محاور القطع والتطويق: إسرائيل توسّع «السيطرة النارية» في جنوب لبنان

تركيز على التلال الحاكمة وخطوط الإمداد

وحدة مدفعية إسرائيلية تعمل وسط تصاعد الأعمال العسكرية عند الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)
وحدة مدفعية إسرائيلية تعمل وسط تصاعد الأعمال العسكرية عند الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)
TT

محاور القطع والتطويق: إسرائيل توسّع «السيطرة النارية» في جنوب لبنان

وحدة مدفعية إسرائيلية تعمل وسط تصاعد الأعمال العسكرية عند الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)
وحدة مدفعية إسرائيلية تعمل وسط تصاعد الأعمال العسكرية عند الحدود بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

تتبدّل ملامح المواجهة في جنوب لبنان من معركة تقدّم بري مباشر إلى سباق للسيطرة على «التلال الجغرافية» الحاكمة، حيث تسعى إسرائيل إلى إعادة رسم خريطة الاشتباك عبر الإشراف الناري على المرتفعات ومحاور العبور، بدل تثبيت انتشار واسع على الأرض. وفي هذا السياق، تتقاطع معطيات ميدانية مع قراءات عسكرية لتشير إلى محاولة منهجية لقطع خطوط الإمداد وعزل ساحات القتال، من دون حسم سريع في أي من المحاور حتى الآن.

ولفت مصدر مطّلع على سير العمليات العسكرية، أن التقدّم الإسرائيلي «يندرج ضمن محاولة ممنهجة لقطع خطوط إمداد الحزب على طول المنطقة الحدودية»، مشيراً لـ«الشرق الأوسط» إلى أن هذه الاستراتيجية «ترتكز على السيطرة أو الإشراف الناري على عدد من النقاط المفصلية»، حيث لا تزال المعارك في عدد منها مفتوحة من دون حسم ميداني كامل.

أربع عقد ميدانية لقطع الإمداد

حسب المصدر تقوم خطة قطع الإمداد على أربعة محاور رئيسية، تبدأ من تلة البياضة التي تتحكّم بخط الإمداد الساحلي. وأوضح أن «القوات الإسرائيلية تقدّمت نحوها لكنها لم تُحكم السيطرة بعد على التلال الحاكمة فيها، ولا سيما تلال شمع وتلال طير حرفا»، حيث تدور اشتباكات ومحاولات متواصلة لتثبيت نقاط إشراف ناري.

أما المحور الثاني، فيتمثل في بلدة بيت ليف، التي تتيح السيطرة عليها الإشراف على وادي ياطر، وهو «ممر إلزامي لتحرّك مقاتلي الحزب باتجاه العمق، ولا سيما نحو بنت جبيل». لكن المصدر لفت إلى أن القوات الإسرائيلية «لا تزال حتى الآن على أطراف البلدة، حيث تخوض القتال انطلاقاً من محوري القوزح ودبل، من دون تثبيت سيطرة كاملة».

آليات ثقيلة إسرائيلية تعمل بالقرب من أنقاض قرية لبنانية بعد أن شنت القوات الإسرائيلية حملة جديدة ضد «حزب الله» عند الحدود مع لبنان (رويترز)

ويشمل المحور الثالث خط القنطرة - وادي الحجير، الذي يشكّل مسار إمداد باتجاه الطيبة، حيث «تقدّمت القوات الإسرائيلية إلى القنطرة ولامست وادي الحجير من دون تثبيت سيطرة كاملة حتى الآن». فيما يتمثل المحور الرابع بخط الإمداد الآتي من البقاع باتجاه الخيام، الذي «تعرّض لضربات في نقاط قريبة من إبل السقي خلال الساعات الماضية».

ويشير المصدر إلى أن الهدف من هذه التحركات هو «عزل مناطق العمليات بعضها عن بعض، ومنع إعادة التموضع أو الإمداد»، ومؤكداً أن «بعض هذه النقاط لا يزال يشهد اشتباكات ولم يُحسم ميدانياً بعد».

ويبرز في هذا السياق تركيز واضح على التلال المرتفعة، لا سيما في محيط شمع وطير حرفا، حيث «تسعى القوات الإسرائيلية إلى تثبيت سيطرتها عليها لتعزيز القدرة على الرصد والتحكّم بالنيران»، فيما يشبه إعادة رسم خريطة السيطرة عبر النار بدل الانتشار البري الكثيف.

ثلاثة قطاعات... وتقدم محسوب

في قراءة موازية، قدّم العميد المتقاعد سعيد قزح توصيفاً ميدانياً يقوم على تقسيم العمليات إلى ثلاثة قطاعات رئيسية، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التحركات الإسرائيلية تتوزع على ثلاثة قطاعات رئيسية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية جديدة عبر السيطرة النارية على التلال الحاكمة ومحاور التقدم».

تصاعد الدخان جنوب لبنان عقب غارة جوية إسرائيلية (د.ب.أ)

ولفت قزح إلى أن «تلة البياضة، الواقعة شمال الناقورة، تُعدّ نقطة استراتيجية بالغة الأهمية، إذ تُشرف نارياً على الطريق الساحلي الممتد من الناقورة إلى صور، وتبعد نحو 8 كيلومترات عن مخيم الرشيدية»، عادّاً أن «أي وصول إليها أو السيطرة عليها عامل مؤثر في مسار العمليات». وأضاف أن «القوات الإسرائيلية، في حال تمكنت من تثبيت موقعها في هذه التلة، يمكنها التقدم نزولاً نحو الساحل ومواصلة الضغط باتجاه مدينة صور إذا قررت توسيع نطاق العملية العسكرية».

وفي القطاع الأوسط، أشار إلى أن «القوات الإسرائيلية تقدمت ووصلت إلى مناطق مثل القوزح، مع محاولة استكمال التقدم باتجاه بيت ليف»، لافتاً إلى أن «هذه البلدة تُعد بدورها تلة حاكمة تشرف على عدد كبير من القرى المحيطة»، مع تسجيل «اشتباكات في المحور الممتد بين دبل وبيت ليف».

أما في القطاع الشرقي، فأوضح أن «التقدم سُجّل في اتجاه دير سريان الممتدة على طول وادي الليطاني، حيث تُنفّذ عمليات تفجير للمباني»، مشيراً إلى أن «القوات الإسرائيلية باتت تسيطر نارياً على مجرى الليطاني والمناطق المحيطة».

الشقيف: توسيع الضغط

وتوقف قزح عند قلعة الشقيف، عادّاً أنها «من أبرز النقاط الاستراتيجية المرتفعة التي تتيح مراقبة مساحات واسعة من القطاع الشرقي»، لافتاً إلى أن «الغارات الإسرائيلية المكثفة تستهدف محيط القلعة نظراً لأهميتها العسكرية».

وعلى الرغم من إعلان إسرائيل وصول قواتها إلى عمق يصل إلى نحو 14 كيلومتراً داخل الأراضي اللبنانية، يرى قزح أن «هذه الأرقام تبقى موضع تدقيق ميداني»، مشدداً على أن «المعطيات تشير إلى أن التقدم البري لا يزال ضمن نطاق محدود، مع تركيز واضح على السيطرة النارية أكثر من التمركز الواسع».

ويخلص إلى أن «المؤشرات الحالية توحي باتجاه تصعيد تدريجي قد يصل إلى محاولة اجتياح أوسع»، موضحاً أن الهدف يتمثل في «إبعاد خطر الصواريخ، سواء المضادة للدروع أو بعيدة المدى».

لكن الوصول إلى نهر الليطاني، وفق تقديره، «يبقى ضمن السيناريوهات المطروحة إسرائيلياً، إلا أنه يتطلب حشداً كبيراً للقوات، ولا سيما من الاحتياط»، ما يجعل أي تقدم أعمق «عملية معقدة ومحفوفة بالمخاطر، في ظل التكلفة البشرية والعسكرية المرتفعة».

تصاعد الدخان إثر غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

غارات الضاحية والتصعيد جنوباً

بموازاة ذلك، شنّ الطيران الإسرائيلي غارتين على الضاحية الجنوبية لبيروت بعد إنذار بالإخلاء، استهدفتا مبنى قرب المشرفية باتجاه بئر العبد وشقة بمنطقة الرحاب نحو بئر حسن، وسط معلومات عن استهداف قيادي، فيما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» بمقتل 3 عناصر من «حزب الله» في الغارة الثانية.

جنوباً، أُحرقت منازل في الناقورة، وتوالت الغارات على حناوية حيث سقط أربعة قتلى، وعلى برعشيت حيث قتل شخص وأصيب آخر، وعلى دير عامص وياطر والسماعية (المدرسة الرسمية)، فيما أصاب القصف المدفعي أطراف مارون الرأس ويارون وبنت جبيل.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل جندي، وأعلن «حزب الله» ضرب مواقع وقواعد بينها «عين زيتيم» و«غليلوت» مقر الوحدة 8200، إضافة إلى استهداف تجمعات وآليات في الجنوب.


مقالات ذات صلة

تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

المشرق العربي نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)

تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

يبدو «حزب الله» في موقع متناقض حيال ملف التفاوض المرتبط بالحرب على لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي عناصر من الجيش اللبناني ينتشرون وسط بيروت الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

لبنان يحصر مهام وفده الأمني بالمباحثات «التقنية» مع إسرائيل

هدَّد «حزب الله»، الثلاثاء، بمهاجمة أي قوَّة مسلَّحة تنسّق مع إسرائيل في حال تشكيلها، على غرار قتاله القوات الإسرائيلية، وذلك استباقاً للاجتماع الأمني في واشنطن

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جلسة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية للإعلام)

قانون العفو العام يتخطى عقبة الاعتراضات الداخلية اللبنانية

أقرت اللجان النيابية المشتركة اقتراح قانون العفو العام، تمهيداً لإحالته إلى الهيئة العامة للبرلمان اللبناني لإقراره يوم الخميس المقبل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جنود إسرائيليون قرب الحدود مع لبنان بعد تلقيهم تحذيراً من طائرة مسيرة أطلقها «حزب الله» (إ.ب.أ)

حاجز إسرائيلي يعتقل ثلاثة لبنانيين في جنوب البلاد

اعتقلت القوات الإسرائيلية ثلاثة لبنانيين في بلدة الماري، بجنوب لبنان، وذلك بعد إقامة حاجز عسكري في البلدة التي لا يزال يسكنها لبنانيون.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومستشار وزارة الخارجية مايكل نيدهام والمندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى خلال محادثات السلام بين السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر في مقر وزارة الخارجية الأميركية (د.ب.أ)

تحليل إخباري لبنان وإسرائيل أمام مسار أمني جديد... من التفاوض السياسي إلى التنسيق العسكري المباشر

لم يكن خروج جولة التفاوض اللبناني - الإسرائيلي بواشنطن بقرار استحداث مسار أمني ينشط بموازاة المسار السياسي الذي انطلق قبل فترة أمراً عابراً في الداخل اللبناني

بولا أسطيح (بيروت )

«شاهد قبر» يروي جانباً من لغز القاعدة الإسرائيلية في العراق

قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
TT

«شاهد قبر» يروي جانباً من لغز القاعدة الإسرائيلية في العراق

قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)
قوات من الجيش العراقي خلال تمشيط صحراء النخيب في 17 مايو 2026 (أ.ب)

قامت القوات العراقية في الأيام الأخيرة بتمشيط المناطق الصحراوية في البلاد، بحثاً عن قواعد أو قوات إسرائيلية، قِيل على نطاق واسع إنها تمركزت خلال حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وقال تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية إنها استدلت على شاهد قبر قد يكون للراعي الذي تعرف بالصدفة على مكان القاعدة الإسرائيلية قرب صحراء النخيب، الواقعة بين النجف وكربلاء، جنوب غرب العراق. ورغم ذلك يقول مسؤولون عراقيون إنهم «يتعاملون مع الواقعة على أنها شائعة».

وسرت تقارير عن أن قوات أجنبية كانت موجودة في صحراء النجف بجنوب غرب العراق في الأيام الأولى من الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط).

ومنذ أن كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الأسبوع الماضي، عن إنشاء إسرائيل موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية بين محافظتي كربلاء والنجف في مارس (آذار) الماضي؛ لدعم حربها التي شنتها ضد إيران في 28 فبراير 2026، أثيرت أسئلة كثيرة بشأن قدرة السلطات على فرض السيادة ومنع الاختراقات الأجنبية، وفق معلقين سياسيين من توجهات مختلفة.

قوات من الجيش العراقي خلال تفتيش صحراء النخيب جنوب غربي كربلاء والنجف في العراق في 17 مايو 2026 (أ.ب)

هوية القوات

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤولين أمنيين عراقيين وشهود عيان أن راعي أغنام أبلغ عن رؤيته تحركات عسكرية في المنطقة، قُتل لاحقاً حين قصفت مروحية مركبته.

وفيما تقرّ بأن قوات «مجهولة» و«غير مرخّص لها» وجدت لما لا يزيد على 48 ساعة في صحراء النجف، لم تجزم السلطات العراقية بعد بهوية تلك القوات.

وأكّد مسؤولان أمنيان عراقيان أن قوات إسرائيلية استحدثت موقعاً سرياً في صحراء النجف واستخدمته خلال الحرب. وقال أحدهما إن «القوات الإسرائيلية بنت قاعدة في مدرج طيران مهجور بني في زمن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين».

وفي التاسع من مايو (أيار)، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، نقلاً عن مصادر بينها مسؤولون أميركيون، بأن «إسرائيل أنشأت موقعاً عسكرياً سرياً في الصحراء العراقية لدعم حملتها الجوية ضد إيران».

وأشارت الصحيفة إلى أن المنشأة «ضمت قوات خاصة واستخدمت كمركز لوجستي لسلاح الجو الإسرائيلي، قبل اندلاع الحرب مباشرة، بعلم الولايات المتحدة».

وقال مسؤول أمني عراقي ثانٍ إن السلطات العراقية سألت الولايات المتحدة عمّا إذا كانت القوات التي وجدت في صحراء النجف تابعة لها، لكن «قالوا ليست قواتنا نحن».

ويتوجب عادة على الولايات المتحدة التي تنشر حالياً قوات لها في إقليم كردستان بشمال العراق في إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش»، إبلاغ بغداد بأي نشاط عسكري لها داخل الأراضي العراقية.

من جهته، رجّح مسؤول أمني عراقي ثالث أن تكون «القوات الأجنبية أميركية وضمنها فريق تقني إسرائيلي». ولفت إلى أنه تم رصد تحليق مروحيات من طراز «شينوك» في المنطقة خلال تلك الفترة.

ما حصل في الصحراء

خلال الأسبوع الأول من الحرب، تحدثت تقارير صحافية عراقية عن راعي أغنام رصد تحركات عسكرية في صحراء النجف الشاسعة المحاذية للحدود مع السعودية.

وأشارت مصادر أمنية عراقية إلى أن الراعي قُتل بضربة شنتها مروحية على مركبته، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وكان الراعي يتنقلّ لبيع الأغنام والتزود بالوقود عندما فوجئ، حسبما قال لوكالة الصحافة الفرنسية، بأشخاص يعرفونه بقوات أجنبية.

ولا تزال مركبته المتفحّمة متروكة في الصحراء وإلى جانبها هيكل عظمي لخروف، حسبما أفادت الوكالة.

وثمة شاهد قبر للراعي في الصحراء يُعتقد أنه رمزي، كُتب عليه اسم الرجل وتاريخ مقتله: الثالث من مارس.

في الخامس من مارس، أعلن نائب قائد العمليات المشتركة قيس المحّمداوي للإعلام الرسمي العراقي، حصول «عملية إنزال» في النجف و«تقديم مذكرة احتجاج للتحالف الدولي» بشأنها.

وأفاد بأنه بعد ورود اتصالات حول «وجود أشخاص أو حركة في صحراء النجف»، تم إرسال قوة للتقصي، لكنها «تعرضت لإطلاق نار كثيف من الجو، وأدى الحادث إلى استشهاد مقاتل وجرح اثنين»، وأضاف أنه «تم تعزيز القوة بفوجين من (جهاز) مكافحة الإرهاب» الذي قام بتمشيط المنطقة «ولم يجد شيئاً».

مركبات تابعة للجيش العراقي وقوات «الحشد الشعبي» خلال عملية عسكرية في المناطق الصحراوية قرب الحدود مع سوريا في 17 مايو 2026 (أ.ف.ب)

«لا نستطيع التكلم»

رغم انتشار التقارير الصحافية، لم تعلن السلطات العراقية حتى الآن هوية القوات الأجنبية المعنيّة. وقال أحد المسؤولين الأمنيين العراقيين إن «القوات العراقية لم تلتحم مع القوات المجهولة، وإسرائيل لم تعلن رسمياً أنها نفذت إنزالاً في العراق»، وأضاف: «هناك أمور لا نستطيع أن نتكلّم بها».

في 11 مايو، قالت قيادة العمليات المشتركة العراقية إن القوات العراقية نفذت عمليات تمشيط في المناطق الصحراوية، مؤكدة «عدم وجود أي قوة أو قواعد غير مصرح بها في الوقت الحالي على الأراضي العراقية». وحذرت من تقارير «تسيء إلى سمعة العراق».

من جهته، لم يعلّق الجيش الإسرائيلي على طلب التعليق على هذه التقارير، وفق ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية.

وأشار المسؤول الأمني إلى ورود تقارير أخرى عن وجود قوات إسرائيلية في منطقة صحراوية في محافظة نينوى في شمال غرب العراق، لافتاً إلى أنه تم إرسال قوات عراقية إلى هناك للكشف. وأوضح أنهم «يتعاملون مع هذه القضية على أنها شائعة».


تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
TT

تباينات ملادينوف و«حماس»... كيف تنعكس على «اتفاق غزة»؟

فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون مقتل أحد أقاربهم في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح (أ.ف.ب)

دخلت العلاقة بين الممثل الأعلى لمجلس السلام في قطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، وحركة «حماس»، مرحلة شدّ وجذب لا تتوقف عن تبادل الاتهامات وتحميل كل طرف المسؤولية للآخر، وسط تعثر لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أشهر.

تجاذبات زادت وتيرتها بعد تعثر مفاوضات جرت بالقاهرة بين الجانبين، وكان أحدثها تقرير ملادينوف لمجلس الأمن «يعتبر (حماس) عقبة أمام تنفيذ الاتفاق»، قبل أن ترد الحركة وتفند ذلك، وهو مسار يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» سينعكس سلباً على تنفيذ الاتفاق كاملاً ويعمق التعثر الحالي.

وأفاد «مجلس السلام بغزة» في تقرير قدّمه إلى مجلس الأمن الدولي بأن وقف إطلاق النار في قطاع غزة صمد لمدة 7 أشهر رغم الانتهاكات والتحديات المستمرة، مؤكداً أن «العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الخطة الشاملة رفض حركة (حماس) نزع السلاح والتخلي عن السيطرة على القطاع».

فيما رفضت «حماس»، في بيان، الثلاثاء، ما ورد في تقرير مجلس السلام المُقدم لمجلس الأمن، مؤكدة أنه «احتوى على جملة من المغالطات التي تُعفي حكومة الاحتلال من مسؤولياتها عن الانتهاكات اليومية لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، والتركيز على مسألة نزع السلاح، بهدف خلط الأوراق، وتعطيل اتفاق وقف إطلاق النار الواضح في مساره ومراحله». ولفتت إلى أن «الحركة أكدت مراراً وتكراراً جاهزيتها لتسليم إدارة غزة للجنة الوطنية».

وبعد تعثر مفاوضات جرت أخيراً بالقاهرة قبل نحو أسبوع، توسع نطاق الخلافات العلنية بين «حماس» وملادينوف، حيث شنّ عضو المكتب السياسي لـ«حماس»، باسم نعيم، هجوماً على المسؤول البارز في «مجلس السلام».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، الأكاديمي المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، أحمد فؤاد أنور يرى أن «التباينات بين ملادينوف و(حماس) تزداد، وبشكل أكيد ستنعكس سلباً على اتفاق غزة، خاصة وذلك المسؤول بمجلس السلام يحاول تبييض وجه إسرائيل والتمهيد لها بشنّ ضربات شاملة ضد القطاع». ويشير إلى أن «حماس» لم ترد على مقتل قائد «القسام» عز الدين الحداد، ورغم ذلك تستمع لنقد من ملادينوف، وهذا «لا يساعد على نجاح أي وسيط أو مسار اتفاق».

وأكّد أنور «أنه لا يمكن القبول بتنفيذ نزع سلاح (حماس) بينما إسرائيل تواصل خروقاتها يومياً، وليس هناك أي ضمانات على جديتها للالتزام بالاتفاق»، داعياً إلى «ضرورة مراجعة ملادينوف مواقفه لعدم إفشال مسار المفاوضات والاستقرار بالمنطقة خاصة؛ إذ صار عبئاً على مسار المفاوضات، وليس مسهلاً لها».

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

واعتبر المحلل السياسي الفلسطيني، حسام الدجني، أن «ملادينوف يتبنى بشكل كامل الرؤية الإسرائيلية التي تركز بشكل حصري على قضية السلاح، وتتجاهل جوهر الصراع المتمثل في الاحتلال وحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره»، ويشير إلى أن هذا الانحياز «يعرقل أي تقدم حقيقي لتنفيذ الاتفاق، وقد يقود إلى سيناريوهات خطيرة، بما في ذلك انهيار التهدئة وعودة التصعيد العسكري».

ويشدد على أن المشكلة ليست في شخص ملادينوف، لكن المشكلة تكمن في طبيعة الوظيفة التي يشغلها حالياً، والتي تلزم أي من كان يشغلها بسحب السلاح ورسم واقع جديد لقطاع غزة لا يتوافق مع تطلعات شعب يعيش تحت الاحتلال.

يأتي هذا في وقت أشار وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي خلال لقاء مستشار الأمن القومي البريطاني، جوناثان باول، في لندن، الثلاثاء، إلى «أهمية مباشرة اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة مهامها من داخل القطاع، وسرعة نشر قوة الاستقرار الدولية».

ويرى أنور أن مصر تواصل التأكيد على أهمية دخول لجنة التكنوقراط وقوات الاستقرار للدفع بالاتفاق للأمام، وتجاوز أي مناورات تهدده حالياً.

فيما يتوقع الدجني سيناريوهات، أولها أن «يتدخل الوسطاء بمقاربة جديدة لجميع الأطراف تلقى قبولاً، خاصة أن مصر تحاول إيجاد نافذة للحل بدخول اللجنة ونشر قوات الاستقرار؛ لكن هذا يحتاج أولاً لوقف التصعيد الإسرائيلي وفتح باب المساعدات، وتهيئة مناخ إيجابي»، لافتاً إلى أن السيناريو الثاني بقاء الوضع كما هو عليه، أما الثالث فهو عودة الإبادة والنزوح والقتل، لكن إسرائيل تفضل السيناريو الثاني، خاصة مع احتمالية عودة الحرب على إيران.


تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
TT

تناقض «حزب الله» حول المفاوضات: ما يُرفض في لبنان مقبول عبر إيران

نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)
نازحون عائدون إلى ضاحية بيروت الجنوبية يحملون علم «حزب الله» وصورة أمين عام الحزب نعيم قاسم (أ.ب)

يبدو «حزب الله» في موقع متناقض حيال ملف التفاوض المرتبط بالحرب على لبنان. فالحزب الذي يرفض بشدة أي مفاوضات مباشرة تجريها الدولة اللبنانية مع إسرائيل، ويعدّها مساراً يقود إلى التنازلات، لا يبدي الموقف نفسه تجاه التفاهمات الإيرانية - الأميركية التي تقول طهران إنها تشمل لبنان، بل يذهب إلى اعتبارها مدخلاً أساسياً لوقف الحرب. هذا التباين يطرح تساؤلات سياسية حول خلفية موقف الحزب، وما إذا كان اعتراضه يرتبط بطبيعة التفاوض نفسه، أم بالجهة التي تتولى التفاوض، وبالنتائج المحتملة على سلاحه ودوره داخل لبنان.

وفي هذا الإطار، جاء إعلان نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي، الثلاثاء بأن الاقتراح الإيراني يشمل «إنهاء الحرب على كل الجبهات بما في ذلك لبنان»، ليعيد فتح النقاش حول موقع لبنان داخل أي تسوية إقليمية محتملة، وحول كيفية تعاطي «حزب الله» مع مسارات التفاوض المختلفة.

التناقض في موقف «حزب الله»

فالحزب الذي يهاجم باستمرار أي مفاوضات مباشرة بين لبنان وإسرائيل، يعوّل في المقابل على المفاوضات الإيرانية - الأميركية عندما تتصل بوقف الحرب على لبنان.

وكان الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم، قد أكد في وقت سابق أنَّ «الاتفاق الإيراني - الأميركي الذي يتضمَّن وقف العدوان على لبنان يكاد يكون الورقة الأقوى لإيقاف العدوان»، شاكراً إيران على «اهتمامها بلبنان وشعبه».

كما قال النائب في كتلة «حزب الله»، حسن فضل الله: «إن الجميع يعلق آمالاً على مسار إسلام آباد»، مضيفاً أن «إيران علقت المفاوضات لأجل لبنان»، قبل أن يهاجم في المقابل «المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل» عادّاً أنَّها «مأزق، ومسار مسدود الأفق».

لبنانية توثّق الدمار بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال جولة للصحافيين نظّمها «حزب الله» الأربعاء (أ.ف.ب)

بدوره، رأى النائب عن الحزب، حسين الحاج حسن، أن «المفاوضات المباشرة التي أجرتها السلطة في لبنان مع إسرائيل أدخلتها في مأزق، وأوصلتها إلى مسار مسدود لن يؤدي بها إلا إلى تنازلات دون نتيجة».

هذه الازدواجية بين موقف الحزب من التفاوض اللبناني المباشر وموقفه من التفاوض الإيراني - الأميركي يدفع، إلى طرح سؤال أساسي: هل يرفض الحزب مبدأ التفاوض بحدِّ ذاته، أم يرفض فقط المسار الذي تقوده الدولة اللبنانية وما قد ينتج عنه داخلياً؟

مصدر وزاري: موقف «حزب الله» مستغرق ومتناقض

وفي هذا الإطار، وصف مصدر وزاري مقرَّب من الرئاسة اللبنانية موقف «حزب الله» الرافض لأي تفاوض مباشر بين الدولة اللبنانية وإسرائيل بأنَّه يتسم بـ«التناقض الواضح»، عادّاً أنّ «ما هو مسموح لإيران يبدو ممنوعاً على لبنان، رغم أنَّ الدولة اللبنانية تفاوض حصراً حول قضايا تتصل بالسيادة اللبنانية، ومعالجة تداعيات الاحتلال الإسرائيلي».

وأكد المصدر لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «لبنان يفاوض حول ملفات لبنانية بحتة مرتبطة بواقع قائم فرضه الاحتلال الإسرائيلي، والسلطة اللبنانية تتحرَّك انطلاقاً من مصلحة لبنان فقط، وبالتالي فإنَّ أي محاولة لتصوير الأمر بشكل مختلف تبقى غير مفهومة».

وأشار المصدر إلى أنَّ موقف رئيس الجمهورية جوزيف عون والحكومة كان ثابتاً منذ البداية، ومفاده أنَّ «لا أحد يفاوض بالنيابة عن لبنان، وهو المبدأ الذي يحكم المقاربة الرسمية الحالية».

ورداً على من يعدّ أنّ «إيران تفاوض الولايات المتحدة وليس إسرائيل»، أوضح المصدر أنّ «الوضع اللبناني مختلف بالكامل، لأنَّ إسرائيل تحتل أراضي لبنانية ومن الطبيعي في هذه الحالة أن يكون التفاوض مع العدو بهدف الانسحاب وإنهاء الاحتلال، وهذا ما تقوم به كل الدول عندما تكون أراضيها محتلة».

مُلصق لعنصر من «حزب الله» بضاحية بيروت الجنوبية في اليوم الأول لوقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

التفاوض اللبناني يهدّد معادلة السلاح

وفي قراءته لموقف «حزب الله»، يرى رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن «حزب الله» يرفض المفاوضات المباشرة؛ لأنَّه يدرك أنَّ أي مسار تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية، وبدعم عربي ودولي، سيفرض تدريجياً إخراج ملف المواجهة مع إسرائيل من التداول لمصلحة دعم مؤسسات الدولة وبياناتها الوزارية، بما يتضمَّن ترتيبات أمنية، وضبط الحدود، وحصرية السلاح بيد الدولة، وحصر قرار السلم والحرب بالمؤسسات الرسمية.

من هنا يقول سلامة: «وهذا يعني عملياً إنهاء الحالة العسكرية المستقلة للحزب، وتقليص النفوذ الإيراني داخل لبنان».

ويلفت سلامة في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أنَّ «غالبية القوى والطوائف اللبنانية باتت تميل إلى مقاربة مختلفة تقوم على أولوية الاستقرار الداخلي، وإعادة الإعمار، والانفتاح على الحلول الدبلوماسية، حتى لو قاد ذلك مستقبلاً إلى تفاهمات أمنية أو مسارات سلام تدريجية مع إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا التوجه يعكس تباعداً متزايداً بين حزب الله، وبقية المكونات اللبنانية حول معنى السيادة، ودور الدولة، ومستقبل لبنان الإقليمي».

لبنانية توثّق الدمار بالضاحية الجنوبية لبيروت خلال جولة للصحافيين نظّمها «حزب الله» الأربعاء (أ.ف.ب)

من هنا يعدُّ سلامة أن «جوهر اعتراض الحزب لا يقتصر على شكل التفاوض أو طبيعته، بل يرتبط أيضاً بما يمكن أن يفرضه أي تفاوض مباشر برعاية دولية وعربية من إعادة ترتيب للتوازنات الداخلية في لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بحصرية السلاح ومرجعية قرار السلم والحرب».

لماذا يفضّل الحزب التفاوض الإيراني؟

وفي المقابل، يقبل «حزب الله» بالمفاوضات الإيرانية - الأميركية لأنه يعدُّ، بحسب سلامة، أن «طهران تفاوض من موقع إقليمي أشمل يربط ملفات لبنان وغزة والعراق واليمن بالأمن الإقليمي وبمصالح الولايات المتحدة. ومن هذا المنطلق، يراهن الحزب على أنَّ أي تفاوض إيراني لن يؤدي إلى تفكيكه، بل إلى تثبيت دوره بوصفه جزءاً من توازنات المنطقة وقوةً سياسيةً وأمنيةً داخل لبنان. لذلك يفضِّل الحزب أن يبقى مصير سلاحه ودوره مرتبطاً بتفاهمات إقليمية تقودها إيران، لا بمفاوضات لبنانية مباشرة قد تضعه في مواجهة إجماع داخلي ودولي يسعى لإعادة بناء الدولة اللبنانية على حساب ازدواجية السلطة والسلاح».