إيران تسابق الدولة اللبنانية إلى تبنّي تثبيت وقف النار

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ب)
TT

إيران تسابق الدولة اللبنانية إلى تبنّي تثبيت وقف النار

آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (أ.ب)

في موازاة الجهود المبذولة لتثبيت وقف إطلاق النار، ومنع توسع الحرب مجدداً، برز في الساعات الأخيرة محاولة إيرانية مترافقة مع مواقف من قبل «حزب الله» لتكريس رواية مفادها أن طهران كانت صاحبة الدور الأساسي في الوصول إلى التهدئة.

وكانت الاتصالات التي سبقت الإعلان عن التفاهم قد جرت عبر قنوات رسمية لبنانية وأميركية؛ إذ سجّل اتصال بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للتأكيد على موافقة «حزب الله» على المقترح الأميركي القاضي بوقف متبادل للهجمات، بحسب بيان صادر عن السفارة اللبنانية في واشنطن. كما أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترمب السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى معوض موافقة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الترتيب المقترح، قبل أن تنقل السفيرة نتائج الاتصالات إلى الرئيس عون الذي أبلغ بدوره «حزب الله» بها، كما قالت مصادر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إن «جهود لبنان مع الإدارة الأميركية تحقق اختراقاً في الحصول على وقف النار».

إلا أن الساعات التي أعقبت الإعلان عن التفاهم شهدت مواقف إيرانية تعكس محاولة لإبراز دور طهران في ما جرى. وفي هذا الإطار، نقلت وكالة «فارس» الإيرانية عن مصدر مطلع أن «أحدث رسالة من إيران إلى الولايات المتحدة كانت رسالة واضحة بشأن لبنان»، في خطوة عكست حرصاً إيرانياً على الإيحاء بأن ملف وقف النار في لبنان كان حاضراً على طاولة التواصل غير المباشر مع واشنطن.

اتصال بين قاليباف وبري

وتزامن ذلك مع اتصال أجراه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف برئيس مجلس النواب نبيه بري، جرى خلاله البحث في تطورات الأوضاع في لبنان وسبل وقف العدوان الإسرائيلي، ووفق البيان الصادر عن رئاسة المجلس النيابي، نوّه بري «بمواقف وجهود الجمهورية الإسلامية الإيرانية وإصرارها على أن يكون وقف الحرب والعدوان على لبنان بنداً أولاً وأساسياً في أي اتفاق ينهي الحرب، ويعيد الاستقرار إلى المنطقة».

كما أعلن قاليباف في منشور عبر منصة «إكس» أنه أكد خلال اتصاله مع بري أن استمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان سيؤدي إلى وقف مسار التفاوض، وأن إيران قد تكون أمام مواجهة مباشرة مع إسرائيل، في ربط واضح بين التطورات اللبنانية ومسار التفاوض الإيراني ـ الأميركي.

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي في بيروت يوم 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

ومع تأكيد مصادر وزارية لبنانية أن الدولة اللبنانية تقود وقف إطلاق النار وملف المفاوضات بيدها، تحاول عدم التوقف كثيراً عند التصريحات الإيرانية حول دور طهران في التهدئة، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «نريد أن نأكل عنباً، ولا نقتل الناطور، وهذا ما يهمنا في هذه المرحلة». وتضيف: «لا يمكن إغفال دور أي جهة أو دولة شاركت في الجهود، مساء الاثنين، خصوصاً أن دولاً كثيرة دخلت على الخط، بعد التهديدات الإسرائيلية للضاحية الجنوبية، مشددة على دور أساسي لعبه رئيس البرلمان نبيه بري في هذا الإطار»، وتؤكد: «ما يهمنا اليوم هو الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي تثبيت وقف النار الشامل في كل لبنان بعدما تم التراجع عن ضرب الضاحية الجنوبية مع معادلة عدم استهداف شمال إسرائيل».

امرأة تحمل صورتين للأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب (رئيس حركة أمل) نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

«حزب الله» يربط التهدئة بالدور الإيراني

وفي موازاة الحراك الإيراني، برزت مواقف من داخل «حزب الله» مجددة التأكيد على دور إيران في وقف النار؛ فقد أكد عضو كتلة «الوفاء للمقاومة» النائب إيهاب حمادة أن الحزب لا يتواصل مع أي جهة باستثناء الإيرانيين، الذين يتواصلون بدورهم مع الرئيس بري بصورة يومية، لا سيما خلال الأيام الأخيرة التي شهدت تهديدات إسرائيلية باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت.

ورأى حمادة أن إسرائيل حاولت منذ بداية الحرب فصل لبنان عن المسار الإيراني، إلا أن التطورات الأخيرة أعادت، بحسب تعبيره، الملف اللبناني إلى مكان ثابت داخل إطار التفاوض الإيراني ـ الأميركي، كما أشار إلى أن المقترحات المتعلقة بوقف إطلاق النار كانت تصل إلى «حزب الله» بصورة غير مباشرة عبر الرئيس عون والرئيس بري، مؤكداً أن الحزب لا يزال يتمسك بضمانات مكتوبة وجدول زمني للانسحاب الإسرائيلي.


مقالات ذات صلة

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

المشرق العربي سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة حيث أُخليت مدارس وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف وغادر كثيرون منازلهم على عجل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية أمام التوصل لوقف شامل للنار

أصاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتدخله المباشر بالضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وإلزامه بوقف النار، عصفورين بحجر واحد

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي صورة جامعة لرجال الدين والمرجعيات الروحية (الشرق الأوسط)

قمة دينية لبنانية تدعم مساعي الدولة لوقف الحرب

خلصت القمة الروحية الإسلامية المسيحية، التي انعقدت الثلاثاء في بيروت بمشاركة رؤساء الطوائف، إلى تأييد الدولة اللبنانية في سعيها الحثيث لتحقيق وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود من البعثة الفرنسية في «اليونيفيل» ضمن عداد «اليونيفيل» في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

غوتيريش يقترح الإبقاء على قوة أممية في لبنان بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»

شدّد الأمين العام للأمم المتحدة على «ضرورة» الإبقاء على وجود عسكري أممي في لبنان بعد انتهاء مهمة حفظ السلام الحالية (اليونيفيل) في آخر 2026.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة (الولايات المتحدة))
الاقتصاد الشمس تغرب فوق الضاحية الجنوبية لبيروت في أعقاب تهديد إسرائيلي بضرب المنطقة (أ.ب)

«صندوق النقد» يُشرّح أزمة لبنان: الفساد المنهجي يعطّل التعافي... والحوكمة هي الحل

أصدر صندوق النقد الدولي تقريراً فنياً شاملاً ومفصلاً يُعد بمنزلة «مشرط جراح» للأوضاع المؤسسية في لبنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
TT

بين حقيبة النزوح ومفتاح المنزل... كيف غيّر تهديد الضاحية حياة اللبنانيين؟

سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)
سيارات تغادر الضاحية الجنوبية لبيروت عبر الطريق السريع بعد تهديدات إسرائيلية باستهداف المنطقة (إ.ب.أ)

أربك التهديد الإسرائيلي الأخير الضاحية الجنوبية لبيروت خلال ساعات قليلة. حيث أُخليت مدارس، وهرع الأهالي لاصطحاب أولادهم من الصفوف، وغادر كثيرون منازلهم على عجل، فيما امتلأت الطرق بحركة نزوح جديدة أعادت إلى الأذهان مشاهد عاشها اللبنانيون مراراً خلال الأشهر الماضية. لكن ما خلّفه التهديد لم يكن محصوراً بساعات الإنذار نفسها، بل امتد إلى ما بعدها. انتهى الإنذار وبقي القلق. عاد بعض الناس إلى أعمالهم، لكنهم لم يستعيدوا إحساسهم بالأمان. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد السؤال متى ستقع الغارة؟ بل كيف يمكن العيش في ظل انتظار دائم للإنذار التالي؟

البيت الذي لم يعد آمناً

أوضحت ليلى حسن لـ«الشرق الأوسط»، أن التهديد الأخير للضاحية لم ينته بالنسبة إليها مع انتهاء الإنذار، لأن الشعور الذي تركه ما زال يرافقها. فالمشكلة، كما تصفها، لم تعد مرتبطة بحدث أمني محدد، بل بحالة دائمة من عدم اليقين.

وبينت أن العلاقة الطبيعية التي كانت تربط الإنسان بمنزله تغيّرت بصورة جذرية. «فالبيت الذي كان يمثل المساحة الآمنة التي يلجأ إليها الإنسان عند الخوف أو الخطر، أصبح اليوم جزءاً من مصادر القلق». وتعد أنّ «حصول الإنذار جعل فكرة العودة أكثر تعقيداً من فكرة المغادرة، خصوصاً بالنسبة إلى الأشخاص الذين يتحملون مسؤولية أطفال أو أفراد من عائلاتهم».

وترى «أن الحياة في أماكن النزوح، رغم صعوبتها وقلة الخدمات فيها، تبدو أحياناً أقل قسوة من القلق المرتبط بالعودة. فالكهرباء والمياه وضيق المساحات ومشقة الحياة اليومية تصبح تفاصيل ثانوية أمام هاجس واحد هو تأمين الحماية للعائلة». وتضيف: «أن تكرار هذه التجربة يدفع الإنسان تدريجياً إلى التكيف مع ظروف غير طبيعية، حتى يصبح مجرد الشعور بالأمان هدفاً بحد ذاته، ولو كان ذلك على حساب جودة الحياة التي اعتادها سابقاً».

كل يوم يبدأ بالخوف

لم تعد فاطمة شمص إلى الضاحية بعد تهديد يوم الاثنين. تقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «اللبنانيين يعيشون اليوم حالة ترقب دائمة تجعل الخوف جزءاً من الروتين اليومي. فكل صباح يبدأ بسؤال مختلف، لكنه يحمل المعنى نفسه: هل سيمر هذا اليوم بسلام؟».

وتروي كيف انعكس التهديد الأخير على الحياة اليومية للعائلات. فشقيقتها كانت في المدرسة عندما تقرر وقف الامتحانات وإخلاء التلاميذ بصورة عاجلة. وخلال دقائق، وجد الأهالي أنفسهم مضطرين إلى ترك أعمالهم والتوجه نحو المدارس وسط ازدحام الطرق والقلق من احتمال حصول أي تطور أمني مفاجئ.

وتقول إن «أصعب ما يعيشه الناس ليس فقط الخوف من الغارات، بل الإحساس الدائم بعدم الاستقرار. فالعائلات لم تعد قادرة على التخطيط ليومها أو لأسبوعها، لأن أي إنذار جديد قد يقلب كل الخطط رأساً على عقب». وترى «أن الخطر لم يعد محصوراً بمنطقة دون أخرى، بعدما امتدت الإنذارات والتوترات إلى مناطق مختلفة من لبنان، ما جعل الشعور بعدم الأمان أكثر انتشاراً من أي وقت مضى».

سكان يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تهديدات إسرائيلية باستهدافها (إ.ب.أ)

الترقب يستهلك الناس

يصف علي نور الدين، ابن بلدة تول الجنوبية والمقيم في الضاحية الجنوبية، ما يعيشه السكان بأنه «ترقب قاتل». ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأزمة لم تعد مرتبطة بالإنذار نفسه، بل بالحالة النفسية التي تليه. فبعد كل تهديد، يبقى الناس عالقين بين احتمال العودة إلى حياتهم الطبيعية واحتمال حصول تصعيد جديد». ويشير إلى أن «هذا النوع من القلق المستمر يستنزف السكان أكثر مما تفعل الأحداث الأمنية المباشرة، لأنه يحول حياتهم إلى حالة انتظار مفتوحة لا يعرف أحد متى تنتهي».

ويضيف أن «القلق لا يقتصر على الضاحية، بل يمتد إلى الجنوب أيضاً، حيث تتابع العائلات أخبار بلداتها ومنازلها ومصير مناطقها وسط غياب أي وضوح بشأن المرحلة المقبلة».

نحمل ذكرياتنا في حقيبة

بدورها، لم تعد ليان عبد الله إلى الضاحية منذ التهديد الأخير. فبالنسبة إلى الطالبة الجامعية، لم تعد الحياة الجامعية تدور حول المحاضرات والامتحانات والطموحات، بل حول النزوح والبحث عن مكان آمن.

تقول لـ«الشرق الأوسط» إن «حياتها باتت عبارة عن توضيب للأغراض داخل حقيبة، ثم الانتقال إلى مكان جديد، قبل الاستعداد لإمكانية تكرار الأمر مجدداً». وتعد أن جيلها لم يعد قادراً على التفكير بمشاريعه المستقبلية أو بخططه المهنية، لأن الأولوية أصبحت محصورة بتجاوز اليوم الحالي بسلام.

وتتحدث عن شعور قاسٍ يرافق كل عملية نزوح، يتمثل في اختصار حياة كاملة داخل حقيبة واحدة. «فالإنسان لا يترك وراءه جدراناً وأثاثاً فقط، بل يترك ذكريات وتفاصيل وعلاقات ارتبطت بالمكان».

كما تشير إلى «معاناة إضافية تواجه العائلات التي تضم مرضى يحتاجون إلى متابعة طبية مستمرة. فكل انتقال يفرض أسئلة جديدة حول الطرق الآمنة وإمكانية الوصول إلى المستشفيات وتأمين العلاج، ما يضيف عبئاً إضافياً إلى الضغوط النفسية التي يعيشها الجميع».

مواطنون يغادرون الضاحية الجنوبية لبيروت سيراً على الأقدام بعد تهديدات إسرائيلية (إ.ب.أ)

نزوح من الضاحية وخوف من خسارة بنت جبيل إلى الأبد

لا يتحدث حسن بزي عن التهديد الأخير للضاحية الجنوبية بوصفه حدثاً أمنياً عابراً، بل بوصفه لحظة أعادت إليه هواجس أعمق تتعلق بمستقبله ومستقبل بلدته بنت جبيل.

يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «وجد نفسه، كما الآلاف غيره، أمام احتمال نزوح جديد من الضاحية، فيما يرافقه شعور بأن المسافة تكبر يوماً بعد يوم بينه وبين بلدته الجنوبية التي أمضى سنوات طويلة وهو يخطط للعودة إليها والاستقرار فيها».

ويضيف: «بعد تهديد الضاحية الأخير عاد الإحساس نفسه بأن حياتنا كلها أصبحت معلقة. لم يعد الأمر متعلقاً فقط بمكان نسكن فيه اليوم أو غداً، بل بمستقبل كامل لا نعرف إذا كنا سنتمكن من استعادته».

ويشرح أن لديه أراضي وعقارات في بنت جبيل كان يعدها مشروع عمره ومصدر استقراره بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل، لكنه بات يشعر بأن تلك الخطط تبتعد باستمرار مع استمرار الحرب وتعقّد المشهد سياسياً وعسكرياً.

ويقول: «كنت أتصور أن أعود لأعيش في أرضي وأهتم بما بنيته طوال سنوات. كنت أعتقد أن التعب الذي استمر ثلاثين عاماً سيمنحني فرصة للراحة والاستقرار. اليوم أشعر بأن كل ذلك أصبح مؤجلاً إلى أجل غير معروف».

ويرى أن التهديدات المتكررة والنزوح المستمر من الضاحية والجنوب يضعان الناس أمام حالة من الإنهاك النفسي المتراكم، حيث يصبح من الصعب التفكير بالمستقبل أو بناء أي خطط طويلة الأمد.

ويضيف: «أخشى أن يكبر أولادنا وهم لا يعرفون هذه القرى كما عرفناها نحن، وأخشى أن يتحول انتظار العودة إلى حالة دائمة. لهذا السبب لا يقلقني النزوح من الضاحية وحده، بل يقلقني أكثر أن يأتي يوم أشعر فيه بأن بنت جبيل أصبحت مجرد ذكرى».


لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»

لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»
TT

لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»

لبنان يعود إلى مفاوضات واشنطن لـ«تثبيت وقف النار»

بدأ مفاوضون لبنانيون وإسرائيليون الثلاثاء جولة رابعة من محادثات السلام برعاية أميركية تستمر إلى الأربعاء، وسط جهود مكثفة لـ«تثبيت وقف النار»، الذي كاد يترنح تماماً لولا تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب للجم جنوح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو استهداف بيروت والضاحية الجنوبية مقابل وقف استهداف «حزب الله» للأراضي الإسرائيلية.

وترأس الوفد الأميركي الذي يقوم بدور الوساطة مساعد الرئيس ترمب نائب مستشار الأمن القومي مايكل نيدهام بمشاركة كبير موظفي وزارة الخارجية دان هولر والمسؤول الرفيع في دائرة الشرق الأدنى جاي مينز والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ونظيره في إسرائيل مايك هاكابي.

ويقود الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم بمشاركة السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض ونائب السفير وسام بطرس والملحق العسكري اللبناني في واشنطن العميد الركن أوليفر حاكمة. وشارك إسرائيلياً نائب مستشار الأمن القومي يوسي درازنين والمسؤول في رئاسة الوزراء أوري رزنيك والسفير في واشنطن يحيئيل ليتر.

وسعى الوفد اللبناني إلى «تثبيت وقف إطلاق النار» كضرورة ملحة لمناقشة بقية القضايا مع إسرائيل، على أن تشمل الخطوات التالية المتبادلة توسيع نطاق وقف النار، والشروع في سحب القوات الإسرائيلية بالتزامن مع الجهود اللبنانية للعمل على تطبيق قرار الحكومة اللبنانية الخاصة بحصرية السلاح بيد المؤسسات الرسمية للدولة اللبنانية.

وتيسر وزارة الخارجية الأميركية هذه المحادثات ضمن «المسار السياسي» الذي يهدف إلى استعادة الهدوء على جانبي الحدود، وسط استعداد أميركي لتقديم «ضمانات» تكفل «السيادة الكاملة» للحكومة اللبنانية على كل الأراضي اللبنانية، وخصوصاً في منطقة جنوب نهر الليطاني، بالإضافة إلى «تأمين سلامة الأراضي الإسرائيلية، وخصوصاً المدن والبلدات والقرى الشمالية» القريبة من الحدود مع لبنان. ويصر الجانب الإسرائيلي على ضرورة «البدء فوراً» بعملية نزع سلاح «حزب الله» قبل انسحاب القوات الإسرائيلية. وتطالب إسرائيل أيضاً بإنشاء لجنة تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن الأفكار اللبنانية المتعلقة بـ«إعلان نيات» محتمل لم تتبلور تماماً، لأن الأميركيين «يعملون على وضع اتفاق إطاري شامل يتضمن ترتيبات أمنية».

وكان الجيشان اللبناني والإسرائيلي عقدا الجمعة محادثات في وزارة الحرب الأميركية «البنتاغون»، ضمن «المسار الأمني» الموازي للمفاوضات السياسية. وكانت الولايات المتحدة استضافت مفاوضين لبنانيين وإسرائيليين في ثلاث جولات من محادثات «المسار السياسي» منذ إعلان وقف النار في منتصف أبريل (نيسان) الماضي.


الكنيست يمضي في حل نفسه... والخلافات تؤجل تحديد موعد الانتخابات

أحد الاجتماعات في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي (موقع الكنيست)
أحد الاجتماعات في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي (موقع الكنيست)
TT

الكنيست يمضي في حل نفسه... والخلافات تؤجل تحديد موعد الانتخابات

أحد الاجتماعات في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي (موقع الكنيست)
أحد الاجتماعات في الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي (موقع الكنيست)

قطع الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي أول خطوة حقيقية نحو حل نفسه، بعدما صادق أعضاؤه في وقت مبكر، الثلاثاء، على مشروع قانون لحله بما يؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة.

وصوّت 106 أعضاء من أصل 120، لصالح القراءة الأولى من مشروع القانون الذي تقدمت به أحزاب في الائتلاف الحكومي الذي يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، من دون أي اعتراض.

ووفق الإجراءات، سيعاد المشروع إلى لجنة الكنيست المختصة، لمواصلة مناقشاته قبل المصادقة عليه بالقراءتين الثانية، والثالثة، اللتين ستحولانه إلى قانون نافذ يستوجب معه إعلان موعد الانتخابات.

وقال رئيس لجنة الكنيست، عوفر كاتس، إنه من المتوقع أن يتم إجراء انتخابات الكنيست السادسة والعشرين «خلال الفترة الممتدة ما بين 8 سبتمبر (أيلول) و20 أكتوبر (تشرين الأول). وكان من المقرر أن تجرى الانتخابات بحسب موعدها الأصلي في 27 أكتوبر».

خلاف على الموعد

وجاء حل الكنيست على خلفية تزايد الشقاق بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وشركائه في الأحزاب اليهودية المتشددة دينياً «الحريديم» التي اتهمته بعدم الوفاء بوعده بإقرار تشريع يعفي شبابها والملتحقين بالمدارس الدينية اليهودية من الخدمة العسكرية الإلزامية.

وقبل أكثر من أسبوعين، أصدر الحاخام دوف لاندو، الزعيم الروحي لحزب «ديجل هاتوراه»، قراره لأتباعه بحل الكنيست، وقال لانداو لأتباعه «لم نعد نثق بنتنياهو».

لكن الخلافات بين الطرفين لا تزال مستمرة حتى على موعد الانتخابات، وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إنه «مع تمرير القانون بالقراءتين الثانية والثالثة سيتضح الموعد النهائي».

وأكد موقع «تايمز أوف إسرائيل» أنه بسبب خلافات داخلية في الائتلاف، قدّم كاتس مشروع القانون دون تحديد موعد للانتخابات، مصرحاً بأنه سيُدرج في التشريع قبل قراءتيه الأخيرتين. وبحسب الموقع، فإنه يجب إجراء الانتخابات في غضون 5 أشهر من إقرار القانون، أي في منتصف أو أواخر أكتوبر كحد أقصى.

واستعرض كاتس إشكاليات التواريخ المختلفة المقترحة، قائلاً إن إجراء انتخابات في 8 سبتمبر سيؤدي إلى أن تكون جلسة افتتاح الكنيست بعد يوم واحد فقط من يوم الغفران، أما إجراؤها في 15 سبتمبر فسيؤدي، بحسب قوله، إلى أن «انعقاد الجلسة خلال أيام عيد العرش».

«لا قرار نهائياً من نتنياهو»

ولم يتخذ نتنياهو قراراً نهائياً، محذراً في محادثات خاصة من أن محاولة الأحزاب الدينية فرض جدول زمني من شأنه أن «يعرض للخطر» فرص الكتلة اليمينية في الفوز.

ويكشف الجدل حول الجدول الزمني للانتخابات صراعاً سياسياً جوهرياً بحسب صحيفة «معاريف» التي قالت إن «الأحزاب الحريدية مهتمة بإجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، ربما في 8 أو 15 سبتمبر. ومن وجهة نظرهم، فقد وصلت الأزمة المتعلقة بمشروع القانون إلى نقطة اللاعودة، ولم يعد لديهم أي جدوى من تأجيل الانتخابات».

«الحريديم» خلال مظاهرة في القدس يوم 30 يونيو 2024 ضد قرار تجنيدهم بالجيش الإسرائيلي (أ.ب)

أما حزب الليكود بقيادة نتنياهو، فيُفضل «استغلال كامل الفترة الزمنية المتاحة وتأجيل موعد الانتخابات إلى أبعد حد ممكن، إلى نحو 20 أكتوبر».

ويعتقد المقربون من رئيس الوزراء أن كل أسبوع إضافي قد يكون ذا أهمية سياسية. فالوقت الإضافي قد يتيح اتخاذ إجراءات تشريعية، وإتمام التعيينات، ومحاولات إصلاح العلاقات مع الشركاء المتشددين دينياً، وربما حتى تحسين موقف الحزب في استطلاعات الرأي قبل انطلاق الحملة الانتخابية.

قلق من السفر الكبير وذكرى 7 أكتوبر

ويقدرون في حزب الليكود أن «بداية سبتمبر هو الأنسب ويتوافق مع بداية العام الدراسي ويسبق الأعياد اليهودية، بينما منتصف سبتمبر إشكالي للغاية بسبب الأعياد اليهودية، والسفر الكبير (الديني) إلى (مدينة) أومان الأوكرانية»، حيث يحج هناك عشرات الآلاف من أبناء أحد الطوائف اليهودية.

وبحسب تقديراتٍ قدمها المقربون من نتنياهو، قد يوجد عشرات الآلاف من الناخبين المحتملين من كتلة اليمين واليهود المتشددين خارج إسرائيل في منتصف سبتمبر تقريباً. ويزعم حزب الليكود أن هذا يُشكل خطراً حقيقياً على نسبة إقبال كتلة اليمين.

كما يرفض «الليكود» إرجاء الانتخابات في مطلع أكتوبر لأنه يخشى من الحضور الطاغي لذكرى أحداث السابع من أكتوبر 2023. ولذلك يدفع الليكود بتأخير الانتخابات قدر الإمكان.

لقطة من فيديو نشره الإعلام العسكري لحركة «حماس» تُظهر مقاتلاً من «كتائب القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (رويترز)

وقال ينون أزولاي، ممثل رئيس حزب «شاس» أرييه درعي، في مناقشة اللجنة لقانون حل الكنيست، إنه يأمل في «التوصل هذا الأسبوع، أو مطلع الأسبوع المقبل، إلى اتفاق بشأن موعد الانتخابات».

وردّ كاتس: «سنحدد موعداً للانتخابات هذا الأسبوع أو الأسبوع المقبل. سنحدد الموعد قبل القراءة الثانية والثالثة لقانون حل الكنيست».

وبناء عليه، أعلن نائب المدير العام للجنة الانتخابات المركزية، المحامي دين ليفني: «ستجري لجنة الانتخابات المركزية الانتخابات في الموعد الذي يحدده الكنيست، حتى لو كان أقل من 90 يوماً... سنقبل الموعد».

لكنه ليفني حذر من تواريخ معقدة مثل 15 سبتمبر، لأنه يقع بين رأس السنة العبرية ويوم الغفران، ما يعني تقليص فترة فرز الأصوات ومراقبة عملية العد، ويزيد من الضغط، وقد يتطلب تعديلاً تشريعياً، إذ ينص القانون على وجوب إعلان النتائج النهائية في غضون 8 أيام من يوم الانتخابات.