إسرائيل تأمل دفع خطة نزع سلاح «حماس» قدماً بعد اغتيال حداد

تعدّه آخر رموز «7 أكتوبر» ومتشدداً عرقل خطة ترمب

فلسطينيون يحملون صور عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون صور عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تأمل دفع خطة نزع سلاح «حماس» قدماً بعد اغتيال حداد

فلسطينيون يحملون صور عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)
فلسطينيون يحملون صور عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

تعد إسرائيل، عز الدين الحداد قائد «كتائب القسام» الذي اغتالته، مساء الجمعة، واحداً من أبرز رموز عملية «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعملياً آخر هذه الرموز، وهذا يفسر الطريقة التي اغتالته بها والإعلانات المتتالية التي صدرت عن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان، إيال زامير، ثم الجيش و«الشاباك» وما تلاه من ابتهاج عبَّر عنه مسؤولون، ومحتجزون إسرائيليون كانوا في قطاع غزة، لكن السبب الحقيقي لاغتياله هو اعتقاد إسرائيل أنه الرجل الذي يرفض نزع سلاح «حماس».

وعدد نتنياهو أسباب اغتيال الحداد، قائلاً إنه أحد مهندسي «7 أكتوبر»، وكان مسؤولاً عن قتل واختطاف وإيذاء آلاف المواطنين الإسرائيليين وجنود الجيش الإسرائيلي. وقال: «احتجز رهائننا بوحشية بالغة، وشنّ أعمالاً إرهابية ضد قواتنا، ورفض تنفيذ الاتفاق الذي قاده الرئيس الأميركي ترمب لنزع سلاح (حماس)، وتجريد قطاع غزة من السلاح».

فلسطينيون يحملون جثمان عز الدين الحداد خلال تشييعه في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وقال مسؤول إسرائيلي كبير للصحافيين في بيان، إن رئيس الجناح العسكري لـ«حماس» (حداد) كان من العقبات الرئيسية في تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المكونة من 20 نقطة لإنهاء حرب غزة، والتي تشمل نزع سلاح الحركة.

وأضاف المسؤول في تصريح نشرته وسائل إعلام إسرائيلية: «لقد قام هذا الإرهابي الخطير بتقويض جهود الرئيس ترمب ومجلس السلام الرامية إلى نزع سلاح (حماس)، وتجريد قطاع غزة من السلاح من أجل خلق الأمن والازدهار للإسرائيليين وسكان غزة»، وحذر المسؤول قائلاً: «إن عدم امتثال قيادة حماس المستمر، سيتسبب في إحداث عواقب».

وحداد هو أرفع مسؤول في «حماس» تغتاله إسرائيل منذ اتفاق أكتوبر (تشرين الأول) 2025 الذي رعته الولايات المتحدة بهدف وقف القتال في غزة.

وجاء هذا الاغتيال في ظلّ استمرار الجمود في المفاوضات بين إسرائيل و«حماس» بشأن خطة ترمب لما بعد الحرب في غزة.

وبحسب مسؤوليين إسرائيليين، قررت إسرائيل قتل حداد قبل نحو 10 أيام.

فلسطينيون يشيعون عز الدين الحداد في مدينة غزة السبت (إ.ب.أ)

وذكرت «القناة 12» في تقرير أن نتنياهو وكاتس أصدرا الأمر بقتل حداد في الأيام الأخيرة بمجرد أن أصبح من الواضح أنه يشكل عقبة أمام الجهود المبذولة لإقناع «حماس» بنزع سلاحها.

وخلال تلك الفترة، كان حداد تحت المراقبة «المستمرة»، وتم تنفيذ الضربة «بسبب فرصة عملياتية ذات احتمالية عالية للقضاء الناجح».

ويثير اغتيال حداد الآن العديد من التساؤلات حول ما سيحدث لاحقاً، وأهمها: من سيقود «حماس» في قطاع غزة، خصوصاً جناحها العسكري، وكيف سيؤثر ذلك في جهود نزع سلاحها وعلى المفاوضات؟

من بقي؟

بحسب تقارير إسرائيلية في صحيفة «يديعوت أحرنوت» و«القناة 12» كان حداد آخر مسؤول عسكري رفيع المستوى من «حماس» تقريباً في قطاع غزة.

ومن بين القلائل الباقين على قيد الحياة محمد عودة، الذي كان رئيساً لجهاز الاستخبارات في «القسام» وقت الهجوم، ثم تولى قيادة لواء شمال غزة بعد اغتيال أحمد غندور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، وربما مُنح صلاحيات إضافية. وتقول تقديرات إسرائيلية إنه كان جزءاً من الدوائر القيادية التي شاركت في التخطيط لهجوم 7 أكتوبر، إضافة إلى حسين فياض، قائد منطقة بيت حانون الذي نجا من الاغتيال، ونافذ صبيح، أحد الوجوه القديمة في «القسام» وقائد منطقة «الدرج والتفاح»، وعماد عقل مسؤول منظومة الدعم والإمداد، وفايز بارود القيادي المعروف في «القسام» المطلوب للاغتيال.

فلسطينيون يشيعون عز الدين الحداد في مدينة غزة السبت (أ.ف.ب)

وقالت «يديعوت أحرنوت» إنه لم يتضح بعد من سيكون مكان حداد.

وقال رون بن يشاي، المحلل العسكري والأمني ​​في «يديعوت أحرونوت»، إن حداد ينتمي إلى صفوف المؤيدين المتشددين، الذين زعموا أن الأميركيين لن يسمحوا لإسرائيل بالقضاء على الحركة (على ما يبدو تنفيذاً لوعود تلقتها «حماس» من الوسطاء)؛ ولذلك كان من أبرز معارضي نزع معظم أنواع الأسلحة. وأضاف أن تصفية حداد تبقي «حماس» في القطاع من دون قيادة عسكرية رفيعة.

وبحسب مصدر إسرائيلي، يُنظر إلى حداد على أنه عارض خطة ترمب، ومن ثم لن يحزن الأميركيون عليه، ولن يغير ذلك موقفهم الداعي إلى استمرار تنفيذ الخطة، كما أن رئيس مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، غاضبٌ بشدة من موقف «حماس» في القضايا الجوهرية؛ ولذا يبدو أنه مسرورٌ أيضاً بهذه التطورات.

وتُقدّر إسرائيل أن عملية الاغتيال لن تؤثر في المفاوضات مع «حماس».

وقال مصدر أمني إن عملية الاغتيال ستدفع «حماس» في الواقع إلى الموافقة على مسودة نزع السلاح.

فلسطينيون يشيعون عز الدين الحداد في مدينة غزة السبت (رويترز)

وهناك مسألة أخرى، هي أن إسرائيل تعتقد أن الاغتيال ذلك سيعزز مطالب إسرائيل لقادة الحركة بمغادرة قطاع غزة.

وقال بن يشاي إن اغتيال حداد لن ينهي حكم «حماس» في غزة، لكنه سيضر بشدة بمعنويات قيادة الحركة في القطاع وقدرتها على اتخاذ القرارات، وسيعزز مطالب إسرائيل أيضاً بأن يغادر قادة الحركة القطاع؛ إذ يُثبت لقيادة «حماس» في قطاع غزة ولكل من شارك في «7 أكتوبر» أن المخابرات الإسرائيلية وسلاح الجو يعرفان كيفية الوصول إليهم، حتى لو اختبأوا في الأنفاق مدة طويلة، ومن ثم، فمن الأفضل لهم اللجوء إلى المنفى لإنقاذ حياتهم. على الأقل.

وبحسب «يديعوت أحرونوت»، فإن «هذا الاغتيال يُضعف بشكل كبير الفصيل المتطرف في القيادة، وقد يؤثر في المفاوضات بين مجلس السلام ومصر و(حماس) في الاتجاه الذي ترغب فيه إسرائيل».


مقالات ذات صلة

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

المشرق العربي فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

بعد عام على الاعترافات، يبدو حلم إقامة دولة فلسطينية بعيد المنال مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتقلّص مساحة العيش للفلسطينيين مع توسّع الاستيطان.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
يوميات الشرق «المواطن أسامة» يمثّل فلسطين في «الأوسكار» (الشركة المنتجة)

«المواطن أسامة»... الحرب بعين مَن يعيشها

أراد حسونة الانتقال من الصورة التقليدية التي تقدّم الفلسطيني ضحيةً في خبر عاجل، إلى صورة أكثر تركيباً لإنسان له مسؤوليات ومشاعر وأحلام.

أحمد عدلي (القاهرة )
المشرق العربي شبان فلسطينيون وسط أنقاض مبانٍ دُمرت خلال الحرب في مخيم جباليا للاجئين بشمال قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

«العصابات المسلحة» تختطف فلسطينيَّين... أحدهما ناشط بفصيل فاعل في غزة

معروف أن العصابات المسلحة التي تختطف فلسطينيين من القطاع تسلّمهم لإسرائيل، كما جرى في عديد من الحالات.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يحملون جثمان نائل أبو عبيد قائد لواء رفح يوم الأربعاء بعد اغتياله في غارة إسرائيلية بخان يونس (أ.ب)

خاص صمت «حماس» على الاغتيالات... التزام بالهدنة أم فقد لقدرة الرد؟

من الملاحظ أن حركة «حماس» وجناحها المسلح باتا يكتفيان بنعي القيادات، دون أن تحمل البيانات أي لغة تهديد بالرد كما كان يحدث خلال الحرب وقبلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا عَلم مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) يرفرف بميناء بورغاس على ساحل البحر الأسود في بلغاريا الذي سيستضيف مسابقة الأغنية الأوروبية الـ71 عام 2027... 14 أغسطس 2026 (أ.ب)

آيرلندا تقاطع «يوروفيجن» للعام الثاني على التوالي بسبب حرب غزة

أعلنت هيئة الإذاعة والتلفزيون الآيرلندية أن آيرلندا لن تشارك في مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن) 2027 للعام الثاني على التوالي، مشيرةً إلى الخسائر في غزة.

«الشرق الأوسط» (دبلن)

سوريا: مقتل شخص وإصابة آخر بانفجار مخلفات حرب في ريف دمشق

عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)
عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)
TT

سوريا: مقتل شخص وإصابة آخر بانفجار مخلفات حرب في ريف دمشق

عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)
عناصر من الدفاع المدني السوري يمدون شريطاً بلاستيكياً لمنع الدخول إلى منطقة بها مخلفات حرب في ريف دمشق (الدفاع المدني السوري عبر «فيسبوك»)

قُتل شخص وأُصيب آخر، اليوم (الجمعة)، جراء انفجار مخلفات حرب في مدرسة ‌‏‌‏‌‏التمريض بمدينة داريا في ريف دمشق.

‏ونقلت وكالة «سانا» السورية الرسمية عن مدير مركز عمليات مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث في ريف دمشق ‌‏‌‏خالد النجم قوله، إن فرق الدفاع المدني السوري بريف دمشق نقلت ‌‏‌‏الجثمان إلى أحد المستشفيات لاستكمال الإجراءات وتسليمه إلى ذويه، فيما أسعف الأهالي ‌‏المصاب.‏

وأشار النجم إلى أن مدرسة التمريض في داريا مدمّرة بشكل كامل وخارجة عن ‌‏‌‏الخدمة،‏ وهناك علامات تحذيرية في محيطها لمنع الاقتراب منها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

‏‏ولفت النظر إلى أن مديرية الطوارئ وإدارة الكوارث تشدد على عدم الاقتراب من ‌‏الأجسام المشبوهة أو مخلفات الحرب، وضرورة الإبلاغ عنها للجهات المختصة، ‌‏حفاظاً على سلامة المدنيين.‏

وقُتل شخص وأُصيب آخر يوم الثلاثاء الماضي، جرّاء انفجار جسم من ‌‏‌‏‌‏مخلفات الحرب داخل ‏كتيبة عسكرية مهجورة على طريق حاجولة الواصل بين ‌‏‌‏‌‏الناصرية والنبك بريف دمشق.


«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
TT

«الدولة الفلسطينية»... أبعد من أي وقت مضى

فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)
فلسطيني أمام أسلاك شائكة تحيط بمنزله لحمايته من هجمات المستوطنين في قرية الطيبة بالضفة الغربية يوم 9 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

عندما اعترفت فرنسا والمملكة المتحدة ودول غربية أخرى العام الماضي بدولة فلسطين، شعر رائد الأعمال الفلسطيني، آدم بدر، ببعض الأمل، لكنه أمل يتلاشى في ظل تدهور الأوضاع المستمر في الأراضي الفلسطينية وغياب آفاق الحلول.

ويقول بدر (27 عاماً) وهو من مدينة طولكرم، في شمال الضفة الغربية المحتلة، التي تشهد تصاعداً في العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ سنوات، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «شعرت بالسعادة عندما سمعت عن ذلك... الآن، بعد عام، لا نرى أي تحسن، بل على العكس، فالوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم، ولا أحد يستطيع فعل أي شيء».

بعد عام على الاعترافات، يبدو حلم إقامة دولة فلسطينية بعيد المنال مع تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين، وتقلّص مساحة العيش للفلسطينيين مع توسّع الاستيطان، وضعف السلطة الفلسطينية. فيما، وإن تراجعت حدّة العنف في قطاع غزة، لم تنته الحرب تماماً ولم يعرف مصير القطاع الفلسطيني.

في 22 سبتمبر (أيلول) 2025، ترأس الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، قمة خاصة في الأمم المتحدة للاعتراف بدولة فلسطين، متعهداً بإيجاد مسار جديد في ظل الغضب العالمي من الهجوم الإسرائيلي المدمّر على غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس مُستقبلاً نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون بمدينة رام الله في 22 يناير 2020 (أ.ف.ب)

واعترفت عشر دول، من بينها أيضاً كندا وأستراليا، بالدولة الفلسطينية، ما رفع عدد الدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي قامت بذلك إلى نحو 157 دولة، أي أكثر من أربعة أخماس أعضاء المنظمة الدولية.

لكن إسرائيل، التي تحظى بدعم الولايات المتحدة، ترفض بشكل قاطع إقامة دولة فلسطينية. وكثّفت جهودها لعزل السلطة الفلسطينية، برئاسة محمود عباس.

ويتخوّف مراقبون من أن تضمّ إسرائيل الضفة الغربية بحكم الأمر الواقع، بعد موافقة حكومته اليمينية على توسيع المستوطنات بشكل غير مسبوق.

ويقول وكيل وزارة الخارجية الفلسطينية، عمر عوض الله، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الاعتراف يجعل حلّ الدولتين واقعاً سياسياً ودبلوماسياً. لكن لسوء الحظ، على الأرض، لا يزال يعتمد على السلوك غير القانوني لإسرائيل التي لا تنفذ القرارات الدولية». ويضيف: «المستوطنات غير قانونية بموجب القانون الدولي، لذا على الدول الآن أن تتخذ إجراءات» ضدها.

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد توقيع «اتفاق أوسلو» بواشنطن في سبتمبر 1993 (غيتي)

وترى المحللة السياسية الفلسطينية، إيناس عبد الرازق، أن الاعتراف بدولة فلسطين لا يساوي الكثير من دون اتخاذ تدابير تهدف إلى دعم وجود دولة وتواجه الأفعال الإسرائيلية. وتقول: «لقد تحوّل حلّ الدولتين إلى لازمة دبلوماسية لتجنب مواجهة الواقع، وهو أن نظاماً يرتكب إبادة جماعية، يسيطر على كامل الأراضي الفلسطينية».

إسرائيل في موقع الهجوم

على امتداد التلال الكلسية في الضفة الغربية، تصطف آلاف الأعلام الإسرائيلية على الطرق التي يستخدمها المستوطنون الإسرائيليون، وتتخللها بين الحين والآخر كتابات على الجدران فيها «لا مستقبل في فلسطين»، في دعوة إلى رحيل الفلسطينيين.

فلسطينيون يحتجون ضد المستوطنات الإسرائيلية بالقرب من نابلس في الضفة الغربية المحتلة (رويترز)

ويقول نتنياهو إن إقامة دولة فلسطينية ستكون «مكافأة على الإرهاب» بعد أن نفذت حركة «حماس» في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 الهجوم الأكثر عنفاً في تاريخ إسرائيل التي ردّت بعملية عسكرية ضخمة في غزة.

وقال نتنياهو الشهر الماضي: «طالما أنا رئيس للحكومة، لن تُقام دولة فلسطينية خاضعة لسيطرة إيران»، في إشارة إلى التحالف بين «حماس» وطهران، «لا في غزة ولا في يهودا والسامرة (الاسم التوراتي للضفة الغربية). نقطة».

وقبل أسابيع، أمرت إسرائيل بإغلاق القنصلية البريطانية التي تخدم الفلسطينيين في القدس الشرقية، ردّاً على عقوبات فرضتها دول غربية على رأسها المملكة المتحدة، ومن بينها فرنسا وكندا، على المستوطنات الإسرائيلية بسبب عدم قانونيتها وعنف المستوطنين.

وقال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، مبرراً هذه الخطوة، إن حكومة حزب العمال في بريطانيا تحاول «فرض» دولة فلسطينية على إسرائيل، لكن هذه المحاولة «محكوم عليها بالفشل».

تصاعد الهجمات

وتتعرّض السلطة الفلسطينية التي أقيمت في التسعينات ككيان مؤقت لتمثيل الشعب الفلسطيني، لانتقادات مرتبطة بالفساد والافتقار إلى الشرعية.

وقد تحوّلت إلى كيان أكثر عجزاً عندما بدأت إسرائيل بخنقها اقتصادياً بعد عام 2023، فتجد صعوبة في دفع رواتب موظفيها المدنيين والعسكريين من جراء عدم تحويل الدولة العبرية عائدات الضرائب التي تجبيها نيابة عنها.

القوات الإسرائيلية تقتحم بلدة عناتا في الضفة الغربية يوم 8 سبتمبر الحالي (د.ب.أ)

في مطلع عام 2025، أقامت إسرائيل نحو ألف بوابة حديدية في الضفة الغربية، عند مداخل معظم القرى والبلدات، تقوم بإغلاقها بين الفينة والأخرى للتحكّم في حركة الفلسطينيين. بالإضافة إلى عشرات الحواجز العسكرية التي تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض.

ويندّد الفلسطينيون بسياسة «أرض أكثر وعرب أقل» التي تطبّق عملياً عبر إقدام مستوطنين على طرد التجمعات الرعوية المعزولة من المناطق الريفية في الضفة من أجل إقامة بؤر استيطانية.

وتقول الأمم المتحدة إن المستوطنين المتطرفين نفذوا في عام 2026 ما معدله ست هجمات يومياً ضد الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية.

ويشكو الفلسطينيون من أن مرتكبي أعمال العنف من الإسرائيليين نادراً ما يُحاسبون، وأن الجيش يوفر لهم الحماية.

وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أنه كلّف الجيش إعداد خطة هدفها «نقل كل صلاحيات حفظ النظام» المتصلة بالمستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة، في خطوة يراها مراقبون مزيداً من التقدم نحو الضم.

ويرى سامح، وهو مهندس برمجيات من نابلس، أن الاعترافات بالدولة الفلسطينية العام الماضي لا تزال «إشارة إيجابية»، لكن الوضع صعب. ويقول: «لا يزال هناك فارق كبير بين الاعتراف الدولي وبين رؤية هذا الاعتراف يُترجَم إلى واقع ملموس على الأرض».


هدوء حذر في «الصنمين» السورية وانتشار أمني مكثف وحالة استنفار تحسباً لأي طارئ

قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)
قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)
TT

هدوء حذر في «الصنمين» السورية وانتشار أمني مكثف وحالة استنفار تحسباً لأي طارئ

قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)
قوى الأمن الداخلي تنتشر في أحياء مدينة الصنمين (صفحة قوى الأمن - فيسبوك)

عاد الهدوء الحذر، إلى مدينة الصنمين بريف درعا الشمالي جنوب سوريا، وسط انتشار أمني كثيف واستمرار حالة الاستنفار الداخلي، تحسباً لأي تحركات قد تقوم بها مجموعات مسلحة وأخرى إرهابية، وذلك بعد عملية أمنية نفذتها قوى الأمن الداخلي الخميس الماضي، تخللتها اشتباكات أسفرت عن مقتل 3 من عناصرها، وتفكيك «خلايا إجرامية، وأخرى إرهابية مرتبطة بتنظيم (داعش) الإرهابي»، وإلقاء القبض على 5 من المطلوبين.

وأكدت مصادر محلية في الصنمين لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع في المدينة حالياً، «طبيعي، وحركة الناس والسيارات والأسواق طبيعية، وكما هو معتاد غصت المساجد بأعداد كبيرة من المصلين خلال صلاة الجمعة، وذلك بعد انتشار عناصر الأمن وعودة الأمن والأمان في جميع أرجاء المدينة، عقب انتهاء الاشتباكات».

أسلحة وذخائر ضبطتها قوى الأمن الداخلي في مدينة الصنمين بريف درعا (قناة قوى الامن- تلغرام).

لكن أحد المصادر وصف الهدوء السائد في المدينة بـ«الحذر»، ويدل على ذلك «استمرار وجود استنفار أمني وعمليات رصد لأي تحركات قد تقوم بها المجموعة الإرهابية في المدينة»، موضحاً أن «بقاء القوات الأمنية يهدف لتثبيت حالة الاستقرار».

وقال قائد الأمن الداخلي في درعا العميد حسام الطحان ليل الخميس - الجمعة، في تصريح نقلته وسائل إعلام حكومية، إن قوى الأمن الداخلي «تمكنت بعد متابعة وملاحقة دقيقة، من الوصول إلى الخلية المسؤولة عن استشهاد 3 من عناصرها في مدينة الصنمين».

وذكر أن المتابعة أظهرت أن الخلية يتزعمها «محسن الهيمد وأحمد العثمان الملقب بالكشكي»، مشيراً إلى أن قوات الأمن «ضبطت خلال عمليات التفتيش والتمشيط، أسلحة وذخائر وعبوات جاهزة للتفجير ومعدّات لتصنيع المتفجرات داخل منزليهما وتواصل ملاحقة بقية أفراد الخلية، تمهيداً لإلقاء القبض على جميع المتورطين وإحالتهم إلى القضاء المختص».

المصدر المحلي وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أوضح أنه لم يتم التأكد من وجود «محسن الهيمد» في المدينة خلال اشتباكات الخميس، فيما أشارت مصادر أخرى إلى وجود «الكشكي»، الذي يرجح أنه فرّ.

وبيّن أن مجموعة «محسن الهيمد هي المجموعة المسلحة الوحيدة التي بقيت في الصنمين بعد إسقاط النظام البائد أواخر العام 2024، وعدد مسلحيها غير معروف، لكنها معروفة بارتكابها جرائم متعددة منها عمليات اغتيال وتصفيات».

من انتشار القوى الأمنية في الصنمين (سانا)

«ولا يكمن الخطر في عدد مسلحي هذه المجموعة، وإنما بارتباطاتها مع متعاونين معها سواء في داخل الصنمين أو خارج المدينة»، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن اشتباكات الخميس «أثبتت وجود أشخاص مرتبطين بها، استطاعوا تنبيهها قبل بدء المداهمة الأولى، وهو ما مكنها من إعداد كمين لقوة البحث الجنائي واستهدافها، ما أدى إلى مقتل 3 من عناصرها».

وأوضح أن آيديولوجية هذه المجموعة ظاهرياً هي الآيديولوجية نفسها لـ«داعش»، رغم ارتباط «الهيمد» سابقاً بجهاز الأمن العسكري السابق التابع لنظام الأسد. وأضاف أن «العديد من الحوادث تثبت وجود علاقة بين (داعش) ونظام الأسد البائد».

وكانت قوى الأمن الداخلي نفذّت أواخر مارس (آذار) 2025، حملة أمنية في المدينة استهدفت مجموعات محلية بينها «مجموعة الهيمد». وأسفرت المواجهات آنذاك عن مقتل 9 من عناصر الأمن وإصابة آخرين، قبل أن تدخل القوى الأمنية في اليوم التالي إلى الحي الغربي في الصنمين، حيث تحصنت تلك المجموعة.

وشدد المصدر المحلي على ضرورة قيام وزارة الداخلية «بحسم الوضع في الصنمين نهائياً، لأنه أهم ملف أمني في درعا».

الخبير الأمني والعسكري الاستراتيجي السوري عصمت العبسي المتحدر من محافظة درعا، أوضح أن المجموعات المسلحة المتبقية في المحافظة «ليست كيانات تنظيمية موحدة، بل خلايا متناثرة تفتقر إلى القيادة المركزية، وأبرزها حالياً مجموعة محسن الهيمد». وبيّن لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه المجموعات «تتميز بآيديولوجيا هجينة فهي تجمع بين بقايا الولاء للنظام السابق، وبين علاقات تشغيلية مع (داعش) لتنفيذ عمليات اغتيال وخطف».

بعض الأسلحة والذخائر والمتفجرات المضبوطة في الصنمين (قناة قوى الأمن - تلغرام)

ومن الصعوبة تقدير عدد مسلحين تلك المجموعات بسبب طبيعة الخلايا السرية، لكن العمليات الأخيرة، وفق العبسي، تشير إلى أنها «مجموعات صغيرة العدد تعتمد على التحصن في الأحياء السكنية والاختباء بين المدنيين بدلاً من المواجهة المفتوحة».

ولا يوجد لـ«داعش» كيان عسكري مستقل أو مناطق سيطرة واضحة في درعا، كما كانت الحال سابقاً. ويتخذ الوجود «الداعشي»، حسب العبسي، شكّل «خلايا نائمة تستخدم العنف أداة ضغط، وتتركز في الجيوب الأمنية الضعيفة مثل الصنمين وبعض القرى الحدودية».

وبرأيه، فإن «استمرار وجود المجموعات المسلحة والإرهابية وقيامها باعتداءات وأعمال عنف بين فترة وأخرى، يعود لعدة عوامل؛ منها الطبيعة اللامركزية لهذه الخلايا، فحتى لو فر القائد كالهيمد، تبقى عناصر أخرى قادرة على تنفيذ أعمال عنف عشوائية، أو انتقامية للحفاظ على نفوذها المحلي، والعامل الثاني هو الحاجة الزمنية لبناء مؤسسات أمنية قوية وقادرة على التنبؤ بالتهديدات قبل وقوعها».

وأوضح العبسي أن «الفرار المؤقت للقادة لا يعني نهاية التهديد، بل يشير إلى أن المعركة الأمنية طويلة المدى وتتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين القوة الناعمة (التسويات) والقوة الصلبة (القضاء على الخلايا) لضمان الاستقرار الدائم في درعا».