إلياس عطاالله: ضغط الضابط السوري جامع جامع على الزر فقتل الرئيس معوض

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (الثالثة والأخيرة)

TT

إلياس عطاالله: ضغط الضابط السوري جامع جامع على الزر فقتل الرئيس معوض

آثار الانفجار الذي أودى بحياة رينيه معوض عام 1989 (غيتي)
آثار الانفجار الذي أودى بحياة رينيه معوض عام 1989 (غيتي)

كانت تجربة إلياس عطاالله، عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي اللبناني سابقاً ومنسق عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول)، قاسية ومؤلمة. كانت المواجهة مع إسرائيل في أوجها. وكانت الحروب في بيروت مكلفة. وكانت العلاقات داخل المثلث اللبناني - الفلسطيني - السوري مفخخة.

حفلت حقبة الثمانينات بالمواجهات والاغتيالات والخيبات. يتألم عطاالله حين يتذكر وجوه من سقطوا معه في معارك قادها. وكذلك حين يسترجع وقائع حروب كان يجب تفاديها.

كان بين إيلي حبيقة، مسؤول الأمن في «القوات اللبنانية» ورئيسها لاحقاً، والحزب الشيوعي تبادل للضربات.

سألت عطاالله عن لقاءاته اللاحقة مع حبيقة فأجاب: «التقيته نحو عشرين مرة. شخص بلا قلب وبلا عواطف بالمطلق. حرام أن أعتبره براغماتياً. إنه مكيافيللي يقوم بأي شيء ليصل. شجاع جسدياً وفي المجاهرة برأيه. يحاول أن يقدم نفسه في صورة مخابراتي عميق. ليس لديه تكوين ثقافي لكنه قوي جسدياً وشجاع.

كنت أنوي الذهاب إلى سوريا لصيد الفري. فقال جورج حاوي (الأمين العام للحزب الشيوعي) نذهب أنا وأنت وإيلي حبيقة. لم أحب الفكرة لكنني ذهبت. في سهل القمح لاحظت أن حبيقة يضع البندقية تحت إبطه ويطلق النار وهذا الأسلوب لا يصيب الطيور ولكنه قد يستخدم ضد الأشخاص. قلت له يبدو أنك لم تتصيد إلا أناساً. رد: «نعم قتلت أناساً ولكنهم يستحقون القتل». حصل تلاسن بيننا. دعانا جورج إلى الغداء وكان اشترى خروفاً لهذا الغرض. تظاهرت أنني سألحق بهما لكنني صعدت إلى سيارة وعدت إلى بيروت.

إيلي حبيقة في دمشق بعد لقاء مع نائب الرئيس السوري الأسبق في 1985 (أ.ف.ب)

كان حبيقة جريئاً. فقد أخبرني مثلاً أنه مسؤول عن وضع المتفجرة التي استهدفت مركز الحزب في شارع بعلبك قرب الجامعة العربية. كان مقرراً أن نعقد اجتماعاً للمجلس المركزي. يبدو أن المعلومات وصلت إلى حبيقة فوضع رجاله المتفجرة. لعبت الصدفة دورها. طلب مني رفيقنا جورج بطل أن أقله إلى مكان الاجتماع فتأخرت بضع دقائق. كنت على مسافة 150 متراً تقريباً حين دوى الانفجار وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

ذات يوم خطفت جماعة حبيقة في منطقة الجية ثلاثة من شباننا كانوا ينقلون عبوات للمقاومة. لم يكن أمامي خيار غير أن أخطف شخصاً مهماً لديه ليفرج عنهم. هذا ما حصل. أفرج عن اثنين لأنه كان قتل الثالث. روى الشابان أن مسلحي حبيقة كانوا يجربون البنادق والمسدسات الجديدة بإطلاق النار على مخطوفين لديهم».

سألت عطاالله إن كان الشابان تحدثا عن الدبلوماسيين الإيرانيين الذين تردد أن إخفاء مصيرهم تم بعد مقتل أحدهم إثر تجريب أحد البنادق على درع أرغم على لبسها، فأجاب: «لم أعرف شيئاً عن مصير الدبلوماسيين الإيرانيين لكن حبيقة قال لي في إحدى الجلسات إنه خطفهم».

يعتقد عطاالله أن حافظ الأسد لم يتوقف عند ماضي حبيقة لأنه كان يريد تمرير «الاتفاق الثلاثي»، وهو صيغة «لأكل لبنان وجمع الأقليات». ويرى أن علاقة حبيقة والعماد ميشال عون (رئيس الجمهورية لاحقاً) لم تبدأ في منتصف الثمانينات كما يتردد ويرجح أنه «كانت لهما علاقة سابقة بمكان ما في سوريا وهذه تحتاج إلى باحث لكشف خيوطها».

يقول إن وليد جنبلاط عانى كثيراً من قسوة نظام حافظ الأسد الذي مارس حياله نوعاً من الإذلال وصل إلى حد اضطرار وليد إلى تناول الغداء مع ضباط كان بينهم اللواء إبراهيم حويجي (المعتقل حالياً) وهو من أشرف على اغتيال والده كمال جنبلاط. لا ينكر عطاالله أن الأسد زود جنبلاط إبان «حرب الجبل» بأسلحة ودبابات لكنه «لم يعطه حق القرار».

عملية خطف السوفيات

سألت عطاالله عن قصة خطف أربعة من السوفيات العاملين في سفارة بلادهم في بيروت في 1985، فقال: «اتصلوا بنا من السفارة السوفياتية، وذهبت أنا. قالوا لي إنه، أمس، خطف أربعة من جهاز السفارة، لا أعتقد أنهم في مراتب عليا، واختفوا».

سألت: هل عرفتم المكان الذي كانوا فيه أو أين ذهبوا؟ قالوا: لا، لم نعرف. وإذ بعد قليل، بينما كنت عندهم جاء على الأرجح النائب أكرم شهيب (من الحزب التقدمي الاشتراكي)، لم أعد أذكر جيداً. المهم، استهولنا الموضوع، طلبوا منا أن نفتش عنهم، وأن نسعى لاستردادهم خصوصاً أنهم يعطون أهمية لوليد جنبلاط بأنه أفعل في التفتيش. استنفر وليد كل إمكاناته، ونحن استنفرنا كل إمكاناتنا، سواء العلنية أو السرية، وبقينا نفتش يوماً واثنين وثلاثة و«ما طلع معنا ولا ريحة» (لم نصل إلى نتيجة) ولا إشارة ولا شبهة.

ذهبنا إلى الضاحية الجنوبية، وكنا لا نزال نملك نفوذاً هناك ولم نستطع أن نعرف شيئاً. كان هناك شخص عند وليد جنبلاط مسؤول عن حراسة السفارتين السوفياتية والأميركية، ينسق الحراسة في السفارتين واسمه «أبو سعيد». كان لدى وليد سلاح فردي ودبابات أيضاً. أنا كنت أعطيته دبابتين مجاناً. لم ننجح.

كان من الصعب على الاتحاد السوفياتي القبول بما جرى. فجأة وجدنا أمامنا الجنرال «يوري» وهو جنرال رفيع في جهاز «كي جي بي» السوفياتي. كان «يوري» موفداً لهذه المهمة. شكرنا وأدرك أننا لم نقدر على تنفيذ المهمة. يبدو أنهم كانوا يعملون أيضاً، أو هو كان يعمل، لأنه بعد يوم جاء وقال لنا: أنا ذهبت إلى محمد حسين فضل الله من دون موعد ولا شيء. العلامة محمد حسين فضل الله الذي كان يقال إنه الأب الروحي لتشكيل «حزب الله»، وأنا لا أعتقد أن هذه المسألة صحيحة، دخل إليه وعرف عن حاله وعن صفته.

قال «يوري» ولا أزال أحفظ كلامه، ولغته العربية مكسرة: ليك (انظر) يا شيخ، اليوم تناول المحتجزون ترويقة تضم لبنة وزيتوناً وخياراً وكانوا يرتدون بيجامات مقلمة باللون التالي، يا شيخ مصيرك في الدق (على المحك)، نحن الاتحاد السوفياتي لا تمر هذه المسائل معنا لا من عند صغير ولا من عند كبير (يقصد أميركا). أنا أنتظرهم غداً الساعة 4 بعد الظهر، وبعدها كل واحد يعرف شغله.

ذهب «يوري» وحيداً إلى السيد (فضل الله) والساعة 4 أطلقوهم. جاء ثلاثة بينما هم أربعة. الذين أحضروهم شرحوا (الأمر). طبعاً هم من حراس السيد فضل الله. شرحوا أن الشاب السوفياتي الرابع قدر خطأ بينما كنا ذاهبين لإخلائه، فهاجمنا وكاد يأخذ البندقية وبنية قتلنا فاضطررنا لأن نطلق النار عليه فقُتل. ويبدو أن الرواية صحيحة، إذ تبين أنه مقتول حديثاً وليس مقتولاً من قبل. اختلط الأمر عليه. الثلاثة الآخرون عادوا.

ضابط سوفياتي مع مسلح لبناني أمام مشرحة مستشفى الجامعة الأميركية ببيروت حيث كانت جثة الدبلوماسي القتيل (أ.ف.ب)

اتجهت أصابع الاتهام إلى «حزب الدعوة» وكان قسم منه مختبئاً تحت عباءة حركة «أمل» التي كان لدينا داخلها اختراق عبر مسؤول من الصف الثاني.

* هل اخترقتم الجيش اللبناني أيضاً؟

- نعم، في تاريخ العمل كان هناك تنظيم سري داخل الجيش. بعضهم أحياء الآن.

* هل خطط الحزب الشيوعي لاغتيال بشير الجميل؟

- مطلقاً، مطلقاً، مطلقاً. نحن، منذ كنت مسؤولاً عن هذه الأجهزة، أخذنا قراراً مبدئياً برفض التدخل في الاغتيالات. مرة وحيدة حصلت محاولة اغتيال للعماد ميشال عون في باحة قصر بعبدا. وحين أزاح الجيش السوري عون أطلق المنفذ وتسلمته. محاولة الاغتيال هذه لم تمر عبرنا.

* ومعارك طرابلس في شمال لبنان؟

- كانت العلاقة بالغة السوء بين حافظ الأسد وياسر عرفات. ذات يوم قال له حافظ الأسد: «لاحقني قرار مستقل، مستقل عمن؟»، فقال له: «مستقل عنكم. أنت لا تعترف بفلسطين، وفي المقابل فلسطين لا تعترف بسوريا».

عاد عرفات إلى طرابلس في 1983 وكانت معركة الأسد مع النمر. معركة شخصية، بين عرفات والأسد، لم يستطع أحد أن يفهم ما أهدافها السياسية.

* هل أخطأ الحزب الشيوعي في المشاركة فيها؟

- مائة في المائة. أنا في رأيي، ليس موضوعاً قليلاً وتفاصيل، القرار كله كان خطأً، كان المفروض أن نعلن عجزنا عن التدخل.

* من قاد المعركة ضد عرفات في طرابلس؟

- الذين قادوها، أعتقد نحن. ربما كان هناك تعهد من الرفيق جورج حاوي، مع أن جورج لا يرتكب أخطاء لأنه يعرف أكثر مني من هو عرفات ويعرف أكثر مني من هو (الأسد). قال أنا أقفل الميناء، ربما، لحافظ الأسد.

* كم دفع الحزب الشيوعي؟

- 34 قتيلاً في الجولة الأولى (عام) 1983. و21 قتيلاً في الجولة الثانية في فترة الشيخ سعيد شعبان. دفعنا 55 شهيداً بلا أي مبرر. أنا برأيي، من أفشل (الخيارات).

* ذات يوم دعا جورج حاوي إلى الوحدة الفورية مع سوريا وذهبتم إلى حافظ الأسد، ماذا حصل؟

- هذه (حصلت) في 1984. أنا كنت معه في بعلبك، لا أذكر ما المناسبة. ركز جورج في خطابه على الوحدة الفورية بين لبنان وسوريا، وهذه مسألة لم تكن في مزاج أحد في لبنان، أي كنا نسخر منها أو نشعر بالقهر لأنهم كانوا يتحدثون عن شعب واحد في بلدين، أي أن هناك بلداً يجب أن يزول، و(يبقى) شعب واحد.

إلياس عطاالله رافعاً صورة تجمع جورج حاوي وسمير قصير خلال تشييع الأخير في 2005 (أ.ف.ب)

في اليوم التالي أو الذي يليه، كان لدينا موعد مع حافظ الأسد، وصعدنا وفوداً من 5 - 6 أشخاص من المكتب السياسي وزرناه في القصر. كان موعدنا الساعة 11. طبعاً رحّب وبدأ بالكلام. تحدث نحو ساعتين. أنا التقيته 3 مرات، وهاتان الساعتان هما نفسهما (الكلام نفسه). في الاجتماع قام بشيء غريب إذ كان جورج يعرفه علينا وعندما وصل إليّ قال لي: أنت من أين؟ خطر على بالي أن أقول له: من لبنان، لكن تبدو كإهانة. قلت له: من جبل لبنان. المهم بقي يسألني ويسألني ويسألني حتى قلت له: من الرميلة وساكن على جانب الطريق. فقال لي: الرميلة التي على حد الأولي قبل صيدا. قلت له: نعم، وبيتي هناك. أنا استغربت أن رئيس جمهورية سوريا يريد أن يعرف أين يقع بيتي، ما قيمة ذلك؟

في النهاية، وبينما كنا نهم بالمغادرة وكان جورج يمرر الوفد ليكون هو آخر الخارجين، أنا تأخرت في الوصول إلى الباب، وحافظ الأسد كان واقفاً، وهو لا يطلع خارج الباب ويبقى في الداخل، وقال لجورج وأنا أعتقد أن هذه أهم كلمة قيلت في الاجتماع: «عليك أن تقلع، أبداً، عن تكرار قصة لبنان وسوريا وحدة فورية ومباشرة، لأن هذا الكلام خطر وممنوع، وهناك أشياء تنفذ ولا تقال. تنفذ من دون أي كلام».

* من اغتال الرئيس رفيق الحريري؟

- ثلاثة والقائد واحد، وهو بشار الأسد.

*المحكمة لم تقل شيئاً عن بشار الأسد.

- أنا في رأيي المحكمة لم تقل شيئاً. وأنا برأيي أنه بعد (ديتلف) ميليس، المحقق الأول، هناك أشياء كثيرة أخذت منحى آخر. تسويات وقيود.

هناك مخابرات، ضباط لبنانيون، وهناك، أكيد، ضباط كبار سوريون وأعرف بالاسم، آصف شوكت وضابطين آخرين كانوا مجتمعين في فندق «موفنبيك»، و«حزب الله». هؤلاء الثلاثة. والطريف مثلاً، وربما تكون هناك أسباب ثانية لاغتيالهم، كل ضباط المخابرات السورية الذين كانوا مسؤولي المناطق في لبنان قُتلوا. قُتلوا جميعاً من دون استثناء. أبو عبدو (رستم غزالة) الذي جاء بعد غازي كنعان، فسخوه قطعتين.

* من اغتال جورج حاوي؟

- قبل 2005 كانت معظم الاغتيالات سورية ولكن بدءاً من هذا التاريخ كانت هناك شراكة سورية - إيرانية في الاغتيالات.

* هل حزنت يوم انهيار الاتحاد السوفياتي؟

- لا. لا؛ لأنني أولاً لم أكن قادراً على أن أرى أن الاتحاد السوفياتي في المدى التاريخي سيتغير نوعياً، بالعكس سيصبح أسوأ، ولا يوجد أي مبرر لاستمراره.

* هل اتخذت قراراً بإعدام أحد؟

- أنا شخصياً لا. ولكن عرض موضوع ذات يوم، وكنت موافقاً، لكنني رفضت أن تكون موافقتي كافية فعرضت الموضوع على المكتب السياسي، وحاولوا أن يتهربوا من القرار، فقلت لهم إن لم تأخذوا قراراً فلن يعدم. يريدونه أن يعدم لكنهم لا يريدون أن يأخذوا قراراً. عرضت لهم التقرير وكان (الشخص) متهماً بالتسبب في خلل كبير عندنا في المقاومة.

* كان عميلاً لإسرائيل؟

- نعم.

* قال لي جورج حاوي ليتني لم أطلق أي رصاصة؟

- وأنا أقول لك: لو كنا صبورين، كان يجب أن نكون نحن أكثر قرباً من الجو المسيحي وعندنا صبر لنصل إلى تسوية ما، نتفق عليها بالعلاقة مع الفلسطينيين، لا بالعداء المسيحي ولا بالالتحاق الإسلامي. كان يجب ذلك. أقول ذلك، لأنني ندمت كثيراً وحزنت كثيراً. وثيقة الوفاق الوطني (الطائف) تشبه وثيقة الحركة الوطنية. ما قبلناه بعد الحرب الأهلية كان مطروحاً قبل الحرب الأهلية.

* الحزب الشيوعي كان مؤيداً لـ«الاتفاق الثلاثي»؟

- كان ممسوكاً من رقبته ومكبلاً وقيل له: تنح جانباً وشاهد فقط. ممنوع أن تشارك. كانت المشاركة محصورة بالدروز والموارنة والشيعة. لهذا السبب اسمه «الاتفاق الثلاثي».

* هل كان هذا تغييراً للتركيبة اللبنانية؟

- أنا، في رأيي، هذا تفكيك للبنان. تفكيكه بشكل نهائي، حلف الأقليات. العقل العلوي، انتقل ليركب مشروعاً ثلاثياً بإدارته. لهذا السبب كان حافظ الأسد ضد اتفاق الطائف الذي اضطرته التوازنات إلى القبول به. لكن أعيد إطلاق يده في الشأن اللبناني بعد مشاركة له في حرب استعادة الكويت.

اغتيال رينيه معوض

في الخامس من نوفمبر (تشرين الثاني) 1989 انتخب رينيه معوض رئيساً للجمهورية اللبنانية لكنه كان رئيساً بلا قصر ولا حرس جمهوري، فقد كان قصر بعبدا تحت سيطرة رئيس حكومة العسكريين العماد ميشال عون الذي لم يعترف بشرعية انتخاب معوض.

انتقل معوض إلى بيروت وأقام في مبنى تابع لإحدى مؤسسات الرئيس رفيق الحريري اعتبر آمناً لأنه في المربع الأمني لمقر المخابرات السورية في العاصمة اللبنانية. تولى المقدم طنوس معوض مسؤولية أمن الرئيس. ويروي طنوس معوض أن اللواء غازي كنعان مسؤول المخابرات السورية في لبنان وبموافقة الرئيس حافظ الأسد كلّف الرائد جامع جامع بضمان أمن الرئيس. ويضيف أن جامع «حاول الإقامة معنا في المبنى، لكن الرئيس معوض طلب مني أن أنزله في فندق البوريفاج الملاصق لنا وهو كان عادة في التنقلات يتقدم موكب الرئيس بمئات الأمتار».

* هل زُرع جامع جامع (قُتل في دير الزور إبان الثورة السورية وكانت طرحت علامات استفهام حول دور له في اغتيال الحريري) قرب معوض لتسهيل عملية اغتياله؟

- كل ما قيل في مسألة اغتيال رينه معوض غلط. لم يسكن في (قصر) بعبدا حيث كان عون، وهو لم يكن ليبدأ عهده بالدم. سكن في بناية تابعة لمؤسسات رفيق الحريري.

ذات يوم وصلني ليلاً مسؤول حزبي (من الحزب الشيوعي) من الشمال ومعه جندي (من الجيش اللبناني)، وسألني: هل يمكن أن نجلس في خلوة قليلاً؟ هذا الجندي شيوعي، وكنت سألتني عن اختراق الحزب للجيش، ولكن لا أحد يعرف بذلك. الضابط المسؤول عنه يحبه. طلب منه السوريون أن يرشح لهم جندياً لإدخاله ضمن حرس الرئيس معوض، فأرسله. لاحقاً، أحضروه وأعطوه متفجرة صغيرة بحجم بطارية (أصبع) وطلبوا منه أن يلصقها بملابس (معوض) خلال الزحمة في الكنيسة في بلدته إهدن، وأن يسارع إلى الابتعاد عنه.

جامع جامع (سانا)

عندما علمت ذلك التقيت جورج حاوي وكريم مروة، الأمين العام ونائبه، فقالا لي: يجب أن نذهب فوراً إلى الرئيس معوض وهو كان صديقاً لكريم. اتصلنا به وأخذنا موعداً سريعاً وذهبنا. قالا له لدينا شيء نريد أن نخبرك به. فقالوا لي أخبره. قلت لهم 3 مرات، فيما أومئ إلى الشرفة، لا أريد أن أتكلم، خوفاً من التسجيلات. لكنهم لم يحركوا ساكناً لكي نخرج من الغرفة، فتحدثت. أخبرته ولا أزال أذكر كيف أصبحت يداه ترتجفان على المكتب. أخبرته بالتفاصيل واسم الجندي، وأنه سيكون من ضمن حراسك وسيفعلون كذا، ومن فعل ذلك الضابط السوري محمد مفلح، ومؤكد أنه ليس صاحب الأمر بل القيادة السورية.

رينيه معوض يغادر مقره للمرة الأخيرة قبل لحظات من اغتياله (أ.ف.ب)

قلت له أنا جلست مع الجندي، تحدثت معه واستجوبته. استدعى الضابط طنوس معوض، مسؤول الأمن عنده، ولكنني لم أكن مرتاحاً إلى هذا السلوك لأن الرئيس يجب أن تكون لديه وسائل أخرى، لا أن يخبر مائة شخص في مسألة بهذا المستوى. اضطررت وجلست معه وأخبرته بكل شيء. العملية لم تتم، ولكن اختفى الجندي ولا يزال مختفياً.

حزنت كثيراً حين اغتيل بعد عشرة أيام من موعدنا معه خصوصاً أنني أخبرته بوضوح أنهم يخططون لقتله.

سأنقل هنا عن اثنين من شهود العيان. الأول ماجد مقلد (توفي) وشخص آخر اسمه إبراهيم قيس، ولا يزال حياً. كانا مقيمين في البناية نفسها التي من قربها رمينا القنبلتين اليدويتين (على الإسرائيليين) قرب صيدلية بسترس (في الصنائع). شاهدا جامع جامع يصعد إلى سطح البناية ذاتها ومعه (في يده) جهاز، وذلك قبل أن يأتي الموكب (الرئاسي). أطل مستطلعاً ثم في المرة الثانية ضغط على زر الجهاز فدوّى الانفجار. مكث جامع جامع قليلاً (على السطح) ثم نزل وغادر البناية. وقيل لي إنها (السيارة) فجّرت عن بعد».

* ماذا علمتك هذه التجربة الطويلة؟

- أحاول أن أستعرض هذا الماضي، ليس لأنني أريد أن أعيش في الماضي، بل لأنني أتمنى ألا تتكرر هذه التجربة مع أحد. أنا أعرضها لهدفين؛ الأول أن أظهر نقدي لما كان يحصل، والثاني أن أظهر حقيقة المقاومة الوطنية وفشل المقاومات التي كانت مشاريع سياسية ولم تكن مقاومة وطنية لديها مشروع واحد هو أن تحرر الأرض وتسلمها للدولة.

لهذا السبب، مقاومة «حزب الله» ليست مقاومة، بل هي احتلال للأرض المحررة ومهنة. المقاومة لم تعد مهمة بل أصبحت مهنة.

تعقيب من عائلة إبراهيم قيس

إلى رئاسة وإدارة تحرير صحيفة «الشرق الأوسط» الموقّرة،

نحن، عائلة المرحوم إبراهيم قيس، نتوجّه إليكم بهذه الرسالة عملاً بحقّ الردّ على ما ورد في مقابلة بعنوان:

«إلياس عطاالله: ضغط الضابط السوري جامع جامع على الزر فقتل الرئيس معوّض»

والتي نُشرت في صحيفتكم بتاريخ 20 أيلول/سبتمبر 2025.

نرجو من حضرتكم نشر هذا الردّ كاملاً حفاظاً على مصداقية صحيفتكم وحرصاً على إظهار الحقائق:

إنّ ما ورد على لسان السيّد إلياس عطاالله في المقابلة، منسوباً إلى المرحوم إبراهيم قيس عارٍ عن الصحة بالكامل. الوالد لم يكن شاهداً على ما يدّعيه عطاالله، ولم يقل يوماً إنّه رأى جامع جامع يضغط على زرّ التفجير في اغتيال الرئيس رينيه معوّض.

والحقيقة أنّه في يوم 22 تشرين الثاني 1989، يوم عيد الاستقلال، كنّا – نحن عائلة قيس – مجتمعين مع عائلة الصديق ماجد مقلّد على مائدة الغداء في منزلنا الكائن قرب مبنى «سفريات دعبول»، الكائن مقابل قطعة أرض كانت تفصلنا عن سجن بيروت. مقلّد، كما والدي، كان جالساً معنا. وعند مرور الموكب الرئاسي بجانب المنزل، خرج ماجد إلى الشرفة لمشاهدته، ووقع التفجير في تلك اللحظة تحديداً. دوّى الانفجار العنيف من غرفة ألعاب («فليبرز») كانت ملاصقة لمدرسة رمل الظريف، حيث عبوة ناسفة وفُجّرت عن بُعد.

عشنا هذه اللحظة المروّعة التي تهشّمت فيها النوافذ وتضرّر المنزل بما فيه، وقد جُرح عدد من أفراد العائلة وجيراننا. والدي، الذي هرع لإسعاف والدتي الجريحة، لم يكن يراقب المباني ولا يتابع أشخاصاً بعينهم، بل كان وسط المنزل المدمّر، يبحث عن أولاده ويُسعف المصابين.

إدعاء السيّد عطاالله بأنّ جامع جامع شوهد على سطح مبنى مقابل يضغط على زرّ التفجير يناقض المنطق والوقائع معاً:

أوّلاً: جامع جامع كان ضمن عداد الموكب نفسه، وذلك بحسب ما أكد النائب ميشال معوّض في شهادة موثّقة، وسيارت الضابط السوري كانت تسبق سيارة الرئيس الشهيد بمسافة تقارب 150 متراً.

ثانياً: المباني التي يزعم عطاالله أنّ والدي وماجد مقلّد شاهدا منها عملية التفجير كانت في قلب الانفجار نفسه وتضرّرت بشكل مباشر.

ثالثاً: لم يكن هناك أي مجال لأن يكون أحدنا شاهداً على «ضغط زرّ»، بل كنّا جميعاً ضحايا إجرام هذا التفجير وفي مسرح جريمته.

وإن صحّت فعلاً أقوال عطاالله، فلماذا لم يُدلِ بها خلال سنوات وجوده في موقع القرار داخل الحزب الشيوعي؟ أو في السنوات التي تلتها؟ ولماذا لم يُفصح عنها خلال ولايته كنائب عن مدينة طرابلس؟ وكان الأجدر به أن يملك شجاعة المواجهة المباشرة بدلاً من التلطّي خلف رفاق رحلوا ولم يعد بمقدورهم تفنيد تلفيقاته.

إنّ محاولة السيّد عطاالله الزجّ باسم والدنا المرحوم إبراهيم قيس كشاهد وحيد "على قيد الحياة بحسب روايته" في واحدة من أخطر القضايا السياسية والأمنية في تاريخ لبنان، ليست سوى افتراء يفتقد إلى الحدّ الأدنى من المصداقية. إنّ والدنا، المناضل الشيوعي المعروف، لم يتاجر يوماً بالدماء ولم يقبل أن يكون جزءاً من لعبة التشويه أو التزوير.

حقائق

إلياس عطاالله... أكثر من 5 عقود في دهاليز السياسة اللبنانية

وُلد إلياس عطاالله في 15 مايو (أيار) 1947 في بلدة الرميلة على ساحل الشوف اللبناني. استهل دراسته في البلدة، ثم في مدارس صيدا. تابع دراسته الجامعية في كلية التربية في الجامعة اللبنانية وتخصّص في الفلسفة.

انتسب إلى الحزب الشيوعي عام 1971، ودخل المكتب السياسي بعد ثماني سنوات وتولّى مسؤوليات عسكرية. غداة الغزو الإسرائيلي لبيروت عام 1982 راودته فكرة المقاومة، ثم كُلّف سرّاً بتأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية - جمول» وتولّى تنسيق عملياتها على مدار سنوات.

في الثمانينات انخرط الحزب الشيوعي في حروب كثيرة شهدها لبنان، وكان عطاالله مسؤوله العسكري فيها.

في التسعينات اشتدت النقاشات داخل الحزب وتباينت الرؤى، فبدأ عملية انسحاب تدريجية من دون التسبب في انشقاق. وفي عام 2004 أسس مع آخرين «حركة اليسار الديمقراطي» وكان أمينها العام، وانتُخب في 2005 نائباً عن مدينة طرابلس في شمال لبنان.

انخرط بقوة في احتجاجات 14 آذار (مارس) 2005 التي أعقبت اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وتعرّض كبار المشاركين لموجة اغتيالات أودت باثنين من أقرب رفاقه، هما جورج حاوي وسمير قصير.

متزوج من ابتسام طعمة ولهما ولدان: هشام وسارة.


مقالات ذات صلة

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

خاص كانت بين صدام حسين والملك حسين قنوات اتصال استثنائية (أ.ف.ب) p-circle 07:17

عبيدات لـ«الشرق الأوسط»: خرجت من لقاء صدام بانطباع أنه لا يدرك حجم الخطر

في الحلقة الأخيرة من شهادته لـ«الشرق الأوسط»، يروي رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات كواليس لقاءاته بصدام والأسد، ومحاولة شقيق الأخير اغتيال رئيس وزراء.

غسان شربل (عمّان)
تحليل إخباري صورة بشار وعائلته مع عمّه رفعت الأسد في أبريل 2024 بعد عودته من فرنسا (مواقع تواصل)

تحليل إخباري رفعت الأسد... رحل مخلفاً تركة ثقيلة من الانتهاكات

رحل رفعت الأسد، عمُّ الرئيس المخلوع بشار الأسد، عن عمر ناهز 88 عاماً، وظلت صحائف أعماله مفتوحة في ذاكرة السوريين المثقلة بانتهاكات جسيمة اتُّهم بالمسؤولية عنها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي رفعت الأسد عم الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد (أ.ب) p-circle

وفاة رفعت الأسد «جزار حماة»

 أفاد مصدران، الأربعاء، ‌بوفاة ‌رفعت ‌الأسد، ⁠عمّ ​الرئيس ‌السوري المعزول بشار الأسد.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عنصر من القوات السورية الجديدة بالقرب من صورة للرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر في مقر الفرقة الرابعة بدمشق يناير الماضي (رويترز)

من منفاهما في روسيا... رئيس سابق للمخابرات السورية وابن خال الأسد يخططان لانتفاضتين

كشف تحقيق عن أن اثنين كانا ذات يوم من أقرب رجال بشار الأسد وفرَّا من سوريا بعد سقوطه، ينفقان ملايين الدولارات على عشرات الآلاف من المقاتلين المحتملين

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عبد الرؤوف الكسم رئيس الوزراء السوري الأسبق (ويكيبيديا)

رحيل عبد الرؤوف الكسم رئيس «حكومات التقشف» السورية في الثمانينات

رحل عبد الرؤوف الكسم، أحد أبرز رموز نظام حافظ الأسد، في مدينة ميونخ بألمانيا، الذي لعب دوراً رئيسياً في إدارة الاقتصاد السوري في مرحلة عصيبة في الثمانينات.

سعاد جرَوس (دمشق)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
TT

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)
ضباط الشرطة يقفون على أهبة الاستعداد خلال عملية كبرى وسط مدينة مانهايم بألمانيا بعد وقوع حادث خطير في مارس 2025 (أ.ب)

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

وبعد نحو ستة أشهر من اعتقاله، أقر الشاب (22 عاماً) أمام المحكمة الإقليمية في برلين بالتهم الموجهة إليه من حيث المبدأ، وقال إنه اتجه إلى «الفكر المتطرف» عن طريق الإنترنت، وأصبح في النهاية «مصمماً تماماً» على تنفيذ الهجوم، مضيفاً: «كنت محظوظاً لأنه تم القبض عليّ».

وبحسب لائحة الاتهام، فإن الشاب كان يفكر منذ مارس (آذار) 2025 على أبعد تقدير في تنفيذ هجوم «إرهابي» يستهدف بالدرجة الأولى اليهود المقيمين في برلين، إضافة إلى من وصفهم بـ«الكفار»، وإنه كان يخطط لقتل أكبر عدد ممكن من اليهود وغير المسلمين باستخدام سكين، قبل أن ينفذ هجوماً انتحارياً بواسطة حزام ناسف.

ويواجه المواطن السوري اتهامات بالتحضير لعمل عنيف خطير يهدد أمن الدولة، وتمويل «الإرهاب». كما تشمل لائحة الاتهام نشر مواد دعائية لتنظيمات «إرهابية» في أربع حالات.

وأشارت صحيفة الدعوى إلى أنه قام، في مارس، وأكتوبر (تشرين الأول) 2025 بنشر مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي مرفقة بأناشيد يستخدمها تنظيم «داعش».

عناصر من جهاز مكافحة الإرهاب في ألمانيا (أرشيفية - متداولة)

وفي مستهل المحاكمة قال الشاب إنه وصل إلى ألمانيا في نهاية عام 2023 لـ«العمل وكسب المال»، لكن أحلامه وأهدافه تغيرت لاحقاً. وأضاف أنه اتجه على نحو متزايد لـ«اعتناق الفكر المتطرف» عبر منصات على الإنترنت مثل «تيك توك»، حيث اطلع في محادثات على أفكار تتعلق بـ«الاستشهاد»، وشاهد مواد صادرة عن التنظيم. وقال: «كان الشيطان يقبع في رأسي. وقد استقيت أفكاري من تنظيم (داعش)».

وبحسب التحقيقات، تبادل الشاب عبر محادثات مع أطراف مجهولة معلومات حول كيفية صنع عبوة ناسفة، وناقش تنفيذ هجوم محتمل. ويُعتقد أنه اشترى سكيناً، وعدة مواد عبر الإنترنت يمكن استخدامها في صنع عبوة ناسفة أو حارقة.

موقع الجريمة بمدينة مانهايم غرب ألمانيا حيث تعرض سياسي من اليمين المتطرف لعملية طعن في مارس 2024 (رويترز)

وجاء في لائحة الاتهام أنه «كان على وشك صنع عبوة ناسفة»، وأنه بدأ بالفعل في تجارب أولية. ووفق تصوراته، كان يعتقد أن تنفيذ الهجوم «سيكفّر عن ذنوبه»، وسيتم الاحتفاء به بوصفه «شهيداً» وفق «الفكر المتطرف».

يُذكر أن المتهم، الذي قال إنه كان يقيم لدى أحد أقاربه في حي نويكولن في برلين، ويعمل في وكالة سفر تابعة له، يقبع في الحبس الاحتياطي منذ الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2025.

وخلال عمليات التفتيش، عُثر بحوزته على عدة أدلة ثبوتية. ومن المقرر عقد أربع جلسات إضافية للمحاكمة حتى الخامس من يونيو (حزيران) المقبل.


حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
TT

حراك مرتقب في القاهرة بشأن غزة... وتصعيد ميداني إسرائيلي

عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)
عامل فلسطيني يكسر الخرسانة في أثناء إزالة الأنقاض في خان يونس جنوب قطاع غزة (رويترز)

تشهد العاصمة المصرية، خلال الأيام المقبلة، حراكاً سياسياً جديداً بشأن اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وترجح مصادر وصول الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف إلى القاهرة، الثلاثاء، بالتزامن مع وفد من حركة «حماس» لينضم إلى بقية أعضائها الموجودين بالفعل هناك مع ممثلين عن الفصائل الفلسطينية منذ أسابيع.

وعلمت «الشرق الأوسط» أن ملادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله للقاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال، حيث سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي تمت صياغتها بالتنسيق مع الوسطاء خصوصاً المصري.

فلسطينيون يسيرون بين أنقاض المباني السكنية التي دمرتها إسرائيل في خان يونس جنوب غزة (رويترز)

وسيلتقي ملادينوف خلال زيارته إلى القاهرة مع قيادة حركة «حماس» والوسطاء، في إطار التشاور واستكمال المحادثات للتوصل إلى صياغة تجمع عليها كل الأطراف لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بما يضمن الانتقال للمرحلة الثانية التي تشمل نزع سلاح غزة. بينما سيلتقي وفد الحركة الفلسطينية مع ممثلي الفصائل، وكذلك مع الوسطاء لإجراء مناقشات موسعة.

وتتعرقل المفاوضات راهناً بشأن اتفاق غزة، وفي حين تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار المتعلقة بالأعمال الإغاثية، وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

وقال مصدر قيادي من «حماس» في الخارج لـ«الشرق الأوسط»، إن حركته منفتحة على «التعامل بإيجابية مع جميع ما يُطرح، لكنها مصرة على إلزام إسرائيل بتنفيذ كل ما يقع على عاتقها بشأن المرحلة الأولى، خصوصاً وقف الانتهاكات والخروق المستمرة، إلى جانب إدخال المواد الإغاثية، وبدء إعمار البنية التحتية للمستشفيات والمدارس، وفتح المعابر بشكل أوسع بما في ذلك معبر رفح».

وبحسب المصدر، فإن الحركة «لا تمانع أن تكون هناك مناقشات بشأن سلاحها، ولكن ربط ذلك بقضايا إنسانية محدودة من دون أفق واضح لملف الإعمار، وحكم القطاع، ومستقبل المسار السياسي، سيفضي إلى مصير مجهول». وزاد: «في ظل محاولة فرض إملاءات ترفضها الحركة وكل فصائل غزة، ستبقى الأوضاع تراوح مكانها من دون تحرك واضح يلزم إسرائيل بكل ما تم الاتفاق عليه».

وبيّن المصدر أن حركته «وافقت خلال المباحثات التي جرت مؤخراً على أن يكون هناك تنفيذ لما تبقى من شروط المرحلة الأولى من قبل إسرائيل، وأن تجري بالتزامن مناقشات بشأن المرحلة الثانية»، لافتاً إلى أن «حركته وافقت كذلك على بعض المقترحات من الوسطاء بإمكانية تنفيذ بعض شروط المرحلة الثانية بالتزامن والتناقش حول القضايا العالقة، ومنها قضية السلاح».

وكان المصدر نفسه ومصادر أخرى من «حماس» قد ذكرت في التاسع عشر من الشهر الحالي أن «وفد الحركة اشترط في إطار تنفيذ المرحلة الأولى أن يتم السماح بدخول لجنة إدارة غزة للقطاع لمباشرة مهامها، وتسلُّم الحكم، كما أنها شددت على وجود ضمانات حقيقية وواضحة ضمن جدول زمني متفق عليه بشأن إلزام إسرائيل بتنفيذ ما عليها من التزامات في المرحلتين الأولى والثانية في حال تم التوصل لاتفاق في المفاوضات التي ستجري بشأنها».

تصعيد ميداني

ويأتي هذا الحراك السياسي على وقع تصعيد إسرائيلي مستمر في قطاع غزة أدى لسقوط مزيد من الفلسطينيين، وسط تركيز على استهداف عناصر شرطة حكومة «حماس».

وأفادت مصادر ميدانية وسكان بأنه «تم تقديم الخط الأصفر (الافتراضي الفاصل بين مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي غرباً و/حماس شرقاً) مجدداً في المنطقة الواقعة ما بين حي الزيتون وحتى وادي غزة جنوب مدينة غزة، ليصبح أقرب إلى طريق صلاح الدين الرئيسي».

خريطة لمراحل الانسحاب من غزة وفق خطة ترمب (البيت الأبيض)

وشرح أحد السكان في المنطقة أن «تقديم الخط الأصفر بات يشكل خطراً على حرية التنقل من الشمال إلى وسط وجنوب القطاع و العكس، بينما قُتل 3 مواطنين في قصف وإطلاق نيران في تلك المناطق خلال عملية تقديم الخط».

وقتلت قوات الاحتلال الإسرائيلي طفلاً فلسطينياً، الاثنين، في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بينما أصيب آخر في جباليا، وأصيب شابان جنوب خان يونس.

وبحسب وزارة الصحة بغزة، فإنه خلال آخر 24 ساعة (من ظهيرة الأحد إلى الاثنين)، قُتل 7 فلسطينيين؛ ما يرفع عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 817 قتيلاً، وإصابة أكثر من 2296، بينما بلغ العدد التراكمي للضحايا، منذ السابع من أكتوبر 2023، إلى 72593 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مقتل 31 من عناصر شرطة «حماس»

وقتلت القوات الإسرائيلية، يوم الجمعة، في غضون ساعتين ما لا يقل عن 6 من ضباط وعناصر الشرطة التي تتبع حركة «حماس»، في غارتين منفصلتين بمدينتي غزة وخان يونس، بينما أصابت 3 آخرين، يوم السبت، في غارة أخرى أدت لمقتل مدني فلسطيني كان بالمكان في حي الشيخ رضوان شمال المدينة.

فلسطينيون وسط غزة يفحصون موقع غارة إسرائيلية استهدفت سيارة شرطة مارس الماضي (رويترز)

وبحسب إحصائية لشرطة «حماس»، فإن 31 ضابطاً وعنصراً قُتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار، جميعهم تمت تصفيتهم خلال القيام بمهامهم الأمنية لضبط الحالة الأمنية والانتشار عند الحواجز، أو حل الإشكاليات التي تحصل بين السكان.

ونددت وزارة الداخلية التابعة لحركة «حماس» بهذه الهجمات، ورأت أن الهدف منها إحداث حالة من الفوضى داخل قطاع غزة.


لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
TT

لبنان بين شبح جولة حرب جديدة وواقع الاشتباك المضبوط

سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)
سيارة محملة بالأمتعة في مدينة صيدا حيث يعود النازحون هرباً من تجدد التصعيد بجنوب لبنان (رويترز)

يتسارع التصعيد الإسرائيلي في لبنان، متجاوزاً «الخروق» إلى عمليات أوسع تطول الجنوب وتمتد إلى البقاع. فللمرة الأولى منذ سريان الهدنة يعلن الجيش الإسرائيلي استهداف «بنى تحتية لحزب الله» شرق لبنان، بالتوازي مع تشدد سياسي إسرائيلي، إذ عدّ رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، أن وقف إطلاق النار «هش ولا يمكن التعويل عليه».

ورأى وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، أن الأمين العام لـ«حزب الله»، (الشيخ نعيم قاسم)، «يلعب بالنار»، مهدداً بأنها «ستحرق لبنان». وقال كاتس للمنسّقة الخاصّة للأمم المتحدة في لبنان، جينين هينيس-بلاسخارت، وفقاً لبيان وزّعه مكتبه: «نعيم قاسم يلعب بالنار، وهذه النار ستحرق (حزب الله) وكل لبنان. إذا واصلت الحكومة اللبنانية الاحتماء تحت جناح منظمة (حزب الله) الإرهابية، فستندلع النار وتحرق أرز لبنان».

وفي تطور لافت، شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي غارتين على البقاع للمرة الأولى منذ إعلان «وقف إطلاق النار»، مستهدفاً منطقة الشعرة والتلال المحيطة ببلدة جنتا، في خطوة تعكس اتساعاً جغرافياً جديداً في مسرح العمليات، وتطرح تساؤلات حول حدود التصعيد، وإمكان انتقاله من الجنوب إلى العمق اللبناني.

من هنا يبدو أن التصعيد يتدحرج بما يقرّب الهدنة من الانهيار، فيما يبدو وقف النار شبه معطّل، مع استثناء هشٍّ لبيروت والضاحية رغم التحليق الكثيف للطيران، مما يبقي الاستقرار معلقاً على حافة الانفجار.

تصعيد متدرّج... من دون كسر السقف

في الميدان، يتّسع نطاق العمليات الإسرائيلية شمال الليطاني، مع ارتفاع وتيرة القصف وتنوع الأهداف، من غارات بالطيران المسيّر إلى قصف مدفعي شمل قرى القطاع الغربي وأطراف بلدات عدة. وقد أدى استهداف بلدة القليلة إلى سقوط قتيل، فيما انفجرت مسيّرة عند مفرق السماعية، وتعرّضت مناطق مثل زبقين ويحمر الشقيف ووادي زبقين لغارات متكررة، بالتوازي مع غارة على مدخل بلدة كفرا، أدت إلى قطع الطريق إليها.

آلية عسكرية إسرائيلية تسير بين منازل مدمّرة في جنوب لبنان قرب الحدود (أ.ف.ب)

هذا الاتساع الجغرافي، رغم دلالاته التصعيدية، لا يزال محكوماً بسقف واضح، إذ لم يمتد إلى العمق اللبناني، ولم يشمل مراكز حيوية كبرى خارج نطاق الجنوب، مما يعكس توجهاً لرفع الضغط العسكري من دون الذهاب إلى مواجهة شاملة. بمعنى آخر، يجري توسيع «مساحة النار» لكن من دون كسر قواعد اللعبة الكبرى.

في المقابل، أعلن «حزب الله» استهداف تجمع لآليات وجنود إسرائيليين في تل النحاس بصاروخ موجّه، مؤكداً تحقيق إصابة مباشرة، فيما استمرت عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه شمال إسرائيل، مع ما رافقها من إجراءات احترازية في الجليل الأعلى، حيث فُرضت قيود على التجمعات في عدد من البلدات الحدودية.

وفي موازاة ذلك، أفادت الإذاعة الإسرائيلية بأن بنيامين نتنياهو أجرى مشاورات هاتفية مع وزير الدفاع ورئيس الأركان وقادة عسكريين، على خلفية ما وصفتها بالخروق، في مؤشر إلى رفع مستوى الجهوزية والتقييم الميداني داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة اتخاذ قرار بتوسيع الحرب.

نزوح وقلق... والهدنة تفقد معناها

في الداخل، بدأت انعكاسات هذا التصعيد تظهر بوضوح على الحركة السكانية وعلى المزاج العام. فقد أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن مناطق خارج «الخط الأصفر»، لا سيما في نطاق النبطية، تشهد نزوحاً كثيفاً باتجاه بيروت، في مشهد يعكس تراجع الثقة بأي استقرار قريب.

وأشارت إلى أن عائلات كانت قد عادت مؤقتاً خلال عطلة نهاية الأسبوع، وكانت تنوي العودة إلى الضاحية الجنوبية مساء الأحد وصباح الاثنين، «تريّثت في قرارها وعادت إلى أماكن نزوحها السابقة، بعدما بدت مؤشرات التصعيد غير مطمئنة». ويعكس هذا السلوك تحوّلاً لافتاً، إذ لم تعد الهدنة تُقرأ بوصفها فرصة للعودة، بل بوصفها فترة انتظار مشوبة بالخوف من الانفجار.

دخان يتصاعد إثر غارة جوية إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

على خط التماس: القصف يلامس البيوت

وتعكس الشهادات الميدانية حجم التحوّل وخطورته. إذ قال أحد أبناء بلدة زوطر الجنوبية لـ«الشرق الأوسط» إنّ التصعيد الأخير «كان الأعنف منذ فترة، إذ اقترب القصف هذه المرة بشكل مباشر من المنازل والأحياء السكنية»، مشيراً إلى أنّ «القذائف وصلت إلى الحارات ولم تترك مكاناً إلا ووصلت إليه».

وأوضح أنّ «نهر الليطاني تحوّل عملياً إلى خط تماس ميداني، مع قرب جغرافي شديد بين القرى الشمالية والقرى الأمامية جنوبه»، مما يجعل بلدات مثل زوطر «عُرضة دائمة لأي تصعيد»، خصوصاً مع نزوح شبه كامل للقرى الواقعة جنوب النهر.

وأضاف أنّ «الناس خرجوا تحت القصف من دون أن يتمكنوا من حمل أيٍّ من مقتنياتهم، حتى الحاجيات الأساسية»، لافتاً إلى حالة «ضياع في صفوف العائلات بين العودة والنزوح، في ظل غياب أي وضوح في مسار الأحداث، ووسط ضغط نفسي كبير ناتج عن استمرار القصف ليلاً ونهاراً».

حرب مستمرة... و«ستاتيكو» قابل للانفجار

في قراءة أوسع، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري «ليس بداية حرب جديدة بقدر ما هو امتداد مباشر لحالة حرب قائمة لم تتوقف فعلياً»، عادّاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «ما نعيشه اليوم هو هدنة هشة قابلة للانهيار في أي لحظة، سواء بفعل قرار ميداني موضعي أو نتيجة تطورات إقليمية أوسع، لا سيما في حال تجدّد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران».

ويؤكد أنّ وتيرة الضربات اليومية «تعكس هشاشة هذا الواقع، وتؤكد أن أي احتكاك أو خطأ في الحسابات قد يؤدي إلى انهيار الهدنة وعودة القتال بشكل واسع»، مشيراً إلى أنّ «المنطقة الجنوبية تبقى في حالة ترقّب دائم لاحتمال الانفجار في أي لحظة».

جنود إسرائيليون أمام آلية عسكرية عند الحدود (د.ب.أ)

وفيما يتصل بانعكاس التصعيد على الداخل اللبناني، يوضح قزح أنّ «بيروت ستبقى، في المدى المنظور، خارج دائرة الاستهداف المباشر، ما دام المسار التفاوضي بين لبنان وإسرائيل لا يزال قائماً»، لافتاً إلى أنّ «الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لإسرائيل يندرج ضمن إطار ما يُسمّى (حق الدفاع القريب أو الآنيّ)، أي تنفيذ عمليات ضمن نطاق جغرافي محدد مرتبط بمصدر التهديد، وليس توسيع الحرب نحو العمق اللبناني، إلا في حال حدوث تصعيد كبير».

ويضيف أنّ «هذا الواقع يعيد إلى حدّ كبير نموذج ما قبل عام 2000، حيث تبقى العمليات العسكرية محصورة ضمن نطاق جغرافي معيّن، يُعرف بالمنطقة العازلة أو خط التماس، مع تبادل ضربات محدود لا يتجاوز هذا الإطار إلا في حالات استثنائية».

وفي تقييمه المرحلة المقبلة، يرجّح أنّ «التصعيد لن يكون شاملاً لكل الجنوب، بل سيبقى محصوراً في المناطق المتاخمة للخط الفاصل أو تلك التي تُستخدم كأنها نقاط انطلاق للعمليات». لافتاً إلى أنّ «الإجراءات الإسرائيلية، مثل تعطيل المدارس في شمال إسرائيل، تعكس قلقاً حقيقياً من استمرار إطلاق الصواريخ من لبنان، مما يدل على أنّ الجبهة لا تزال مفتوحة عملياً، حتى في ظل الهدنة»، مؤكداً أنّ «الواقع الحالي يبقى مضبوطاً بإيقاع دقيق بين التصعيد والاحتواء، لكنه قابل للانفجار في أي لحظة».