تسوية حسمت رئاسة البرلمان العراقي في جلسة «انسيابية»

«التنسيقي» قدم أرواق اعتماد «الكتلة الأكبر» لهيبت الحلبوسي

نواب يحضرون الجلسة الأولى للبرلمان السادس في بغداد (أ.ف.ب)
نواب يحضرون الجلسة الأولى للبرلمان السادس في بغداد (أ.ف.ب)
TT

تسوية حسمت رئاسة البرلمان العراقي في جلسة «انسيابية»

نواب يحضرون الجلسة الأولى للبرلمان السادس في بغداد (أ.ف.ب)
نواب يحضرون الجلسة الأولى للبرلمان السادس في بغداد (أ.ف.ب)

طويت واحدة من أكبر العقد السياسية في العراق، مع انتخاب مجلس النواب، الاثنين، النائب هيبت حمد عباس الحلبوسي رئيساً للبرلمان للدورة السادسة، بعد تسوية وصفت بالسلسة، مهدت لها انسحابات مدروسة، وتفاهمات سياسية جرت في الكواليس، وحظيت بتأييد قوى شيعية، وكردية، وفق مصادر سياسية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وجاء انتخاب الحلبوسي في جلسة افتتاحية اتسمت بالهدوء، والانسيابية، لتشكل أول اختبار فعلي للتوازنات التي أفرزتها الانتخابات التشريعية التي جرت في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وسط توقعات بانعكاس هذا التفاهم على مسار تشكيل الحكومة المقبلة.

وحصل الحلبوسي، القيادي في حزب «تقدم»، على 208 أصوات من أصل 309 نواب شاركوا في التصويت، متقدماً بفارق كبير على منافسه سالم العيساوي الذي نال 66 صوتاً، في حين خرج المرشح الثالث عامر عبد الجبار من السباق مبكراً. وأدار الجلسة النائب الأكبر سناً عامر الفايز.

هيبت الحلبوسي (وسط) أصبح رئيساً للبرلمان العراقي بعد انتخابه في الجلسة الافتتاحية يوم 29 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تسوية البيت السني

بحسب مصادر مطلعة، فإن الحسم السريع لمنصب رئاسة البرلمان كان ثمرة اتفاق داخلي بين القوى السنية، عقب إعلان رئيس تحالف «العزم» مثنى السامرائي انسحابه من الترشح خلال الجلسة الأولى.

وأشارت المصادر إلى أن الانسحاب جاء بعد تفاهم على إعادة توزيع المناصب الوزارية، والاستحقاقات بين القوى السنية المشاركة في العملية السياسية، بما يضمن تمثيلاً متوازناً لها في الحكومة المقبلة.

وقبل بدء الانتخاب، أعلن السامرائي انسحابه من الترشح لرئاسة البرلمان، مؤكداً دعمه لمرشح المجلس الوطني «الإطار السني» هيبت الحلبوسي، وذلك خلال انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان بحضور 292 نائباً، وثمّن رئيس حزب «تقدم» محمد الحلبوسي موقف السامرائي موجهاً الحديث له في كلمة أمام النواب قائلاً: «أنت من القيادات السياسية التي نعتز بها».

وأكدت المصادر أن هذا الاتفاق حظي بدعم غير معلن من قوى شيعية فاعلة، وافقت على الخيارات السنية المتعلقة برئاسة البرلمان وبحصة المكون السني في السلطة التنفيذية، في إطار تفاهم أشمل يهدف إلى تسريع تشكيل الحكومة، وتجنب سيناريوهات الانسداد السياسي التي شهدها العراق في دورات سابقة.

وكان المجلس السياسي الوطني، الذي يضم أبرز القوى السنية، قد عقد اجتماعاً في منزل خميس الخنجر مساء الأحد، انتهى دون إعلان رسمي عن اتفاق، ما عكس حينها وجود تباينات.

غير أن الساعات اللاحقة شهدت تقاطعاً في المواقف، تُرجم عملياً بانسحاب السامرائي ودعم ترشيح الحلبوسي بوصفه ممثل الأغلبية السنية.

فايز عامر (في الوسط) أقدم أعضاء البرلمان يترأس جلسة انتخاب رئيس البرلمان بينما يحضر النواب المنتخبون حديثاً الجلسة الأولى للمجلس في بغداد (أ.ف.ب)

تثبيت التوازنات

يُنظر إلى انتخاب هيبت الحلبوسي على أنه تثبيت لدور القوى السنية داخل المؤسسة التشريعية، وإعادة إنتاج لقيادة البرلمان من داخل حزب «تقدم»، الذي يتزعمه رئيس البرلمان السابق محمد الحلبوسي.

ويعد هيبت الحلبوسي، البالغ من العمر 45 عاماً من الوجوه البرلمانية البارزة منذ عام 2018، وسبق له أن ترأس لجنة النفط والطاقة، ما منحه حضوراً في ملفات اقتصادية حساسة.

ويأتي هذا التطور في ظل نظام المحاصصة المعتمد في العراق منذ عام 2005، والذي يخصص رئاسة الحكومة للمكون الشيعي، ورئاسة البرلمان للمكون السني، ورئاسة الجمهورية للمكون الكردي.

وبعد انتخاب رئيس البرلمان، باشر المجلس إجراءات اختيار نائبيه، وفقاً للعرف السياسي يمنح أحد المنصبين لشيعي، والآخر لكردي.

بالتوازي مع ذلك، عزز «الإطار التنسيقي» موقعه داخل البرلمان عبر تقديم تواقيع الكتلة النيابية الأكبر رسمياً إلى رئيس البرلمان المنتخب، في خطوة تؤشر إلى المضي قدماً نحو استحقاق تسمية رئيس الوزراء. وأكد نواب في الإطار أن إعلان الكتلة الأكبر جاء بعد استكمال انتخاب رئاسة المجلس ونائبيه، تمهيداً لبدء المسار الدستوري لتشكيل الحكومة.

في المقابل، فتح الموقف الكردي نقاشاً موازياً، بعدما دعا رئيس الحزب «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً لشعب كردستان، معتبراً أن المنصب يجب ألا يُتعامل معه على أنه حصة حصرية لطرف بعينه، وهو ما ينذر بجولة تفاوض جديدة داخل البيت الكردي.

أعضاء في البرلمان العراقي الجديد في طريقهم إلى مكان انعقاد جلستهم الأولى في بغداد (أ.ف.ب)

ويواجه البرلمان الجديد استحقاقات دستورية ضاغطة، إذ ينص الدستور على انتخاب رئيس للجمهورية خلال ثلاثين يوماً من الجلسة الأولى، يعقبها تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة خلال خمسة عشر يوماً، على أن تُعرض التشكيلة الوزارية خلال ثلاثين يوماً أخرى.

وفي بلد اعتاد على التشرذم السياسي وطول فترات التوافق، يبدو أن التسوية السنية السنية التي أنتجت انتخاب رئيس البرلمان، بدعم شيعي ضمني، قد تشكل نموذجاً لتفاهمات أوسع، إذا ما كُتب لها الاستمرار، في مرحلة يراهن فيها العراقيون على استقرار سياسي يوازي الاستقرار الأمني النسبي الذي تشهده البلاد.

تاريخ من الانسداد

شهد العراق في أكثر من دورة تشريعية عمليات انتخاب متعثرة لرئاسات السلطات الدستورية، عكست عمق الانقسامات السياسية، وهشاشة التوافقات بين المكونات، وغالباً ما تحولت هذه الاستحقاقات إلى بوابة انسداد سياسي طويل.

في دورة 2010، استمرت الخلافات أشهراً بعد الانتخابات التي تصدرها ائتلاف «العراقية» بزعامة إياد علاوي، قبل أن تنتهي بتسوية سياسية معقدة عُرفت باتفاق أربيل، أعادت نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة رغم عدم فوزه بالمرتبة الأولى، فيما تأخر انتخاب رئيس مجلس النواب وتشكيل الحكومة نحو تسعة أشهر.

أما دورة 2014، فقد جرت الانتخابات في ظل أجواء أمنية بالغة التعقيد مع تمدد تنظيم «داعش»، ورغم انتخاب سليم الجبوري رئيساً لمجلس النواب في الجلسة الأولى، فإن تشكيل الحكومة واجه عراقيل كبيرة بسبب الخلاف على الولاية الثالثة لنوري المالكي، قبل أن يُحسم الأمر بتكليف حيدر العبادي بعد أسابيع من التجاذبات الداخلية، والضغوط الدولية.

وفي دورة 2018، برز التعثر بشكل أوضح، إذ فشل البرلمان الجديد في انتخاب رئيس له في جلسته الأولى بسبب انقسام القوى السنية، ما اضطره إلى عقد جلسة لاحقة جرى فيها انتخاب محمد الحلبوسي بعد تفاهمات متأخرة. كما امتدت المفاوضات أشهراً لاختيار رئيس الوزراء، قبل أن يتم تكليف عادل عبد المهدي باعتبار أنه مرشح تسوية بين كتل متنافسة.

غير أن أكثر حالات الانسداد وضوحاً سجلت في دورة 2021، حين دخل العراق في أزمة سياسية استمرت قرابة عام كامل، نتيجة الخلاف الحاد بين التيار الصدري والإطار التنسيقي. وفشل البرلمان في أكثر من جلسة في انتخاب رئيس للجمهورية بسبب عدم اكتمال نصاب الثلثين، ما عطل استكمال الاستحقاقات الدستورية، قبل أن تنتهي الأزمة بتشكيل حكومة محمد شياع السوداني بعد انسحاب نواب التيار الصدري، وإعادة رسم موازين القوى داخل البرلمان.


مقالات ذات صلة

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

المشرق العربي الجيش العراقي خلال عملياته ضد «داعش» (وزارة الدفاع)

مقتل عميد وجندي بالجيش العراقي إثر انفجار قرب كركوك

أفاد مصدر أمني عراقي، الأربعاء، بمقتل ضابط برتبة عميد وجندي بانفجار عبوة ناسفة استهدفت قوة عسكرية جنوبي محافظة كركوك.

حمزة مصطفى (بغداد)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في الرياض الأربعاء (واس)

نقاشات سعودية ـ عراقية في الرياض حول أمن المنطقة

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، تطورات الأحداث الإقليمية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يعزز أمن واستقرار المنطقة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنود من القوات الخاصة العراقية يقفون فوق مركبات مدرعة في قرية قرب الموصل بالعراق يوم 25 أكتوبر 2016 (رويترز)

مقتل عسكريَّين عراقيَّين بانفجار عبوة ناسفة قرب كركوك

أفاد الجيش العراقي بأن عبوة ناسفة استهدفت مركبة تابعة للجيش العراقي، مما أسفر عن مقتل عميد وجندي بالقرب من مدينة كركوك شمال البلاد، اليوم (الأربعاء).

«الشرق الأوسط» (بغداد)
رياضة عربية المصري محمد شريف يحتفل بهدف الزوراء في مرمى قطر (نادي الزوراء)

«أبطال الخليج»: المصري شريف يسجل... والزوراء يتعادل مع قطر

تعادل نادي قطر بصعوبة مع ضيفه الزوراء العراقي بنتيجة 1 - 1 الثلاثاء، في افتتاح مشوار الفريقين بدوري أبطال الخليج لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
رياضة عربية فرحة لاعبي الشرطة بالتسجيل في مرمى إيست بنغال (الاتحاد الآسيوي)

«أبطال آسيا 2»: الشرطة العراقي يفوز في الهند

واصل فريق الشرطة العراقي انطلاقته القوية في دور المجموعات من بطولة دوري أبطال آسيا الثاني، ليفوز خارج ملعبه على مضيّفه الهندي إيست بنغال.

«الشرق الأوسط» (كالكوتا (الهند))

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.