البابا يغادر لبنان بنداء لتجاوز الانقسامات... ويدعو لـ«مقاربات جديدة» في الشرق الأوسط

البابا ليو يحيّي الحشود قبل قداس عند الواجهة البحرية في بيروت (إ.ب.أ)
البابا ليو يحيّي الحشود قبل قداس عند الواجهة البحرية في بيروت (إ.ب.أ)
TT

البابا يغادر لبنان بنداء لتجاوز الانقسامات... ويدعو لـ«مقاربات جديدة» في الشرق الأوسط

البابا ليو يحيّي الحشود قبل قداس عند الواجهة البحرية في بيروت (إ.ب.أ)
البابا ليو يحيّي الحشود قبل قداس عند الواجهة البحرية في بيروت (إ.ب.أ)

أطلق البابا ليو الرابع عشر في ختام زيارته التاريخية إلى بيروت نداء لـ«وقف الهجمات والأعمال القتالية»، على وقع مخاوف محلية من تصعيد إسرائيل لضرباتها بعد عام من حرب دامية مع «حزب الله»، داعياً في الوقت نفسه إلى تجاوز العنف والانقسامات في الشرق الأوسط.

وخلال زيارته التي حملت شعار «طوبى لفاعلي السلام»، دعا البابا المسؤولين ورجال الدين واللبنانيين إلى أن يكونوا بناة سلام حقيقيين، وإلى تجاوز الانقسامات، وإلى التصدي للعنف والإقصاء.

وأكّد إيمانه بقدرة اللبنانيين؛ مسيحيين ومسلمين، على «العيش معاً بسلام، وباندفاع» الشباب القادر على «تغيير مجرى التاريخ».

البابا ليو يستمع إلى الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال حفل وداع قبل مغادرته مطار بيروت الدولي (إ.ب.أ)

كلمة أخيرة قبل المغادرة

وفي كلمته الأخيرة من مطار بيروت أمام المسؤولين، قبيل إقلاع طائرته إلى روما، شكر البابا اللبنانيين على الأيام الثلاثة التي قضاها في ربوع بلدهم، حيث استُقبل بحفاوة بالغة وانتظر الآلاف في الشوارع مرور موكبه، ولو تحت مطر غزير.

وقال البابا: «أحيي جميع مناطق لبنان التي لم أتمكن من زيارتها: طرابلس والشمال، البقاع والجنوب الذي يعيش بصورة خاصة حالة من الصراع وعدم الاستقرار. أعانق الجميع وأرسل إلى الجميع أمانيَّ بالسلام».

البابا ليو الرابع عشر يتحدث إلى جانب الرئيس اللبناني جوزيف عون خلال حفل وداع قبل مغادرته مطار بيروت الدولي في نهاية رحلته الرسولية (إ.ب.أ)

وأضاف: «أُطلق أيضاً نداء من كلّ قلبي: لتتوقف الهجمات والأعمال العدائية. ولا يظنّ أحد بعد الآن أن القتال المسلح يجلب أي فائدة. فالأسلحة تقتل، أما التفاوض والوساطة والحوار فتبني. لنختر جميعاً السلام وليكن السلام طريقنا، لا هدفاً فقط»، من دون أن يأتي على ذكر إسرائيل.

زيارة إلى «مستشفى راهبات الصليب»

كان البابا قد بدأ يومه الأخير في لبنان بزيارة «مستشفى راهبات الصليب - جل الديب»، حيث التقى الطاقم الطبي والمرضى وألقى التحية عليهم.

وقال البابا في كلمته من «مستشفى دير راهبات الصليب»: «يسرّني أن ألتقيكم جميعاً من إداريين وأطباء ومرضى، وأحييكم تحية محبة، وأشكركم على استقبالكم».

البابا ليو الرابع عشر يحضر اجتماعاً مع الطاقم الطبي والمرضى في «مستشفى دير الصليب»... (أ.ف.ب)

وأضاف: «ما نشهده في (دير الصليب) عبرة للجميع، إذ لا يمكن أن ننسى الضعفاء، ولا يمكن للمجتمع أن يركض خلف الرفاهيّة متجاهلاً الفقراء والهشاشة».

وأشار البابا إلى تاريخ المستشفى قائلاً: «(مستشفى الصليب) أسّسه رسول المحبّة الأب يعقوب. وراهبات الصليب يواصلن عملهن بخدمة وتفانٍ».

البابا ليو الرابع عشر في «مستشفى دير الصليب»... (أ.ف.ب)

ثم غادر البابا «مستشفى دير راهبات الصليب»، متوجهاً إلى «جناح السيدة» حيث سيلتقي الأطفال في مبنى «سان دومينيك» بعيداً عن الإعلام.

مرفأ بيروت... وصلاة صامتة

وبعد ذلك، توجه البابا ليو إلى موقع انفجار مرفأ بيروت المميت عام 2020، حيث كان أهالي ضحايا «4 أغسطس (آب)» في انتظاره عند النصب التذكاري الذي يحمل أسماء 245 شهيداً.

وأقام البابا صلاة صامتة، قبل أن يضيء شمعة على أرواح الضحايا ويصافح عائلاتهم، تعبيراً عن المواساة والدعم. كما قدم لهم هدايا تذكارية.

وحضر الوقفة رئيس الحكومة، نواف سلام، وشاركت وزيرة الشؤون الاجتماعية، حنين السيد، التي فقدت والدتها في الانفجار، مؤكدةً أن هذه اللحظة تعني الكثير للعائلات، إذ تؤكد أنّ «(قضية 4 آب) ما زالت حاضرة، والجميع ينتظر تحقيق العدالة».

البابا ليو يحيّي الحشود قبل قداس عند الواجهة البحرية في بيروت (إ.ب.أ)

بعد ذلك، انتقل البابا إلى واجهة بيروت البحرية، حيث جال بين الحشود، قبل ترؤسه القدّاس الإلهي.

وسجّل أكثر من 120 ألف شخص أسماءهم للمشاركة في القداس عند واجهة بيروت البحرية، حيث نُقلوا من مناطق مختلفة في لبنان عبر حافلات خاصة، وفق المنظمين.

رجل يلوِّح بعلم لبناني كبير إلى جانب علم الفاتيكان فيما يتجمع الناس خلال اليوم الذي سيرأس فيه البابا ليو الرابع عشر القداس الإلهي بالواجهة البحرية (رويترز)

وبعد مرور 5 سنوات، ما زالت هذه العائلات تطالب بالعدالة. ولم يُدَنْ أي مسؤول في التحقيق القضائي الذي عُرقل مراراً؛ مما أثار غضب اللبنانيين الذين رأوا في الانفجار أزمة جديدة بعد عقود من الفساد والجرائم المالية.

صورةٌ مُقدّمة من الفاتيكان تُظهر البابا ليو الرابع عشر وهو يُبارك أقارب الضحايا خلال زيارته موقع انفجار مرفأ بيروت (إ.ب.أ)

وعزت السلطات الانفجار إلى تخزين كميات ضخمة من نترات الأمونيوم داخل المرفأ من دون إجراءات وقاية إثر اندلاع حريق لم تُعرف أسبابه. وتبيّن لاحقاً أن مسؤولين على مستويات عدة كانوا على دراية بمخاطر تخزين المادة ولم يحركوا ساكناً.

أقارب الضحايا ينتظرون وصول البابا ليو الرابع عشر في اليوم الذي يقيم فيه صلاة صامتة بموقع انفجار مرفأ بيروت (رويترز)

وغرق التحقيق بشأن الانفجار منذ عام 2023 في متاهات السياسة، بعدما قاد «حزب الله» حينها حملة للمطالبة بتنحّي المحقق العدلي طارق البيطار الذي حاصرته لاحقاً عشرات الدعاوى لكفّ يده. لكن القاضي استأنف منذ مطلع العام عمله في ضوء تغير موازين القوى في الداخل.

البابا في لحظة صلاة بموقع الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت عام 2020 (أ.ب)

قداس أمام واجهة بيروت البحرية

وفي الحدث الشعبي الأبرز خلال الزيارة، ترأس البابا قداساً في واجهة بيروت البحرية بمشاركة نحو 150 ألف شخص وفق السلطات، منهم من جاء من سوريا والعراق والأردن.

وشدد البابا ليو الرابع عشر على أن الشرق الأوسط يحتاج إلى «مقاربات جديدة» من أجل تخطي «عقلية الانتقام والعنف» وتجاوز الانقسامات السياسية والدينية، داعياً مسيحيي المشرق إلى التحلي بـ«الشجاعة».

وفي كلمة ألقاها في ختام القداس الذي ترأسه في واجهة بيروت البحرية بحضور عشرات الآلاف من المصلين، قال البابا: «يحتاج الشرق الأوسط إلى مقاربات جديدة لرفض عقلية الانتقام والعنف، وللتغلب على الانقسامات السياسية والاجتماعية والدينية، ولفتح فصول جديدة باسم المصالحة والسلام».

البابا ليو الرابع عشر يتوجه إلى رئاسة القداس الإلهي في الواجهة البحرية خلال رحلته الرسولية الأولى (رويترز)

وأضاف: «وأخيراً، لكم يا مسيحيي المشرق، أبناء هذه الأرض بكل ما للكلمة من معنى، تحلُّوا بالشجاعة، فالكنيسة كلها تنظر إليكم بمحبة وإعجاب».

وعند وصوله إلى لبنان يوم الأحد، دعا البابا القادة السياسيين في البلاد إلى السعي وراء الحقيقة بصفتها وسيلة لتحقيق السلام والمصالحة.

وشكّل لبنان المحطة الثانية من الجولة الخارجية الأولى للبابا ليو، بعد زيارته تركيا، حيث شدد على أهمية الحوار والوحدة بين المسيحيين.

ومنذ مساء الاثنين، فرضت السلطات إجراءات أمنية مشدّدة ومنعت الوصول إلى وسط بيروت، حيث سيترأس البابا هذا القداس.


مقالات ذات صلة

ترمب يتمنى الشفاء العاجل للبابا ليو الرابع عشر

العالم بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر (رويترز) p-circle

ترمب يتمنى الشفاء العاجل للبابا ليو الرابع عشر

تمنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، الشفاء العاجل للبابا ليو الرابع عشر الذي خضع لعملية جراحية استُؤصلت خلالها عُقيدة سرطانية من رئته.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر يصل إلى مستشفى جيميلي في روما بإيطاليا يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ) p-circle

البابا ليو يخضع لجراحة ناجحة لاستئصال جزء من رئته

ذكر الفاتيكان أن البابا ​ليو خضع لعملية جراحية لاستئصال الفص السفلي من رئته اليمنى بعد تشخيص حالته بالسرطان الغدي الرئوي، ‌وهو نوع ‌شائع ​من ‌سرطان ⁠الرئة.

«الشرق الأوسط» (الفاتيكان)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر بابا الفاتيكان (رويترز)

بابا الفاتيكان سيخضع لجراحة لإزالة عقدة رئوية

قال البابا ليو، بابا الفاتيكان، اليوم الأحد إن الأطباء اكتشفوا عقدة رئوية صغيرة في مرحلة مبكرة للغاية لديه خلال فحص طبي خضع له في الآونة الأخيرة.

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا البابا لاوون الرابع عشر في مركز روبيرت شومان للمؤتمرات في مدينة ميتز يلقي خطابه الاثنين والرئيس ماكرون مستمعاً (رويترز)

البابا يدعو من فرنسا إلى «وقف زحف الحرب» ويندد بوهم التسلح

دعا بابا الفاتيكان إلى «وقف زحف الحرب»، وندد بوهم التسلح، كما حث أوروبا على المحافظة على كرامة المهاجرين واللاجئين.

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا البابا ليو الرابع عشر خلال اجتماع «جذور أوروبا من أجل السلام والوحدة» في ميتز بفرنسا يوم 28 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

في ختام زيارته إلى فرنسا... البابا ليو يرفض العنف باسم الدين

رفض البابا ليو الرابع عشر، اليوم (الاثنين)، أي عنف يُرتكب باسم الدين، في أول خطاب له في ميتز، المحطة الثالثة والأخيرة من زيارته إلى فرنسا.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تهدد بإخلاء الضاحية وتهجير مليون شيعي لبناني

أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)
أرشيفية لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس في مخيم طولكرم بشمال الضفة (الجيش الإسرائيلي)

صعّد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، تهديداته، أمس، متوعداً بتوجيه ضربة قاسية إلى «حزب الله» وتوسيع نطاق السيطرة العسكرية في الجنوب، فضلاً عن إخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت وتهجير أكثر من مليون لبناني من الطائفة الشيعية، في حال انضم الحزب إلى أي هجوم إيراني محتمل على إسرائيل، قائلاً إن «أكثر من مليون شيعي سيتحولون إلى نازحين داخل لبنان».

وفي موازاة ذلك، أثار إعلان «حزب الله» عن تقديم مساعدات مالية للنازحين والمتضرّرين، تساؤلات حول مصادر الأموال وآليات وصولها وتوزيعها، فيما شكّك متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية للمرة الثانية في غضون أيام، في وجودها أصلاً.

وقال المتحدث باسم الخارجية الأميركية إن «الأموال المزعوم وصولها من إيران غير موجودة أساساً». وأضاف أنه «حتى لو امتلك الحزب الأموال، فسيستخدمها لشراء الأسلحة لتهديد إسرائيل وترهيب خصومه... أسلحته لم تجلب للبنان سوى البؤس والدمار».


لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

لاكروا: يجب البدء بالمحادثات حول مستقبل بعثة حفظ السلام في لبنان قريباً

وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)
وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا خلال مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» في بيروت يوم 14 أكتوبر 2026 (أ.ب)

حث وكيل أمين عام الأمم المتحدة لعمليات السلام، جان بيير لاكروا، اليوم الأربعاء، مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على بدء مفاوضات حول مستقبل قوات حفظ السلام المنتشرة في لبنان، في الوقت الذي تسعى فيه بيروت إلى تمديد تفويضها المقرر أن ينتهي في نهاية هذا العام، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتنتشر قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، المعروفة باسم «يونيفيل»، في جنوب لبنان منذ 1978، لكن مجلس الأمن أمر البعثة العام الماضي بالبدء في الانسحاب في نهاية 2026.

ومنذ اندلاع حرب جديدة في مارس (آذار) بين إسرائيل وجماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران، تحشد الحكومة اللبنانية الجهود من أجل تمديد تفويض «يونيفيل»، مشيرة إلى دورها في مراقبة الأعمال القتالية وتسهيل إيصال المساعدات إلى القرى الواقعة في المناطق التي تحتلها إسرائيل.

وقدّم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش هذا العام مقترحات لاستمرار وجود قوات الأمم المتحدة في لبنان، لكن لاكروا قال لوكالة «رويترز» في بيروت إنه لم يتم اتخاذ أي إجراء حتى الآن.

وأضاف: «هذه المقترحات معروضة على طاولة مجلس الأمن. لم تحدث أي تحركات في مجلس الأمن حتى الآن، لكنني أعتقد أن المفاوضات ستبدأ... قريباً وبجدية».

وتابع: «أعتقد أنه من الأفضل اتخاذ قرار قريباً بدلاً من تأجيله، أليس كذلك؟ لأن ذلك سيوضح لنا الرؤية المستقبلية أيضاً، وبالتأكيد من وجهة نظر أكثر محدودية تتعلق بتخطيطنا».


رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
TT

رئيس «العدالة الانتقالية» ينفي وصول مسودة القانون إلى الصيغة النهائية

شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)
شاركت «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في 5 أكتوبر في إحياء الذكرى الثانية عشرة لمجزرة قرية المتراس بريف طرطوس التي وقعت عام 2013 وراح ضحيتها أكثر من 100 شخص (الهيئة)

نفى رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، ما تداولته بعض المواقع عن إنجاز قانون العدالة الانتقالية ورفعه إلى الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، لافتاً إلى أن «المشروع لا يزال قيد التداول والمناقشات، ولم يصل إلى صيغته النهائية».

وأوضح الويس لـ«الشرق الأوسط» أن الهيئة تتبنى «مساراً ديناميكياً في تطوير مسودات قانون العدالة الانتقالية المقترحة، عبر لقاءات تشاورية مستمرة مع المؤسسات المعنية التي تتقاطع معها، مثل وزارات الداخلية والعدل و(هيئة المفقودين)، بهدف تحديث وتجديد بنوده، قبل إحالته رسمياً للأمانة العامة لرئاسة الجمهورية ومجلس الشعب».

تصريحات الويس جاءت بعد تداول الحديث عن إنجاز الهيئة لمشروع قانون العدالة الانتقالية ووصوله إلى البرلمان، بعد ما أثارته مسودة المشروع الأخيرة من ردود فعل داخل الأوساط الحقوقية التي وضعت بنوده تحت مجهر التحليل، لتفتح أبواب النقاش والتحذير من وجود ثغرات بنيوية تمس جوهر القانون.

وركزت الانتقادات حول «عمومية النصوص»، خاصة المتعلقة بمساري «الإصلاح المؤسسي وكشف الحقيقة»، الواردة ضمن المسودات السابقة، إلى جانب حفظ الذاكرة الوطنية، ونطاق ملاحقة الانتهاكات الجسيمة، إلى جانب آليات المحاسبة وعدم الإفلات من العقاب وحصرها بين الفترة من 1970 حتى سقوط نظام بشار الأسد 2024، واستقلال الهيئات القضائية المختصة، وتداخل البنود المتعلقة بالعزل السياسي.

جلسة تشاورية في محافظة درعا بمشاركة عائلات المفقودين والناجين والمتضررين ومنظمات المجتمع المدني (الهيئة الوطنية للمفقودين)

الباحث في مجال القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، يرى من جهته أن الإبقاء على مفاهيم أساسية مثل كشف الحقيقة والإصلاح المؤسسي، بصياغة عامة دون تحديد مضمونها القانوني وآليات تنفيذها، يشكل خطراً على فاعلية القانون وقدرته على تحقيق أهدافه، «فالمشكلة لا تكمن في استخدام هذه المفاهيم، وإنما في غياب الالتزامات القانونية الواضحة المترتبة، وترك تفسيرها وتطبيقها للسلطة التقديرية»، معتبراً أن التحدي الأساسي أمام أي قانون شامل للعدالة الانتقالية في سوريا، لا يتمثل فقط بالاعتراف بالانتهاكات الماضية، إنما في بناء منظومة قانونية قادرة على منع تكرارها، وضمان خضوع جميع المسؤولين عن الجرائم للمساءلة وفق القانون، وإعادة الاعتبار للضحايا، واستعادة الثقة بالمؤسسات العامة.

ويوضح الكيلاني أن «النصوص العامة لا توفر حماية كافية للضحايا، ولا تمنع إساءة استخدام السلطة، ولهذا يجب تحويل المبادئ العامة إلى حقوق قابلة للإنفاذ والتقاضي والتزامات محددة على المؤسسات، وإجراءات واضحة للمساءلة والرقابة».

لجنتا «ضحايا الثورة السورية» و«هيئة العدالة الانتقالية» تبحثان مشروع قانون العدالة الانتقالية بحضور عبد الباسط الويس (الهيئة)

الإصلاح والعزل السياسي

ويرى الكيلاني أن كشف الحقيقة ليس مجرد جمع للشهادات أو إعداد تقارير توثيقية، بل هو حق للضحايا وذويهم وللمجتمع في معرفة الوقائع المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة، وظروف ارتكابها، والجهات المسؤولة عنها، ومصير المفقودين والمختفين قسرياً، وإذا لم يتضمن القانون ضمانات واضحة للوصول إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية، وحماية الشهود، وإلزام المؤسسات بالتعاون، وتحديد العلاقة بين نتائج لجان الحقيقة والإجراءات القضائية، «فقد يتحول كشف الحقيقة إلى عملية توثيق رمزية لا تنتج آثاراً قانونية فعلية».

أما بالنسبة إلى الإصلاح المؤسسي فإن «ترك (المصطلح) دون تعريف ومعايير محددة قد يعيد إنتاج مؤسسات ساهمت بارتكاب الانتهاكات، أو استخدام الإصلاح وسيلة للإقصاء السياسي والإداري، ولذلك ينبغي أن يرتكز الإصلاح على تقييم فردي للمسؤوليات، ومعايير شفافة للنزاهة والكفاءة، وضمانات الاعتراض والطعن، مع إخضاع المؤسسات الأمنية والعسكرية والقضائية لرقابة قانونية مستقلة».

«الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» تبحث مع أهالي جسر الشغور بمحافظة إدلب سبل تعزيز السلم الأهلي (الهيئة)

يستند الكيلاني في حديثه إلى الفقرات التي أشارت في نص المسودة إلى المادة الـ20 من إجراءات وتبعات فحص السجلات والمواد 19 و18 و17، من باب التقييم وضمان عدم التكرار التي تنص على إحداث لجنة ثلاثية لتقصي الحقائق لفحص جهازي أمني أو إداري، دون أن يمنح حق الطعن أو المراجعة للموظف الذي يعزل أو يطرد، إضافة إلى المادتين 21 و22 مدخل العزل السياسي التي تمنح لجنة تقصي الحقائق صلاحيات واسعة، وتفرض عقوبات دون وجود مستند قضائي.

قبل سقوط النظام وبعده

إلى جانب هذه البنود، فقد أثارت المدة الزمنية المحددة بفترة حكم نظام الأسدين، وربطها حصرياً بجهة سياسية أو أمنية معينة، إشكالية حقوقية تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون، وحق جميع الضحايا في الوصول إلى العدالة والإنصاف.

ولا يعني ذلك، بحسب الباحث، التقليل من حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وإنما بترسيخ مبدأ العدالة فوق الجميع، وفق معيار قانوني واضح يكون بطبيعة الانتهاك وجسامته والمسؤولية الفردية عن ارتكابه، وبالتالي يجب أن يتوسع نطاق المساءلة ليشمل جميع الانتهاكات، بما فيها التي قد تكون ارتكبت بعد سقوط النظام السابق.

ويوضح أن معالجة هذه الإشكالية تشريعياً يكون من خلال اعتماد تعريف شامل للانتهاكات الجسيمة، وتحديد اختصاصات واضحة للتحقيق والملاحقة، بحيث لا يؤدي النطاق الزمني للعدالة الانتقالية إلى تعطيل اختصاص القضاء في الجرائم الواقعة خارجه، ويجب أن يتم ذلك مع احترام مبدأ الشرعية الجنائية، وعدم رجعية التجريم والعقوبة، وضمانات المحاكمة العادلة.

بدوره، يؤكد رئيس «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية» في سوريا، عبد الباسط الويس، أن «ورقة المشروع لا تزال حية وقابلة للتعديل، وقد جرى عليها الكثير من التطوير والتحديث، حتى المسودة الأخيرة التي طرحت مؤخراً لا تزال المناقشات حول بنودها والتحسينات مستمرة».

ورغم الانتقادات المتزايدة حول المماطلة في تشريع قانون عدالة انتقالية شامل في سوريا، يجد حقوقيون وخبراء قانون أن تأخر صدور القانون ليس خطراً حقيقياً، بقدر ما يكون عليه وجود قانون يكرّس عدالة جزئية، أو يؤسس لمؤسسات تفتقر إلى الاستقلال، أو يمنح الضحايا اعترافاً رمزياً دون حقوق قابلة للإنفاذ.