاً أن الموقع ما زال يشكل إحدى أبرز النقاط الحاكمة عسكرياً في جنوب لبنان.

وقال ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن «قلعة الشقيف بقيت حاضرة في جميع الحروب والمعارك مع إسرائيل منذ عام 1982 وحتى اليوم بسبب موقعها الاستراتيجي»، موضحاً أن القلعة تشكل نقطة إشراف حاكمة على مساحات واسعة من جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة.

وأضاف: «قلعة الشقيف تطل على مستوطنة المطلة، وتبعد عنها أقل من أربعة كيلومترات. وهي تشرف على المنطقة الواقعة بين الليطاني والزهراني، وتُعد أعلى تلة في هذا القطاع».

وأوضح أن الموقع يمنح من يسيطر عليه أفضلية عسكرية كبيرة، قائلاً: «من قلعة الشقيف يمكن الإشراف على الطيبة ودير سريان والقنطرة، حيث يوجد الجيش الإسرائيلي اليوم؛ ولذلك لا يستطيع أن يتركها خارج سيطرته إذا أراد البقاء في المنطقة التي يتمركز فيها».

وأشار إلى أن هذه الأهمية ليست جديدة، مذكّراً بأن إسرائيل قبل انسحابها من جنوب لبنان عام 2000 كانت تسيطر على التلال والمرتفعات المحيطة بالمنطقة، ومنها قلعة الشقيف؛ لضمان التفوق الميداني والإشراف على محيطها.

وعن القطاعات التي تكشفها القلعة، قال: «هي تشرف مباشرة على يحمر الشقيف، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية، وكفرتبنيت والنبطية الفوقا، وكل هذه المناطق مكشوفة من القلعة».

وأضاف: «كما أنها تؤمّن حماية للقوات الموجودة في محوري يحمر وزوطر، وتشكل غطاءً للقوات المنتشرة في الطيبة ودير سريان والقنطرة، وفي كامل هذا القطاع».

وأكد ياسين أن القيمة العسكرية للقلعة ترتبط أيضاً بطبيعتها الدفاعية، موضحاً: «إذا تمكنت أي قوة مقاومة من التسلل إلى القلعة وامتلاك صواريخ مضادة للدروع فيها، فسيصبح من الصعب جداً إخراجها منها أو تدميرها؛ بسبب الطبيعة الجغرافية للموقع».

وأشار إلى أن إسرائيل واجهت هذه المشكلة سابقاً خلال مرحلة الوجود الفلسطيني المسلح في الجنوب، قائلاً: «الإسرائيلي حاول مرات كثيرة تدمير القلعة أيام الفلسطينيين، لكنه لم ينجح بسبب طبيعتها الجغرافية».

وأضاف أن الموقع يضم ممرات وأنفاقاً تاريخية قديمة، موضحاً: «في القلعة أنفاق تصل إلى نهر الليطاني في الأسفل، وهي موجودة منذ أيام الصليبيين، وليست أنفاقاً مستحدثة؛ ما يمنح الموقع قيمة دفاعية إضافية».

السيطرة على القلعة لا تعني السيطرة على المجال المحيط بها

من جهته، أكد العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال لـ«الشرق الأوسط» أن قلعة الشقيف تمثل إحدى أهم العقد العسكرية والجيوبوليتيكية في جنوب لبنان؛ نظراً لموقعها الاستراتيجي المشرف على نهر الليطاني ومحور النبطية – مرجعيون وأجزاء واسعة من أرنون، وكفرتبنيت، ويحمر، وزوطر والقطاع الشرقي من الجنوب؛ ما يجعلها «عقدة حاكمة» تمنح من يسيطر عليها قدرة كبيرة على الرصد والتوجيه والتحكم بخطوط الحركة والإمداد.

مبانٍ مدمّرة في بلدة العديسة بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضح أن «العقيدة العسكرية الإسرائيلية تنظر إلى الشقيف بصفتها نقطة أساسية لتحقيق التفوق البصري والاستخباري الذي يشكل جزءاً من التفوق الناري؛ إذ تتيح مراقبة التحركات بين جنوب الليطاني وشماله، ورصد خطوط الانتقال نحو البقاع الغربي وإقليم التفاح، فضلاً عن مراقبة بيئة عمل المسيّرات الانقضاضية والطائرات من نوع FPV».

وأضاف أن القلعة «تسمح بمراقبة المعابر والمسارات المرتبطة بنهر الليطاني الذي تنظر إليه إسرائيل بوصفه خطاً دفاعياً وعملياتياً؛ ما يفسر ارتباط الشقيف بأرنون، والخردلي ومحاور مرجعيون – النبطية ضمن شبكة جغرافية واحدة هدفها التحكم بالحركة العسكرية والبشرية».

وأشار إلى أن أي «قوة مقاومة تتموضع بحرية في محيط الشقيف تمتلك أفضلية تكتيكية في المناورة الصاروخية وإدارة الكمائن وإخفاء البنى القتالية داخل التضاريس الجبلية؛ الأمر الذي يجعل المنطقة مصدراً دائماً للقلق الأمني الإسرائيلي».

وعدَّ أنّ «إسرائيل تستطيع نظرياً الوصول إلى محيط الشقيف عبر الغطاء الجوي والتدمير المسبق والقوات الخاصة، إلا أن الفارق كبير بين الوصول والسيطرة المستقرة؛ لأن تثبيت السيطرة يتطلب خطوط إمداد آمنة وتحييد محيط القلعة نارياً ومنع الالتفافات والكمائن وضمان التفوق الدائم في الرصد، وهي شروط يصعب تحقيقها في منطقة مترابطة جغرافياً مع أرنون، ويحمر، وزوطر، وإقليم التفاح والوديان المؤدية إلى الليطاني».

ورأى أن أي تموضع إسرائيلي ثابت في المنطقة سيبقى عرضة للاستنزاف بفعل طبيعة الأرض وتطور القدرات اللاتماثلية، وقد يقود إلى استنزاف طويل الأمد وإعادة إنتاج نموذج «الشريط الأمني» بصيغة أكثر هشاشة.


مقالات ذات صلة

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

المشرق العربي اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة حيث أُخليت مدارس وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف وغادر كثيرون منازلهم على عجل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ب)

إيران تسابق الدولة اللبنانية إلى تبنّي تثبيت وقف النار

برزت في الساعات الأخيرة محاولة إيرانية مترافقة مع مواقف من قبل «حزب الله» لتكريس رواية مفادها أن طهران كان لها دور بالوصول إلى التهدئة.

كارولين عاكوم (بيروت) كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أمام التوصل لوقف شامل للنار

أصاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدخله المباشر بالضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وإلزامه بوقف النار، عصفورين بحجر واحد

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي صورة جامعة لرجال الدين والمرجعيات الروحية (الشرق الأوسط)

قمة دينية لبنانية تدعم مساعي الدولة لوقف الحرب

خلصت القمة الروحية الإسلامية المسيحية، التي انعقدت الثلاثاء في بيروت بمشاركة رؤساء الطوائف، إلى تأييد الدولة اللبنانية في سعيها الحثيث لتحقيق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
TT

قيادي في «حزب الله»: لن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف النار مع إسرائيل

سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)
سيارات تسير على الطريق السريع بينما يغادر الناس الضاحية الجنوبية لبيروت بعد أن أمرت إسرائيل بشن غارات عليها الاثنين (إ.ب.أ)

أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في «حزب الله» محمود قماطي، اليوم (الثلاثاء)، أن الحزب لن يوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار مع إسرائيل، ولا سيما «معادلة» امتناع إسرائيل عن قصف ضاحية بيروت الجنوبية مقابل امتناعه عن استهداف شمال إسرائيل.

وقال قماطي في تصريح مكتوب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «المقاومة والثنائي الوطني (أي حزب الله وحليفته حركة أمل) لم ولن يوافقوا على معادلة الضاحية مقابل المستوطنات».

وأضاف: «جوابنا كان واضحاً للمعنيين وبالاتفاق مع الرئيس (نبيه) بري أننا نلتزم بوقف شامل وكامل وجدي لوقف إطلاق النار دون العودة إلى ما قبل 2 مارس (آذار)، ولن نوافق على أي اتفاق جزئي لوقف إطلاق النار».

وتابع بأن «أي عدوان على الضاحية يمكن أن يؤدي إلى رد أعمق وأقوى» من الحزب.

وحال تدخُّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب دون مضي إسرائيل قدماً في تنفيذ هجوم على «حزب الله» في ضاحية بيروت الجنوبية أمر به رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو ووزير دفاعها يسرائيل كاتس.

وجاءت هذه التهدئة بعد اتصال بين ترمب ونتنياهو، أمس. وقال الرئيس الأميركي في منشور على حسابه على «تروث سوشيال»: «أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأكدنا أنه لن يتم إرسال أي قوات إلى بيروت، وأن أي قوات كانت في طريقها قد أُعيدت. وبالمثل، أجريتُ اتصالاً مثمراً للغاية مع (حزب الله) عبر ممثلين رفيعي المستوى، واتفقوا على وقف إطلاق النار تماماً، وأن إسرائيل لن تهاجمهم، ولن يهاجموا إسرائيل». وأضاف أن «المحادثات مستمرة، وبوتيرة سريعة، مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

وأكد لبنان رسمياً ليلاً أن ​«(حزب الله) وافق ‌على ‌المقترح ​الأميركي ‌بشأن ‌وقف ‌متبادل للهجمات يشمل ​جميع ​الأراضي ​اللبنانية». وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي قد دعا سكان ضاحية بيروت إلى إخلائها؛ ما تسبب في موجة نزوح.


عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون وسلام متمسكان بخيار التفاوض لأنه «الأقل كلفة على لبنان»

اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)
اجتماع سابق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لبحث آخِر التطورات والتصعيد الإسرائيلي (الرئاسة اللبنانية)

أكد كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام التمسك بخيار التفاوض بوصفه «المسار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، في حين شدد عون على أولوية الحفاظ على السلم الأهلي ومنع الفتنة، وعَدَّ أن وحدة اللبنانيين تبقى عنصر القوة الأساسي في مواجهة التحديات.

وأكد الرئيس عون أن «قوتنا في وحدتنا، والسلم الأهلي لا يمكن المساس به؛ لأن اللبنانيين باتوا على اقتناع تام بأنه لا عودة إلى الوراء»، مشدداً على أن الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الفتنة يشكلان أولوية وطنية مطلقة، مجدداً حرصه على السلم الأهلي والاستقرار الداخلي في لبنان ومنع الفتنة التي من شأنها أن تهدد بقاء لبنان، وعَدَّ أن «كل من يُغذيها يقدم خدمة لإسرائيل».

التفاوض هو الخيار الأقل كلفة

وأكد عون أنه يتحمل مسؤولية الخيارات التي اتخذها، والانتقادات التي تطوله بسبب اعتماده مسار التفاوض، وعَدَّ أنه «الخيار الأقل كلفة على البلد»، مشيراً إلى أن الحروب على مر التاريخ تنتهي «بمنتصر ومنهزم، أو بالتفاوض لحل النزاع»، وهو ما اعتمدته دول عدة، كما هي حال النزاعات والحروب الجارية في العالم.

وقال عون: «سقط للبنان أكثر من 3 آلاف شهيد، وأكثر من مليون نازح، وآلاف المنازل المهدّمة، ولا أُفق لانتهاء هذا الوضع، لذلك كان لزاماً عليّ رئيساً للجمهورية القيام بما يفرضه عليّ ضميري وواجبي تجاه بلدي وشعبي، ومن واجب الدولة الاهتمام بمواطنيها وعدم الوقوف دون أن نحرك ساكناً». وأضاف: «لا خيار آخر غير التفاوض، ولا يجب عدُّه استسلاماً أو تنازلاً أو هزيمة؛ لأن القوة ليست في خوض الحرب، بل في تمتع المرء بالشجاعة والحكمة لإنهائها بالتفاوض لمصلحة بلده التي تبقى هي الأساس فوق كل اعتبار». وشدد عون على أن «الدولة تعمل على معالجة الأوضاع الحالية قدر الإمكان، وأن الحكومة ومجلس النواب يعملان على إقرار القوانين الكفيلة بتحسين الظروف الحياتية والمعيشية للمواطنين والعمال».

الجيش هو العمود الفقري لمنع الفتنة

وعَدَّ الرئيس عون أن «العمود الفقري والأساس لمنع الفتنة هو الجيش والأجهزة الأمنية»، لافتاً إلى أنهم «يتعرضون، في بعض الأحيان، للانتقاد والتهجم فيما يواصلون تقديم أعلى درجات التضحيات والشهداء على مذبح الوطن، ويقومون بواجبهم على أكمل وجه، على الرغم من الأزمة الاقتصادية القاسية التي يمر بها لبنان، ومكافحة كل ما يمس أمن الناس وهم موجودون في كل المناطق اللبنانية».

سلام: المطلوب تثبيت وقف النار وتوحيد الجهود تحت سقف الدولة

من جهته، علّق رئيس الحكومة نواف سلام على استئناف المفاوضات، مؤكداً أن «المطلوب يبقى تثبيت وقف إطلاق النار في كل لبنان». وشدد سلام على أن «المفاوضات هي الخيار الأقل كلفة على لبنان واللبنانيين»، مضيفاً أن «طريقنا فيها أقصر إلى إنهاء الاحتلال وعودة أهلنا في الجنوب إلى مُدنهم وقُراهم، كلما توحدت كل الجهود تحت سقف الدولة».

أحد شوارع الضاحية الجنوبية لبيروت حيث أقفلت المحالّ أبوابها وغادرها السكان على أثر التهديد الإسرائيلي بقصفها الاثنين (أ.ف.ب)


سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
TT

سوريا تعول على إزالة اسمها من الدول الراعية للإرهاب لدفع تعافيها الاقتصادي

مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)
مبانٍ دمرتها الحرب في دير الزور وتعرضت لتأثير فيضان نهر الفرات فبدت الأحياء مهجورة إلى حد كبير (د.ب.أ)

تعول الحكومة السورية على إزالة تصنيفها من قائمة الدول الراعية للإرهاب، المفروض عليها من واشنطن منذ عام 1979، بوصفه العقبة السياسية والقانونية الكبرى أمام تعافيها الاقتصادي مع ما بقي من عقوبات حالت دون ظهور أي نتائج ملموسة لرفع شبه شامل للعقوبات الدولية منذ نحو العام.

ورأت مصادر في دمشق أن التمهل الأميركي مرتبط بموقف إسرائيل المعارض لرفع العقوبات، بينما تحدثت مصادر أخرى عن جملة عوامل إقليمية ودولية وداخلية.

وفي مكالمة هاتفية جرت مؤخراً بيت الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترمب، طلب الرئيس السوري رفع ما تبقى من عقوبات بوصفها خطوة أساسية لتمكين الاقتصاد السوري، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتشجيع الاستثمارات.

ولا تزال سوريا تخضع لشبكة معقدة من العقوبات على الرغم من الرفع الجزئي المحدود الذي حصل في الأشهر المنصرمة (وشملت الرئيس السوري نفسه، وزير الداخلية، البنك المركزي، الخطوط الجوية السورية، ميناءي اللاذقية وطرطوس، وشركة النفط السورية).

مبادرة فردية من شبان قرية القاسمية بإصلاح التكسرات على طريق قريتهم شرق القامشلي (مرصد الحسكة)

وبحسب الباحث والخبير الاقتصادي زياد عربش لـ«الشرق الأوسط»، فإن العقوبات المتبقية التي شكا منها الشرع، تشمل قانون قيصر (Caesar Act) الذي رغم تعليقه بشكل متكرر ومؤقت لمدة 180 يوماً فقط وليس رفعه نهائياً، يخلق حالة من عدم اليقين للمستثمرين. وأيضاً تصنيف «الدولة الراعية للإرهاب» (SST)، إضافة إلى عقوبات ثانوية واسعة منها مئات العقوبات المفروضة على أفراد وكيانات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، لا تزال مستمرة.

وهناك قيود التصدير التكنولوجية، أهمها القيود الأميركية الصارمة على تصدير التقنيات ذات الاستخدام المزدوج (المدني والعسكري)، وكذلك العقوبات شخصية المفروضة على الرئيس السابق الفار ومحيطه القريب.

ورأى الخبير الاقتصادي أن من شأن رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب تحفيز الاستثمار الأميركي المباشر الذي كان محظوراً تماماً، وإعادة الإدماج المالي بربط المصارف السورية بالنظام المالي الدولي، وتسهيل التحويلات البنكية، وتعزيز الثقة الدولية.

تقول واشنطن إن العقوبات ستظل تستهدف أشخاصاً تتهمهم بانتهاك حقوق الإنسان ‌ومهربي ⁠حبوب الكبتاغون وجهات أخرى تعدها الولايات المتحدة مزعزعة للاستقرار في المنطقة. وذلك بينما ترتكز سياسية الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط على أن «توازن القوى المتمحورة حول الولايات المتحدة، يعمل بأفضل صورة عندما يُشجَّع الحلفاء على أن يصبحوا أكثر اعتماداً على أنفسهم، وأن يتقاسموا الأعباء من خلال ترابطهم وتكامل بعضهم مع بعض»، وفق ما قاله توم براك في أول تعليق له بعد تسلم مهامه الجديدة مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا والعراق.

ولعل سياسة ترمب تلك تصطدم مع واقع سوريا الخارجة من الحرب؛ إذ يرى الباحث في العلاقات الدولية عباس شريفة في بقاء سوريا على قوائم الدول الراعية للإرهاب «إشكالات جوهرية» تتناقض مع الموقف الأميركي الذي يعد سوريا شريكاً في الحرب على الإرهاب، خصوصاً أن الولايات المتحدة رتبت انسحابها من سوريا على أساس أن «الدولة السورية باتت قادرة على مواجهة خطر الإرهاب»، كما أن الواقع يدحض هذا التصنيف لأن «سوريا اليوم تقوم بدور مهم في ملاحقة تنظيم (داعش)، ولا تقيم أي علاقة مع الميليشيات الإيرانية، ولا تقدم أي دعم لأي من الجماعات التي تعدها واشنطن جماعة إرهابية».

بدء أول مشروع تنقيب عن النفط والغاز في السواحل السورية مايو الماضي مع «شيفرون» ضمن المساعي لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الطاقة (رويترز)

ورجح الباحث شريفة تأخر رفع ما تبقى من عقوبات «لارتباطه بمواقف سياسية لبعض أعضاء الكونغرس الداعمين لإسرائيل»، خصوصاً أن سياسة ترمب في سوريا كانت على الدوام متعارضة مع الرؤية الإسرائيلية، لكن يبدو أن «ثمة ضغطاً إسرائيلياً في بعض دوائر صنع القرار من أجل عرقلة هذا الإجراء، وربطه بتوقيع الاتفاق الأمني مع إسرائيل الذي تعثر بسبب التعنت الإسرائيلي»، مستبعداً أن تكون العلاقة التجارية والعسكرية بين سوريا وروسيا عائقاً أمام رفع ما تبقى من عقوبات؛ «لأن الإدارة الأميركية نفسها منحت استثناءات لتصدير النفط الروسي».

في هذه الأثناء، تسود الأوساط السورية عموماً حالة من الإحباط بعد موجة من التفاؤل أثار الرفع الجزئي للعقوبات، ورغم مرور عام على ذلك إلا أن الواقع الاقتصادي ما زال بعيداً عن التعافي الفعلي، كما أن الأثر المباشر على حياة الناس محدود جداً. بحسب أستاذ الاقتصاد زياد عربش، وذلك بسبب عوامل معقدة، منها أن العقوبات المتبقية تمنع المصارف والشركات الغربية من الانخراط بحرية في السوق السورية. والولايات المتحدة والدول الأوروبية لن تصل إلى الرفع الكامل للعقوبات إلا مع تنفيذ القرار 2254، وتحسين ملف حقوق الإنسان، وضمان عودة آمنة للاجئين. وبالإضافة إلى أن إلغاء قانون قيصر بشكل كامل يتطلب موافقة الكونغرس الأميركي، وهي عملية تستغرق وقتاً طويلاً، وتواجه عراقيل سياسية.

تدعيم أحد الجسور المؤقتة على نهر الفرات شرق سوريا لصعوبة بناء جسور جديدة (محافظة دير الزور)

وبحسب عربش، «حتى لو رُفعت العقوبات تماماً اليوم، فإن الآثار الإيجابية (مثل تدفق الاستثمارات) تحتاج إلى أشهر أو سنوات لتظهر على أرض الواقع»، مشيراً إلى قلق دولي من أن أي مساعدات أو استثمارات «قد تمول الفساد ما لم تكن هناك آليات شفافة تضمن وصولها إلى الشعب السوري».

ومن العوامل المؤثرة أيضاً، الانقسام الداخلي؛ إذ لا تزال هناك مناطق خارج سيطرة الدولة المركزية؛ ما يعوق تطبيق أي قرارات اقتصادية موحدة. يضاف إلى كل تلك العوامل وجود معارضة إقليمية «إسرائيلية» لرفع العقوبات.