تصاعد التهديدات والهجمات الإسرائيلية ضد لبنان

رسائل إلى الرئاسة والحكومة

مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
TT

تصاعد التهديدات والهجمات الإسرائيلية ضد لبنان

مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مواطنون أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

يترافق التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل ضد لبنان مع تهديدات إسرائيلية هي الأولى من نوعها منذ اتفاق وقف إطلاق النار، في نوفمبر العام الماضي، وذلك عبر قول رئيس حكومة إسرائيل، بنيامين نتنياهو: «لن نسمح للبنان بأن يتحول إلى جبهة جديدة ضدنا، وسنتصرف حسب الحاجة»، كما تحذير وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن الجيش سيكثف هجماته ضد «حزب الله»، محمّلاً المسؤولية إلى رئيسي الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام.

وأتى تحذير كاتس بعد ساعات على إعلان وزارة الصحة اللبنانية مقتل أربعة أشخاص في ضربة إسرائيلية قالت تل أبيب إنهم عناصر في «قوة الرضوان».

وقال كاتس في بيان إن «(حزب الله) يلعب بالنار، والرئيس اللبناني يماطل». وأضاف: «يتعيّن تطبيق التزام الحكومة اللبنانية نزع سلاح (حزب الله)، وإخراجه من جنوب لبنان. التنفيذ بأقصى شدة سيتواصل، بل سيتكثّف»، وقال إنه سيجري الاستمرار في بذل أقصى جهود الإنفاذ، وتكثيفها لحماية سكان شمال إسرائيل.

وبعده بساعات أيضاً، قال نتنياهو إن (حزب الله) يحاول «إعادة تسليح» نفسه، وأضاف خلال الاجتماع الأسبوعي لمجلس الوزراء: «ننتظر أن تفي الحكومة اللبنانية بالتزاماتها، أي نزع سلاح (حزب الله)، لكن من الواضح أننا سنمارس حقنا في الدفاع عن النفس، بموجب بنود وقف إطلاق النار».

ولم تكن مواقف المبعوث الأميركي إلى لبنان وسوريا، توماس برّاك، بعيدة عن هذه الأجواء، عبر تحذيره من تحرك إسرائيلي لنزع سلاح «حزب الله»، قائلاً: «لم يعد هناك وقت أمام لبنان، وعليه حصر السلاح سريعاً».

ضغط بالنار

وفيما تأتي هذه التهديدات على وقع الحراك السياسي الدبلوماسي باتجاه لبنان للانخراط في مسار التفاوض مع تل أبيب، لا تخفي مصادر وزارية قلقها من هذه الأجواء الإسرائيلية المتصاعدة في الساعات الأخيرة، إن كان سياسياً أو ميدانياً، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «من الواضح أن تل أبيب تضغط بالنار على لبنان، ويبقى احتمال التصعيد العسكري وارداً، لكن لا يعني ذلك عودة الحرب الموسعة، على غرار ما حصل العام الماضي».

وتشير المصادر إلى أن «الحديث المتزايد عن إعادة (حزب الله) بناء قدراته العسكرية قد يؤشر إلى احتمال أو تمهيد لتوسع دائرة الضربات العسكرية، ولا سيما ضد بيئة (حزب الله) والمناطق المحسوبة عليه».

وتضع المصادر تهديدات المسؤولين الإسرائيليين في خانة الضغط على الدولة اللبنانية للذهاب نحو التفاوض المباشر، وهو ما لمح إليه برّاك الجمعة قائلاً: «من غير المعقول ألا يكون هناك حوار بين البلدين».

السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في بلدة كفرمان مساء السبت وأدت إلى مقتل 4 أشخاص وإصابة 3 آخرين (أ.ف.ب)

وبانتظار ما ستنتهي إليه المساعي التي تقوم بها أكثر من جهة لعدم التصعيد في لبنان، تؤكد المصادر استمرار تواصل المسؤولين مع الدول المعنية للضغط على تل أبيب مذكّرة بمواقف الرئيس عون لجهة استعداد لبنان للتفاوض غير المباشر، وهذا ما لم يجد رداً عليه حتى الآن، وبتمسكه كذلك بتطبيق القرار «1701»، كما بدعوة الدول المعنية للضغط على إسرائيل للحد من انتهاكاتها واعتداءاتها اليومية، إضافة إلى انسحابها من المناطق المحتلة التي تعيق انتشار الجيش اللبناني.

قتلى كفرمان

وكانت غارة إسرائيلية استهدفت، مساء السبت، سيارة بـ«صاروخ موجَّه» على طريق دوحة كفر رمان بجنوب لبنان، ما أدى إلى مقتل أربعة أشخاص قالت تل أبيت إنهم عناصر في «قوة الرضوان»، إضافة إلى ثلاثة جرحى.

وأفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بأن القتلى هم: محمد جابر (شقيقه قتل في مجزرة بلدية النبطية في حرب العام الماضي)، وعبد الله غالب كحيل، ومحمد عباس كحيل، وهادي مصطفى حامد (جريح في تفجيرات «البايجر»)، كما أُصيب شخصان آخران كانا على دراجة نارية صودف مرورهما بالمنطقة لحظة الغارة، بحسب «الوطنية»، التي أشارت إلى احتراق السيارة المستهدفة، وتحطم زجاج عشرات المنازل في «الدوحة»، وهي منطقة سكنية بامتياز.

وكتب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، على حسابه على منصة «إكس» قائلاً: «جيش الدفاع هاجم وقضى على أربعة عناصر إرهابية من (قوة الرضوان)، في (حزب الله)، ومن بينهم مسؤول الدعم اللوجستي للقوة في جنوب لبنان»، مشيراً إلى أنه «كان يروج لعمليات نقل وسائل قتالية، وكان يهم بمحاولات لإعادة إعمار بنى تحتية إرهابية لـ(حزب الله) في جنوب لبنان»، مجدداً التأكيد على «مواصلة العمل لإزالة أي تهديد على دولة إسرائيل».

تصعيد متواصل

وتشهد الحدود اللبنانية الجنوبية تصعيداً عسكرياً في الأيام الماضية، حيث لا يكاد يمر يوم من دون سقوط قتلى وجرحى، كما كان قد سجّل، فجر الخميس، توغّل قوة عسكرية إسرائيلية إلى بلدة بليدا، وقتلت موظفاً كان يبيت داخل مبنى البلدية، ما دفع الرئيس اللبناني جوزيف عون للطلب من الجيش «التصدي» لأي توغل إسرائيلي «في الأراضي الجنوبية المحررة»، في إشارة إلى المناطق التي انسحبت منها القوات الإسرائيلية بعد الحرب الأخيرة مع «حزب الله».

ودعا عون إلى مفاوضات مع إسرائيل، في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، بعدما لعب الرئيس الأميركي دونالد ترمب دور وساطة ساهم في التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة.

لكن عون اتّهم إسرائيل لاحقاً بالرد على دعوات التفاوض بمزيد من «الاعتداءات»، علماً بأنه لم يصدر عن تل أبيب، كما عن الدول التي تلعب دوراً في هذا الإطار، رد على اقتراح التفاوض فيما تشير المعلومات إلى اقتراحات تقضي بضم مدنيين إلى لجنة مراقبة اتفاق وقف إطلاق النار (الميكانيزم).

جعجع محذراً

وفي ظل هذا الواقع، حذّر رئيس حزب «القوّات اللبنانيّة»، سمير جعجع، من إضاعة «زمن ثمين»، مؤكداً على أنه «لا خلاص للبلاد من تدهور الأوضاع إلى ما لا تحمد عقباه سوى قرار حازم بحل كل التنظيمات العسكريّة والأمنيّة غير الشرعيّة. وأي أمور أخرى، على غرار البحث في ضم لبنانيين مدنيين إلى لجنة (الميكانيزم)، تمثل مخاطرة بأن تتحوّل إلى إضاعة زمنٍ ثمينٍ على بلد يئنّ تحت وطأة انعدام الاستقرار وتتربّص به في الأفق أخطار جديّة وكبيرة».

ورأى أن «المطلوب في الوقت الراهن القيام بتثبيت وقف دائم للأعمال العدائية، وإخراج القوات الإسرائيلية من أرضنا فعلياً، استكمال عملية ترسيم الحدود البرية والبحرية، إطلاق برنامجٍ عاجل لإعادة الإعمار، وإطلاق نهضة اقتصادية تضمن عيشاً كريماً للمواطنين»، مشدداً: «وهذا كلّه مدخله الوحيد هو حصر السلاح بيد الدولة ولا مدخل آخر له، ومن يرَ حلّاً أو مدخلاً ما قد لا نراه نحن، فليطلعنا عليه؛ ففي أزمنة الخطر المحدق كالتي تمرّ بها البلاد اليوم، الحلول لا تصنعها (الترتيبات الشكلية) بل القرارات الواضحة والحاسمة والشجاعة».


مقالات ذات صلة

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

تحليل إخباري البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

أعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بابقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية

بولا أسطيح (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت مرتفعات جبل الريحان في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

إسرائيل تستأنف قصف جنوب لبنان بعد لقاء نتنياهو - ترمب

استأنف الجيش الإسرائيلي الجمعة غاراته الجوية في جنوب لبنان، بعد انتهاء زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من «اليونيفيل» خلال دورية في بلدة ميس الجبل بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

جنوب لبنان ساحة غير مستقرة بانتظار التسويات الكبرى

لم يكن جنوب لبنان، منذ انتهاء حرب يوليو (تموز) 2006، خارج دائرة الحرب بقدر ما كان خارج توقيتها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان (الوكالة الوطنية)

القضاء اللبناني يوسع التحقيق بشأن «انتحال صفة» مسؤول سعودي

أكدت «دار الفتوى» في لبنان أنها لا تتدخل في المسار القضائي الذي يلاحق «رجل دين» متهماً بالاشتراك مع شخص آخر موقوف.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ضابط إسرائيلي يستعرض خلال جولة إعلامية وسائل قتالية ضبطها الجيش في غزة ولبنان وسوريا (أ.ف.ب)

رئيس حكومة لبنان يتعهّد ببسط سلطة الدولة وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بمواصلة مسيرة الاصلاح وبسط سلطة الدولة، وإنهاء الاعتداءات الاسرائيلية وإزالة الاحتلال

«الشرق الأوسط» (بيروت)

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

جريح بغارات إسرائيلية على جنوب لبنان

تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان بعد أن استهدفت طائرات حربية إسرائيلية مرتفعات ريحان في منطقة جزين جنوب لبنان (أ.ف.ب)

شن الطيران الحربي الإسرائيلي، الجمعة، سلسلة غارات جوية عنيفة على جنوب لبنان.

واستهدف الطيران الإسرائيلي بغارات سهل عقماتة وأطراف الريحان في منطقة جبل الريحان، واتبعها بعد دقائق بسلسلة غارات عنيفة مستهدفاً المنطقة الواقعة بين بلدتي أنصار والزرارية ملقياً عدداً من الصواريخ من نوع «جو - أرض».

وصدر عن مركز عمليات طوارئ الصحة العامة التابع لوزارة الصحة العامة بيان أعلن أن «غارة العدو الإسرائيلي اليوم على بلدة أنصار قضاء النبطية أدت إلى إصابة مواطن بجروح».

كما تعرضت الوادي الواقعة بين بلدتي كفروة وعزة في قضاء النبطية لـ3 غارات جوية إسرائيلية.

من جهته، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قواته نفذت غارات على مواقع لـ«حزب الله» في عدة مناطق بجنوب لبنان.

وأكد أدرعي عبر منصة «إكس» أن الجيش استهدف «بنى تحتية إرهابية» تابعة لـ«حزب الله» منها مجمع تدريبات لوحدة قوة الرضوان ومبانٍ عسكرية قال إنها كانت تُستخدم لتخزين وسائل قتالية.

وقال المتحدث إن «وجود البنى التحتية التي تم استهدافها إلى جانب إجراء التدريبات العسكرية يُشكّل خرقاً للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان».

وجرى التوصل إلى هدنة بين إسرائيل و«حزب الله» في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي بوساطة أميركية بعد قصف متبادل لأكثر من عام، لكن إسرائيل ما زالت تسيطر على مواقع في جنوب لبنان رغم اتفاق الهدنة وتواصل شن هجمات على شرق البلاد وجنوبها.


«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
TT

«حزب الله» يتمسك بعلاقته مع البطريركية المارونية تجنباً للصدام مع الداخل

البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)
البطريرك الراعي يتوسط وفداً من «حزب الله» زاره للتهنئة بالميلاد الأربعاء (إعلام حزب الله)

رغم المواقف الحاسمة للبطريركية المارونية المتمسكة بحصرية السلاح، وباتفاق هدنة مع إسرائيل، فإن قيادة «حزب الله» تبدو متمسكة بإبقاء قنوات التواصل فاعلة مع بكركي (مقر البطريركية) بعدما كانت قد شهدت خلال فترة حرب إسناد غزة وما تلاها، نوعاً من البرودة.

وأعطت الزيارة التي قام بها وفد من «حزب الله» إلى بكركي، وضم النائبين علي فياض ورائد برو، وعضوي المكتب السياسي في الحزب أبو سعيد الخنسا وعبد الله زيعور للتهنئة بالأعياد وعرض الأوضاع الراهنة على الساحتين المحلية والإقليمية مع البطريرك الماروني بشارة الراعي، زخماً للعلاقة بين الطرفين، وأظهرت نية واضحة لدى «حزب الله» بإبقاء التواصل قائماً مع البطريركية المارونية، رغم الخلاف بينهما في مقاربة ملفات استراتيجية.

حوار ضمن ثوابت بكركي

وأكد مصدر كنسي فضّل عدم ذكر اسمه أن «العلاقة والتواصل لم يتوقفا بين الحزب وبكركي حتى خلال الحرب الأخيرة، وإن كانت لم تُسجل زيارات لاعتبارات أمنية مرتبطة بـ(حزب الله)»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «النقاشات الحاصلة بين الطرفين كانت ولا تزال قائمة ضمن ثوابت بكركي التي يشكل اعتمادها طريق خلاص لبنان». وأضاف المصدر: «البطريركية مصرة على أن خلاص لبنان بحياده وبحصرية السلاح، وتطبيق القرارات الدولية وصولاً لإطلاق بحث جدي بموضوع الهدنة».

وأشار المصدر إلى أن «(حزب الله) يُظهر انفتاحاً في مقاربة كل هذه الملفات، ولا يعلن رفضاً قاطعاً لأي طرح... حتى إنه يقول إنه مع حصرية السلاح، ولكن وفق ظروف ومعطيات معينة وأنه مع الهدنة لا الاستسلام»، لافتاً إلى أن ما يسعى الحزب إليه راهناً، «هو إظهار أنه جاهز للحوار والتلاقي مع الداخل، ولا يريد الصدام، وقد يكون ذلك يندرج بإطار سعيه لكسب الوقت معولاً على متغيرات معينة بالمنطقة».

حوار عميق

يصف الكاتب السياسي الدكتور قاسم قصير، المطلع من كثب على موقف «حزب الله»، الزيارة التي قام بها وفد الحزب إلى بكركي بـ«المهمة جداً»، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» عن «حوار عميق بين الحزب والبطريركية المارونية لم ينقطع منذ سنوات عدة؛ ولذلك هذا اللقاء الهام هو استكمال للحوار وليس مجرد تهنئة بروتوكولية بمناسبة الأعياد».

ويشير قصير إلى أن «(حزب الله) يشارك في حوار فكري وسياسي بإشراف بكركي حول مختلف التحديات التي تواجه لبنان، خصوصاً تطبيق اتفاق الطائف وملف الانتخابات البرلمانية والسلاح ودور لبنان في المنطقة»، موضحاً أن «هناك لقاءات حوارية تُعقد في جامعة القديس يوسف باشراف بكركي ومشاركة مؤسسة ألمانية، ويشارك الحزب فيها دورياً، وهناك جلسة ستُعقد، الأسبوع المقبل، وتشارك فيها 40 شخصية لبنانية».

إدارة الخلاف

من جهته، يرى جاد الأخوي، المعارض الشيعي اللبناني، ورئيس «ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين» أن «حزب الله» يحرص على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع بكركي «لاعتبارات تتجاوز المجاملات البروتوكولية، وتدخل في صلب حساباته الوطنية والاستراتيجية»، موضحاً أن «المواقف العالية النبرة الصادرة عن البطريركية، لا سيما فيما يتصل بالسلاح أو بالسيادة أو بالحياد، تُدرَك في بيئة الحزب على أنها تعبير عن هواجس تاريخية لدى المسيحيين أكثر مما هي اصطفاف كامل في محور سياسي معادٍ؛ لذلك يفضّل بعض الحزبيين إدارة الخلاف عبر الحوار، لا تكريسه عبر القطيعة».

ويرى الأخوي: «بالنسبة للحزب، فإن إبقاء العلاقة مع بكركي يندرج في إطار استراتيجية لتظهير نفسه قوةً لبنانيةً لا طائفيةً، قادرة على التواصل مع جميع المكوّنات، لا كتنظيم مذهبي منغلق. هذا الأمر له أهمية خاصة في مراحل الضغط الداخلي والخارجي، حيث يحتاج الحزب إلى تثبيت صورة (الشريك الوطني) لا (الطرف المعزول)». ويضيف: «يفضّل الحزب علاقة متوترة، ولكن مفتوحة مع بكركي، في بلد تُدار أزماته دائماً على حافة الانقسام الوجودي».

نظرة تاريخية

كانت العلاقة بين الراعي والحزب اهتزت، الصيف الماضي، على خلفية مواقف عالية النبرة أطلقها البطريرك الماروني رأى فيها أن «المقاومة ليست خضوعاً لإملاءات إيران»، ووجَّه حينها رسالة إلى الحزب قائلاً: «رسالتي إلى (حزب الله): أعلِن ولاءك النهائي للبنان». وقال إن حرب إسناد غزة التي بدأها «حزب الله» قد «أتت بالخراب على أبناء لبنان»، معلناً أنه «لا مانع من السلام مع إسرائيل مستقبلاً عندما تكون الظروف مناسبة».

وكثيراً ما تولت لجنة مشتركة تضم ممثلين عن بكركي و«الثنائي الشيعي» تنظيم العلاقة بين الطرفين، والخوض في نقاشات شتى لتقريب وجهات النظر بينهما. وقد فعّلت نشاطها بعد تولي البطريرك الراعي سدة البطريركية على أساس أن علاقة بكركي والحزب ساءت جداً في عهد البطريرك الراحل نصر الله صفير نظراً لمواقفه السلبية الصريحة من «الحزب» وسلاحه والنظام السوري.

كذلك لم تستقر علاقة الطرفين منذ تولي الراعي مهامه؛ إذ ساءت في عام 2014 مع قرار الراعي زيارة القدس لملاقاة البابا فرنسيس. ونبّه «حزب الله» في وقتها الراعي من «مخاطر وتداعيات» الزيارة التي كانت في حينها الأولى من نوعها لبطريرك ماروني إلى القدس منذ إنشاء دولة إسرائيل عام 1948.


انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
TT

انقسام حول تسمية الرئيس العراقي قبل المهلة الدستورية

رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)
رئيس «الديمقراطي الكردستاني» مسعود بارزاني مستقبلاً رئيس «الاتحاد الوطني» بافل طالباني (أرشيفية - روداو)

لا يزال ملف اختيار مرشح كردي لمنصب رئاسة الجمهورية العراقية، المخصص عرفاً للكرد، محاطاً بالغموض والتباينات السياسية بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان، الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، وسط ترقب لإعلان الاسم النهائي للمرشح عن الاتحاد الوطني.

وقال مصدر مقرب من الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل طالباني، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لم يقدم مرشحه الرسمي حتى الآن، ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن الاسم النهائي يوم الاثنين المقبل، وهو الموعد النهائي لتسليم قائمة المرشحين إلى رئيس البرلمان».

وأضاف المصدر أن «وسائل الإعلام تتداول قائمة أسماء غير رسمية، ولم يجر الاتفاق على مرشح نهائي».

وأكدت مصادر سياسية أن الرئيس الحالي عبد اللطيف رشيد رشح نفسه من جديد للمنصب، في خطوة فاجأت قيادات كردية، فيما يسعى الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى الدفع بمرشح تسوية، حتى لو كان من الاتحاد الوطني أو مقرباً منه، في إطار سعيه لإعادة صياغة التوازنات التقليدية داخل البيت الكردي.

اجتماعات للحسم

من المتوقع أن تعقد قيادتا الحزبين الرئيسيين في إقليم كردستان اجتماعين منفصلين، غداً السبت، في محافظتي أربيل والسليمانية، لمناقشة موقف كل حزب بشأن المنصب.

ووفق وكالة «شفق نيوز»، فإن الاتحاد الوطني سيعرض خلال اجتماعه أسماء مرشحيه، أبرزهم نزار آمدي وخالد شواني، تمهيداً لاتخاذ القرار النهائي بحضور رئيس الحزب بافل طالباني.

في المقابل، سيجتمع الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة زعيمه مسعود بارزاني، وبحضور نائبيه نيجيرفان ومسرور بارزاني، لبحث ترشيح كل من ريبر أحمد وزير داخلية الإقليم الحالي، وفؤاد حسين وزير الخارجية، للمنصب ذاته.

ويتوقع أن يتبع الاجتماعين عقد لقاء موسع يضم قيادات الحزبين، في محاولة للتوصل إلى توافق سياسي يفضي إلى اختيار مرشح واحد يمثل البيت الكردي، وهو ما تطالب به الكتل السياسية الأخرى لضمان تمرير الاستحقاق دون تعقيدات.

الرئيس العراقي الحالي عبد اللطيف رشيد (موقع رئاسة الجمهورية)

خلافات كردية

وتتسع دائرة الخلافات الكردية - الكردية، من دون سجالات علنية، بسبب آلية اختيار الرئيس المقترحة من زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، في وقت تشهد فيه العملية السياسية برمتها توازنات هشة داخل المكونات الرئيسية الثلاثة، وسط مخاوف من أن تنعكس هذه الخلافات على الاستحقاقات الدستورية المقبلة.

ويخصص العرف السياسي في العراق منصب رئيس الجمهورية للكرد منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، بينما تذهب رئاستا الحكومة والبرلمان إلى القوى الشيعية والسنية، ضمن صيغة المحاصصة التقليدية.

وقد ظل المنصب، منذ عام 2005، من حصة الاتحاد الوطني بموجب تفاهمات غير مكتوبة، مقابل احتفاظ الحزب الديمقراطي بالمناصب السيادية داخل الإقليم.

آلية انتخاب

في نهاية 2025، دعا بارزاني إلى تغيير آلية انتخاب رئيس الجمهورية الكردي، مقترحاً ثلاث آليات: أن يسمي برلمان الإقليم شخصية تمثل الكرد، أو أن تتفق جميع الأطراف الكردستانية على مرشح واحد، أو أن تختار الكتل والنواب الكرد في البرلمان العراقي مرشحاً للمنصب. وأكد بارزاني أن الأهم هو تحقيق إجماع كردي، وأن يكون الرئيس «ممثلاً لشعب كردستان في بغداد»، من دون ربطه بحزب محدد.

غير أن هذا المقترح فتح باباً جديداً للنقاش داخل البيت الكردي، خصوصاً بين الحزبين الرئيسيين؛ إذ يرى الاتحاد الوطني في المنصب ركناً أساسياً من نفوذه السياسي، بينما يطمح الحزب الديمقراطي إلى كسر العرف التقليدي لضمان دور أكبر له في توزيع المناصب السيادية.

ويشير مراقبون إلى أن استمرار الخلافات الكردية، حتى وإن بقيت صامتة، قد ينعكس على مسار التفاوض داخل بغداد، خصوصاً مع ترابط استحقاق رئاسة الجمهورية بتوازنات أوسع تشمل اختيار رئيس الوزراء وترتيبات التحالفات داخل البرلمان.