تقليص دور «اليونيفيل» وتعزيز «الميكانيزم» في لبنان: أدوار جديدة لا تلغي القديمة

السفير الأميركي بالأمم المتحدة يربط انسحابها بعدم استخدام «حزب الله» لها غطاء لعملياته

ناقلة جنود مدرعة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) تقوم بدورية على طول طريق الخردلي جنوب لبنان يوم 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
ناقلة جنود مدرعة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) تقوم بدورية على طول طريق الخردلي جنوب لبنان يوم 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

تقليص دور «اليونيفيل» وتعزيز «الميكانيزم» في لبنان: أدوار جديدة لا تلغي القديمة

ناقلة جنود مدرعة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) تقوم بدورية على طول طريق الخردلي جنوب لبنان يوم 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)
ناقلة جنود مدرعة تابعة لقوة الأمم المتحدة المؤقتة (اليونيفيل) تقوم بدورية على طول طريق الخردلي جنوب لبنان يوم 17 سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

تحوّلت لجنة «الميكانيزم» من آلية تقنية لضبط وقف إطلاق النار، إلى إطار تنسيقي يُستخدم لإدارة النزاع في الجنوب اللبناني. فالتحركات الدولية المكثفة، من المبادرة الفرنسية ومؤتمر دعم الجيش، إلى المقاربة الأميركية لسلاح «حزب الله»، مروراً بالهواجس العربية من أي اهتزاز في السلم الأهلي، توحي بأن اللجنة باتت الإطار العملي الوحيد القادر على جمع القوى المعنية، وتنسيق الضغوط على مختلف الأطراف.

وتشير مصادر دبلوماسية لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الميكانيزم» تمثل هيكلاً دولياً تشكّل بفعل ظروف المرحلة الراهنة لتطبيق القرارات الدولية، وأن «اليونيفيل» جزء أساسي منه لكنها ليست تابعة له، لأن الأخيرة تُدار حصراً عبر مجلس الأمن وبحكم القانون الدولي، فيما تتمتع اللجنة بهوامش أوسع في التنسيق والتنفيذ والمواكبة التقنية.

عناصر في قوات «اليونيفيل» يراقبون عملية إزالة الأنقاض من موقع مستهدف بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي تطور لافت، كشف السفير الأميركي بالأمم المتحدة مايك والتز، أن بلاده «تعمل على تقليص حجم قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) حتى لا يستخدمها (حزب الله) غطاء لعملياته». وأضاف عبر منصة «إكس»، أنه «لإبقاء (حزب الله) في حالة هزيمة، فالعمل جارٍ على تعزيز قدرات الجيش اللبناني، وممارسة الضغوط القصوى على إيران».

عودة تشغيل الآلية: مقاربة حكومية واضحة

مصدر وزاري لبناني أكد لـ«الشرق الأوسط»، أنّ تفعيل «الميكانيزم تم بعد تفاهم رُسّخ مع الجانب الأميركي»، موضحاً أنّ ما يجري «ليس انقلاباً على الآلية ولا تغييراً لطبيعتها، بل عودة جدّية إلى تشغيلها بعدما تعطّلت لفترة طويلة». وأضاف أنّ دخول السفير سيمون كرم إلى المفاوضات على رأس الوفد اللبناني، «جاء نتيجة اتفاق مسبق على ضرورة الانتقال من حالة التعليق إلى حالة العمل التنفيذي». وأكد أنّ الطرح اللبناني «واضح ومترابط ويرتكز على الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الأسرى، ووقف الأعمال العدائية، ووضع آلية مراقبة تمنع تكرار الخروقات، وهذه العناصر، تشكل العمود الفقري لمهمة السفير كرم في المرحلة المقبلة».

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يستقبل رئيس الوفد اللبناني المفاوض سيمون كرم غداة جلسة «الميكانيزم» (رئاسة الحكومة)

وتابع المصدر الوزاري أنّ الجلسة الأولى للجنة كانت «جلسة تعارف وعموميات، على أن تتبعها جلسة تفصيلية في 19 الجاري»، مشدداً على أنّ «تقييم المسار مرتبط بالموقف الإسرائيلي، وما نريده هو التنفيذ، والتنفيذ وحده».

أدوار جديدة لا تلغي القديمة

بدوره، قدّم أستاذ القانون والسياسات الاستراتيجية في باريس، الدكتور محيي الدين الشحيمي، قراءة تحليلية لطبيعة التمايز بين الآليتين، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الفارق البنيوي بين (اليونيفيل) و(الميكانيزم) جوهري وأساسي لفهم التحولات الجارية في الجنوب». موضحاً أنّ «(اليونيفيل) قوة أممية قائمة منذ عام 1978، مهمتها حفظ السلام وتوثيق الخروقات تحت الفصل السادس، فيما (الميكانيزم) ليست قوة عسكرية ولا تضم عناصر انتشار، بل هي هيكل تنفيذ دولي يساعد في تطبيق القرارات الدولية ومواكبة المرحلة الجديدة».

وأضاف أنّ «الزخم الدبلوماسي غير المسبوق، من زيارة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، إلى وفود مجلس الأمن والاجتماعات الأميركية، يعكس قناعة دولية بأن الوضع في الجنوب دخل مرحلة مختلفة». لكنه شدد على أنّ «(الميكانيزم) لا تشكل بأي حال بديلاً لـ(اليونيفيل)»، موضحاً أنّ فعاليتها «مرتبطة بالكامل بخطوات الدولة اللبنانية، ومدى قدرتها على اتخاذ قرارات واضحة، وخصوصاً فيما يتعلق بانتشار الجيش وحصرية السلاح».

الاستقرار المشروط ودور الدولة المركزي

ويرى الشحيمي أن حصرية السلاح بيد الدولة، باتت «عنصراً بنيوياً في أي مسار استقرار جديد»، مؤكداً أنّ المجتمع الدولي «لن يذهب بعيداً في دعم إعادة الإعمار أو تثبيت الحدود ما لم تُعالج ازدواجية السلاح». ويوضح أنّ «القوات الدولية ستبقى على الأرض طالما أنّ القرار 1701 لم يُنفّذ بالكامل»، مع احتمال «تعديل مهامها أو إعادة تشكيلها، لكن من دون انسحاب كامل قبل اكتمال شروط الاستقرار».

عناصر من الجيش يقفون على آليتهم مقابل موقع حانيتا الإسرائيلي المواجه لبلدة علما الشعب بجنوب لبنان في نوفمبر الماضي (إ.ب.أ)

كما أشار إلى أنّ المقاربة الدولية «تنظر إلى (الميكانيزم) على أنها جسر تنفيذي لا بد منه لمنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، ولتنظيم المرحلة الانتقالية التي تبدأ بوقف العمليات العدائية وتصل إلى تثبيت الحدود وانتشار الجيش». وختم: «(الميكانيزم) ليست نظاماً أمنياً جديداً، بل أداة مساعدة، وبقدر ما تلتزم الدولة بخطوات واضحة ومسؤولة، يتعزز الضغط الدولي على إسرائيل، ويقترب لبنان من تحويل حدوده الجنوبية إلى حدود طبيعية شبيهة بحدود الأردن أو مصر».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

المشرق العربي أعلام «حزب الله» ترفرف من سيارات على الطريق المؤدي إلى جنوب لبنان حيث بدأت الأسر رحلة العودة بعد وقف إطلاق النار (د.ب.أ) p-circle

«حزب الله» يتوعّد بالرد على «خروقات» إسرائيل لوقف النار

حذّر «حزب الله»، السبت، من أن عناصره سيردون على «خروقات» إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، مشدداً على أن التزامه «يجب أن يكون من الطرفين».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رجل وطفله ينظران إلى أنقاض المنازل التي دمرتها الغارات الإسرائيلية في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

نازحون لبنانيون يتريثون في العودة إلى منازلهم خشية انهيار الهدنة

بينما عاد نازحون لبنانيون إلى مناطقهم بعد سريان الهدنة، ينتظر آخرون يقيمون بخيام وسط بيروت انقضاء مهلة الأيام العشرة التي حددها ترمب لوقف النار قبل حسم قرارهم.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عدد من الجنود الفرنسيين في قوات الـ«يونيفيل» يقفون إثر بدء وقف إطلاق النار بالقرب من جسر القاسمية الذي تعرض لقصف إسرائيلي وهو يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)

مقتل جندي فرنسي في جنوب لبنان: ماكرون يتهم «حزب الله»

قُتل عسكري فرنسي، وجُرح 3 آخرون، السبت، في جنوب لبنان، في هجوم استهدف قوات الـ«يونيفيل»، من قبل «حزب الله»، وفق ما أعلن الرئيس الفرنسي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري مواطن يشرب الشاي في بيته المتضرر في بلدة قانا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «حزب الله» لوّح بالعودة إلى الحرب مع إسرائيل… وفي الداخل

بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نواب وقياديون في «حزب الله» ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون دعا الحزب النازحين صراحة إلى عدم الاستقرار في بلداتهم.

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس الحكومة نواف سلام (رئاسة الجمهورية)

لبنان جاهز للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل... وتوجه لتشكيل وفد مصغر برئاسة كرم

يشهد لبنان في أعقاب إعلان وقف إطلاق النار حراكاً سياسياً ودبلوماسياً يتمحور حول تهيئة الأرضية اللازمة لإطلاق مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

كارولين عاكوم (بيروت)

«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)
TT

«حزب الله» يندد بـ «التنازلات» ويستعد للعودة إلى القتال

شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10  أيام  (رويترز)
شخصان يجلسان أمس وسط خراب في صور تسببت به ضربة إسرائيلية قبيل سريان هدنة الـ 10 أيام (رويترز)

يستعد «حزب الله» للعودة إلى القتال بالتوازي مع الحملة السياسية العنيفة التي شنّها نوابه وقياديوه ضد رئيس الجمهورية جوزيف عون، على خلفية تمسّكه بخيار التفاوض وعدم توجيهه الشكر لإيران و«المقاومة»، وصولاً إلى القول على لسان أحد نواب الحزب إن من يريد أن يكون مثل (قائد ميليشيا جيش لبنان الجنوبي التي أنشأتها إسرائيل) أنطوان لحد، سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي».

ودعا الحزب صراحة النازحين إلى عدم الاستقرار في بلداتهم وقراهم في الجنوب أو الضاحية الجنوبية، والبقاء في أماكن نزوحهم مع الاكتفاء بتفقد الممتلكات، وهو ما تحدث عنه نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي، متوجهاً إلى جمهور الحزب بالقول: «لا تستقروا في قراكم في الجنوب، ولا حتى في الضاحية، اطمئنوا على أملاككم، ولا تستقروا، ولا تتركوا أماكن نزوحكم».

وانطلاقاً من هذه الأجواء، شهد طريق الجنوب - بيروت، السبت، زحمة خانقة لمواطنين عادوا وغادروا مجدداً بلداتهم الجنوبية التي وصلوا إليها، الجمعة.

وكرر أمين عام الحزب، نعيم قاسم، تهديداته بالرد على «خروقات العدو». وقال في بيان: «لأننا لا نثق بهذا العدو، فسيبقى المقاومون في الميدان وأيديهم على الزناد (...) ولن نقبل بمسار الخمسة عشر شهراً من الصبر على العدوان الإسرائيلي بانتظار الدبلوماسية التي لم تحقق شيئاً». ودعا قاسم إلى عدم «تحميل لبنان هذه الإهانات في التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي للاستماع إلى إملاءاته».

في موازاة ذلك، بات لبنان جاهزاً لإطلاق عملية التفاوض مع إسرائيل بانتظار تحديد الموعد. وعقد، السبت، لقاء بين الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، تناول موضوع المفاوضات المحتملة. وقالت مصادر وزارية: «إن الورقة اللبنانية باتت جاهزة، وخطوطها العريضة واضحة، وتتمحور حول تثبيت وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها، وعودة الأسرى».


رفض أميركي لـ«حكومة فصائل» في العراق

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

رفض أميركي لـ«حكومة فصائل» في العراق

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)
رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

نقلت مصادر رفض واشنطن تشكيل «حكومة فصائل» في العراق، بالتزامن مع فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على 7 من قادة الميليشيات، ما زاد تعقيد مفاوضات قوى «الإطار التنسيقي» لاختيار رئيس وزراء جديد للبلاد.

ويقود الأفراد المستهدفون بهذا الإجراء عدداً من أكثر الفصائل المسلحة الموالية لإيران عنفاً في العراق، من بينها (كتائب حزب الله)، و(كتائب سيد الشهداء)، و(حركة النجباء)، و(عصائب أهل الحق).

ولوّحت واشنطن، وفق المصادر، بإجراءات أشد لمنع قيام حكومة خاضعة لنفوذ الفصائل تشمل معاقبة الجهات التي تسهّل وصول الدولار إلى إيران وسط تشديد قيود تدفقات النقد.

وفي الأثناء، أفيد بأن قائد «فيلق القدس» الإيراني إسماعيل قاآني وصل إلى بغداد والتقى قيادات شيعية لبحث ملف الحكومة.


البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)
مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)
TT

البرغوثي بعد 24 عاماً في المعتقل... حضور طاغٍ

مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)
مروان البرغوثي يلوّح بيده فيما تقوم الشرطة الإسرائيلية بإحضاره إلى المحكمة لحضور جلسة النطق بالحكم في تل أبيب 20 مايو 2004 (رويترز)

بعد 24 عاماً على اعتقال القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي (67 عاماً)، معزولاً خلالها مدة طويلة في زنازين ضيقة، لم يغب الرجل عن المشهد الفلسطيني، وظل حاضراً متجاوزاً رمزية مسؤولين آخرين في موقع صنع القرار، وقد تقدم على الكثيرين في الانتخابات الخاصة بحركة «فتح» في سنوات سابقة، بانتظار المؤتمر الثامن المزمع عقده الشهر المقبل.

وكان البرغوثي قبل اعتقاله مقرباً من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، ومعروف بين الفتحاويين بأنه «عرفاتي»، وهذا يعطيه حضوراً أكبر داخل قاعدة «فتح»، لكنه يحسب ضده بالنسبة للإسرائيليين وربما لمعارضين لنهج عرفات.

ويحظى البرغوثي بشعبية كبيرة في «فتح»، ويقدمه مريدوه على أنه المخلّص الذي يمكن أن يوحّد الفلسطينيين، وسيكشف المؤتمر الثامن للحركة؛ هل حافظ على ذلك أو تراجع مع التغييرات الكبيرة التي حدثت في السلطة و«فتح» والفلسطينيين. (تفاصيل ص 8)