لبنان... تريُّث «حزب الله» في رده على إسرائيل يبقى الكفة الراجحة

هل يأخذ بالنصائح اللبنانية بعدم استدراجه ويتقيد بالتوقيت الإيراني للانتقام؟

مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

لبنان... تريُّث «حزب الله» في رده على إسرائيل يبقى الكفة الراجحة

مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مشاركون في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وأربعة من رفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت يوم الاثنين (أ.ف.ب)

يترقب اللبنانيون والمجتمع الدولي ما إذا كان «حزب الله» سيبادر للرد الفوري على إسرائيل بعد اغتيالها العضو البارز في مجلسه الجهادي هيثم علي الطبطبائي وأربعة من رفاقه في قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، أم أنه يفضل التريث محتفظاً لنفسه بالتوقيت المناسب للرد لتفادي استدراجه للفخ الذي تنصبه إسرائيل بتهديدها بتوسعة الحرب؟ وبالتالي ينأى بنفسه عن الرد بحسب التوقيت الإسرائيلي في ضوء استنفارها لوحداتها العسكرية لتكون على أهبة الرد الفوري.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر سياسية، أن التواصل بين قيادة «حزب الله» وأركان الدولة لم ينقطع منذ حصول الاغتيال للتداول في مرحلة ما بعده عسكرياً وسياسياً، في ضوء النصائح المحلية والخارجية التي أُسديت لقيادته بعدم الرد لمنع إسرائيل من استكمال مخططها الناري، وإفساحاً في المجال أمام توفير الدعم للمبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون بدعوة إسرائيل للتفاوض السلمي وصولاً لتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية تنفيذاً للقرار 1701.

بانتظار الظروف

ورجّحت المصادر أن قيادة الحزب تميل للتعاطي بإيجابية مع هذه النصائح ولن تنجر لاستدراجها، وتوقفت أمام البيان الصادر عن «الحرس الثوري» الإيراني وفيه أنه «يحق لمحور المقاومة و(حزب الله) الانتقام لدماء مقاتلي الإسلام الأبطال، وأن حقهم محفوظ في الموعد الذي يقرره، ليكون الرد قوياً بانتظار المعتدي الإرهابي»، ما اعتُبر دعوة للتريث ريثما تسمح الظروف بانتقامه منها.

ولفتت إلى أن الحزب يدرس الرد سياسياً على إسرائيل على الأقل حالياً، آخذاً في الاعتبار نصيحة «الحرس الثوري». وقالت إنه سيلتفت إلى الداخل بمطالبته الدولة اللبنانية بتوفير الأمن والحماية لأبنائها، وهذا ما ركز عليه رئيس مجلسه التنفيذي الشيخ علي دعموش في كلمته في تشييع الطبطبائي واثنين من رفاقه.

مشيعون يحملون نعش رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي خلال تشييعه الاثنين في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

وقالت المصادر إن تريث الحزب في الرد يتيح له تمرير رسالة إلى الداخل والمجتمع الدولي يؤكد فيها بأنه باقٍ على التزامه بوقف النار منذ صدوره في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 برعاية الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، فيما تمتنع إسرائيل عن تطبيقه، رغم أن التزامه، كان ولا يزال، موضع تساؤل بداخل حاضنته الشعبية.

وأكدت أنه على تفاهم في تريثه مع حليفه رئيس المجلس النيابي نبيه بري بتحميله لجنة الرقابة الدولية المشرفة على تطبيقه مسؤوليةً بسؤالها عن الضمانات لمنع إسرائيل من توسعة الحرب.

«الهدنة البابوية»

ولفتت إلى أن الحزب ليس في وارد استدراج إسرائيل للرد رغبة منه باحترام «الهدنة البابوية» التي يُفترض أن ينعم بها لبنان وهو يستعد لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر، وإتاحة المجال أمام اللبنانيين على اختلاف طوائفهم للاحتفاء به، وهذا ما يسبب إحراجاً لإسرائيل في حال أقدمت على توسعة الحرب.

وأضافت أن الحزب أودع موقفه بتريثه في الرد لدى إيران لعلها توظفه بتحسين شروطها بالتلازم مع استئناف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، كونها الأقدر على ضبط أدائه وتقديمها للضمانات بحمايتها لاتفاق وقف الأعمال العدائية تطبيقاً للقرار 1701، في حال استجابت إسرائيل للضغوط الأميركية لوقف توسعتها للحرب وبغطاء أميركي للتسليم بشروطها بدخول لبنان في مفاوضات مباشرة، رغم أن أمين عام الحزب الشيخ نعيم قاسم لم يتردد في قوله إنه لا خطر على المستوطنات في شمال فلسطين، وإن قدرات الحزب العسكرية هي الآن دفاعية وليست قتالية أو هجومية.

رسالة لواشنطن

ورأت أن قاسم أراد تمرير رسالة لواشنطن بأنه الضامن لأمن المستوطنات بالشراكة مع إيران، لعلهما يتمكنان من رفع الضغوط المحلية والخارجية على الحزب بدعوته لتسليم سلاحه التزاماً منه بالبيان الوزاري لحكومة الرئيس نواف سلام ومشاركته فيها بوزيرين. وقالت إنه يختار الرد على إسرائيل باعتماده التوقيت الإيراني، رغبة منه بتقوية موقف إيران وتعبيد الطريق أمام إشراكها في المفاوضات لإنهاء الحرب.

تجنب المغامرة

إلا أن المصادر قالت إن تجنّب الحزب الرد الفوري من شأنه أن يقوي موقف خصومه في الداخل بمطالبته بتسليم السلاح وحصريته بيد الدولة، طالما أنه يمتنع عن استخدامه للضرورة دفاعاً عن النفس، كما يدّعي، فإنها في المقابل تتعاطى مع تريثه من زاوية أن قيادته تتجنب بموقفها العاقل، في حال استمرت عليه، الدخول في مغامرة غير محسوبة النتائج، أسوة بتلك التي أصابته بإسناده لغزة متفرداً بقراره.

نساء مشاركات في تشييع رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي في الضاحية الجنوبية (إ.ب.أ)

وقالت إن الحزب يبالغ في حديثه باستعادته لقدراته العسكرية لطمأنة حاضنته، وهو بذلك يوفر الذرائع لإسرائيل للتمادي باعتداءاتها وخروقها، مع أنها ليست بحاجة إليها. وكشفت أن الكلام الإسرائيلي عن تهريب السلاح عبر سوريا إلى الحزب ليس دقيقاً، وأن ما حملته الموفدة الأميركية مورغن أورتاغوس من إسرائيل، في هذا الخصوص، يأتي في سياق تبريرها لمواصلة عدوانها، لأنها لم تزودها بأدلة تثبت فيها اتهاماتها للحزب، واكتفت بنقل رسائلها إلى أركان الدولة بإحاطتهم بشكوى إسرائيل التي بقيت في العموميات.

تحولات المنطقة

وأكدت أن الحزب بدراسته لموقفه بالرد الفوري على إسرائيل أو تفضيله التريث، يأخذ في الاعتبار التحولات في المنطقة ولبنان، ولم يعد في مقدوره تأمين المعابر لاستيراد السلاح من إيران بسقوط النظام السوري، حتى إنه يشكو من الإجراءات المؤدية لتجفيف مصادر الدعم المالي الإيراني، كما كان يحصل في السابق، نظراً للإجراءات التي اتُّخذت بحق «مؤسسة القرض الحسن» التابعة له والتدابير المشددة لمنع إيصال الإمداد المالي الإيراني له.

وكشفت أن الحزب أعاد تنظيم ما تبقى من قدراته العسكرية وأدرجها كأساس في خطته الدفاعية، آخذاً في الاعتبار عدم إيصال السلاح الإيراني إليه بسقوط النظام السوري. ورأت أن الظروف التي أتاحت له الصمود في مواجهات عدة خاضها مع إسرائيل وأبرزها «تصفية الحساب» عام 1993، و«عناقيد الغضب» 1996، و«حرب تموز/ يوليو» 2006 لم تعد قائمة، وحظيت في حينها بتأييد شعبي واحتضان فرنسي، بخلاف إسناده لغزة الذي قوبل برفض دولي وعربي امتداداً إلى الداخل، ولم يعد له من حليف سوى بري مع اشتداد الضغوط في الداخل والخارج للتسليم بحصرية السلاح بيد الدولة وفق الخطة التي أعدتها قيادة الجيش وتبنتها الحكومة.

حجم الاغتيالات

وتوقفت أمام حجم الاغتيالات التي نفذتها إسرائيل لأبرز قيادات الحزب السياسية والعسكرية، وعلى رأسها أميناه العامان السابقان حسن نصر الله وهاشم صفي الدين. وقالت إن إسناده لغزة أدى لإطاحة إسرائيل بقواعد الاشتباك وبتوازن الردع بخلاف المواجهات التي حصلت حتى حرب تموز (يوليو)، وبانكشافه على نطاق واسع أتاح لإسرائيل تسجيل خروقات أمنية استخباراتية، من دون أن يتمكن من توفير الحماية لجميع الذين سقطوا، والتي تصدّرت مراجعاته النقدية لسد الثغرات التي استفادت منها إسرائيل باستهدافها لقياداته وملاحقتها لمحازبيه كما يحصل الآن في الجنوب امتداداً للبقاع.

عزلة ومحاصرة

فالحزب بحاجة ليعيد ترميم صفوفه وترتيب بيته الداخلي، إضافة إلى أنه يعاني من العزلة التي تحاصره في الداخل بمطالبته الالتزام بحصرية السلاح، ولم يعد له من حليف سوى بري، وبالتالي يدخل الآن في مرحلة عنوانها شراء الوقت، وهذا ما يفسر تريثه في الرد الفوري في حال صحت توقعات القيادات التي تتواصل معه.

وبموقفه هذا قوبل بتفهُّم من «الحرس الثوري»، وهو بمثابة غطاء إيراني له ويأتي في سياق مراعاته للمزاج الشيعي العام الذي يتطلع لإعمار البلدات المدمرة، خصوصاً أن مجرد ردّه سيرفع من منسوب النزوح الذي لا قدرة للحزب على استيعابه كما يجب.


مقالات ذات صلة

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

المشرق العربي حاويات ورافعات استأنفت عملها بمرفأ بيروت بعد الانفجار عام 2020 (أرشيفية-رويترز)

اهتمام غربي بتعزيز الرقابة على المرافئ الحدودية اللبنانية

عاد أمن مرفأ بيروت إلى واجهة الاهتمام الدولي، من زاوية التكنولوجيا، والأمن، وضبط الإيرادات، بما يعكس تحوّلاً في المقاربة الدولية تجاه لبنان.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع مهددة بإنذارات إخلاء في بلدة سحمر بجنوب شرقي لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تسابق الجيش اللبناني بقصف مواقع مستهدفة بالإنذارات قبل تفتيشها

نفذ الجيش الإسرائيلي، الخميس، تهديداته بقصف أربعة مبانٍ تلقت إنذارات بإخلائها، رغم تحرك الجيش اللبناني للكشف عليها

نذير رضا (بيروت)
تحليل إخباري أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

سأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان في قصر بعبدا (الرئاسة اللبنانية)

الأردن يؤكد دعمه لسيادة لبنان وجهود بناء مؤسساته

جدد رئيس الوزراء الأردني جعفر حسان تأكيده على دعم بلاده للبنان وأمنه واستقراره وسيادته، وللجهود الكبيرة التي تُبذل لبناء مؤسساته.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم العربي مناطق جنوب لبنان تتعرض بشكل دائم لقصف إسرائيلي رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي: نقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، أنه بدأ قصف أهداف لجماعة «حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان. 

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

مقتل 7 في غارة جوية إسرائيلية على غزة بينهم القيادي بـ«حماس» محمد الحولي

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)
TT

مقتل 7 في غارة جوية إسرائيلية على غزة بينهم القيادي بـ«حماس» محمد الحولي

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)
عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

قال مصدر في حركة «حماس» إن قيادياً بارزاً في الجناح العسكري للحركة كان بين ​سبعة أشخاص لقوا حتفهم في غارتين جويتين إسرائيليتين على دير البلح بوسط قطاع غزة، اليوم الخميس.

وأكد المصدر في «حماس» أن أحد القتلى هو محمد الحولي، القيادي بالجناح العسكري للحركة في دير البلح.

وندّدت «حماس» بالغارة الجوية على منزل لعائلة الحولي، في بيان لم تُشِر فيه ‌إلى محمد ‌الحولي أو دوره في الحركة.

‌وقالت إن الغارة «تمثل خرقاً ‌فاضحاً ومتكرراً لاتفاق وقف إطلاق النار، وتكشف مجدداً أن الاحتلال لا يلتزم بالاتفاق ويسعى، بشكل متعمد، إلى تعطيله، تمهيداً لاستئناف حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني في غزة».

عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

وأفاد مسؤولون صحيون بأن مِن بين القتلى الستة الآخرين فتى يبلغ من العمر 16 عاماً.

وأشارت تقارير إلى مقتل أكثر من 400 فلسطيني وثلاثة جنود إسرائيليين، منذ دخول وقف إطلاق النار الهش حيز التنفيذ في أكتوبر (تشرين ‌الأول) الماضي.

وهدمت إسرائيل مباني، وطردت السكان ‍من أكثر من نصف قطاع غزة الذي لا تزال قواتها متمركزة فيه. ويعيش حالياً ‍جميع سكان القطاع تقريباً، والبالغ عددهم أكثر من مليونيْ نسمة، في مساكن مؤقتة أو مبان متضررة في شريط ضيق من الأراضي انسحبت منه القوات الإسرائيلية واستعادت «حماس» السيطرة عليه.

وقالت منظمة الأمم المتحدة ​للطفولة «يونيسيف»، يوم الثلاثاء، إن أكثر من 100 طفل قُتلوا في غزة منذ وقف إطلاق النار، بعضهم ضحايا لهجمات بطائرات مُسيَّرة.

وتبادلت إسرائيل و«حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار، ولا تزال وجهة نظر الطرفين متباينة للغاية بخصوص قضايا رئيسية، رغم إعلان الولايات المتحدة دخول المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، أمس الأربعاء.

وشنّت إسرائيل عملياتها في غزة، عقب هجومٍ شنّته فصائل، بقيادة «حماس»، في أكتوبر 2023، والذي تشير إحصاءات إسرائيلية إلى أنه تسبّب في مقتل 1200 شخص.

أما في قطاع غزة، فتشير السلطات الصحية فيه إلى أن الحرب الإسرائيلية على القطاع أدت ‌إلى مقتل 71 ألف شخص وخلفت دماراً واسعاً.


إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

إهراءات مرفأ بيروت... خطة حكومية لحماية الأمن الغذائي وذاكرة انفجار المرفأ

وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط (الوكالة الوطنية للإعلام)

في تطور جديد ذي أبعاد اقتصادية اجتماعية، كلّفت الحكومة اللبنانية وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط البدء بإجراءات بناء إهراءات قمح جديدة في مرفأ بيروت، وهو قرار لطالما شكّل موضع خلاف مع أهالي ضحايا انفجار الرابع من أغسطس (آب) 2020، الذين يرفضون أي خطوة تمسّ بالإهراءات القديمة قبل تحقيق العدالة والمحاسبة.

ما تبقى من إهراءات القمح بمرفأ بيروت بعد الانفجار الهائل في أغسطس 2020 (أ.ف.ب)

ومع تأكيد وزير الاقتصاد عامر البساط على أن تأمين القمح أولوية للأمن الغذائي لا تحتمل التأجيل، يؤكد أن العمل على خطة بناء الإهراءات سيكون في موازاة العمل على خطة تحويل الإهراءات القديمة إلى مَعلم سياحي بعدما قرر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في 5 أغسطس 2025 التراجع عن قرار هدم ما تبقّى من صوامع القمح في إهراءات مرفأ بيروت، الذي اتخذته الحكومة السابقة، والذي سمح بهدمها.

وكان قد سبق قرار الحكومة إعلان وزير الثقافة غسان سلامة عن قرار إدراج الإهراءات على «لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية»، استجابة لطلب أهالي ضحايا تفجير المرفأ، مما يؤدّي إلى إيقاف أي قرار بهدمها، وحمايتها باعتبارها جزءاً من التراث العمراني للعاصمة بيروت.

خطة متكاملة

ويلفت وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط إلى أن قرار الحكومة إعداد خطة استراتيجية متكاملة لتأمين مخزون القمح والحبوب على المديين المتوسط والطويل، جاء بعدما نتج عن انفجار بيروت فراغ استراتيجي في قدرة الدولة على تخزين القمح.

ويقول البساط لـ«الشرق الأوسط» إن غياب الإهراءات بعد انفجار المرفأ أدّى إلى اعتماد طرق تخزين غير منظّمة، ما يعرّض البلاد لمخاطر كبيرة في حال حصول أي طارئ أمني أو لوجستي، ويجبر الدولة على استيراد القمح بشكل عاجل وبتكلفة مرتفعة، فضلاً عما يرافق ذلك من صعوبات في التوزيع.

ويلفت إلى أنّ لبنان يستهلك سنوياً أكثر من 600 ألف طن من القمح، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي حدود 50 ألف طن، ما يجعل البلاد تعتمد بنسبة تتراوح بين 85 و90 في المائة على الاستيراد.

لقطة عامة لمرفأ بيروت... ويظهر في وسطها مبنى الإهراءات المعرّض لتدمير جزئي نتيجة الانفجار عام 2020 (رويترز)

ثلاثية المواقع وسعة تخزين لستة أشهر

ويوضح البساط أنه «سيتم بناء الإهراءات الجديدة في مكان منفصل عن القديمة التي سبق أن اتُّخذ قرار بعدم هدمها، ويتم العمل على خطة بشأنها لتحويل المكان إلى مَعلم سياحي»، مضيفاً أن «الإهراءات الجديدة سيتم بناؤها داخل المرفأ، ولكن في موقع مختلف، ضمن رؤية وطنية شاملة، تشمل أيضاً البقاع وطرابلس في الشمال».

وكشف البساط أنّ الحكومة أعدّت دراسة تهدف إلى تأمين مخزون استراتيجي من القمح يكفي لمدة ستة أشهر، بقدرة تخزين إجمالية تصل إلى 414 ألف طن، منها 235 ألف طن في بيروت والبقية ستتوزع بين طرابلس والبقاع.

وذكّر البساط بأنّ الإهراءات القديمة كانت تستوعب نحو 150 ألف طن فقط، ما يبرز الحاجة الملحّة إلى منشآت حديثة تتلاءم مع حجم الاستهلاك والمخاطر القائمة.

التمويل والتنفيذ

وعلى صعيد التنفيذ، أوضح وزير الاقتصاد أنّ العمل سيبدأ بالمرحلة الأولى في بيروت، حيث يُتوقّع وضع حجر الأساس خلال أشهر، في حال سارت الأمور وفق المخطط. وستكون الخطوة الأولى تقنية وهندسية، تتضمن إعداد دراسة تفصيلية بتمويل من الصندوق الكويتي عبر منحة تبلغ قيمتها نحو 1.5 مليون دولار، وتحتاج إلى عدة أشهر لإنجازها.

أما المرحلة الثانية، فتتعلق بتمويل الإهراءات؛ إذ تُقدَّر التكلفة الإجمالية للمشروع بنحو 250 مليون دولار، منها نحو 125 مليون دولار لإهراءات بيروت. وأشار البساط إلى وجود وعد بتمويل مبدئي من الصندوق الكويتي، إضافة إلى العمل مع دول عربية صديقة لاستكمال تأمين التمويل، بالتوازي مع إعداد الخطة التنفيذية.

الإهراءات القديمة: بين الذاكرة والمخاطر

في ما يتعلّق بإهراءات مرفأ بيروت القديمة، شدّد البساط على أنّ التعامل معها لا يقتصر على الجانب الهندسي، بل يشمل أبعاداً اجتماعية ومعنوية وأخلاقية، نظراً لارتباطها بذاكرة انفجار المرفأ. ولفت إلى وجود توجّه لتحويلها إلى مَعلم تذكاري وسياحي، على غرار تجارب عالمية مثل «جدار برلين»، مع إنشاء حديقة لتخليد ذكرى الضحايا.

غير أنّ هذا الخيار يواجه تحديات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة، والمشكلة البيئية الناتجة عن وجود نحو 40 ألف طن من القمح المتضرر داخل الإهراءات، فضلاً عن المخاوف من سلامة المبنى وإمكانية انهياره، رغم وجود تطمينات هندسية أولية حول متانته.

ويشير هنا إلى تشكيل لجنة وزارية تعمل بالتعاون مع مؤسسات متخصصة لإجراء تقييم شامل للمخاطر ودراسة الخيارات الممكنة، مع ترجيح اللجوء إلى مناقصة دولية لتنفيذ مشروع المَعلم السياحي في المكان.

ما تبقّى من الإهراءات المدمرة في مرفأ بيروت (رويترز)

وختم البساط مؤكداً أنّ الحكومة حريصة على إشراك أهالي ضحايا انفجار المرفأ في مسار النقاش، بانتظار استكمال المسار القضائي للقضية، معتبراً أنّ الحفاظ على الذاكرة لا يتعارض مع ضرورة تأمين الأمن الغذائي للبنانيين، بل يشكّل جزءاً من مسؤولية الدولة.


«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
TT

«قسد» تنفي منع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر شرق حلب

سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)
سوريون يغادرون دير حافر (إ.ب.أ)

نفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، مساء الخميس، اتهامات وزارة الدفاع السورية لها بمنع المدنيين من مغادرة مدينة دير حافر، شرق حلب.

وقالت «قسد»، في بيان: «نؤكد أن تعطل حركة المدنيين في المنطقة ناتج عن التصعيد العسكري، والتحشيد، والقصف المستمر الذي تنفذه فصائل دمشق».

وحذرت من أن «أي تهجير للمدنيين تحت التهديد باستخدام القوّة من طرف دمشق يُعد جريمة حرب»، ودعت المجتمع الدولي إلى «إدانة هذه الأساليب الخطيرة التي من شأنها أن تؤدي إلى تهجير أكثر من 170 ألف مدني، في ظل الظروف الجوية السيئة».

كان الجيش السوري قد أعلن، في وقت سابق، الخميس، تمديد مدة الممر الإنساني قرب بلدة دير حافر بشرق حلب يوماً آخر لتسهيل عبور المدنيين لينتهي غداً الجمعة، الساعة الخامسة مساء بالتوقيت المحلي.

وقالت هيئة العمليات في الجيش السوري لـ«وكالة الأنباء السورية» إن مجموعات من ميليشيات «حزب العمال الكردستاني» المتحالفة مع «قسد» تمنع المدنيين من المرور عبر الممر الإنساني قرب دير حافر.

وهدد الجيش السوري باستهداف أي موقع يقوم بعرقلة مرور المدنيين «بالطريقة المناسبة»، مشيراً إلى الانتهاء من كل التحضيرات الميدانية لتأمين المنطقة.

وأعلنت الإدارة الذاتية الكردية بشمال وشرق سوريا، اليوم، إغلاق معابر الطبقة والرقة ودير الزور حتى إشعار آخر في ظل «التطورات الأمنية الخطيرة التي تشهدها المعابر».