جنوب لبنان معلَّق على حافة الهدنة... عامٌ على وقف النار بلا عودة ولا استقرار

أهالي كفركلا يتجمعون بجوار آليات الجيش اللبناني المنتشرة على أنقاض مبنى مدمر في القرية الجنوبية (أ.ف.ب)
أهالي كفركلا يتجمعون بجوار آليات الجيش اللبناني المنتشرة على أنقاض مبنى مدمر في القرية الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

جنوب لبنان معلَّق على حافة الهدنة... عامٌ على وقف النار بلا عودة ولا استقرار

أهالي كفركلا يتجمعون بجوار آليات الجيش اللبناني المنتشرة على أنقاض مبنى مدمر في القرية الجنوبية (أ.ف.ب)
أهالي كفركلا يتجمعون بجوار آليات الجيش اللبناني المنتشرة على أنقاض مبنى مدمر في القرية الجنوبية (أ.ف.ب)

يفتح الجنوب عامه الأول بعد اتفاق وقف إطلاق النار على مشهدٍ ثقيل يختلط فيه الركام بالخوف، وتعيش فيه القرى الأمامية بين هدنة معلّقة وواقعٍ لم يطوِ صفحة الحرب بعد.

وبرغم مرور 12شهراً على إعلان وقف إطلاق النار، فإنّ شهادات أبناء المنطقة تكشف أنّ الهدوء بقي نظرياً، في حين يعيش الناس في قلب العاصفة. ثلاث شهادات من عيترون وكفرشوبا وحولا، ترسم لوحة دقيقة لهذا الجنوب المعلّق بين الهدنة والقلق.

تبدّل المعادلات

يبدأ علي مراد، ابن بلدة عيترون، توصيفه للعام الأول بعد الهدنة بصورة مباشرة تُعبّر عن التحوّل الذي أصاب الجنوب. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «بعد عام على اتفاق وقف إطلاق النار، لا يزال أبناء القرى الأمامية، كما اللبنانيون عموماً، يعيشون نتائج الهزيمة العسكرية التي انتهى إليها (حزب الله)، بكل ما ترتّب عليها من خسائر استراتيجية وهشاشة واضحة في المشهد الجنوبي».

دبابتان إسرائيليتان على الحدود مع لبنان الأحد (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «الجنوب اليوم مدمَّر. القرى الأمامية في وضع صعب جداً، ولا توجد حتى الآن أي خطة عملية للعودة أو لإعادة الإعمار»، مشيراً إلى أنّ الناس «يعيشون حالة إحباط حقيقية، وانعداماً شبه كامل للثقة بالمستقبل، في ظل غياب أي أفق واضح، واستمرار الانتهاكات اليومية».

وفي مقاربة مباشرة لدور الحزب، يعتبر مراد أنّ «إصرار (حزب الله) على عدم الاعتراف بحجم الواقع الصعب الذي يعيشه الجنوب، وعدم الانتقال إلى مستوى جديد من المقاربة السياسية، يحولان دون حماية الناس»، مشيراً إلى أنّ الحزب «لم يعد يمتلك القدرة العسكرية التي تمكّنه من مواجهة الخطر الإسرائيلي كما في السابق، في حين الأولوية اليوم يجب أن تكون لحماية الجنوبيين وتعزيز الوحدة الوطنية».

ويشدّد على أنّ «المطلوب هو الاعتراف بالتغيّرات التي حصلت، والتعامل معها بواقعية سياسية بعيداً عن الإنكار»، لافتاً إلى أنّ أبناء الجنوب «يدركون أن مرحلة كاملة قد انتهت، وأنّ المصلحة تقتضي التكيّف مع الواقع الجديد بهدف إعادة الإعمار وعودة السكان».

ويؤكد أنّ «الهمّ الأساسي للجنوبيين اليوم يتمثّل في العودة إلى قراهم، وضمان انسحاب إسرائيل ووقف الاعتداءات، وأن تكون حرب 2024 هي آخر الحروب على هذه الأرض».

كفرشوبا

من العرقوب، يحمل باسل صالح، ابن كفرشوبا، مقاربة ميدانية لعام الهدنة الصورية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الاتفاق لم يُنهِ الخطر ولا الاعتداءات، ولم يبدّد القلق اليومي الذي يعيشه الناس».

ويضيف أنّه لم يعد قادراً على زيارة أرضه بانتظام بسبب «الخوف الدائم من الوضع الأمني، والاعتداءات المتكررة على الرعاة، وحالات الاعتقال وإطلاق النار التي تحصل على أطراف كفرشوبا بشكل شبه يومي».

الدخان يتصاعد من موقع غارة إسرائيلية على جنوب لبنان (أ.ف.ب)

ويرى صالح أنّ الحرب «لم توقِف فقط إمكانية التنقّل، بل ضربت أيضاً آخر ما تبقّى من استقرار اجتماعي واقتصادي»، موضحاً أنّ كثيرين «اضطروا إلى بناء حياتهم خارج مناطقهم بعدما أصبحت العودة محفوفة بالمخاطر، ومع الوقت صار الرجوع أصعب، خصوصاً لمن نقلوا مدارس أولادهم وأعمالهم إلى بيروت أو خارج الجنوب».

ويتوقف عند مشهد الدمار قائلاً: «البلدة دُمّرت خمس مرات عبر العقود، والناس دفعت أثماناً باهظة، واليوم تسأل من جديد عن إمكانية إعادة الإعمار في ظل غياب الضمانات واستمرار التهديد». ويضيف: «لا أحد يعرف إن كان هناك توغّل بري أو احتلال جديد قد يطيح بكل شيء».

ويشير إلى أنّ «الأراضي الزراعية باتت حقول خطر، فعدد كبير من الأراضي لم يعد يمكن الوصول إليه بسبب القنابل غير المنفجرة أو القصف».

وعن الوضع المعيشي، يرى صالح أنّ الجنوبيين «يدفعون فاتورة الحرب حتى لو كانوا خارج القرية»، ويقول: «الغلاء، والانهيار المالي، وارتفاع أسعار الذهب، وتراجع تحويلات المغتربين... كلها عوامل فاقمت الضيق اليومي. لقد دخلنا الحرب ووضعنا منهار أصلاً، فجاءت لتزيد كل شيء سوءاً، وتجعل حياتنا معرضة لخطر وجودي حقيقي».

ويختم قائلاً إنّ «الناس اليوم تعبت. تريد أن تعيش يومين براحة قبل أن تموت. تريد أن تنام بلا صوت مسيّرة أو قصف أو تمشيط، وبلا خوف من إخلاء مفاجئ أو ترك منازلها. الحرب في العرقوب لم تنتهِ؛ تبعاتها الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية ما زالت مستمرة، وتزداد قسوة مع الوقت».

حولا

من حولا، تتخذ شهادة فاروق يعقوب منحى أكثر حدّة؛ إذ يرى أنّ الهدنة لم تصل أصلاً إلى بلدته. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «هذه الذكرى لا تعني لأهالي القرى الحدودية شيئاً؛ لأننا ببساطة لم نلمس وقفاً للنار. القرار الذي يعتبرونه وقفاً للحرب لم يشملنا فعلياً. نحن نعيش في منطقة ما زالت تتعرّض لقصف شبه يومي واعتداءات مستمرة، وما زلنا، حتى اللحظة، تحت تهديد الاحتلال بشكل مباشر. لذلك، بالنسبة إلينا، الحرب لم تتوقف».

ويتابع أنّ العودة إلى البلدة «شبه مستحيلة»، موضحاً أنّ «الناس خائفة، وبيوتنا مدمّرة، والبنى التحتية غائبة بالكامل؛ لا كهرباء، لا ماء، لا طبابة، ولا أي شكل من أشكال الحياة الطبيعية». ويضيف: «حتى أولئك الذين عادوا إلى حولا عادوا مُكرهين؛ لأنهم لم يعودوا قادرين على تحمّل تكلفة النزوح. الإيجارات مرتفعة، والوضع الاقتصادي منهار، فاضطرّ كثيرون للعودة إلى بيوت مهدّمة ومناطق خطرة؛ لأنه لم يعد لديهم أي خيار آخر».

ويرى يعقوب أنّ الأهالي يعيشون اليوم «حالة رعب حقيقي»، موضحاً أنّ «الخوف الأكبر ليس من القصف فقط، بل من احتمال ألّا نعود إلى أرضنا أبداً. هذا الهاجس يرافقنا يومياً، نخشى أن تتحوّل المنطقة إلى أمر واقع جديد».

ويختم كلامه قائلاً: «تعبنا... هذه المنطقة دفعت أكثر من طاقتها. ونأمل ألا يكون مستقبلنا معلّقاً إلى هذا الحد، وأن تكون لنا عودة حقيقية وكريمة إلى أرضنا وبيوتنا».


مقالات ذات صلة

أربع رسائل فرنسية للبنان عشية اجتماع ماكرون وسلام

أوروبا الرئيسان إيمانويل ماكرون ونواف سلام خلال لقائهما في دافوس يوم 20 من الشهر الحالي بمناسبة المنتدى الاقتصادي العالمي (أ.ف.ب)

أربع رسائل فرنسية للبنان عشية اجتماع ماكرون وسلام

أربع رسائل فرنسية للبنان بمناسبة اجتماع ماكرون وسلام، الجمعة، وباريس غير قلقة على مصير «الميكانيزم»، وتحث لبنان على السير بالمرحلة الثانية من «حصر السلاح».

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يتظاهرون في الضاحية الجنوبية لبيروت استنكاراً للضربات الإسرائيلية على الجنوب ليل الأربعاء (إ.ب.أ)

القضاء اللبناني يبدأ استدعاء مناصرين لـ«حزب الله» أساؤوا لعون

بدأ القضاء اللبناني، الخميس، ملاحقة المتورطين في الإساءة إلى الرئيس جوزيف عون، وهم من أنصار «حزب الله» الذين شنوا حملة على رئيس الجمهورية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنانية متأثرة من الدمار الذي خلفته الغارات الإسرائيلية على بلدة قناريت الجنوبية الأربعاء (إ.ب.أ)

لبنان: «حزب الله» يخالف مسار بري بحملة على رئيس الجمهورية

تخطى «حزب الله» دعوة رئيس البرلمان نبيه بري لمواجهة «العدوانية الإسرائيلية»، بـ«الوحدة الوطنية»، إذ افتتح صداماً مع رئيس الدولة اللبنانية جوزيف عون.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه بباريس (رويترز)

ماكرون يبحث مع سلام الجمعة المرحلة الثانية من خطة نزع سلاح «حزب الله»

يبحث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، مع رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، خلال استقباله له يوم الجمعة، اتفاق وقف إطلاق النار مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (باريس)
المشرق العربي مواطنون يجمعون ما تبقّى من أغراضهم على أثر استهداف المبنى الذي يسكنون فيها ببلدة قناريت بجنوب لبنان مساء الأربعاء (أ.ب)

تصعيد إسرائيلي يعزز مخاوف اللبنانيين من شبح الحرب

يعود شبح التصعيد العسكري الإسرائيلي ليخيّم على لبنان، في ظل تراكم عوامل داخلية وإقليمية.

كارولين عاكوم (بيروت)

تقرير: رؤية كوشنر لإعادة إعمار غزة تواجه عقبات كبيرة

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس (أ.ب)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس (أ.ب)
TT

تقرير: رؤية كوشنر لإعادة إعمار غزة تواجه عقبات كبيرة

ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس (أ.ب)
ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأميركي دونالد ترمب وجاريد كوشنر صهر الرئيس (أ.ب)

علقت وكالة «أسوشييتد برس» للأنباء على الرؤية التي طرحها جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومستشاره لشؤون الشرق الأوسط، بشأن إعادة إعمار قطاع غزة، في المنتدى الاقتصادي في دافوس بسويسرا، وقالت إنها تواجه عقبات كبيرة.

وفي خطابه الذي استمر 10 دقائق يوم الخميس، ادعى كوشنر أنه سيكون من الممكن - إذا توفر الأمن - إعادة بناء غزة بسرعة، والتي أصبحت الآن أنقاضاً بعد أكثر من عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

وأضاف أنه يمكن بناء مدن حديثة بناطحات سحاب أنيقة، وساحل خلاب يجذب السياح، وميناء متطور يمتد في البحر الأبيض المتوسط.

ترمب مع ويتكوف وكوشنر ونيكولاي ملادينوف في دافوس (رويترز)

وقال كوشنر، الذي ساعد في التوسط في اتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ أكتوبر (تشرين الأول): «في الشرق الأوسط، يبنون مدناً كهذه في ثلاث سنوات، لذا فإن أموراً كهذه قابلة للتنفيذ للغاية، إذا عملنا على تحقيقها».

وبحسب الوكالة، يتعارض هذا الجدول الزمني مع ما تتوقعه الأمم المتحدة والفلسطينيون، وهو عملية طويلة جداً لإعادة تأهيل غزة، في جميع أنحاء القطاع الذي يقطنه حوالي مليوني نسمة، تحولت كتل المباني السكنية السابقة إلى تلال من الأنقاض، وتنتشر الذخائر غير المنفجرة تحت الركام، وتنتشر الأمراض بسبب المياه الملوثة بمياه الصرف الصحي، وتبدو شوارع المدينة كوديان ترابية.

ويقول مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع إن غزة تحتوي على أكثر من 60 مليون طن من الأنقاض، وهو ما يكفي لملء ما يقرب من 3000 سفينة حاويات، ويقولون إن إزالة هذه الأنقاض ستستغرق أكثر من سبع سنوات، ثم هناك حاجة إلى وقت إضافي لإزالة الألغام.

وكان كوشنر يتحدث بينما اجتمع ترمب ومجموعة من قادة العالم للتصديق على ميثاق «مجلس السلام»، الهيئة التي ستشرف على وقف إطلاق النار وعملية إعادة الإعمار.

واستعرضت الوكالة أبرز النقاط المستخلصة من العرض التقديمي وبعض الأسئلة التي أثارها.

إعادة الإعمار مرهونة بالأمن

قال كوشنر إن خطته لإعادة الإعمار لن تنجح إلا إذا ساد الأمن في غزة، وهو شرط صعب التحقق، ولا يزال من غير المؤكد ما إذا كانت «حماس» ستنزع سلاحها، وتطلق القوات الإسرائيلية النار على الفلسطينيين في غزة بشكل شبه يومي.

فلسطينيون نازحون يعيشون وسط الأنقاض والحطام الذي خلّفه الجيش الإسرائيلي في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويقول قيادات من الحركة المسلحة إن لهم الحق في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، لكنهم قالوا إنهم سينظرون في «تجميد» أسلحتهم كجزء من عملية تحقيق الدولة الفلسطينية.

ومنذ دخول وقف إطلاق النار الأخير حيز التنفيذ في 10 أكتوبر، قتلت القوات الإسرائيلية ما لا يقل عن 470 فلسطينياً في غزة، بمن فيهم أطفال ونساء، وفقاً لوزارة الصحة في القطاع.

وتقول إسرائيل إنها فتحت النار رداً على انتهاكات وقف إطلاق النار، لكن عشرات المدنيين كانوا من بين القتلى.

وفي مواجهة هذه التحديات، قال كوشنر إن مجلس السلام يعمل مع إسرائيل على «خفض التصعيد»، ويتجه الآن إلى نزع سلاح «حماس»، وهي عملية ستديرها اللجنة الفلسطينية المدعومة من الولايات المتحدة والمشرفة على غزة.

وليس من المؤكد أن «حماس» ستخضع للجنة التي من المتوقع أن تسلم في نهاية المطاف السيطرة على غزة إلى سلطة فلسطينية مُصلحة.

وتقول «حماس» إنها ستحل الحكومة لإفساح المجال، لكنها كانت غامضة بشأن مصير قواتها أو أسلحتها.

وكانت «حماس» قد سيطرت على غزة في عام 2007 من السلطة الفلسطينية.

وهناك عامل آخر قد يعقد عملية نزع السلاح: وجود جماعات مسلحة متنافسة في غزة، والتي قال عرض كوشنر التقديمي إنه «سيتم تفكيكها أو دمجها»، فخلال الحرب، دعمت إسرائيل جماعات وعصابات فلسطينية مسلحة في غزة في خطوة تقول إنها لمواجهة «حماس».

وقال كوشنر إنه من دون الأمن، لن يكون هناك سبيل لجذب المستثمرين إلى غزة أو تحفيز نمو فرص العمل.

وتشير أحدث التقديرات المشتركة للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستكلف 70 مليار دولار.

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك أمس في المناطق المدمرة شمال قطاع غزة (رويترز)

وجاء في عرض كوشنر التقديمي أن إعادة الإعمار لن تبدأ في المناطق التي لم يتم نزع سلاحها بالكامل، ولكنه تجنب الإشارة إلى ما سيفعله الفلسطينيون في هذه الأثناء.

وعندما كشف كوشنر عن خطته لإعادة إعمار غزة، لم يوضح كيفية التعامل مع إزالة الألغام أو أين سيعيش سكان غزة أثناء إعادة بناء مناطقهم. في الوقت الحالي، تأوي معظم العائلات إلى شريط من الأرض يضم أجزاء من مدينة غزة ومعظم ساحل القطاع.

وفي رؤية كوشنر لمستقبل غزة، ستكون هناك طرق جديدة ومطار جديد - وقد دمرت إسرائيل المطار القديم قبل أكثر من 20 عاماً - بالإضافة إلى ميناء جديد، ومنطقة على طول الساحل مخصصة «للسياحة»، وهي المنطقة التي يعيش فيها معظم الفلسطينيين حالياً.

وتدعو الخطة إلى إنشاء ثماني «مناطق سكنية» تتخللها حدائق وأراضٍ زراعية ومرافق رياضية.

كما سلط كوشنر الضوء على مناطق مخصصة «للصناعات المتقدمة» و«مراكز البيانات» و«مجمع صناعي»، على الرغم من أنه ليس من الواضح ما هي الصناعات التي ستدعمها هذه المراكز.

وقال كوشنر إن أعمال البناء ستركز أولاً على بناء «مساكن للعمال» في رفح، المدينة الجنوبية التي دمرت خلال الحرب وتسيطر عليها القوات الإسرائيلية حالياً. وأضاف أن أعمال إزالة الأنقاض والهدم جارية بالفعل هناك.

ولم يتطرق كوشنر إلى مسألة إزالة الألغام، وتقول الأمم المتحدة إن القذائف والصواريخ غير المنفجرة منتشرة في كل مكان في غزة، مما يشكل تهديداً للأشخاص الذين يبحثون بين الأنقاض للعثور على أقاربهم وممتلكاتهم وحطب التدفئة.

وتقول منظمات حقوقية إن عمليات إزالة الأنقاض وإزالة الألغام لم تبدأ بشكل جدي في المنطقة التي يعيش فيها معظم الفلسطينيين، لأن إسرائيل منعت دخول الآليات الثقيلة.

وقال كوشنر إنه بعد رفح، سيتم إعادة إعمار مدينة غزة، أو «غزة الجديدة»، كما يسميها في عرضه، وأضاف أن المدينة الجديدة ستكون مكاناً حيث سيجد الناس «فرص عمل ممتازة».

هل ستوافق إسرائيل؟

وصفت نومي بار يعقوب، المحامية الدولية والخبيرة في حل النزاعات، المفهوم الأولي للمجلس لإعادة تطوير غزة بأنه «غير واقعي على الإطلاق»، وأنه مؤشر على أن ترمب ينظر إلى الأمر من منظور مطور عقاري، وليس من منظور صانع سلام.

وقالت يعقوب، وهي زميلة باحثة في مركز جنيف للسياسة الأمنية، إن مشروعاً يضم هذا العدد الكبير من المباني الشاهقة لن يكون مقبولاً لدى إسرائيل أبداً، لأن كل مبنى سيوفر رؤية واضحة لقواعدها العسكرية بالقرب من الحدود.

علاوة على ذلك، ذكر عرض كوشنر أن المجلس الوطني لإعادة إعمار غزة سيسلم في نهاية المطاف الإشراف على غزة إلى السلطة الفلسطينية بعد إجراء إصلاحات، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عارض بشدة أي اقتراح بشأن غزة ما بعد الحرب يتضمن السلطة الفلسطينية، وحتى في الضفة الغربية، حيث تحكم، فإن السلطة الفلسطينية لا تحظى بشعبية واسعة بسبب الفساد والتعاون المزعوم مع إسرائيل.


«الداخلية» السورية تسيطر على سجن الأقطان في الرقة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد تنسحب من سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي البلاد وتتجه إلى كوباني في 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد تنسحب من سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي البلاد وتتجه إلى كوباني في 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

«الداخلية» السورية تسيطر على سجن الأقطان في الرقة

عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد تنسحب من سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي البلاد وتتجه إلى كوباني في 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)
عناصر من «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد تنسحب من سجن الأقطان الواقع على مشارف مدينة الرقة شمال شرقي البلاد وتتجه إلى كوباني في 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت وزارة الداخلية السورية، ​اليوم (الجمعة)، أنها سيطرت على سجن الأقطان في الرقة، بشمال شرقي سوريا، الذي كان تحت ‌سيطرة «قوات سوريا ‌الديمقراطية» (قسد) ‌التي ⁠يقودها الأكراد.

ونقلت «​الوكالة ‌العربية السورية للأنباء» عن الوزارة قولها: «تسلمت إدارة السجون والإصلاحيات في الوزارة مؤخراً ⁠سجن الأقطان في محافظة ‌الرقة، الذي كان تحت سيطرة تنظيم (قسد)... شُكلت فرق متخصصة من إدارة مكافحة الإرهاب والجهات المختصة الأخرى، ​لتولي مهام حراسة السجن وتأمينه وضبط الحالة ⁠الأمنية داخله».

ويضم السجن نزلاء مرتبطين بتنظيم «داعش»، وشهد اشتباكات في محيطه بين قوات الحكومة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية».

ولم يتضح بعد عدد المتبقين في السجن من معتقلي التنظيم. وبدأ الجيش الأميركي ⁠نقل ما يصل إلى سبعة آلاف سجين مرتبطين بالتنظيم ‌من السجون السورية إلى العراق المجاور. وقال مسؤولون أميركيون إن المحتجزين من دول عديدة، بينها بلدان أوروبية. وبموجب اتفاق دمج شامل تم التوصل إليه يوم الأحد، من المفترض نقل مسؤولية السجون التي تضم معتقلي التنظيم إلى الحكومة السورية. وقالت «قوات ​سوريا الديمقراطية»، يوم الاثنين، إنها تخوض معارك ضد قوات الحكومة السورية قرب السجن، ⁠وإن سيطرة قوات الحكومة عليه قد تكون لها «تداعيات أمنية خطيرة تهدد الاستقرار وتمهد الطريق لعودة الفوضى والإرهاب». ويأتي نقل الولايات المتحدة سجناء التنظيم في أعقاب الانهيار السريع لـ«قوات سوريا الديمقراطية» في شمال شرقي سوريا. وزادت المخاوف بشأن تأمين السجون بعد هروب نحو 200 من عناصر التنظيم من سجن الشدادي يوم الثلاثاء. وأعادت قوات الحكومة السورية القبض على العديد ‌منهم بعد ذلك.

صورة عامة لمخيم الهول للنازحين في 2 أبريل 2019 (رويترز)

وضع أمني غير مستقر بمخيّم الهول

إلى ذلك، قالت متحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين في سوريا، الجمعة، إن الوضع الأمني غير المستقرّ في مخيم الهول الذي يؤوي عائلات مقاتلين من تنظيم «داعش»، يحول دون دخول المفوضية إليه.

ودخلت قوات الأمن السورية الأربعاء مخيم الهول في شمال شرقي سوريا بعد انسحاب القوات الكردية منه في إطار ترتيبات تم التوصل إليها بين الطرفين خلال عطلة نهاية الأسبوع.

وتحت ضغط عسكري من دمشق التي تسعى إلى بسط سيطرتها على البلاد، تخلّت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) عن مساحات واسعة من الأراضي في الأيام الأخيرة، وانسحبت إلى مدن وقرى يشكل فيها الأكراد أكثرية في محافظة الحسكة، معقلها الأخير في شمال شرقي البلاد.

وقالت المتحدثة سيلين شميت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «تمكّنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين من الوصول إلى مخيم الهول خلال الأيام الثلاثة الأخيرة، لكنها لم تتمكّن إلى الآن من دخوله بسبب الوضع الأمني المتقلّب».

ويضمّ مخيم الهول نحو 24 ألف شخص، بينهم ما يقارب 15 ألف سوري ونحو 6 آلاف و300 امرأة وطفل أجنبي من 42 جنسية، ترفض معظم بلدانهم استعادتهم.

وقالت المتحدثة إن المفوضية و«يونيسف» تمكنتا من «تسليم شاحنات من المياه إلى المخيم».

وتابعت أن «مفوضية اللاجئين تعود اليوم إلى (الهول) على أمل استئناف توزيع الخبز الذي توقّف في الأيام الثلاثة الأخيرة».

وأفادت بأن الحكومة السورية أبدت استعدادها لـ«ضمان الأمن ودعم مفوضية اللاجئين وشركائها الإنسانيين من أجل استئناف العمليات الإنسانية».

وأوضحت أن المفوضية تولت إدارة شؤون المخيم في الأول من يناير (كانون الثاني)، قبل بدء المعارك الأخيرة بين القوات السورية وقوات «قسد».

وكانت «قسد» المدعومة من الولايات المتحدة رأس حربة في الحملة العسكرية التي أدت إلى دحر تنظيم «داعش» من آخر معاقله في سوريا في عام 2019.


ترمب يُطلق «مجلس السلام»... وغزة أولوية

الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)
TT

ترمب يُطلق «مجلس السلام»... وغزة أولوية

الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي وقادة وممثلو الدول المشاركة في التوقيع على الميثاق التأسيسي لـ ”مجلس السلام“ في دافوس أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الخميس)، في دافوس، «مجلس السلام»، بحضور دولي وعربي وإقليمي، وسط تركيز على أولوية قضية قطاع غزة.

وشارك وزير الخارجية السعودي، الأمير فيصل بن فرحان، في توقيع ميثاق تأسيس المجلس بحضور ترمب، وقادة وممثلي عددٍ من الدول المُرحِّبة والمشاركة بإنشائه.

وقال ترمب إن «الحرب بين إسرائيل و(حماس) تقترب فعلاً من نهايتها»، مضيفاً: «لم يتبقَّ سوى نيران صغيرة، ويمكننا إطفاؤها بسهولة شديدة». وبعدما أشار إلى الالتزام بـ«إعادة بناء غزة بشكل جميل»، وجّه تحذيراً مباشراً إلى «حماس»، داعياً إياها إلى نزع سلاحها، رغم أن عناصرها «وُلدوا والبنادق في أيديهم»، وفق قوله.

وأكد وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، أولوية ملف غزة بالقول إن «مهمة المجلس في المقام الأول وقبل كل شيء هي ضمان أن يصبح اتفاق السلام في غزة دائماً»، على أن يُنظر لاحقاً في ملفات أخرى.

وفي مسعى لطمأنة حلفائه حول العالم، أكّد ترمب أن المجلس سيعمل بالتعاون مع الأمم المتحدة. وقال: «سنكون قادرين على القيام تقريباً بأي شيء نريده، وسنفعل ذلك بالتعاون مع الأمم المتحدة».