يقف لبنان على بُعد أيام من مواجهة محطات ثلاث تتقاطع على استكمال تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة التي تتصدر جدول أعمال المرحلة الراهنة لما يترتب عليها من انعكاسات على الوضع الداخلي في ظل الإجماع الدولي على ربط تنفيذها بمد لبنان بجرعة تدفع باتجاه الانتقال به من التأزم إلى التعافي.
وتكاد تكون هذه المحطات متلازمة ولا يمكن فصلها، وتبدأ باجتماع لجنة «الميكانيزم» الأربعاء على مستوى العسكريين، تليها جلسة لمجلس الوزراء الخميس المقبل بالتلازم مع انعقاد الحكومة الأمنية المصغّرة «الكابينت» في إسرائيل كون جميعها، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، يتوقف على تقييم ما أنجزه الجيش اللبناني في المرحلة الأولى من تطبيقه حصرية السلاح في جنوب نهر الليطاني تنفيذاً للخطة التي عرضها قائد الجيش العماد رودولف هيكل على مجلس الوزراء الذي تبنّاها، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تشمل شمال النهر حتى الأولي.
اقتراح أميركي
وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن رئيس «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد هو من اقترح أن يقتصر اجتماعها الدوري على العسكريين بإيعاز من الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، وعدم ممانعة باريس، على أن تعقد اجتماعاً ثانياً الأسبوع المقبل بنصاب مكتمل بمشاركة المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان.

وحسب المعلومات، فإن واشنطن ارتأت اقتصار اجتماع «الميكانيزم» هذا الأسبوع على العسكريين لتكون على بيّنة في اجتماعها المقبل حيال ما ستؤول إليه في ضوء تقييمها لما حققه الجيش بانتشاره، بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل»، في المنطقة المحررة من جنوب الليطاني، وما إذا كانت الوحدات العسكرية استوفت ما هو مطلوب منها، في ضوء إشادة كليرفيلد بما أنجزته بإخلائها المنشآت والبنى العسكرية العائدة لـ«حزب الله».
محطة تقييم
كما أن واشنطن فضّلت التريُّث، لأن اجتماع «الميكانيزم»، الأربعاء، يتزامن مع جلستي مجلس الوزراء اللبناني و«الكابينت» الإسرائيلي، وبالتالي فإن اجتماعها المقبل يُشكّل محطة لتقييم ما أُنجز في جنوب النهر، معطوفاً على ما ستقرره الحكومة في ضوء تقرير هيكل ووضعه بتصرفها لتبني على الشيء مقتضاه، تحضيراً للمرحلة الثانية من حصرية السلاح، ومدى استعداد إسرائيل للقيام بخطوات على طريق التزامها، ولو على دفعات، بتطبيق وقف الأعمال العدائية.

ولفت المصدر الوزاري إلى أن إلزام واشنطن تل أبيب بالخطوات التي تتيح للحكومة الضغط على «حزب الله» للتقيد ببدء تنفيذ المرحلة الثانية من حصرية السلاح، مدعومة بتجاوبها حيال وقف الأعمال العدائية، لأنه في هذه الحال لم يعد له من ذرائع لتبرير احتفاظه بسلاحه والتعاطي مع استكمال حصريته على أنه شأن سيادي لبناني لا دخل للخارج به، ويخضع للحوار للتوصل لاتفاق عنوانه استراتيجية أمن وطني للبنان.
عناد الحزب
وأكد المصدر أن الحزب في حال تعهدت واشنطن بالضغط على تل أبيب سيجد نفسه محشوراً في الزاوية، ولن يكون في وسعه الصمود سياسياً أمام قول أمينه العام نعيم قاسم، في رده على من يطالبه بتسليم سلاحه، بأنه رضوخ لضغط أميركي - إسرائيلي، خصوصاً أنه حقق ما هو مطلوب منه بانسحابه من جنوب النهر والتزامه بوقف النار، ويبقى على الدولة أن تطالب الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بتطبيقه بكل مندرجاته. ورأى أنه بموقفه هذا يناقض نفسه عندما يقول إنه ملتزم بتطبيق القرار «1701» وباتفاق الطائف اللذين ينصان على نزع سلاح المجموعات المسلحة لبسط سلطة الدولة على أراضيها.
وأضاف أن الحزب بعناده السياسي أراد توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن سلاحه إيراني، ومن يطالبه بنزعه فما عليه إلا التواصل مع طهران، رغم أنه لم يعد له من دور، ليس بسبب تراجع نفوذ محور الممانعة في الإقليم ولبنان فحسب، وإنما لأنه افتقد لدوره بتفرده بإسناده لغزة، وإن كانت قيادته تتجنب ما حل بلبنان من كوارث بدءاً من بوابته الجنوبية، وتصر على تحميلها الدولة نتائج تفرّد الحزب بالقرار.
لا عودة
وينقل المصدر عن رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام تأكيدهما أن قرار حصرية السلاح اتُّخذ بموافقة الحزب بمجرد مشاركته في الحكومة، ولا عودة عنه، وبالتالي يعود لمجلس الوزراء الالتزام بالمرحلة الثانية من حصريته باتخاذه القرار في هذا الشأن، على أن يبقى تحديد جدوله الزمني معلقاً على إنضاج الظروف السياسية، هذا في حال أن «الميكانيزم» أجمعت على أن المرحلة الأولى من الخطة طُبّقت، وأن احتفاظ إسرائيل بعدد من النقاط هو العائق أمام انتشار الجيش حتى الحدود الدولية.

وهنا يسجّل لعون إصراره على استيعاب «حزب الله» وطمأنته، وهذا ما يكمن وراء مطالبته واشنطن بالتعاون مع رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام بالضغط على تل أبيب لإلزامها بتنفيذ الخطوات، بعد أن تعهّدت وباريس ليس برعايتهما لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وإنما بالضغط عليها لتطبيقه الذي اقتصر على بالجانب اللبناني.
ويتوقف أمام حوار عون مع «حزب الله» الذي، حسب معلوماته، لم يحقق التقدم المطلوب لتطبيق حصرية السلاح، ولا يزال يراوح مكانه بتمسك قاسم بسلاحه بدلاً من وضعه بعهدة الدولة ووقوفه خلفها في خيارها الدبلوماسي باتباعها التفاوض السلمي لإنهاء الاحتلال، ويسأل هل من بديل لديه؟ وإلا لماذا شارك في الحكومة التي تصدّر بيانها الوزاري تعهُّد لبنان بحصرية السلاح؟
هدر الوقت
بدوره سأل مصدر سياسي بارز، ماذا ينتظر «حزب الله» ليقرر اصطفافه خلف الدولة؟ وأين تكمن مصلحته في هدره للوقت؟ وهل لديه من رهانات مع معاودة إسرائيل مسحها بالنار غير المسبوق للبلدات الواقعة على امتداد شمال النهر للضغط على لبنان، وتذكيره بأن المهلة المحددة لنزع سلاح الحزب أوشكت على نهايتها وستضطر لتوسعة الحرب؟ أم أن طمأنة عون اللبنانيين باستبعاده شبح الحرب عن لبنان لا يزال قائماً، وهو لم يقل كلمته من فراغ، ولديه من المعطيات، حسب المصدر الوزاري، ما يدعوه لطمأنتهم، وأن اختطاف واشنطن للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لن يؤدي إلى خلط الأوراق على نحو يجد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو نفسه طليق اليد بما يسمح له بتوسعة الحرب وصولاً إلى قلب الطاولة لفرض شروطه، مع أن واشنطن هي من أعطت التطمينات وكانت على علم مسبق بعملية الاختطاف التي نفذتها قوات الكوماندوز الأميركية؟
ظروف صعبة
لذلك، يبقى التريث سيد الموقف إلى حين تبيان ما ستؤول إليه المحطات الثلاث ذات الصلة باستكمال تطبيق حصرية السلاح، على أمل أن يتدارك «حزب الله» الظروف الصعبة التي يمر بها البلد ويراجع حساباته، بدلاً من أن يستمر بحرق المراحل رهاناً منه على تبدّل الظروف التي لا يبدو أنها ستكون كما تشتهي إيران ومن خلفها الحزب. فلا خيار أمامه إلا التموضع تحت جناح الدولة لحث أصدقاء لبنان على مساعدته لإعمار البلدات المدمرة التي لن تعود كما كانت باعتماد الخطب النارية والمزايدات الشعبوية واتهامه الحكومة بارتكاب خطيئة بموافقتها على تسليمه سلاحه الذي نص عليه البيان الوزاري بموافقة من يمثله في الحكومة من دون أن يسجّل تحفظه عليه.
