لبنان... تريُّث «حزب الله» في رده على إسرائيل يبقى الكفة الراجحة

هل يأخذ بالنصائح اللبنانية بعدم استدراجه ويتقيد بالتوقيت الإيراني للانتقام؟

مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

لبنان... تريُّث «حزب الله» في رده على إسرائيل يبقى الكفة الراجحة

مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)

يترقب اللبنانيون والمجتمع الدولي ما إذا كان «حزب الله» سيبادر للرد الفوري على إسرائيل بعد اغتيالها العضو البارز في مجلسه الجهادي هيثم علي الطبطبائي وأربعة من رفاقه في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، أم أنه يفضل التريث محتفظاً لنفسه بالتوقيت المناسب للرد لتفادي استدراجه للفخ الذي تنصبه إسرائيل بتهديدها بتوسعة الحرب؟ وبالتالي ينأى بنفسه عن الرد بحسب التوقيت الإسرائيلي في ضوء استنفارها لوحداتها العسكرية لتكون على أهبة الرد الفوري.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر سياسية، أن التواصل بين قيادة «حزب الله» وأركان الدولة لم ينقطع منذ حصول الاغتيال للتداول في مرحلة ما بعده عسكرياً وسياسياً، في ضوء النصائح المحلية والخارجية التي أُسديت لقيادته بعدم الرد لمنع إسرائيل من استكمال مخططها الناري، وإفساحاً في المجال أمام توفير الدعم للمبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بدعوة إسرائيل للتفاوض السلمي وصولاً لتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية تنفيذاً للقرار 1701.

بانتظار الظروف

ورجّحت المصادر أن قيادة الحزب تميل للتعاطي بإيجابية مع هذه النصائح ولن تنجر لاستدراجها، وتوقفت أمام البيان الصادر عن «الحرس الثوري» الإيراني وفيه أنه «يحق لمحور المقاومة و(حزب الله) الانتقام لدماء مقاتلي الإسلام الأبطال، وأن حقهم محفوظ في الموعد الذي يقرره، ليكون الرد قوياً بانتظار المعتدي الإرهابي»، ما اعتُبر دعوة للتريث ريثما تسمح الظروف بانتقامه منها.

ولفتت إلى أن الحزب يدرس الرد سياسياً على إسرائيل على الأقل حالياً، آخذاً في الاعتبار نصيحة «الحرس الثوري». وقالت إنه سيلتفت إلى الداخل بمطالبته الدولة اللبنانية بتوفير الأمن والحماية لأبنائها، وهذا ما ركز عليه رئيس مجلسه التنفيذي الشيخ علي دعموش في كلمته في تشييع الطبطبائي واثنين من رفاقه.

مشيعون يحملون نعش رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي خلال تشييعه الاثنين في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن تريث الحزب في الرد يتيح له تمرير رسالة إلى الداخل والمجتمع الدولي يؤكد فيها بأنه باقٍ على التزامه بوقف النار منذ صدوره في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 برعاية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، فيما تمتنع إسرائيل عن تطبيقه، رغم أن التزامه، كان ولا يزال، موضع تساؤل بداخل حاضنته الشعبية.

وأكدت أنه على تفاهم في تريثه مع حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري بتحميله لجنة الرقابة الدولية المشرفة على تطبيقه مسؤوليةً بسؤالها عن الضمانات لمنع إسرائيل من توسعة الحرب.

«الهدنة البابوية»

ولفتت إلى أن الحزب ليس في وارد استدراج إسرائيل للرد رغبة منه باحترام «الهدنة البابوية» التي يُفترض أن ينعم بها لبنان وهو يستعد لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر، وإتاحة المجال أمام اللبنانيين على اختلاف طوائفهم للاحتفاء به، وهذا ما يسبب إحراجاً لإسرائيل في حال أقدمت على توسعة الحرب.

وأضافت أن الحزب أودع موقفه بتريثه في الرد لدى إيران لعلها توظفه بتحسين شروطها بالتلازم مع استئناف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، كونها الأقدر على ضبط أدائه وتقديمها للضمانات بحمايتها لاتفاق وقف الأعمال العدائية تطبيقاً للقرار 1701، في حال استجابت إسرائيل للضغوط الأميركية لوقف توسعتها للحرب وبغطاء أميركي للتسليم بشروطها بدخول لبنان في مفاوضات مباشرة، رغم أن أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم لم يتردد في قوله إنه لا خطر على المستوطنات في شمال فلسطين، وإن قدرات الحزب العسكرية هي الآن دفاعية وليست قتالية أو هجومية.

رسالة لواشنطن

ورأت أن قاسم أراد تمرير رسالة لواشنطن بأنه الضامن لأمن المستوطنات بالشراكة مع إيران، لعلهما يتمكنان من رفع الضغوط المحلية والخارجية على الحزب بدعوته لتسليم سلاحه التزاماً منه بالبيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام ومشاركته فيها بوزيرين. وقالت إنه يختار الرد على إسرائيل باعتماده التوقيت الإيراني، رغبة منه بتقوية موقف إيران وتعبيد الطريق أمام إشراكها في المفاوضات لإنهاء الحرب.

تجنب المغامرة

إلا أن المصادر قالت إن تجنّب الحزب الرد الفوري من شأنه أن يقوي موقف خصومه في الداخل بمطالبته بتسليم السلاح وحصريته بيد الدولة، طالما أنه يمتنع عن استخدامه للضرورة دفاعاً عن النفس، كما يدّعي، فإنها في المقابل تتعاطى مع تريثه من زاوية أن قيادته تتجنب بموقفها العاقل، في حال استمرت عليه، الدخول في مغامرة غير محسوبة النتائج، أسوة بتلك التي أصابته بإسناده لغزة متفرداً بقراره.

نساء مشاركات في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية (إ.ب.أ)

وقالت إن الحزب يبالغ في حديثه باستعادته لقدراته العسكرية لطمأنة حاضنته، وهو بذلك يوفر الذرائع لإسرائيل للتمادي باعتداءاتها وخروقها، مع أنها ليست بحاجة إليها. وكشفت أن الكلام الإسرائيلي عن تهريب السلاح عبر سوريا إلى الحزب ليس دقيقاً، وأن ما حملته الموفدة الأميركية مورغن أورتاغوس من إسرائيل، في هذا الخصوص، يأتي في سياق تبريرها لمواصلة عدوانها، لأنها لم تزودها بأدلة تثبت فيها اتهاماتها للحزب، واكتفت بنقل رسائلها إلى أركان الدولة بإحاطتهم بشكوى إسرائيل التي بقيت في العموميات.

تحولات المنطقة

وأكدت أن الحزب بدراسته لموقفه بالرد الفوري على إسرائيل أو تفضيله التريث، يأخذ في الاعتبار التحولات في المنطقة ولبنان، ولم يعد في مقدوره تأمين المعابر لاستيراد السلاح من إيران بسقوط النظام السوري، حتى إنه يشكو من الإجراءات المؤدية لتجفيف مصادر الدعم المالي الإيراني، كما كان يحصل في السابق، نظراً للإجراءات التي اتُّخذت بحق «مؤسسة القرض الحسن» التابعة له والتدابير المشددة لمنع إيصال الإمداد المالي الإيراني له.

وكشفت أن الحزب أعاد تنظيم ما تبقى من قدراته العسكرية وأدرجها كأساس في خطته الدفاعية، آخذاً في الاعتبار عدم إيصال السلاح الإيراني إليه بسقوط النظام السوري. ورأت أن الظروف التي أتاحت له الصمود في مواجهات عدة خاضها مع إسرائيل وأبرزها «تصفية الحساب» عام 1993، و«عناقيد الغضب» 1996، و«حرب تموز/ يوليو» 2006 لم تعد قائمة، وحظيت في حينها بتأييد شعبي واحتضان فرنسي، بخلاف إسناده لغزة الذي قوبل برفض دولي وعربي امتداداً إلى الداخل، ولم يعد له من حليف سوى بري مع اشتداد الضغوط في الداخل والخارج للتسليم بحصرية السلاح بيد الدولة وفق الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.

حجم الاغتيالات

وتوقفت أمام حجم الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لأبرز قيادات الحزب السياسية والعسكرية، وعلى رأسها أميناه العامان السابقان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين. وقالت إن إسناده لغزة أدى لإطاحة إسرائيل بقواعد الاشتباك وبتوازن الردع بخلاف المواجهات التي حصلت حتى حرب تموز (يوليو)، وبانكشافه على نطاق واسع أتاح لإسرائيل تسجيل خروقات أمنية استخباراتية، من دون أن يتمكن من توفير الحماية لجميع الذين سقطوا، والتي تصدّرت مراجعاته النقدية لسد الثغرات التي استفادت منها إسرائيل باستهدافها لقياداته وملاحقتها لمحازبيه كما يحصل الآن في الجنوب امتداداً للبقاع.

عزلة ومحاصرة

فالحزب بحاجة ليعيد ترميم صفوفه وترتيب بيته الداخلي، إضافة إلى أنه يعاني من العزلة التي تحاصره في الداخل بمطالبته الالتزام بحصرية السلاح، ولم يعد له من حليف سوى بري، وبالتالي يدخل الآن في مرحلة عنوانها شراء الوقت، وهذا ما يفسر تريثه في الرد الفوري في حال صحت توقعات القيادات التي تتواصل معه.

وبموقفه هذا قوبل بتفهُّم من «الحرس الثوري»، وهو بمثابة غطاء إيراني له ويأتي في سياق مراعاته للمزاج الشيعي العام الذي يتطلع لإعمار البلدات المدمرة، خصوصاً أن مجرد ردّه سيرفع من منسوب النزوح الذي لا قدرة للحزب على استيعابه كما يجب.


مقالات ذات صلة

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الماروني بشارة الراعي خلال قداس في بلدة إيليج بشمال لبنان (البطريركية المارونية)

البطريرك الماروني: جنوب لبنان ليس ورقة تفاوض

أكد البطريرك الماروني بشارة الراعي أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، مشدداً على أن حماية لبنان «تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني والرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون واللبناني جوزيف عون يلتقطون صورة قبل اجتماع «مسار العقبة» لدعم القوات المسلحة اللبنانية بمجمع «ليزانفاليد» في باريس (أ.ف.ب)

لبنان يطلب التمديد لـ«يونيفيل» بتعذر التوافق على البديل الأممي

يعلق لبنان أهمية قصوى على الاتصالات الدولية والعربية لمنع حصول فراغ أمني في الجنوب بانتهاء المهمة التي أوكلها مجلس الأمن الدولي لقوات «يونيفيل» لتطبيق «1701».

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز في وقت سابق (رئاسة الحكومة)

جهود حكومية لبنانية على خط الاستقرار ودعم المتضررين

تتواصل الجهود اللبنانية لتثبيت الاستقرار ومواكبة تداعيات الحرب، بالتوازي مع سعي لحشد الدعم الدولي للبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي جرافات إسرائيلية تقوم بهدم منزل في بلدة المنصوري (رويترز)

تقوية الجيش اللبناني... شرط إسرائيلي جديد للانسحاب من الجنوب

من حماية مستوطنات الشمال إلى نزع سلاح «حزب الله»، وصولاً إلى قدرة الجيش اللبناني على تولّي الأمن، تتعدَّد الشروط التي تربط بها تل أبيب انسحابها من لبنان.

كارولين عاكوم (بيروت)

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
TT

تقدم في تعز يُربك خطط الحوثيين

نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)
نازحون من مناطق القتال يسيرون في مخيم للنازحين قرب عدن أمس (رويترز)

استعادت القوات الحكومية اليمنية، أمس (الأحد)، جبل نعمان الاستراتيجي غرب محافظة تعز، بعد مواجهات مع الحوثيين.

وأكدت مصادر عسكرية أن سيطرة الجيش على الجبل أعادت وصل جبهة بني بكاري بجبهة الكدحة، وأمّنت طريق بني بكاري - الأشروح - البيرين. ورأت المصادر أن هذه التطورات أربكت خطط الحوثيين، وجعلت ما تبقى من مواقعهم في عزلة الشراجة مكشوفاً نارياً.

كما تصدّت القوات الحكومية لهجمات حوثية في الدمدم وشريرة والوازعية وراسن وبني عمر، في حين لم يطرأ تغيير على خطوط السيطرة في جرداد والمرتفعات المحيطة بها.


لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
TT

لبنان يراهن على لقاء روبيو لتجنب فراغ في الجنوب

جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)
جندية في «اليونيفيل» خلال دورية للبعثة الأممية في جنوب لبنان (يونيفيل)

يُراهن لبنان على لقاء رئيس الحكومة نواف سلام مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خلال لقائهما المرتقب في واشنطن، لتجنب فراغ في الجنوب يحدث بانسحاب قوات «يونيفيل»، في ظل غياب التوافق على المرجعية الدولية البديلة.

وفي السياق، كشف مصدر وزاري، أن الرئيس اللبناني جوزيف عون أثار المخاوف من حصول فراغ في الجنوب، لدى اجتماعه بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني. وقال المصدر إنهما أبديا تفهماً لمخاوفه.


تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
TT

تأهب إسرائيلي كبير في الضفة

فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)
فلسطينيون ينتظرون عبور حاجز عسكري شرق نابلس بالضفة الغربية أمس (إ.ب.أ)

رفع الجيش الإسرائيلي مستوى التأهب بشكل كبير في الضفة الغربية، أمس (الأحد)، بالمواكبة مع فعاليات «يوم الغفران» اليهودي، كما نصبت القوات الإسرائيلية حواجز عسكرية على مداخل قرى بالضفة.

ووسط استنكار فلسطيني، اقتحم وزير الأمن الإسرائيلي القومي المتطرف إيتمار بن غفير، باحات المسجد الأقصى، أمس، وذلك غداة اقتحام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، منطقة حائط البراق بالقدس المحتلة. وميدانياً، قتل الجيش الإسرائيلي فلسطينياً في قرية قرب جنين، كما قُتل إسرائيلي في هجوم مسلّح على مستوطنة شمال غرب رام الله.