لبنان أمام 3 محطات لاختبار استعداده لاستكمال حصرية السلاح

استبعاد عون لشبح الحرب هل لا يزال قائماً؟

رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً جلسة للحكومة (رئاسة الجمهورية - أرشيفية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً جلسة للحكومة (رئاسة الجمهورية - أرشيفية)
TT

لبنان أمام 3 محطات لاختبار استعداده لاستكمال حصرية السلاح

رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً جلسة للحكومة (رئاسة الجمهورية - أرشيفية)
رئيس الجمهورية جوزيف عون مترئساً جلسة للحكومة (رئاسة الجمهورية - أرشيفية)

يقف لبنان على بُعد أيام من مواجهة محطات ثلاث تتقاطع على استكمال تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة التي تتصدر جدول أعمال المرحلة الراهنة لما يترتب عليها من انعكاسات على الوضع الداخلي في ظل الإجماع الدولي على ربط تنفيذها بمد لبنان بجرعة تدفع باتجاه الانتقال به من التأزم إلى التعافي.

وتكاد تكون هذه المحطات متلازمة ولا يمكن فصلها، وتبدأ باجتماع لجنة «الميكانيزم» الأربعاء على مستوى العسكريين، تليها جلسة لمجلس الوزراء الخميس المقبل بالتلازم مع انعقاد الحكومة الأمنية المصغّرة «الكابينت» في إسرائيل كون جميعها، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، يتوقف على تقييم ما أنجزه الجيش اللبناني في المرحلة الأولى من تطبيقه حصرية السلاح في جنوب نهر الليطاني تنفيذاً للخطة التي عرضها قائد الجيش العماد رودولف هيكل على مجلس الوزراء الذي تبنّاها، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تشمل شمال النهر حتى الأولي.

اقتراح أميركي

وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن رئيس «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد هو من اقترح أن يقتصر اجتماعها الدوري على العسكريين بإيعاز من الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس، وعدم ممانعة باريس، على أن تعقد اجتماعاً ثانياً الأسبوع المقبل بنصاب مكتمل بمشاركة المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان.

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس يوم 8 نوفمبر (الرئاسة اللبنانية)

وحسب المعلومات، فإن واشنطن ارتأت اقتصار اجتماع «الميكانيزم» هذا الأسبوع على العسكريين لتكون على بيّنة في اجتماعها المقبل حيال ما ستؤول إليه في ضوء تقييمها لما حققه الجيش بانتشاره، بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل»، في المنطقة المحررة من جنوب الليطاني، وما إذا كانت الوحدات العسكرية استوفت ما هو مطلوب منها، في ضوء إشادة كليرفيلد بما أنجزته بإخلائها المنشآت والبنى العسكرية العائدة لـ«حزب الله».

محطة تقييم

كما أن واشنطن فضّلت التريُّث، لأن اجتماع «الميكانيزم»، الأربعاء، يتزامن مع جلستي مجلس الوزراء اللبناني و«الكابينت» الإسرائيلي، وبالتالي فإن اجتماعها المقبل يُشكّل محطة لتقييم ما أُنجز في جنوب النهر، معطوفاً على ما ستقرره الحكومة في ضوء تقرير هيكل ووضعه بتصرفها لتبني على الشيء مقتضاه، تحضيراً للمرحلة الثانية من حصرية السلاح، ومدى استعداد إسرائيل للقيام بخطوات على طريق التزامها، ولو على دفعات، بتطبيق وقف الأعمال العدائية.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل خلال اجتماع استثنائي مع أركان القيادة وقادة الوحدات والأفواج وعدد من الضباط في اليرزة (الجيش اللبناني)

ولفت المصدر الوزاري إلى أن إلزام واشنطن تل أبيب بالخطوات التي تتيح للحكومة الضغط على «حزب الله» للتقيد ببدء تنفيذ المرحلة الثانية من حصرية السلاح، مدعومة بتجاوبها حيال وقف الأعمال العدائية، لأنه في هذه الحال لم يعد له من ذرائع لتبرير احتفاظه بسلاحه والتعاطي مع استكمال حصريته على أنه شأن سيادي لبناني لا دخل للخارج به، ويخضع للحوار للتوصل لاتفاق عنوانه استراتيجية أمن وطني للبنان.

عناد الحزب

وأكد المصدر أن الحزب في حال تعهدت واشنطن بالضغط على تل أبيب سيجد نفسه محشوراً في الزاوية، ولن يكون في وسعه الصمود سياسياً أمام قول أمينه العام نعيم قاسم، في رده على من يطالبه بتسليم سلاحه، بأنه رضوخ لضغط أميركي - إسرائيلي، خصوصاً أنه حقق ما هو مطلوب منه بانسحابه من جنوب النهر والتزامه بوقف النار، ويبقى على الدولة أن تطالب الولايات المتحدة بإلزام إسرائيل بتطبيقه بكل مندرجاته. ورأى أنه بموقفه هذا يناقض نفسه عندما يقول إنه ملتزم بتطبيق القرار «1701» وباتفاق الطائف اللذين ينصان على نزع سلاح المجموعات المسلحة لبسط سلطة الدولة على أراضيها.

وأضاف أن الحزب بعناده السياسي أراد توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأن سلاحه إيراني، ومن يطالبه بنزعه فما عليه إلا التواصل مع طهران، رغم أنه لم يعد له من دور، ليس بسبب تراجع نفوذ محور الممانعة في الإقليم ولبنان فحسب، وإنما لأنه افتقد لدوره بتفرده بإسناده لغزة، وإن كانت قيادته تتجنب ما حل بلبنان من كوارث بدءاً من بوابته الجنوبية، وتصر على تحميلها الدولة نتائج تفرّد الحزب بالقرار.

لا عودة

وينقل المصدر عن رئيسي الجمهورية العماد جوزيف عون والحكومة نواف سلام تأكيدهما أن قرار حصرية السلاح اتُّخذ بموافقة الحزب بمجرد مشاركته في الحكومة، ولا عودة عنه، وبالتالي يعود لمجلس الوزراء الالتزام بالمرحلة الثانية من حصريته باتخاذه القرار في هذا الشأن، على أن يبقى تحديد جدوله الزمني معلقاً على إنضاج الظروف السياسية، هذا في حال أن «الميكانيزم» أجمعت على أن المرحلة الأولى من الخطة طُبّقت، وأن احتفاظ إسرائيل بعدد من النقاط هو العائق أمام انتشار الجيش حتى الحدود الدولية.

جنود تابعون لقوة الأمم المتحدة (اليونيفيل) وجنود من الجيش اللبناني في نقطة قرب الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (رويترز)

وهنا يسجّل لعون إصراره على استيعاب «حزب الله» وطمأنته، وهذا ما يكمن وراء مطالبته واشنطن بالتعاون مع رئيسي المجلس النيابي نبيه بري والحكومة نواف سلام بالضغط على تل أبيب لإلزامها بتنفيذ الخطوات، بعد أن تعهّدت وباريس ليس برعايتهما لاتفاق وقف الأعمال العدائية، وإنما بالضغط عليها لتطبيقه الذي اقتصر على بالجانب اللبناني.

ويتوقف أمام حوار عون مع «حزب الله» الذي، حسب معلوماته، لم يحقق التقدم المطلوب لتطبيق حصرية السلاح، ولا يزال يراوح مكانه بتمسك قاسم بسلاحه بدلاً من وضعه بعهدة الدولة ووقوفه خلفها في خيارها الدبلوماسي باتباعها التفاوض السلمي لإنهاء الاحتلال، ويسأل هل من بديل لديه؟ وإلا لماذا شارك في الحكومة التي تصدّر بيانها الوزاري تعهُّد لبنان بحصرية السلاح؟

هدر الوقت

بدوره سأل مصدر سياسي بارز، ماذا ينتظر «حزب الله» ليقرر اصطفافه خلف الدولة؟ وأين تكمن مصلحته في هدره للوقت؟ وهل لديه من رهانات مع معاودة إسرائيل مسحها بالنار غير المسبوق للبلدات الواقعة على امتداد شمال النهر للضغط على لبنان، وتذكيره بأن المهلة المحددة لنزع سلاح الحزب أوشكت على نهايتها وستضطر لتوسعة الحرب؟ أم أن طمأنة عون اللبنانيين باستبعاده شبح الحرب عن لبنان لا يزال قائماً، وهو لم يقل كلمته من فراغ، ولديه من المعطيات، حسب المصدر الوزاري، ما يدعوه لطمأنتهم، وأن اختطاف واشنطن للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو لن يؤدي إلى خلط الأوراق على نحو يجد رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو نفسه طليق اليد بما يسمح له بتوسعة الحرب وصولاً إلى قلب الطاولة لفرض شروطه، مع أن واشنطن هي من أعطت التطمينات وكانت على علم مسبق بعملية الاختطاف التي نفذتها قوات الكوماندوز الأميركية؟

ظروف صعبة

لذلك، يبقى التريث سيد الموقف إلى حين تبيان ما ستؤول إليه المحطات الثلاث ذات الصلة باستكمال تطبيق حصرية السلاح، على أمل أن يتدارك «حزب الله» الظروف الصعبة التي يمر بها البلد ويراجع حساباته، بدلاً من أن يستمر بحرق المراحل رهاناً منه على تبدّل الظروف التي لا يبدو أنها ستكون كما تشتهي إيران ومن خلفها الحزب. فلا خيار أمامه إلا التموضع تحت جناح الدولة لحث أصدقاء لبنان على مساعدته لإعمار البلدات المدمرة التي لن تعود كما كانت باعتماد الخطب النارية والمزايدات الشعبوية واتهامه الحكومة بارتكاب خطيئة بموافقتها على تسليمه سلاحه الذي نص عليه البيان الوزاري بموافقة من يمثله في الحكومة من دون أن يسجّل تحفظه عليه.


مقالات ذات صلة

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

المشرق العربي جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

لا تبدأ الحكاية هنا من غارة، ولا تنتهي عند وقف إطلاق نار. في جنوب لبنان، تُقاس الحرب بقدرتها على التكرار، لا بمدّتها.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع 4 مقاتلين من الحزب قتلوا في مواجهات مع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان (رويترز)

اتصالات لخفض التصعيد في جنوب لبنان ونتنياهو يتهم «حزب الله» بتقويض الهدنة

تكثفت الاتصالات الدبلوماسية، الأحد، لتطويق التصعيد الكبير في جنوب لبنان، على وقع اتهام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لـ«حزب الله» بـ«تقويض الهدنة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

قال «حزب الله» اللبناني إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع يستقبل الزعيم اللبناني وليد جنبلاط في دمشق السبت (سانا)

لقاء الشرع - جنبلاط: تجاوز أحداث السويداء وإسقاط «حلف الأقليات»

شكّل لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي النائب السابق وليد جنبلاط محطة بارزة

يوسف دياب (بيروت)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)
جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

وقال الجيش، في بيان، إنّ رقيباً في التاسعة عشرة من عمره قُتل في حادثة أصيب خلالها ضابط وأربعة جنود آخرين، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

ومنذ سريان وقف إطلاق النار في 17 أبريل (نيسان)، أعلن «حزب الله» مراراً تنفيذ عمليات تستهدف قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، أو إطلاق صواريخ ومسيّرات نحو شمال الدولة العبرية، قائلاً إنها تأتي رداً على قيام الأخيرة بتنفيذ غارات وعمليات قصف وتفجير مبانٍ.


«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
TT

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)
فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

​أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي جرت في الضفة الغربية، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية والقروية وإقبالاً متوسطاً على التصويت، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة؛ وهي المدينة الوحيدة التي أجريت فيها انتخابات بالقطاع وسط معدلات مشاركة ضعيفة.

والانتخابات المحلية التي أجريت، السبت، هي الأولى وفق النظام الجديد الذي قررته السلطة الوطنية الفلسطينية، العام الماضي، ويُلزم المترشحين في كل الانتخابات ببرنامج «منظمة التحرير» أساساً للترشح؛ إذ تتعهد السلطة دولياً بمسار «حل الدولتين».

وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية، الأحد، النتائج النهائية للانتخابات المحلية، التي جرت في 183 هيئة محلية بالضفة الغربية، إلى جانب مدينة دير البلح في قطاع غزة، وقال رئيس اللجنة رامي الحمد الله، خلال مؤتمر صحافي، إن «الانتخابات جرت لأول مرة وفق قانون انتخابات جديد؛ يعمل بنظام القائمة المفتوحة، والنظام الفردي، وشمل ذلك دير البلح وسط قطاع غزة، باعتبار الوطن الجغرافي في الضفة الغربية وقطاع غزة وحدة واحدة».

فلسطينية تدلي بصوتها في الانتخابات المحلية ببلدة بيرزيت الفلسطينية شمال رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (أ.ف.ب)

وبحسب الحمد الله، فإن «عدد الناخبين المقترعين بلغ نحو 522 ألف ناخب، فيما فازت 197 هيئة محلية بالتزكية، وبلغت نسبة الاقتراع في الضفة الغربية 56 في المائة، مقارنة بـ53.7 في المائة بانتخابات 2012، و53.8 في المائة في 2017، و58 في المائة في 2022».

وفيما سجلت محافظة سلفيت شمال الضفة، أعلى نسبة اقتراع بلغت 71 في المائة، سجلت دير البلح بقطاع غزة أقل نسبة بواقع 23 في المائة.

«فتح» تعلن فوزاً كاسحاً

مع نشر النتائج النهائية، يوم الأحد، أكّدت «فتح» التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، الفوز الكبير لقائمتها «الصمود والعطاء» في الانتخابات، معتبرة، في بيان لناطق باسمها، أن النتائج تمثل «استفتاءً شعبياً مؤيداً» لنهج الحركة وبرنامجها السياسي وخياراتها.

وأعلنت «فتح» فوزها في غالبية الهيئات المحلية؛ أبرزها الخليل وطولكرم وسلفيت والبيرة، وفي محافظة جنين وباقي المحافظات، وقالت إنها شكلت بالتوافق مع قوى العمل الوطنيّ والمؤسسات المحليّة 197 مجلساً بلدياً وقروياً بالتزكية؛ أبرزها بلديتا رام الله ونابلس الكبيرتان.

وجاء إعلان «فتح» بينما تغيب حركة «حماس» تماماً عن المنافسة؛ إذ لا تحظى بعضوية «منظمة التحرير» وكانت مشاركتها السابقة في الانتخابات تجري من دون الالتزام بكونها «ممثلاً شرعياً ووحيداً» للفلسطينيين، وفق ما تشدد السلطة.

وكانت «حماس» تشارك في الانتخابات التي كانت تجري في الضفة الغربية طيلة السنوات الماضية، إما عبر قوائم واضحة للحركة، أو من خلال دعم مرشحين آخرين غير رسميين؛ لكنها غابت هذه المرة عن الترشح، ولم تحشد للتصويت.

ومع غياب «حماس»، تنافست القوائم المدعومة من حركة «فتح» مع أخرى مستقلّة يقودها رجال أعمال، أو مرشحون من فصائل في «منظمة التحرير»؛ مثل «الجبهة الشعبية»، أو قوائم شكلتها عائلات كبيرة متحالفة، وفي بعض المناطق تنافست قوائم في المدينة الواحدة، تتبع كلها لحركة «فتح».

وتطالب «السلطة» حركة «حماس» بتسليم غزة والسلاح، والتحول إلى حزب سياسي والاعتراف بـ«منظمة التحرير» والتزاماتها، لكن «حماس» لم تعلن ذلك حتى الآن.

عام الانتخابات

وتعدّ الانتخابات المحلية تحضيراً لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، والمجلس التشريعي، والرئاسة حال تقرر ذلك.

وروجت السلطة الفلسطينية للانتخابات المحلية في أعقاب «الإصلاحات» التي قالت إنها ستنفذها بوصفها جزءاً من «خطة السلام» للرئيس الأميركي دونالد ترمب لقطاع غزة، وقال عباس، الأحد، إن «هذا العام سيكون عام الانتخابات».

وتعهدت السلطة بإجراء انتخابات تشريعية وأخرى رئاسية بعد انتهاء الحرب على قطاع غزة.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية بمركز تصويت بمدينة رام الله بالضفة الغربية يوم السبت (د.ب.أ)

وأضاف مهنئاً بالانتخابات المحلية: «هذا النجاح يشكل انتصاراً جديداً للإرادة الوطنية الفلسطينية، وتجسيداً حياً لتمسك شعبنا بخيار الديمقراطية». وأردف: «هذا الإنجاز يأتي في إطار عام الديمقراطية، الذي انطلق بانتخابات الشبيبة الفتحاوية، ويتواصل عبر الانتخابات المحلية، وسيتوج الشهر المقبل بعقد المؤتمر الثامن لحركة (فتح)، وانتخابات قيادتها، وصولاً إلى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، بما يعزز الحياة الديمقراطية، ويكرس مبدأ (صوت المواطن هو الأساس لاختيار من يمثله)».

إقبال ضعيف في غزة

وفي قطاع غزة، شهدت الانتخابات المحلية التي أقيمت بمدينة دير البلح فقط، إقبالاً ضعيفاً، في أول منافسات من نوعها منذ عقدين.

وأظهرت معدلات التصويت أن دير البلح كانت الأقل مشاركة على مستوى الأراضي الفلسطينية (غزة والضفة)، حيث بلغت 23 في المائة.

وكان يحق لـ70449 ناخباً وناخبة المشاركة في العملية التي أشرف عليها 292 مراقباً. وأظهرت النتائج التي أعلنتها لجنة الانتخابات، أن أي قائمة من القوائم الأربع المتنافسة لم تحسم النتيجة لصالحها.

ويتشكل المجلس البلدي لدير البلح من 15 عضواً من الحاصلين على أعلى الأصوات، مع ضمان تمثيل نسائي لا يقل عن 4 سيدات. وحصدت قائمة «نهضة دير البلح» 6 مقاعد، و«مستقبل دير البلح» 5 مقاعد، فيما حصلت القائمتان «السلام والبناء» و«دير البلح تجمعنا» على مقعدين لكل منهما.

ووفقاً لمصدر مراقب على الانتخابات، فإنه قانونياً «لا بد أن تكون هناك تحالفات لتشكيل المجلس البلدي الجديد»، والتقديرات تشير إلى أن القائمتين الأضعف ستدعمان أو على الأقل إحداهما، القائمة الأكبر «نهضة دير البلح» المدعومة من شخصيات قيادية في حركة «فتح».

وأقر جميل الخالدي المدير الإقليمي للجنة الانتخابات المركزية، بأن «الوضع الميداني الأمني وما فرضته الحرب من آثار وأولويات بالنسبة للمواطن في غزة، من الأسباب المهمة التي أدت لانخفاض نسبة الاقتراع، بشكل غير متوقع».

فلسطينيون بمدينة دير البلح وسط غزة قرب مركز تصويت في الانتخابات المحلية يوم السبت (أ.ب)

واعتبر الخالدي في مؤتمر صحافي لإعلان النتائج، أن «مجرد مشاركة دير البلح في ظل هذه الظروف الصعبة التي يحياها قطاع غزة، بمثابة خطة مهمة في جوهر العملية الديمقراطية الحرة والنزيهة التي جرت في أجواء منظمة، من دون أي مشاكل تذكر رغم كل الأوضاع الصعبة».

وقال زين الدين أبو معيلق والفائز عن قائمة «نهضة دير البلح»، إن جميع القوائم المشاركة هدفها تحقيق الخدمات للمواطنين وتحسينها، مرجحاً أن تتم عملية تشكيل المجلس البلدي الجديد دون أي تعقيدات.

ورفض أبو معيلق كما آخرون من الفائزين، التعليق على قضية النسبة الضعيفة للمشاركين في الانتخابات. فيما أرجع أحدهم فضل عدم ذكر هويته، ذلك إلى الظروف التي تحيط بالسكان من حيث الوضع الاقتصادي والإنساني والأمني، معرباً عن أمله في أن تتحسن مشاركة سكان قطاع غزة في الانتخابات المقبلة.

وقال المحلل السياسي المقيم في غزة مصطفى إبراهيم، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانتخابات المحلية التي جرت في دير البلح، ربما لا تعبر عن حقيقة وقناعة الفلسطينيين بضرورة الانتخابات، وهذا ما تدلل عليه النسب المتدنية للمشاركين»، مضيفاً: «قد يكون أحد أسباب ذلك أنه لم تكن هناك مشاركة فصائلية حقيقية، رغم أن هناك قوائم محسوبة أو مدعومة من حركة (فتح)، لكنها اتخذت الطابع العشائري».

ورجح إبراهيم أنه في حال شاركت «فتح» أو «حماس»، بشكل مباشر أو بدعم حقيقي لأي من القوائم، «لكانت نتائج المشاركة أعلى مما رأينا سواء على صعيد الحسم أو المشاركة».

وأضاف: «رغم عدم رضا الفلسطينيين عن النظام السياسي القائم؛ فهناك أمل لدى كثير من السكان بأن تستعيد حركة (فتح) دورها، وكذلك (حماس) ما زالت لديها القدرة على المنافسة، لكن الاعتقاد الأكبر أنها لن تحقق نتائج كما كانت في نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية عامي 2005 و2006».


لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
TT

لبنانيون يدفعون تكلفة مضاعفة للحرب بتدمير منازلهم في الجنوب والضاحية

جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)
جانب من الدمار اللاحق بمباني الضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

من عيتا الشعب في أقصى جنوب لبنان، إلى الحدث وحي السلم في الضاحية الجنوبية لبيروت، تتوزع خسائر المواطن اللبناني جهاد سرور (67 عاماً) جراء الحرب الإسرائيلية التي بدأت في 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بقرار «حزب الله» مساندة غزة انطلاقاً من لبنان.

يقول سرور لـ«الشرق الأوسط»: «خسرتُ معظم ما أملك نتيجة الحروب المتكررة التي طالت الجنوب وبيروت». ويشرح: «كنتُ أملك ثلاثة بيوت؛ بيت في عيتا الشعب تهدّم في الحرب الماضية، وبيت في الحدث تهدّم قبل نحو شهر في جولة الحرب الأخيرة، إضافة إلى شقة في حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية تضرّرت يوم الأربعاء الذي شهد قصفاً كثيفاً على بيروت والضاحية».

لا يعدد جهاد ممتلكاته بقدر ما يوثّق انهيارها: «لم يبقَ لي اليوم فعلياً سوى سقف بسيط وسيارة»، يقول، قبل أن يضيف جملة تختصر التجربة: «الخسارة لم تعد حدثاً واحداً، بل تمثل مساراً مستمراً يتجدّد مع كل جولة قصف وتصعيد».

المفارقة أن الرجل الذي أمضى 33 عاماً في الولايات المتحدة، وعاد إلى لبنان قبل 15 عاماً، يواجه اليوم ما لم يختبره في أي مكان آخر. يقول: «هذه التجربة قاسية وجديدة عليّ، لم أختبر سابقاً هذا المستوى من الدمار والحرب والتهجير، ولا هذا الإحساس بفقدان الاستقرار بشكل كامل».

جانب من الدمار جرَّاء الغارات الإسرائيلية بمنطقة الحوش شرق مدينة صور في جنوب لبنان (أ.ب)

وسرور واحد من عشرات اللبنانيين الذين خسروا أملاكهم في أكثر من مكان جراء الحرب. غالباً ما كان أبناء المنطقة الحدودية في الجنوب، الذين يمتلكون منازل في بيروت أو ضاحيتها الجنوبية، يقيمون فيها في موسم الدراسة، بما يمكّن أبناءهم من تلقي التعليم الجامعي، ويعملون في المدينة خلال هذه الفترة، وينتقلون صيفاً إلى قراهم في الجنوب بغرض الاصطياف. وبالنظر إلى تزامن القصف في الجنوب والضاحية، خسر بعضهم أرزاقهم في المكانين.

عائلات في منزل واحد

ودفع القصف السكان إلى اختيار مكان آمن في العاصمة أو ضواحيها الشرقية أو جبل لبنان. يقول سرور: «اليوم نقيم في منزل تملكه زوجتي في بيروت، بعدما فقدت منازلي، ومعنا أيضاً أقارب من عائلات نازحة من الجنوب والضاحية»، مشيراً إلى أن عدد سكان الشقة «يناهز الـ35 شخصاً يقيمون في المنزل نفسه، تتراوح أعمارهم بين سنة و75 عاماً».

عائلة فادي الزين التي خسرت منزلين في الخيام بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت تجلس على شرفة مدمرة في الضاحية (أ.ب)

بهذا المعنى، لا يعود المنزل مساحة خاصة، بل ملجأ جماعي، من خلال توصيفه: «العيش بهذا الشكل يختصر حجم الأزمة، حيث تتحوّل المنازل إلى مراكز إيواء جماعية، في ظل غياب أي أفق واضح للحل أو العودة».

وحين يُسأل عن المستقبل لا يجيب بتوقع، بل بحالة: «بصراحة، لا يمكن التخطيط لشيء، نعيش يوماً بيوم»، مضيفاً: «الإنسان يصبح وكأنه في حالة تخدير، لا يفكّر في المستقبل؛ لأن الواقع يفرض نفسه بكل ثقله».

خسارة تاريخ كامل

في عيترون الحدودية، لا ينتهي الدمار مع انتهاء القصف. هناك، يبدأ فصل آخر من الحكاية. يقول حسن لـ«الشرق الأوسط»: «ما تعيشه البلدة اليوم ليس حادثة عابرة، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات، لكن هذه المرة بوتيرة أشدّ واتساع أكبر».

الاختلاف هذه المرة، كما يراه، ليس في الشدة فقط، بل في الطريقة: «التدمير لم يقتصر على الغارات خلال العمليات العسكرية، بل استمرّ بعد وقف إطلاق النار عبر تجريف المنازل بشكل منهجي باستخدام جرافات».

آليات عسكرية إسرائيلية تواكب جرافات على الحدود الشمالية مع لبنان في مارس الماضي (إ.ب.أ)

يستعيد حسن حرب 2006 بالقول: «تعرض المنزل الذي كنت أسكنه للقصف وتضرّر بشكل كبير، يومها لم نخسر حجارة فقط، بل خسرنا ما هو أبعد من ذلك». يسكت قليلاً، ثم يضيف: «فقدت مكتبتي بالكامل، ومعها سنوات من الذكريات والأوراق والكتب التي لا يمكن تعويضها. هذه الخسارة لا تُقاس مادياً».

اليوم، يعود الخوف نفسه، لكن بشكل أكثر حدة؛ إذ يضيف: «لم يعد الأمر مجرد قصف عابر، بل احتمال فقدان المنزل بالكامل نتيجة التجريف، ما يعني تكرار التجربة نفسها، ولكن بشكل نهائي هذه المرة».

ولا تتوقف الخسارة عنده شخصياً، يقول: «ثلاثة من أشقائي خسروا منازلهم بالكامل خلال حرب الإسناد»، مضيفاً: «الخسارة لم تعد فردية، بل باتت تطول العائلة بأكملها».

الخلاصة بحسب حسن تأتي قاسية وواضحة: «ما يجري اليوم يبدو كأنه إعادة رسم للبلدة بكل ما فيها. نحن لا نخسر منازل فقط، بل نخسر تاريخاً كاملاً».

بيتٌ دُمّر عام 1978... ولم يُستكمل حتى اليوم

في بنت جبيل، تأخذ الحكاية بُعداً آخر؛ بيتٌ بدأ تدميره قبل نحو نصف قرن، ولم يخرج من دائرة التهديد حتى اليوم. يقول نادر سعد لـ«الشرق الأوسط»: «قصة منزلنا ليست حادثة واحدة، بل سلسلة حروب متتالية، كل واحدة منها تأخذ شيئاً مما بقي».

يعود إلى البداية: «عام 1977 قُصف موقع (شلعبون) القريب من منزلنا، وكان بيتنا بمنزلة امتداد له؛ فيه مكتبة، وكان المقاتلون يأتون إليه للراحة أو للاستحمام».

مركبات ومدرعات عسكرية إسرائيلية أمام مبانٍ مدمرة في جنوب لبنان يوم 15 أبريل (أ.ف.ب)

ثم تأتي اللحظة المفصلية، فيكشف: «عام 1978، دخلت القوات الإسرائيلية. طلبوا من جدتي الخروج، ثم فجّروا المنزل بالكامل. هذه كانت المرة الأولى». لكن اللافت أن التدمير لم يكن النهاية، بل بداية مسار أطول؛ إذ يضيف: «عام 1984 بدأ والدي إعادة البناء، وسنة 1985 أنجز الأساسات وبعض الأعمدة، وكان يعيش في خيمة إلى جانب ما بناه»، ويضيف: «لكن في منتصف العام نفسه، طُلب منه مغادرة المنطقة، فتركنا المنزل غير مكتمل».

ظلّ البيت كذلك سنوات طويلة؛ أعمدة بلا غرف، وجدران بلا حياة: «بقي على حاله حتى عام 2000، حين عدنا وبدأنا مجدداً البناء تدريجياً، من دون قدرة فعلية على إنهائه». حتى حين نجا من التدمير الكامل، بقي هشّاً أمام كل جولة. يقول: «في حرب 2006 تضرر المنزل بالشظايا، وتحطمت سيارتنا، لكنه لم يُدمّر كلياً».

ويضيف: «أما في حرب 2024، فقُصف منزل قريب جداً، وكان الانفجار قوياً إلى درجة أنه خلع الأبواب والنوافذ من بيتنا»، ثم تأتي أكثر مفارقة قسوة: «اليوم، ومن خلال صور الأقمار الاصطناعية، نرى الدبابات متمركزة حول المنزل، لكن لا نعرف إن كان دُمّر بالكامل أم لا».

ويختم بجملة تختصر نصف قرن: «هذا البيت، الذي دُمّر أول مرة عام 1978، ولم يُستكمل بناؤه حتى اليوم، كل حرب تعيده إلى نقطة الصفر، وكأن الزمن متوقف عند أول هدم!».