بعد نوح زعيتر... الجيش اللبناني يلاحق 23 متورطاً بالمخدرات

500 موقوف ومضبوطات بمليار دولار والإطاحة بـ«أكبر الرؤوس»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
TT

بعد نوح زعيتر... الجيش اللبناني يلاحق 23 متورطاً بالمخدرات

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يشعل شعلة في نصب شهداء الجيش بوزارة الدفاع الوطني في ذكرى الاستقلال (مديرية التوجيه)

يمثل توقيف استخبارات الجيش اللبناني «بارون المخدرات» نوح زعيتر، الخميس، حلقة من سلسلة القضاء على النشاط الإجرامي المتصل بالاتجار بالمخدرات وترويجها. فقد كثفت السلطات اللبنانية حملاتها لتفكيكها منذ 5 سنوات، وازدادت وتيرتها مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، حين فُقدت الملاذات الآمنة للمطلوبين الذي اضطروا جراء إقفال الحدود والتغيرات في سوريا، إلى العودة إلى الداخل اللبناني، فيما يلاحق الجيش 23 من أخطر المطلوبين، ويواصل إجراءاته للقضاء على الاتجار بالمخدرات.

وأسهمت العمليات الأمنية في تحييد عشرات المطلوبين منذ مطلع العام، سواء عبر التوقيف، أو عبر قتلهم جراء اشتباكات مع عناصر الجيش، وتبادل لإطلاق النار، وأفضت العمليات إلى توقيف ما يزيد على 500 مطلوب خلال 5 سنوات، حسب بيانات الجيش ورصد «الشرق الأوسط»، فضلاً عن مقتل 5 من أبرز المطلوبين خلال أشهر فقط.

جبل الإنجازات

جاء توقيف نوح زعيتر بمنزلة «القمة على جبل الإنجازات»، حسبما يقول مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً العملية بأنها «ضربة قاضية أعادت الأمل، وأكدت أن الدولة، حين تقرر، لا تترك مجرماً يفلت من العدالة». ويضيف: «انهيار هذا (العرش الأسود)، لم يكن مجرد انتصار أمني، بل لحظة استرداد للهيبة الوطنية. فبعملية نوعية، بلا ضجيج إعلامي، تم رصد تحركاته بدقة، واعتمدت القوات الأمنية أسلوب الرصد طويل الأمد، والاختراق الهادئ. وعند ساعة الصفر، انقضّت القوة على الهدف، لتُسدل الستار على فصل من الفوضى».

نوح زعيتر (أ.ف.ب)

ويعد توقيف نوح زعيتر في عملية أمنية يوم الخميس، أبرز إنجاز بالنظر إلى أن الرجل يوصف بأنه «بارون المخدرات» في لبنان، وهو خاضع لعقوبات أميركية وبريطانية وأوروبية. وأدار في البقاع في شرق لبنان، منذ التسعينات، إمبراطورية لتصنيع المخدرات وتهريبها، بينها حبوب الكبتاغون التي ازدهرت تجارتها في السنوات الأخيرة بين لبنان وسوريا.

ويقول المصدر: «نوح زعيتر، الاسم الذي لطالما ارتبط بتجارة المخدرات، السلاح، والخروج الصارخ عن القانون، كان لعقود بمثابة (الظل الثقيل) على مشهد الأمن الداخلي. تحوّل من شخص إلى أسطورة، لا بسبب إنجاز، بل نتيجة قدرته على التملّص، وفرض سطوته في البقاع، متحدّياً الدولة، ومربكاً الرأي العام».

الإطاحة برؤوس كبيرة

ولم تكن العملية مجرد توقيف، بل تتويج لسلسلة من الضربات الأمنية النوعية خلال الأشهر الستة الأخيرة. فقد شهدت هذه المرحلة تفكيك أهم شبكات المخدرات والجرائم المنظمة، من خلال القضاء على أو اعتقال كبار الرؤوس، بينهم علي زعيتر (أبو سلة)، وعباس علي سعدون زعيتر، وحسن عباس جعفر، وحسين عباس جعفر، وحمزة راجح جعفر، وغيرهم من زعماء العصابات المتورطة بالاتجار، والسرقة، والخطف، وتصنيع السموم.

وبرز اسم علي منذر زعيتر، المعروف بـ«أبو سلّة»، كأحد أخطر تجار المخدرات في لبنان خلال السنوات الأخيرة، وصدرت بحقه أحكام غيابية، أبرزها حكم بالإعدام صادر عن المحكمة العسكرية في 7 مارس (آذار) 2024، بعد اتهامه بتشكيل مجموعة مسلّحة وارتكاب جرائم قتل ومحاولة قتل عسكريين، إضافةً إلى إدارة شبكة اتجار بالمخدرات.

اكتسب لقبه من طريقة بيع المخدرات التي اشتهر بها في منطقة السبتية في جبل لبنان، حيث كان يُهبط سلّة من شرفة منزله لإنجاز عمليات البيع من دون مواجهة مباشرة مع الزبائن.

في 6 أغسطس (آب) 2025 نفّذ الجيش اللبناني عملية نوعية في حي الشراونة – بعلبك، استُخدمت فيها المسيّرات والصواريخ، وانتهت بمقتله مع عباس علي سعدون زعيتر وفياض سالم زعيتر. وتشير السجلات الأمنية إلى أنه كان قد فرّ إلى المنطقة الحدودية مع سوريا بعد مداهمة في يونيو (حزيران) 2022، وظلّ يدير جزءاً من نشاطه من هناك.

عناصر من الجيشين اللبناني والأميركي خلال تمرين مشترك على متن سفينة عسكرية (مديرية التوجيه)

أما حسن عباس جعفر، الملقب بـ«السبع»، فيُنظر إليه على أنه أحد أبرز المطلوبين في قضايا الخطف والسرقة في منطقة البقاع. أنهى الجيش اللبناني مسيرته في 26 سبتمبر (أيلول) 2025 خلال عملية أمنية دقيقة في بلدة دار الواسعة غرب بعلبك، نُفّذت باستخدام طائرة مسيّرة واقتحام منازل مطلوبين. وقد شكّل مقتله محطة مفصلية في المواجهة مع شبكات الخطف التي كانت تنشط على نطاق واسع في المنطقة.

ومثله، حمل بدري زعيتر، الملقب بــ«السائق»، سجلاً أمنياً مرتبطاً بتسهيل تحركات عدد من المطلوبين في شبكات المخدرات والتهريب. في 4 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وخلال حملة موسعة للجيش لإقفال المعابر غير الشرعية في منطقة بعلبك – الهرمل، داهمت قوة عسكرية حي الشراونة بعد استهداف مراكزها بقذائف صاروخية. وأفادت المعلومات الميدانية بأن بدري زعيتر قُتل خلال العملية مع اثنين من مرافقيه السوريين، في خطوة عُدّت جزءاً من التشدد الأمني لملاحقة الشبكات الناشطة في التهريب وجرائم المخدرات.

ضربات مدمرة

ولم تكتفِ القوى الأمنية بذلك، بل وجّهت ضربات مدمّرة إلى أضخم معامل تصنيع المخدرات في لبنان والمنطقة، مما شكّل زلزالاً حقيقياً تحت أقدام الشبكات الدولية، وأصاب مفاصل هذه السوق السوداء بالشلل.

ويقول المصدر الأمني: «خلال السنوات الخمس الماضية، خاضت الدولة معركة صامتة وشاقة ضدّ إمبراطوريات السمّ الأبيض، واستطاعت أن توجّه ضربات قاضية إلى تجّار المخدرات، فاعتقلت ما يفوق 500 شخص متورط في تجارة وتوزيع وصناعة المخدرات، كثيرون منهم أسماء لطالما عُدّت «خطاً أحمر»، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم، إلى أن دخلت مخابرات الجيش على الخط، وكشفت عن شبكات لطالما رعت الفساد وأراقت السمّ في عروق المجتمع».

عناصر من الجيش تفكك مشغلاً لتصنيع المخدرات في البقاع شرق لبنان (مديرية التوجيه)

ويكشف المصدر عن أنه «تم جرف أكثر من 14 ربعة (مركز ميداني) لبيع المخدرات، وتفكيك نحو 50 معملاً لصناعة الكبتاغون، وقدّرت المضبوطات من مواد مخدّرة وآلات تصنيع بقيمة تجاوزت المليار دولار أميركي، مما شكّل ضربة اقتصادية وتجارية كبرى لعصابات تهريب المخدرات داخل وخارج لبنان». وأشار إلى أن «البعض هرب إلى الخارج، كما حصل مع المطلوب جلال شريف وآخرين، فيما تبقّى نحو 20 ربعة نشطة، تتمركز بين حورتعلا، والشراونة، وتل الأبيض، واليمونة» وهي قرى في شرق لبنان.

أسماء ملاحَقة وخطط مستقبلية

وإذ أشار إلى 23 اسماً من بين كبار المطلوبين تجري ملاحقتهم في الشراونة واليمونة تل أبيض وحورتعلا في البقاع، قال المصدر: «هذه الأسماء تبقى في الواجهة، مسلحة وخطيرة، مدعومة أحياناً بعناصر مسلّحة من جنسيات أخرى، إلا أن الأخطر هم من يختبئون في الظل، وهم تجّار كبار غير مطلوبين للقضاء، متخفّين خلف مشاريع (نظيفة) وعلاقات نافذة داخل الدولة، يُعاد تنظيمهم بصمت».

ويؤكد المصدر: «مع كل هذه المواجهات، سجّل الأمن اللبناني إنجازاً بالغ الأهمية، يتمثل في انخفاض نسبة المخدرات بنسبة 70 في المائة، وهو رقم تاريخي في ظل بيئة مليئة بالتحديات». ويشرح: «تحمل المرحلة القادمة معها خطة تجفيف منابع التهريب والتصنيع بالكامل في سياق معركة وجود لن تتوقّف حتى القضاء على آخر شبكات السمّ».


مقالات ذات صلة

عون: لبنان يرحّب بقوات بديلة لـ«يونيفيل»

المشرق العربي من استقبال الرئيس اللبناني جوزيف عون كبيرَ مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرين (الرئاسة اللبنانية)

عون: لبنان يرحّب بقوات بديلة لـ«يونيفيل»

جدّدت بريطانيا تأكيدها دعم لبنان والجيش، فيما رحّب الرئيس اللبناني جوزيف عون بقوة دولية بديلة لـ«يونيفيل»، محذّراً من فراغ أمني بالجنوب إذا تعذّر التمديد لها...

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش وهناك مبادرتان أوروبيتان قيد التداول تجري مناقشتهما في الوقت الحاضر لمساندة لبنان عسكرياً ومالياً.

ميشال أبونجم (باريس)
المشرق العربي آلية عسكرية إسرائيلية تعبر بين الدمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

توغل إسرائيلي جديد يعرقل توسع انتشار الجيش اللبناني

توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأحد، إلى بلدة دير ميماس التي تسكنها أغلبية مسيحية في جنوب لبنان، في ثاني عملية من هذا النوع خلال يومين.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي جنود لبنانيون ينتشرون عند أطراف بلدة دير ميماس في جنوب لبنان بعد تقدّم قوات إسرائيلية باتجاه البلدة ونشر دبابات وإلقاء قنابل صوتية (أ.ف.ب)

«الميكانيزم» تحتوي احتكاكاً عسكرياً لبنانياً - إسرائيلياً

شهدت أطراف بلدة دير ميماس بجنوب لبنان، الجمعة، توتراً ميدانياً مباشراً بين الجيش اللبناني والقوات الإسرائيلية، بعدما تقدمت قوة إسرائيلية في اتجاه نقطة مستحدثة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي أفراد من قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة (يونيفيل) في جنوب لبنان (رويترز)

لبنان يضغط لتمديد «اليونيفيل»... ويتمسك بمظلة أممية في الجنوب

يكثف لبنان تحركه السياسي والدبلوماسي للإبقاء على مظلة أممية بجنوب البلاد، بالتوازي مع حشد الدعم للجيش، وسط مساعٍ لبنانية-فرنسية لإعادة النظر في دور «اليونيفيل».

صبحي أمهز (بيروت)

اتفاق بين بغداد وأنقرة على تسليم تركيا لمعسكر بشمال العراق

 الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)
الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)
TT

اتفاق بين بغداد وأنقرة على تسليم تركيا لمعسكر بشمال العراق

 الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)
الزيدي وأردوغان خلال اجتماعهما في نيويورك (حساب المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء العراقي)

قالت تركيا ‌والعراق، اليوم (الأربعاء)، إنه جرى الاتفاق على قيام القوات التركية بتسليم معسكر في شمال العراق إلى الحكومة العراقية بشكل تدريجي، وذكرتا عقب محادثات ​جرت في نيويورك أن الجانبين اتفقا كذلك على إنهاء وجود «العناصر المسلحة المحظورة» في شمال العراق.

وبعد لقاء بين رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أعلن الجانبان في بيان مشترك اتفاقهما على تعزيز التعاون الأمني.

وقالا في بيان إن الجانبين «اتفقا على بسط سلطة الدولة العراقية بالكامل ‌في سنجار، وإنهاء ‌وجود العناصر الأجنبية المسلحة المحظورة» في ​إشارة ‌للمسلحين ⁠الأكراد ​الذين يتمركز ⁠بعضهم في منطقة سنجار الجبلية بشمال العراق.

وتواصل تركيا عملية سلام تأمل أن تسفر عن نزع سلاح مسلحي حزب العمال الكردستاني المحظور وإنهاء صراع دام عقودا.

وجاء في البيان «في إطار التقدم الذي أحرزه العراق من خلال الخطوات الأمنية، ستسلم القوات التركية معسكر بعشيقة - زليكان إلى الحكومة الاتحادية العراقية تدريجيا، وفق الآلية ⁠والجدول الزمني المتفق عليهما». وتقع المنشأة بشمال ‌العراق قرب الموصل.

وقال قائد عسكري ‌عراقي مطّلع على المحادثات إنه من ​المتوقع اكتمال الانسحاب التدريجي للقوات ‌التركية من معسكر بعشيقة وقاعدة صغيرة أخرى قرب الموصل ‌بحلول نهاية العام الجاري. ولم يصدر تعليق فوري من تركيا بشأن الجدول الزمني.

وكانت أنقرة قد نشرت قوات بالقرب من الموصل عام 2015، وعزت ذلك إلى تدريب وحماية القوات العراقية والمقاتلين المحليين العرب السنة ‌والتركمان والأكراد الذين كانوا يستعدون لقتال تنظيم الدولة الإسلامية الذي سيطر على الموصل عام 2014.

وأثار هذا ⁠الانتشار ⁠خلافا مع بغداد التي طالبت بانسحاب القوات، في حين أكدت أنقرة أنها تدعم مهمة التدريب الرامية لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية. ولا تزال تركيا تحتفظ بعدة قواعد في المنطقة، وتقول إنها تهدف إلى حماية أمنها القومي.

ورحب توم برّاك السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث الخاص لسوريا والعراق بهذه الخطوة، وقال إنها تصب في صالح «السيادة العراقية والأمن التركي على حد سواء».

وذكر البيان المشترك أن الجانبين ناقشا كذلك العلاقات الثنائية والتبادل التجاري، وشددا على ضرورة التنفيذ العاجل للاتفاقيات الموقعة مسبقا ​وتسريع وتيرة «المشاريع الاستراتيجية المشتركة».


الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)
عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)
TT

الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)
عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن عدم التمديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان «يونيفيل» من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، خصوصاً في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لعدد من القرى والبلدات الجنوبية.

وخلال استقباله كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن الأربعاء، أشار عون إلى أن لبنان يرحب بأي قوات بديلة لـ«يونيفيل» في حال تعذر التمديد لها، لمواصلة تنفيذ القرار 1701 ودعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة على الأراضي الجنوبية حتى الحدود المعترف بها دولياً.

وجدد عون التأكيد على أن إسرائيل لا تلتزم بتنفيذ «اتفاق الإطار» الذي تم التوصل إليه في المفاوضات اللبنانية-الأميركية-الإسرائيلية في واشنطن، ولا سيما لجهة وقف إطلاق النار والامتناع عن تدمير المنازل وجرفها، ومعالجة النقاط المختلف عليها على «الخط الأزرق»، وإعادة الأسرى اللبنانيين إلى وطنهم، عادّاً أن استمرار هذه الممارسات يبقي التوتر قائماً في الجنوب.

وأطلع عون المسؤول البريطاني على أجواء الاجتماع التحضيري الذي عقد في باريس الأسبوع الماضي للمؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي، مشيراً إلى أن لبنان عرض خلاله حاجات المؤسستين وتلقى ردود فعل مشجعة.

كما بحث الجانبان الإصلاحات الاقتصادية التي تقوم بها الحكومة بالتعاون مع مجلس النواب، إضافة إلى العلاقات اللبنانية-السورية والتنسيق القائم بين البلدين.

من جهته، جدد الأميرال ألغرن دعم بريطانيا للبنان، ولا سيما الجيش اللبناني، منوهاً بالمواقف الرسمية اللبنانية حيال التطورات الأخيرة، وبالمواقف التي أعلنها الرئيس عون خلال زيارته إلى منطقة النبطية في الجنوب وتأكيده تصميم الدولة على بسط سيادتها على كامل الحدود الجنوبية وإزالة المظاهر المسلحة في القرى التي ينتشر فيها الجيش

هيكل: «لن نحيد عن ثوابتنا»

في موازاة المساعي السياسية والدبلوماسية، شدد قائد الجيش العماد رودولف هيكل على تماسك المؤسسة العسكرية وصمودها في مواجهة التحديات، خلال تفقده فوج المغاوير في ثكنة غسان رمان في روميه، واطلاعه على جاهزية الفوج.

وأكد هيكل مواصلة التدريب النوعي في الوحدات الخاصة، مشيراً إلى أن تماسك العسكريين وانتماءهم إلى المؤسسة يشكلان أحد أبرز أسباب قوة الجيش، خصوصاً في ظل استمرار الاعتداءات والتصعيد الإسرائيلي.

وقال للعسكريين: «التمسك بالجيش هو السمة المشتركة لجميع اللبنانيين، على اختلاف انتماءاتهم، وهُم يرون في الجيش سبيل خلاصهم»، مضيفاً: «الوطن عائلتنا الكبرى وسوف نصل به إلى بر الأمان». وشدد على أن محاولات ضرب معنويات الجيش عبر الشائعات والافتراءات لن تؤثر في إرادة عسكرييه، مؤكداً: «لن ننكسر ولن نحيد عن ثوابتنا»، وأن واجب المؤسسة هو حماية جميع اللبنانيين وتأمين الاستقرار.

السفارة الأميركية تسلم الجيش 16 مليون طلقة

في السياق نفسه، أعلنت السفارة الأميركية في بيروت تسليم الجيش اللبناني 16 مليون طلقة ذخيرة، مشيرة إلى أن الشحنة تندرج في إطار الدعم الأميركي المستمر للمؤسسة العسكرية. وأوضحت أن الولايات المتحدة قدمت خلال السنوات الست الماضية أكثر من 800 مليون دولار من المساعدات العسكرية للجيش، بهدف تعزيز جاهزيته وقدراته ودعم سيادة لبنان وتأمين حدوده.


مطار المزة العسكري من سجن للانتهاكات إلى مطار لرجال الأعمال

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)
انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)
TT

مطار المزة العسكري من سجن للانتهاكات إلى مطار لرجال الأعمال

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)
انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

باشرت الهيئة العامة للطيران المدني في سوريا، الأربعاء، أعمال إعادة التأهيل الأولية في مطار المزة بدمشق تمهيداً لإعادة ‏تصنيفه من منشأة ذات استخدام عسكري إلى مطار مدني مكمل لمطار دمشق الدولي، في خطوة تمهيدية لإعادة تشغيله مطاراً مدنياً متخصصاً بالطيران الخاص وطيران رجال الأعمال، بحسب تصريحات للإعلام.

إلا أن المشروع حرّك مخاوف من العبث بمواقع داخله يشتبه باحتوائها على مقابر جماعية لمعتقلين سابقين لدى النظام السابق، إذ استخدم مقر المطار كسجن سياسي، وأثار المطالبات بتعويض أصحاب الأراضي التي استملكت لصالح توسعة المطار قبل 50 عاماً.

تشمل المرحلة ‏الحالية من عملية تأهيل المطار، بحسب الهيئة العامة للطيران المدني، تنفيذ عدد من الأعمال الأولية، بينها إزالة الركام وتأهيل بعض مكونات ‏البنية التحتية المرتبطة بالملاحة الجوية، بالتوازي مع استكمال المتطلبات الفنية والتشغيلية ‏والتنظيمية اللازمة لإعادة تصنيف المطار وتأهيله للاستخدام المدني.‏

حظيرة طائرات بعد غارات إسرائيلية على مستودعات أسلحة قرب مطار المزة العسكري خارج دمشق 9 ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

عُدّ مطار المزة العسكري، جنوب حي المزة غرب دمشق، واحداً من أهم القواعد الجوية التي استخدمها النظام السابق في حماية وتأمين المربع الأمني للنظام في العاصمة دمشق (1970 ـ 2011)، لموقعه الاستراتيجي القريب من القصور الرئاسية، ومقر قيادة الأركان والوزارات السيادية، وإشرافه المباشر على المداخل الجنوبية الغربية، ولا سيما طريق دمشق – بيروت.

بعد اندلاع الاحتجاجات ضد نظام الأسد ودخول إيران ساحة الحرب في سوريا، خصوصاً من خلال «الحرس الثوري»، شكّل المطار قاعدة لوجستية لنقل المستشارين العسكريين الإيرانيين وإمدادات السلاح، وقاعدة مدفعية وجوية متقدمة استخدمت في ضرب المناطق الثائرة في ريف دمشق، ولا سيما مدينة داريا ومعضمية الشام المجاورتين له ومناطق الغوطة الشرقية.

وقد ساهم احتواء المطار على المقر الرئيسي للمخابرات الجوية المسؤولة عن تغييب آلاف السوريين في جعل مطار المزة الصندوق الأسود لانتهاكات المخابرات الجوية، وفق تقارير منظمات دولية، ومحطة رئيسية للتغييب القسري والتصفية الجسدية دون محاكمات، بحسب منظمتي «العفو الدولية» و«هيومن رايتس ووتش».

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

وكان «المركز السوري للعدالة والمساءلة» قد حدّد في تحقيق أنجزه عام 2025 موقع مقبرتين داخل مطار المزة الذي قضى فيه أكثر من 1150 معتقلاً بالإعدام أو تحت التعذيب، بحسب المركز الذي أبلغ بدوره الهيئة الوطنية للمفقودين بموقع المقبرتين.

الهيئة قالت، في بيان نشرته عبر معرفاتها الرسمية، الأربعاء، إن الأعمال التي باشرتها في المطار تتم «بالتنسيق مع المؤسسات المعنية، وبالتعاون مع ‏الهيئة الوطنية للمفقودين، مع مراعاة المواقع التي يُشتبه بوجود مقابر جماعية أو رفات ‏بشرية فيها، والتعامل معها وفق الأصول والإجراءات المعتمدة، بما يحفظ الأدلة والرفات ‏ويصون حقوق وكرامة الضحايا».‏

وأجرى معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي لشؤون التخطيط والكفاءة المؤسسية، عبد الباري الصاج، ومعاون رئيس الهيئة الوطنية للمفقودين، والدكتور عمار عيسى، وعضو مجلس الشعب ورئيس لجنة الضحايا أيمن شمو، جولة ميدانية مشتركة في مطار المزة، الثلاثاء، للاطلاع على عدد من المواقع التي يُحتمل وجود مقابر جماعية فيها، وذلك قبل البدء بأعمال إعادة تأهيل المطار.

وبناءً على نتائج الجولة الأولية، تم اتخاذ إجراءات احترازية لحماية عدد من النقاط المحددة، واستثنائها من أي أعمال قد تتضمن الحفر أو التسوية أو تغيير طبيعة التربة، إلى حين استكمال الإجراءات الفنية اللازمة.

كما جرى الاتفاق على اعتماد بروتوكول إيقاف العمل الفوري (Stop Work Protocol) خلال مراحل التأهيل والتنفيذ، بحيث يتم إيقاف الأعمال مباشرة في أي موقع تظهر فيه متعلقات أو مؤشرات غير اعتيادية يُحتمل ارتباطها بموقع دفن جماعي أو بملف المفقودين.

وبموجب هذا الإجراء، يتم تأمين الموقع وعدم تحريك أو نقل أي مواد أو متعلقات منه، وإبلاغ الهيئة الوطنية للمفقودين فوراً لاتخاذ ما يلزم من إجراءات.

انطلاق أعمال تأهيل مطار المزة 23 سبتمبر 2026 (الطيران المدني السوري)

الإشكالية الأخرى التي أثارتها أعمال تأهيل مطار المزة، احتجاج أهالي بلدة معضمية الشام الملاصقة، باعتبار أن التوسعة التي أجريت له قبل 50 عاماً استملكت بشكل جائر من أراضيهم وملكياتهم الخاصة، وطالبوا بالتعويض قبل المباشرة بتحويل المطار إلى مشروع استثماري. وبحسب مصادر حقوقية ما زالت هذه المطالب قيد التحقق.

تجدر الإشارة إلى أن إنشاء مطار المزة يعود إلى عام 1923 إبان الانتداب الفرنسي على سوريا الذي كان بحاجة إلى قاعدة جوية رئيسية لقواته.

بعد استقلال سوريا وتأسيس الطيران المدني السوري عام 1948، أصبح مطار المزة المطار المدني والتجاري الوحيد في دمشق. ومع وصول حافظ الأسد إلى السلطة عام 1970، وافتتاح مطار دمشق الدولي، عاد مطار المزة ليكون عسكرياً بالكامل.

ويهدف مشروع إعادة تأهيل المطار حالياً، إلى تخصيصه للطيران التجاري الخاص ضمن رؤية تنموية تسعى إلى تنويع أنماط الطيران في البلاد وتخفيف الضغط التشغيلي عن مطار دمشق الدولي وخلق نقطة جذب استثمارية.