التعاون الاقتصادي بين لبنان وإسرائيل: مبادرة ملغومة بتوقيت حساس

عين تل أبيب على استثمارات النفط والغاز

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود مع لبنان (أرشيفية - رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود مع لبنان (أرشيفية - رويترز)
TT

التعاون الاقتصادي بين لبنان وإسرائيل: مبادرة ملغومة بتوقيت حساس

دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود مع لبنان (أرشيفية - رويترز)
دبابات إسرائيلية تناور قرب الحدود مع لبنان (أرشيفية - رويترز)

يشكّل إعلان إسرائيل عن استعدادها لفتح قنوات تعاون اقتصادي مع لبنان، بالتزامن مع تكليف الرئيس اللبناني جوزيف عون للسفير السابق في واشنطن سيمون كرم ترؤس الوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم»، محطة جديدة في مسار المواجهة المعقّدة بين بيروت وتلّ أبيب.

وبينما تبدو خطوة إسرائيل مجرد انفتاح اقتصادي، إلا أنها «تحمل في جوهرها رسائل سياسية ملغومة بتوقيت حسّاس جداً»، حسبما تقول مصادر لبنانية، و«تندرج ضمن مسعى إسرائيلي لإعادة رسم مشهد إقليمي يتيح لها الظهور بمظهر الساعي إلى الاستقرار، مقابل تحميل لبنان ولا سيما (حزب الله) مسؤولية استمرار التوتر».

ولا يعكس الموقف الإسرائيلي بالنسبة للبنان تغيّراً فعلياً في السلوك، أو المقاربة، بقدر ما يشكّل محاولة لتسويق صورة سياسية يريدها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مرحلة دقيقة داخلياً، وإقليمياً. وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل، التي تواصل عملياتها العسكرية في لبنان براً وبحراً وجواً، لا تبدو مستعدة لاتخاذ خطوات عملية، بل تكتفي بإشارات مرونة محسوبة، تؤسّس بمفهومها لمرحلة تفاوض محتملة حين تنضج الظروف، وتتقاطع الحسابات الإقليمية».

الغاز والنفط

ويشكّل موقع لبنان الجيوسياسي نقطة جذب إقليمية لإسرائيل، وكل دول المنطقة، رغم قدراته الاقتصادية المحدودة. ويقول مصدر رسمي لبناني لـ«الشرق الأوسط» إن تل أبيب «لا تسقط من حساباتها إمكانية التعاون في مجال الطاقة والغاز، لا سيما بعد اتفاق ترسيم الحدود البحرية الذي وقعته مع لبنان في العام 2022، حيث تسعى لإعطاء انطباع بأن شرق المتوسط يمكن أن يتحوّل إلى منطقة تبادل اقتصادي».

رئيس الحكومة نواف سلام خلال استقباله وفد مجلس الأمن الدولي في بيروت يوم الجمعة الماضي (إ.ب.أ)

ويلفت المصدر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن إسرائيل «تولي أهمية قصوى للتعاون في البنى التحتية الحدودية، مثل إدارة الموارد المائية، خصوصاً أن طمعها بمياه لبنان تاريخي، كما تتطلع إلى ربط أسواق المنطقة ببعضها، خصوصاً إذا فُعّل مشروع ممرات النقل الإقليمي».

ويشدد المصدر الرسمي على أن «أي تعاون اقتصادي بين دولتين في حالة نزاع مستمر يتطلب أولاً وقفاً دائماً لإطلاق النار، يتبع بترتيبات أمنية واضحة، ثم فتح قنوات اتصال رسمية، مقرونة بضمانات دولية، لذلك تبقى المبادرة الإسرائيلية مجرّد خطوة يحاول نتنياهو استثمارها في الداخل، ليظهر للمجتمع الإسرائيلي أنه انتزع مكاسب مهمّة في بداية مرحلة التفاوض مع لبنان».

رسالة سياسية

وينظر الخبراء إلى المبادرة الإسرائيلية على أنها رسالة سياسية موجّهة إلى الخارج أكثر مما هي طرح اقتصادي قابل للتطبيق. ويرى الباحث في الشؤون الجيوسياسيّة الدكتور زياد الصائغ أن إسرائيل «تسعى إلى الاستثمار في الموقف الأميركي السّاعي إلى تطبيق عملاني لمقرّرات مؤتمر شرم الشيخ، ولقاءات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في البيت الأبيض، بما يعني الذهاب أبعد من وقف القتال».

ويؤكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن إسرائيل «تعتبر أن السلام من البوّابة الاقتصادية هو الأنجع لتجاوز الصراعات، لكنّ هذا أقرب إلى الفولكلور، لا سيّما مع استمرار احتلال إسرائيل لأراضٍ لبنانيّة»، ويشدد الصائغ على أن «الاستعجال، ورفع منسوب ما جرى في لجنة الميكانيزم قد يأخذ طابع جسّ النبض أيضاً لمدى استعداد لبنان للذهاب بعيداً في المفاوضات، وهذا أيضاً يشكّل محاولة غير ناضجة الظروف».

سفينة عسكرية إسرائيلية تبحر بجوار منصة إنتاج حقل ليفياثان للغاز الطبيعي في البحر الأبيض المتوسط (أرشيفية - رويترز)

لكن الاستعجال الإسرائيلي للتعاون الاقتصادي مغاير تماماً للمشهد اللبناني، باعتبار أن الذهاب نحو هذا الخيار أشبه بالمغامرة، ويؤكد الصائغ أنّ «ملف لبنان التفاوضيّ يبدو ضبابيّاً حتى السّاعة، ولو أنّ سقفه اتفاقيّة الهدنة الموقعة ما بين لبنان وإسرائيل في العام 1949 برعاية الأمم المتحدة، لكن من الواضح أنّ السفير سيمون كرم، وبخبرته الواسعة ووضوحه السّيادي، سيفتح الطريق أمام بناء عناصر هذا الملف من المسار السياسي، إلى الدبلوماسيّ، إلى القانونيّ، إلى ذاك المرتبط بالقرار 1701».

ويذكّر بأن لبنان «جزء من الإجماع العربي، وملتزم بسقف المبادرة العربية للسلام، وكل ما يُساق خارج ذلك يبقى من قبيل التمنّيات، أو التوقّعات، لكن من الواضح أنه لا عودة عن قرار تجفيف الصراعات والحروب في الشرق الأوسط».

طاقة وسياحة

إضافة إلى ذلك، يطرح تركيز الحكومة الإسرائيلية على المجال الاقتصادي علامات استفهام في ظلّ محدودية الدور الاقتصادي للبنان في المنطقة، ولا يستبعد الصائغ أن «تسعى إسرائيل إلى تعاون اقتصادي مع لبنان على المستوى النفطي، أو السياحي، أو الصناعي، خصوصاً في ظلّ الحديث عن فكرة إنشاء منطقة اقتصاديّة على حدود لبنان الجنوبيّة، انطلاقاً من المبادرة الأميركية». لكنّه شدد على أن ذلك «لا يستقيم قبل حوار دبلوماسيّ بطابع سياسي، ويبدو مستحيل المنال في هذه المرحلة، خصوصاً مع استمرار احتلال إسرائيل للنقاط الخمس، وعدم إنجاز تسوية تحريرية لمزارع شبعا، وبدء إعمار الجنوب، توازياً مع تحقيق بسط الدولة اللبنانية سيادتها حصراً على كامل أراضيها بقواها الذاتيّة». وختم الصائغ بالقول إن «ذلك كلّه يبقى مضبوطاً تحت سقف اتفاقية الهدنة 1949».


مقالات ذات صلة

السفير الأميركي يثني على تمسّك لبنان بخيار التفاوض

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

السفير الأميركي يثني على تمسّك لبنان بخيار التفاوض

في وقت يتمسك الرئيس اللبناني جوزيف عون بالخيار التفاوضي لإنهاء الحرب، جدد رئيس الحكومة نواف سلام التأكيد أنه «لا أحد يفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تقرير إخباري قذيفة إسرائيلية مضيئة أطلقها الجيش الإسرائيلي فوق بلدة أرنون بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

تقرير إخباري هل غيّرت مسيّرات «حزب الله» قواعد الاشتباك مع إسرائيل؟

حطمت «حرب الإسناد» التي خاضها «حزب الله» اللبناني دعماً لحركة «حماس»، أواخر عام 2023، نظرية «الردع» التي تمسك بها الحزب المدعوم من إيران لنحو عقدين من الزمن.

ثائر عباس (بيروت)
تحليل إخباري كرة نار تتصاعد من مبنى في مدينة صور جنوب لبنان عقب غارة إسرائيلية (أ.ف.ب)

تحليل إخباري المسيّرات مقابل الغارات... كيف تبدّلت معادلة الردع بين إسرائيل و«حزب الله»؟

تتقدّم إسرائيل بالنار والإنذارات والتوغلات المحدودة، فيما يردّ «حزب الله» بالمسيّرات والاشتباكات المباشرة في محاور متقدمة شمال الليطاني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية رجال أمن لبنانيون في موقع الغارة الإسرائيلية على الضاحية الأحد (أ.ب)

إسرائيل ترى أن اتفاق وقف النار في لبنان «باطل»

أكدت مصادر في تل أبيب أن الهجوم الإسرائيلي، الذي وصف بأنه «نوعي ولكنه محدود» على الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد، جاء ليؤكد أن اتفاق وقف النار يعد باطلاً.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي عسكري في الجيش اللبناني يقف في الموقع الذي أصابت فيه غارة جوية إسرائيلية مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

ضاحية بيروت في مرمى القصف الإسرائيلي: «رسالة ردع» تعيد إحياء معادلة صواريخ الشمال

عادت الضاحية الجنوبية لبيروت إلى الواجهة مجدداً مع استهدافها بغارة إسرائيلية، بعد ظهر الأحد، في تطور أعاد إحياء معادلة «الضاحية مقابل مستوطنات الشمال».

«الشرق الأوسط» (بيروت)

محاولات لإقناع فصائل العراق بعدم الانخراط في التصعيد الجديد

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في مارس الماضي (رويترز)
تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في مارس الماضي (رويترز)
TT

محاولات لإقناع فصائل العراق بعدم الانخراط في التصعيد الجديد

تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في مارس الماضي (رويترز)
تشييع في بغداد لعناصر من «كتائب حزب الله» العراقية قُتلوا بغارة استهدفت مقراً لـ«الحشد الشعبي» في مارس الماضي (رويترز)

مع بدء جولة التصعيد العسكري الجديدة بين إسرائيل وإيران، تتجدد المخاوف العراقية من الانعكاسات السلبية لهذه الجولة على البلاد التي سبق أن خسرت معظم مواردها المالية نتيجة إيقاف صادراته النفطية التي تمثل ثروة البلاد الرئيسية وتزود موازنتها العامة بأكثر من 95 في المائة من مواردها المالية.

ويأتي التصعيد الجديد خلافاً لرغبة السلطات العراقية التي تنتظر رؤية نهاية أخيرة ومستدامة للحرب ليتسنى لها استئناف صادراتها النفطية في ظل الأزمة المالية الخطيرة التي تواجهها.

وتتحدث أوساط برلمانية وحكومية عن حراك سياسي نشط يقوم به رئيس الوزراء علي الزيدي للحيلولة دون انخراط بعض الفصائل العراقية المسلحة الموالية لإيران في الحرب الجديدة، في أول احتكاك واختبار جدي للعلاقة بين الزيدي وبعض الفصائل، بحسب مراقبين.

وسبق أن أخفق رئيس الوزراء السابق محمد السوداني في مسعى إقناع الفصائل بعدم الانخراط في الحرب لصالح إيران خلال جولة الصراع الأولى بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) الماضي. وشنت الفصائل حينها مئات الهجمات الصاروخية داخل البلاد وخارجها على بعض دول الخليج.

مخاوف جدية

وقالت مصادر قريبة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزيدي بدأ بالفعل في تحركات تستهدف شخصيات سياسية نافذة داخل قوى الإطار التنسيقي الشيعية لمساعدته على إقناع الفصائل بعدم التصعيد».

وأكدت المصادر أن «الحكومة لديها مخاوف جدية من قيام الفصائل بشن هجمات على بعض دول الخليج أو إقليم كردستان الشمالي ما لم تمارس عليها ضغوط جدية من شخصيات نافذة ومؤثرة».

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (واع)

وتابعت: «مع عدم مشاركة الولايات المتحدة الأميركية في التصعيد الجديد بين إسرائيل وإيران، فإن فرص إقناع الفصائل بالتزام الهدوء ما زالت ممكنة، وإلا فإن ذلك سيكون معقداً جداً في حال توسع رقعة الحرب، مثلما حدث في المرات السابقة».

وأكدت أن «التحرك الجديد يحظى بدعم واسع من غالبية قوى الإطار التنسيقي الشيعية التي تعرف تكلفة وانعكاسات الانخراط في الحرب على البلاد ومعظمها يؤيد سياسة النأي بالبلاد عن تداعيات المواجهة الإقليمية ومنع تحول أراضيه إلى ساحة حرب لا مصلحة له فيها».

وشنّت الفصائل خلال الحرب الأخيرة أكثر من 800 هجمة على إقليم كردستان، وكذلك هجمات مماثلة على بعض الدول الخليجية. وفي مطلع أبريل (نيسان) الماضي، أصدرت دول الخليج والأردن بياناً مشتركاً أدانت فيه بشدة الهجمات التي تشنها الفصائل المسلحة الموالية لإيران من الأراضي العراقية، واعتبرتها «انتهاكاً صارخاً» للسيادة والقوانين الدولية.

في المقابل، توعدت كتائب «حزب الله» و «سيد الشهداء»، المدرجتان على لائحة المنظمات الإرهابية الأميركية باستهداف جميع القواعد الأميركية ومصالحها في العراق والمنطقة، إذا قررت واشنطن التدخل في الاشتباك الدائر بين إيران وإسرائيل.

تعليق الرحلات الجوية

في أول مؤشر على التداعيات السلبية للتصعيد العسكري الجديد، أعلنت الخطوط الجوية العراقية تعليق الرحلات لمدة 72 ساعة، الأمر الذي يضاعف من خسارات البلاد اليومية التي ارتبطت بالحرب منذ فبراير الماضي.

أعلن مرصد «إيكو عراق» أن العراق يخسر نحو 15 ألف دولار في الساعة بسبب توقف حركة عبور الطائرات عبر أجوائه. وذكر أن الأجواء العراقية كانت تستقبل قبل التوقف نحو 800 طائرة يومياً، بينما كانت المعدلات السابقة تتراوح بين 700 و750 طائرة يومياً.

وأضاف أن رسوم عبور الطائرة الواحدة تبلغ نحو 450 دولاراً، ما يحقق إيرادات يومية تقارب 360 ألف دولار. وبحسب المرصد، فإن استمرار التوقف يؤدي إلى خسائر يومية تصل إلى 360 ألف دولار، أي ما يعادل نحو 10.8 مليون دولار شهرياً.

وسقطت طائرة مسيرة، يعتقد أنها إيرانية في منطقة نائية بمحافظة كربلاء (جنوب غرب) كما عثرت السلطات الأمنية على خزان وقود لصاروخ إيراني في إحدى مناطق مدينة الفلوجة في محافظة الأنبار (غرب) في مؤشر على انعكاسات التصعيد العسكري الجديد على الأراضي العراقية.

اتصال حسين- عراقجي

في سياق التصعيد، تلقى وزير الخارجية فؤاد حسين، مساء الأحد، اتصالاً هاتفياً من وزير خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عباس عراقجي.

وذكر بيان لـ«الخارجية» العراقية، أن عراقجي أطلع الوزير حسين على آخر التطورات المتعلقة بالحرب الجارية، مقدماً شرحاً مفصلاً بشأن أسباب الرد الإيراني الأخير على الهجوم (الإسرائيلي).

وناقش الجانبان توقعات رد الفعل (الإسرائيلي) خلال المرحلة المقبلة، كما تطرقا إلى مسار الحوار بين إيران والولايات المتحدة وآفاقه المستقبلية.

وبحث الوزيران مجمل الأوضاع في المنطقة، وأكدا أهمية تكثيف الجهود الدبلوماسية لخفض التوتر وتعزيز الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك التواصل مع الدول الأوروبية للاضطلاع بدور فاعل في دعم مساعي السلام.


السفير الأميركي يثني على تمسّك لبنان بخيار التفاوض

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

السفير الأميركي يثني على تمسّك لبنان بخيار التفاوض

الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً السفير الأميركي ميشال عيسى (الرئاسة اللبنانية)

في وقت يتمسك الرئيس اللبناني جوزيف عون بالخيار التفاوضي لإنهاء الحرب، جدد رئيس الحكومة نواف سلام التأكيد أنه «لا أحد يفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية». وفي هذا السياق، حمل السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، خلال جولته على المسؤولين في لبنان، الاثنين، رسائل دعم للمفاوضات الجارية، مؤكداً أن هذا المسار بلغ «مرحلة لا رجوع فيها» وأن واشنطن حريصة على منع توسع المواجهة الأخيرة.

إشادة بالتفاوض و«الرسالة السياسية»

استقبل رئيس الجمهورية السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى، في القصر الرئاسي، حيث جرى البحث في مسار المفاوضات اللبنانية - الأميركية - الإسرائيلية.

وبعد اللقاء، لفت عيسى إلى أنه تم البحث «في مسار المفاوضات وما تضمنته على صعيد إنهاء الوضع القائم في لبنان»، مشيراً إلى أنه عبّر للرئيس عون عن تقدير بلاده للمواقف التي أعلنها أخيراً، مضيفاً: «من المهم جداً أن يختار المسؤول ما يريده ونسير به لا سيما إذا كان خياراً وحيداً لإنهاء وضع مؤلم وقاسٍ كالذي يعيشه لبنان».

ورداً على سؤال، قال عيسى: «من المقرر أن تُستأنف المفاوضات في واشنطن، ويهمني التنويه بالفريق اللبناني المفاوض الذي يتمتع بمهنية عالية وفاعلية وأعضاء الفريق يتكلمون في الملف اللبناني بشكل واضح وصريح».

وعن التصعيد الإيراني بعد الاستهداف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية، أوضح عيسى: «ما حصل هو رسالة سياسية، ونحن في الولايات المتحدة الأميركية، قررنا ألا تتوسع المواجهة التي حصلت أمس أكثر، أننا نولي الملف اللبناني أهمية كبرى والرئيس دونالد ترمب يتحدث دائماً عن لبنان، وذلك بشكل دوري، وهذا عنصر مهم على اللبنانيين أن يأخذوه في الاعتبار خصوصاً أن الرئيس عون اختار المفاوضات، وهو مسار نؤيده ويساعدنا على تحقيق تقدم لإنهاء معاناة اللبنانيين».

وأضاف: «الاجتماع الجيد هو الاجتماع الذي تصدر عنه مسائل إيجابية تحقق تقدماً، ونحن نعتقد أننا على الطريق الصحيح. قد تأخذ المفاوضات وقتاً، إذ ليس من المنتظر أن تُحل كل المسائل في اجتماع واحد، واستمرار هذه المفاوضات يؤثر إيجاباً على المسار العام في لبنان والمنطقة. لقد وصلنا إلى مرحلة لا رجوع فيها، انكسر الجليد ونحن مستمرون في مساعدة لبنان على الخروج من أزمته».

إيضاحات لبري وإسرائيل

والتقى عيسى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سبق أن أعلن رفضه «إعلان واشنطن»، مشترطاً وقف النار الشامل والانسحاب الإسرائيلي مقابل انسحاب «حزب الله» من جنوب الليطاني.

وشدد عيسى بعد اللقاء الذي قدم خلاله إيضاحات لبري حول «إعلان واشنطن» على أنه «إذا أوقف (حزب الله) هجومه على إسرائيل فهي لن تستهدف الضاحية».

ورداً على سؤال بشأن قبول الحزب وقف إطلاق النار، قال: «الرئيس بري أعطاني الرد».

وتحدث عن أن «المنطقة التجريبية» يأتي ضمنها اتفاق وقف النار، مشيراً إلى أنها «ستكون مفتوحة أمام جميع أبناء البلدات، وسيكون أهالي الجنوب تحت حماية الجيش، ولن تستهدفها إسرائيل، كما ستبدأ أعمال إعادة الإعمار وشقّ الطرق».

رئيس البرلمان نبيه بري مجتمعاً مع السفير الأميركي ميشال عيسى (رئاسة البرلمان)

سلام: الدولة وحدها تفاوض

استقبل رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، السفير الأميركي في السرايا الحكومية، حيث تناول البحث خطورة التصعيد في المنطقة وانعكاساته على لبنان، إضافةً إلى التحضيرات لجولة المفاوضات المقبلة في واشنطن.

وخلال اللقاء، كرر سلام التأكيد أمام السفير الأميركي أنْ «لا أحد يفاوض عن لبنان غير الدولة اللبنانية».

عون: الإصلاحات أولوية وطنية

من جهة أخرى، استقبل الرئيس عون المستشار الاقتصادي للمبعوث الخاص للرئيس الفرنسي جاك دو لا جوجي، يرافقه السفير الفرنسي لدى لبنان هيرفيه ماغرو، ووفد اقتصادي، وجرى عرض الأوضاع الاقتصادية والمالية ومسار الإصلاحات التي تعمل الدولة على تنفيذها والتعاون مع الشركاء الدوليين.

وتناول البحث التقدم المحرَز في عدد من الإصلاحات الأساسية، لا سيما قانون إعادة هيكلة المصارف، وقانون معالجة الفجوة المالية، وإطار المالية العامة متوسط الأجل، بوصفها عناصر أساسية في برنامج الإصلاح الاقتصادي ومسار التعاون مع صندوق النقد الدولي.

وأكد عون أن الإصلاحات الاقتصادية والمالية تشكل أولوية وطنية منذ توليه مسؤولياته، مشدداً على أنها تنفّذ أولاً لمصلحة اللبنانيين واستعادة الثقة بالدولة والاقتصاد، وليس فقط استجابةً لمطالب المجتمع الدولي. كما أشار إلى أن الحرب فرضت تحديات إضافية وأدت إلى إبطاء مسار الإصلاح، إلا أن الدولة ماضية في استكماله.

كذلك شدد على عمق العلاقات التاريخية بين لبنان وفرنسا، داعياً إلى استمرار الدعم الدولي للبنان، مشيراً إلى أنه وقَّع مرسوم فتح دورة استثنائية لمجلس النواب بهدف تسريع إقرار التشريعات الاقتصادية والمالية المطلوبة.

تعاون لبناني - فلسطيني

استقبل رئيس الجمهورية أيضاً الممثل الخاص للرئيس الفلسطيني محمود عباس وعضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» ياسر عباس، وسفير دولة فلسطين لدى لبنان محمد الأسعد.

وخلال اللقاء، أكد عباس التزام دولة فلسطين بالتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية ودعمها أمن لبنان واستقراره وسيادته ووحدة أراضيه.

كما جرى بحث أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات الفلسطينية، وتداعيات النزوح من مخيمات الجنوب والتحديات الإنسانية والمعيشية الناجمة عنه، إضافةً إلى سبل تعزيز التعاون والتنسيق المشترك.

وأكد عباس الالتزام الثابت لدولة فلسطين بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بين الرئيسين اللبناني والفلسطيني، بما في ذلك القضايا الإنسانية والمعيشية وخطة تسليم السلاح الفلسطيني وفق الآليات المتفق عليها وبما ينسجم مع مبدأ بسط سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. ومن جهته، ثمّن عون المواقف الفلسطينية الداعمة للبنان، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق والتعاون بين الجانبين في مختلف الملفات المشتركة.

Your Premium trial has ended


«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

مزارع سوري بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف العاصمة السورية بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
مزارع سوري بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف العاصمة السورية بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

«رشقات» إيران وإسرائيل أغلقت الممرات الجوية السورية وأربكت عودة الحجاج

مزارع سوري بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف العاصمة السورية بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
مزارع سوري بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف العاصمة السورية بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

أعلن رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري، إعادة فتح الممرات الجوية الجنوبية للجمهورية العربية السورية واستئناف الحركة الجوية بدءاً من الساعة 16:00 من اليوم الإثنين وذلك بعد انتهاء التقييمات الفنية اللازمة ومراجعة المستجدات المتعلقة بسلامة الملاحة الجوية، بعد توقف منذ مساء الاحد.

وكانت إدارة الحج والعمرة بوزارة الأوقاف السورية قد أعلنت إعادة جدولة رحلتين مخصصتين لعودة الحجاج، يوم الاثنين، وتحديد وجهتهما إلى «مطار الملكة علياء الدولي» في الأردن، كانتا آتيتين من «مطار الأمير محمد بن عبد العزيز» ‏في المدينة المنورة.‏

وجاء تغيير المسار بعد أن أعلنت «الهيئة العامة للطيران المدني السوري»، مساء الأحد، إغلاقاً مؤقتاً للممرات الجوية الجنوبية للبلاد، وتعليق عمليات «مطار دمشق الدولي»؛ «في ضوء التطورات الأخيرة» بعد هجوم صاروخي إيراني تجاه إسرائيل هو الأول منذ بدء الهدنة بين إيران والولايات المتحدة في 8 أبريل (نيسان) الماضي.

غير أن «الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي» أعلنت تمديد العمل بالإجراءات الاحترازية الخاصة بإغلاق الممرات الجوية ‏الجنوبية في سوريا، واستمرار تعليق العمليات التشغيلية في «مطار دمشق الدولي» حتى الساعة الـ23:00 من يوم الاثنين.‏ وأرجعت ذلك إلى «التطورات الإقليمية الأخيرة، واستناداً إلى التقييمات الفنية المستمرة التي تجريها (الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي) من خلال اللجنة المختصة بإدارة المخاطر».

وبينت أنه «يترتب على هذا الإجراء تعليق العمليات التشغيلية في (مطار دمشق الدولي) خلال فترة الإغلاق». وأوضحت أن القرار «يأتي كإجراء احترازي عقب تقييم فني شامل وبالتنسيق مع الجهات المعنية، بما يضمن سلامة الملاحة الجوية وعمليات الطيران وفق المعايير الدولية المعتمدة».

مزارعون يرشون المياه في حقل زراعي محترق بريف دمشق بعد سقوط حطام صواريخ إيرانية (أ.ب)

مصدر في محافظة درعا قال إن «مناطق ريف درعا الأوسط والغربي شهدت انفجارات كثيرة جراء تصدي إسرائيل للصواريخ والمسيّرات الإيرانية». وأكد المصدر لـ«وكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)» أن «كثيراً من الصواريخ الإيرانية أُسقطت في مناطق مفتوحة بريف درعا الأوسط دون تسجيل إصابات حتى الآن».

وقال سكان في محافظات درعا والقنيطرة وريف دمشق لـ«وكالة الأنباء الألمانية» إنه «سُمع دوي انفجارات عنيفة، وشوهدت صواريخ إسرائيلية تتصدى للمسيرات والصواريخ الإيرانية»، وإن «حالة من الرعب تعيشها المنطقة خوفاً من سقوط حطام تلك الصواريخ فوق المدن والقرى».

وأكد السكان أن «الجيش الإسرائيلي فتح نيران رشاشاته في منطقة وادي اليرموك، وهناك خوف من استهداف القرى والمزارع التي يوجد بها فلاحون»، وسط حالة من استنفار الجيش الإسرائيلي على طول الشريط مع الجولان السوري المحتل، وأنه «دُفع بتعزيزات عسكرية إلى ثكنة الجزيرة قرب قرية معرية».

مزارعون يرشون المياه في حقل زراعي يحترق بالقرب من بلدة نجها الاثنين بعد أن سقط حطام صواريخ إيرانية (أ.ب)

في الأثناء، أفاد مراسل «الإخبارية» بأن بقايا صاروخ إيراني سقطت في بلدة غباغب بريف درعا دون تسجيل أضرار. وأضاف المراسل، الاثنين، أن صاروخاً آخر سقط في محيط قرية زبيدة بريف القنيطرة. وقال إن فرق الدفاع المدني فرضت طوقاً حول موقع سقوط الصاروخ، لاتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامة الأهالي والممتلكات.

وجاء سقوط الصواريخ الإيرانية في المنطقة الجنوبية نتيجة تصدي الدفاعات الإسرائيلية لصواريخ أطلقتها إيران منذ الأحد باتجاه الأراضي المحتلة ودخلت الأجواء السورية، لا سيما مناطق دمشق وريفها ومحافظتي درعا والقنيطرة.

وشهد ريف محافظة درعا جنوب سوريا سقوط شظايا صواريخ باليستية إيرانية، بالتزامن مع موجة جديدة من المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل.

وأفادت مصادر محلية «وكالة الأناضول» بأن أجزاء من الصواريخ سقطت في الأراضي الزراعية المحيطة بمدينة طفس غرب درعا، بعدما اعترضتها أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية خلال توجهها نحو أهداف داخل إسرائيل.

مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط بأرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية يوم 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

ووفق المصادر، فإن الشظايا سقطت في مناطق بعيدة عن التجمعات السكانية؛ مما حال دون وقوع إصابات بين المدنيين أو تسجيل أي خسائر بشرية. كما لم تُسجل أضرار مادية نتيجة الحادثة؛ إذ اقتصرت آثارها على الأراضي الزراعية التي سقطت فيها الشظايا.

وشنّ الجيش الإسرائيلي هجوماً استهدف مدناً إيرانية عدة فجر الاثنين تزامناً مع غارات عدة استهدفت جنوب لبنان، ووسط تهديدات إسرائيلية بتكثيف القصف ضد «حزب الله».

ويأتي هذا التطور بعد ساعات من هجوم صاروخي إيراني استهدف مواقع داخل إسرائيل، في إطار تصعيد متبادل بين الجانبين. غير أن «هيئة الأركان المشتركة الإيرانية» أوقف عملياتها يوم الاثنين، بعد تبادل الضربات مع إسرائيل.