إلياس عطاالله: لحاف ألماني شرقي ومخابرات سورية وراء اغتيال بشير الجميل

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (1 من 3)

TT

إلياس عطاالله: لحاف ألماني شرقي ومخابرات سورية وراء اغتيال بشير الجميل

بشير الجميل (أ.ف.ب)
بشير الجميل (أ.ف.ب)

ترك صيف 1982 بصماته على المصيرين اللبناني والفلسطيني. فيه احتل الجيش الإسرائيلي للمرة الأولى في تاريخ النزاع عاصمة عربية هي بيروت. وفيه أرغم الاجتياح الإسرائيلي ياسر عرفات ومقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية على الإبحار إلى منفى جديد.

وفي ذلك الصيف انتُخب بشير الجميل رئيساً للجمهورية واغتيل قبل تسلمه سلطاته الدستورية. وفيه أيضاً وُلدت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) التي سدد إليها نظام حافظ الأسد ضربات قاتلة بعدما أسهم مع طهران في وضع اللبنات الأولى لولادة «حزب الله» ومعه «المقاومة الإسلامية».

ذكرني الصيف بما سمعته قبل سنوات طويلة من محسن إبراهيم، الأمين العام لـ«منظمة العمل الشيوعي» في لبنان. قال: «اعتبر حافظ الأسد أننا ارتكبنا ثلاث جرائم تستحق العقوبة القصوى. الأولى أننا اكتشفنا مع كمال جنبلاط أن نظام الأسد يبحث عن عملاء لا عن حلفاء، وكانت النتيجة المعروفة. الثانية أننا اكتشفنا مع ياسر عرفات أن الأسد يريد الاستيلاء على القرار الفلسطيني لتوظيفه في خدمة ديمومة نظامه، وكان العقاب صريحاً. الثالثة حين أطلقنا جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ورفضنا لاحقاً إلحاقها بالأجهزة السورية، وكانت النتيجة حملة اغتيالات شديدة».

محسن إبراهيم (إلى اليمين) مع عرفات ووليد جنبلاط ونبيه بري في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي في 1982 (غيتي)

سألت إبراهيم عن تفاصيل «الجريمة» الثالثة، فقال إن قصتها الكاملة موجودة عند إلياس عطاالله، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني ومسؤوله العسكري السابق ومنسق عمليات «جمول».

وفي هذه الأيام التي تطرح فيها قصة سلاح حركة «حماس» في غزة وسلاح «حزب الله» في لبنان، اختارت «الشرق الأوسط» العودة إلى دروس صيف 1982 وأهواله. قصدت عطاالله وفتح الدفاتر كاشفاً عن جديد في قصة «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» وسلسلة من الأحداث الأمنية والاغتيالات الكبرى، وبينها اغتيال الرئيسين بشير الجميل ورينيه معوض، وصولاً إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. فضلاً عن دور الاستخبارات السوفياتية (كي جي بي)، وعملية تحرير الدبلوماسيين السوفيات بعد لقاء صعب بين أحد جنرالاتها والراحل الشيخ محمد حسين فضل الله.

الساحة تُهيّئ نفسها

في مايو (أيار) 1982 تزايد الحديث في بيروت عن احتمال قيام إسرائيل بعملية عسكرية ترمي إلى إبعاد صواريخ التنظيمات الفلسطينية عن المستوطنات الإسرائيلية. وكان الرأي الغالب أن حكومة مناحيم بيغن قد تتوغل مسافة أربعين كيلومتراً في الأراضي اللبنانية لتقترب من نهر الأولي عند مدخل جنوب لبنان.

كان عطاالله يرى أن هذا التوغل لن يحقق لإسرائيل أهدافها؛ لأن قوى المقاومة الفلسطينية والقوى الحليفة لها ستكون قادرة على الانكفاء إلى بيروت والاحتفاظ بقدراتها؛ لهذا لم يستبعد أن يصل الاجتياح الإسرائيلي إلى بيروت نفسها لقلب المعادلة برمتها.

كانت إسرائيل تبحث عن عذر لم يتأخر صبري البنا (أبو نضال) زعيم «حركة فتح - المجلس الثوري» في توفيره بمحاولته اغتيال سفير إسرائيل في بريطانيا شلومو أرغوف. وفي اليوم التالي، وتحديداً في الرابع من يونيو (حزيران)، أغارت الطائرات الإسرائيلية على المدينة الرياضية في بيروت. وفي السادس من ذلك الشهر وتنفيذاً لأوامر وزير الدفاع الجنرال آرييل شارون بدأ الجيش الإسرائيلي اجتياحه البري للبنان.

إلياس عطاالله خلال المقابلة مع رئيس تحرير «الشرق الأوسط»

يروي عطاالله لـ«الشرق الأوسط» ظروف ولادة «جمول» وأبرز عملياتها وموجة الاغتيالات التي تعرض لها الحزب الشيوعي حين رفض قرار الرئيس حافظ الأسد إرغام «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» على التنسيق المسبق مع الاستخبارات السورية والاندماج مع «حزب الله». ويكشف من موقعه العسكري والأمني عن جديدٍ يتعلق بالاغتيالات المروعة التي استهدفت رؤساء وقياديين، علاوة على مسلسل الحروب بين الفصائل الذي شهدته العاصمة اللبنانية وانتهى بعودة القوات السورية إليها. كما يروي ذكريات عن الأيام الأخيرة التي أمضاها عرفات قبل مغادرته بيروت في ملجأ تحت الأرض إلى جانب عطاالله والأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي الذي ستشمله لاحقاً موجة الاغتيالات «المشتركة» التي حصدت رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري وآخرين.

حصار بيروت: الخريطة والقرارات

غداة بدء الاجتياح البري وفي واحدة من 14 غرفة عمليات أعدتها المقاومة الفلسطينية، وقف أربعة رجال أمام الخريطة. عرفات وصديقه العراقي اللواء حسن النقيب وحاوي وعطاالله. كان عرفات يحمل مسطرة ويكرر السؤال عن أين أصبحت القوات الإسرائيلية المهاجمة. كان يريد التأكد من معلومات تلقاها أن الجيش الإسرائيلي لن يتوغل أكثر من أربعين كيلومتراً. لم تكن معلوماته دقيقة؛ وهو ما تبين له حين اتصل عطاالله بأبناء بلدته الرميلة التي تقع شمال نهر الأولي وأكدوا له أن الجيش الإسرائيلي تجاوز البلدة وأنه يندفع على ما يبدو في اتجاه بيروت.

في هذا الوقت كانت قوات «فتح» انسحبت في اتجاه جزين والبقاع. ويقول عطاالله إن المفاجأة كانت أن رئيس أركان هذه القوات «كان عميلاً لإسرائيل». وهكذا «بدا أن المعركة ستكون في بيروت». لم تستطع قوات المقاومة الفلسطينية والقوات اللبنانية الحليفة لها تشكيل خطوط دفاع جدية أمام اندفاعة الجيش الإسرائيلي وتفوقه على مختلف المستويات. حاصر الجيش الإسرائيلي بيروت وانخرط الحزب الشيوعي في معركة الدفاع عن المدينة والتي كان واضحاً أن حركة «فتح» بزعامة عرفات تضطلع بالدور الأكبر فيها.

يقول عطاالله إن عرفات كان بحق قائد معركة الدفاع عن بيروت، لافتاً إلى أن القائد الفلسطيني «كان يتمتع بشجاعة غير عادية تصل إلى حد عدم الاكتراث لسلامته الشخصية». ويضيف أن «هاجس عرفات كان أن تربح القضية. حساباته ليست شخصية. يدير المسائل في أصعب اللحظات بأقل صعوبة ومن دون أن يرف له جفن. كلفني أن أنسق مع ضابط من عنده مسألة الدفاع عن محاور القتال. رجل آخر كان له دور كبير. إنه خليل الوزير (أبو جهاد) عضو اللجنة المركزية لحركة (فتح)، وهو كان قليل الكلام وكثير الفاعلية، خصوصاً أنه أكثر تخصصاً بالشؤون العسكرية من عرفات».

يعتقد عطاالله أن قتل عرفات كان بين أهداف الحرب التي شنتها إسرائيل؛ نظراً لقيمته الرمزية والعملية، خصوصاً أنه الرجل الذي أعاد إيقاظ القضية الفلسطينية في 1965 وكأنه اخترعها مجدداً. ويضيف أن هذا الرجل المطلوب كان لا يتردد في التجوال في المدينة المحاصرة، متفقداً مواقع المقاتلين ومساهماً على طريقته المعروفة في استنهاض المعنويات وتحدي الآلة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تمطر بيروت المحاصرة بأشرس ما تمتلكه من أسلحة.

ياسر عرفات في بيروت خلال الاجتياح الإسرائيلي (غيتي)

يتذكر عطاالله واحدة من المعارك ضد محاولات الجيش الإسرائيلي التقدم في بيروت. يقول: «معركة سباق الخيل خاضها الحزب الشيوعي وحده وأشرفت عليها بالكامل. تلقينا معلومات أن الجيش الإسرائيلي يستعد في منطقة المتحف ويمهد للمرور من منطقة سباق الخيل إلى الفاكهاني المتداخلة مع منطقة طريق الجديدة لعزل الفاكهاني قبل اجتياح بيروت. تأكدنا من المعلومات. قررت أن أقيس المسافة بين الطيونة والمحكمة العسكرية قرب المتحف لأتبين قدرة قاذفات (بي 7). تبين أن المسافة أكثر من ألف متر وأن القذيفة تنفجر تلقائياً بعد قطعها مسافة 450 متراً. لهذا وضعنا أكثر من ثلاثين شخصاً في حُفر فردية على جانب الطريق من ناحية سباق الخيل ومن ناحية الطيونة. دخل الإسرائيليون وقصفناهم بالقذائف من الناحيتين؛ فخسروا عدداً من الدبابات وقُتل جنرال كان يقود الهجوم. اللافت، أنهم لا يتركون شيئاً في أرض المعركة بعد انسحابهم».

في بيروت المحاصرة، اتخذ عطاالله من الطبقة الخامسة تحت الأرض في بناية مارينيان قرب مستشفى الجامعة الأميركية مقراً له ولجورج حاوي. كان ذات يوم عند مدخل المبنى حين لمح كوفية يعرفها. إنه ياسر عرفات. اقترب فتحي، مرافق الزعيم الفلسطيني، وقال: «الختيار سينام عندكم الليلة». وروى فتحي أن قصفاً استهدف مقراً لعرفات، وبعد القصف حاول أحد الحراس اغتيال عرفات، لكن المرافقين كانوا أسرع منه وقتلوه. وهكذا أمضى عرفات الأيام العشرة الأخيرة قبل مغادرته بيروت مع حاوي وعطاالله وكان يغادر المقر ويعود إليه.

عرفات و«مزايدات» رفاقه

وسط الحصار، كان عرفات يواصل اتصالاته. لم يتأخر في إدراك أن أحداً لن يستطيع إنقاذه. ذهب مع هاني الحسن، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، إلى السفارة السوفياتية وكانت المفاجأة كبيرة. كان السفير ألكساندر سولداتوف شديد الوضوح. موسكو ليست في وارد توجيه إنذار إلى القوات الإسرائيلية أو إلى راعيها الأميركي. ليست أيضاً في وارد إرسال سفينة لنقل الجرحى. قال سولداتوف لعرفات: «اخرجوا من بيروت»، وحين سأله: كيف؟ أجابه: «اخرجوا ولو على ظهر المدمرات الأميركية؛ كي لا تؤخذوا في الشباك (أسرى)». رد عرفات إن قائداً في مسدسه طلقتان لا يسقط أسيراً. لكنه فهم الرسالة.

نضجت ظروف الخروج من بيروت وتبلور اتفاق مع فيليب حبيب، مبعوث الرئيس الأميركي رونالد ريغان. كان على عرفات إبلاغ قادة الفصائل الفلسطينية، وكان عطاالله يعرف مقارهم السرية فأرسل من يبلغهم. ويتذكر عطاالله أن جورج حبش، الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، ونايف حواتمة، الأمين العام لـ«الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» حاولا «المزايدة على عرفات» خلال الحديث عن المغادرة، فرد عليهما غاضباً وترك لهما خيار البقاء، فردا بالموافقة على المغادرة.

لم يطفئ الحصار الإسرائيلي لبيروت نار العداوة بين عرفات وحافظ الأسد. كان عطاالله حاضراً حين تحدث أحد المشاركين في أحد لقاءات ملجأ مارينيان عن إمكان الانسحاب براً إلى سوريا. ويروي عطاالله أن رد عرفات كان «حاسماً وشديداً؛ إذ قال سأعدم من يتقدم باقتراح من هذا النوع. أعتبر (حافظ) الأسد عدواً مثل إسرائيل وأكثر. سأعدمكم إذا أتيتم على ذِكر حافظ الأسد مرة أخرى».

جمعت عرفات بحافظ الأسد كراهية متبادلة شديدة (أ.ف.ب)

ويرى عطاالله أن الكراهية المتبادلة بين الأسد وعرفات كانت السبب في المعركة الدامية التي شهدتها مدينة طرابلس عاصمة الشمال اللبناني، معرباً عن أسفه لأن الحزب الشيوعي انخرط في هذه المعركة التي قادها شخصياً وتسببت بسقوط مئات القتلى والجرحى.

كانت الكراهية بين عرفات والأسد بلا حدود. وهي ما دفع الزعيم الفلسطيني إلى أن يقول لمحسن إبراهيم في تونس إن «خروجي من بيروت حياً ضاعف حقد شارون والأسد عليّ».

ويقول عطاالله إن عرفات أبدى اهتماماً شديداً بالوحدات العسكرية السورية التي حوصرت في بيروت وتولى تسليحها وتوفير المؤن لها، خصوصاً أن بعض عناصرها كانوا حتى بلا أحذية. وقال إن «أفراد كتيبة سورية خاصة قاتلوا قتالاً مشرفاً وسقط منهم كثيرون واستولوا في معركة في خلدة على دبابتين إسرائيليتين، فجاءتهم الأوامر من دمشق بتسليمها لحركة (أمل) بقيادة نبيه بري».

ذات يوم، وبعد تكرار عمليات القصف الإسرائيلي لمحيط السفارة السوفياتية، أخذت الحماسة عطاالله فزارها واستقبله سولداتوف. سأل السفير الزائر عن الهدف من زيارته، فرد أنه جاء للاطمئنان عليه وعلى العاملين وللسؤال عما كانوا يحتاجون إلى الانتقال إلى مكان أكثر أمناً، فرد السفير قائلاً: «رفيق. إذا لم يستطع هذا العلم (السوفياتي) حمايتي فلن يستطيع أحد»، ولفت الزائر إلى أن القصف الإسرائيلي يستهدف الحديقة لا مبنى السفارة نفسه.

موضوع حار آخر شغل اللبنانيين في ذلك الصيف الساخن. أعلن بشير الجميل، قائد «القوات اللبنانية» ونجل بيار الجميل مؤسس حزب «الكتائب»، ترشحه لرئاسة الجمهورية خلفاً للرئيس إلياس سركيس. قبل الغزو الإسرائيلي كان من الصعب تصور انتخاب الجميل بسبب حالة العداء التي كانت قائمة بينه وبين معظم الأطراف اليسارية والإسلامية بفعل انخراطه في الحرب. وكانت دمشق شديدة العداء ضد الجميل الذي خاض معارك ضد قواتها في بيروت وزحلة ضاعفت شعبيته في المعسكر الذي ينتمي إليه. ما كان يبدو شبه مستحيل في الأيام العادية صار ممكناً بفعل الانقلاب في الموازين الذي أحدثه الغزو.

بشير الجميل (أ.ف.ب)

كان من عادة مسؤول «كي جي بي» في السفارة السوفياتية في بيروت ولقبه «الأرنب» أن يزور عطاالله بين وقت وآخر؛ ذلك أن الأخير هو القائد العسكري لقوات الحزب الشيوعي ومسؤول الأمن فيه، فضلاً عن أنه عضو في المكتب السياسي.

نصيحة «أرنب» المخابرات السوفياتية

بعد نحو شهر من بدء الغزو الإسرائيلي، زار «الأرنب» عطاالله وفاجأه بكلام غير متوقع. قال له مباشرة: لماذا لا تؤيدون أنتم كلبنانيين بشير الجميل للرئاسة؟ لم تكن المعركة انتهت ولا قرار خروج عرفات تبلور، لكن المسؤول السوفياتي كان يتكلم كأن بيروت ستصبح بلا نفوذ فلسطينياً أو سورياً. قال له عطاالله: «نحن أرسلنا شخصاً اسمه ألبير منصور (الوزير لاحقاً) والتقاه وطرح عليه سؤالاً. قال له: كيف ستحكم إذا وصلت إلى رئاسة الجمهورية؟ أخرج بشير خريطة مرسومة مسبقاً ونظر إلى مناطق ملونة بلون معين، وقال له: هؤلاء المسيحيون في هذه المناطق وكلهم مسلحون. وهذه المناطق غير الموالية لنا منزوعة السلاح».

سأل عطاالله «الأرنب»: «هل تقول لي أن ننتخب رئيساً من هذا النوع؟»، فأجابه بأن «الأمور تتغير، الآن هو (هكذا) وبعد قليل (تسلم السلطة) يصبح شيئاً آخر».

دار نقاش وبدا واضحاً أن «الأرنب» يؤيد وصول بشير ويشجع على السير في هذا الاتجاه. قال له عطاالله: «أنا متفاجئ ومستغرب وأريد أن تقول لي بدقة: هل هذا رأيك أم أنه رأي رسمي؟» فاكتفى بالرد: «أنا أقول لك انتخب بشير. هو أفضل خيار في الظروف التي أنتم فيها».

ظهر الخلاف واضحاً وخرج الزائر مستاءً بعدما أوحى له عطاالله أن الحديث انتهى. أبلغ عطاالله حاوي أنه لن يستقبل «الأرنب» مجدداً، فرد الأخير أن ذلك لا يكفي وأن على «الأرنب» أن يعتذر. لكن حاوي لم يعد إلى هذا الموضوع لاحقاً.

في النصف الثاني من أغسطس (آب) وفي موازاة المفاوضات المتعلقة بخروج عرفات وقوات منظمة التحرير تصاعدت حرارة الانتخابات الرئاسية اللبنانية. حاول معارضو الجميل إبعاد الكأس المرة عن شفاهم. اقترح بعضهم على سركيس تمديد ولايته لسنتين، فرفض كمن ينتظر موعد الخروج من القصر وخيباته. اقترح اسم الرئيس كميل شمعون لفترة انتقالية، لكن ذلك لن يمر. وبدا واضحاً أن خيار بشير الجميل يتقدم.

دار همس في أوساط الأحزاب المعارضة له أن الحل الوحيد لوقف انتخابه قصف المقر الذي ستجرى فيه الانتخابات لمنع انعقاد الجلسة. سادت حالة من القلق بين قوى الحركة الوطنية والإسلامية. أسهم بشير الجميل ترتفع ولا حل غير تخريب جلسة انتخابه. وثمة من راهن على أن يدعم عرفات هذه المحاولة. وردد بعضهم أنه ألمح سابقاً إلى استعداد من هذا النوع.

لم تكن تلك الحسابات دقيقة. كان عرفات يستعد لمغادرة بيروت بموجب اتفاق يجري التفاوض عليه مع المبعوث الأميركي فيليب حبيب. ثم إن الزعيم الفلسطيني لا تعوزه القدرة على التقاط اتجاهات الرياح. فبشير الذي كان رمزاً للميليشيات والانخراط في الحرب الأهلية نجح في الحصول على دعم دولي وقبول إقليمي، وصار من الصعب على عرفات أن يسهم في تخريب هذا التوجه.

كان عطاالله من دعاة تخريب جلسة الانتخاب. ولن يتأخر في استقبال المفاجأة. سأل عرفات، فكان الرد: «ولا طلقة». كرر السؤال فكرر عرفات جوابه بشكل قاطع. استوقفت عطاالله عبارة لعرفات جاء فيها: «لا تلعبوا في هذا الموضع فتبلوننا». ويضيف: «شدد كثيراً كثيراً كثيراً على عدم إطلاق أي رصاصة على مقر الانتخاب. وكان العميد الفلسطيني المكلف التنسيق معي حاضراً. كان عرفات صارماً جداً في هذا الموضوع. لم ألمس سابقاً منه مثل هذه الصرامة إلا في حادث سابق. كنا في اشتباك مع حركة (أمل) في الضاحية، وحاصرنا مجموعة لها وتردد أن حسن نصر الله كان من أفرادها، ولست متأكداً من ذلك. أرسل لي عرفات الصديق محسن إبراهيم طالباً وقف النار. تحايلت عليه باستخدام موجة كاذبة للتمويه. فجأة وجدت عرفات في المركز عندي. قال لي: بتهزر علي! بتهزر علي! وقف فوري لإطلاق النار. طلبت منه أن يعطيني بعض الوقت، فرد: هل تعرف من معي على الخط؟ إنه حافظ الأسد. هل تريدني أن أدخل معركة مع الجيش السوري؟ أوقف فوراً إطلاق النار».

انتُخب بشير الجميل وراح يسجل نوعاً من الاختراقات لدى الطوائف الأخرى. كان إلياس عطاالله يفكر في «الأيام السوداء المقبلة»، لكن القدر تدخل، والأصح أن أجهزة المخابرات تدخلت.

لحاف ألماني شرقي قاتل

في 14 سبتمبر (أيلول) 1982 هزت مفاجأة البلاد وقتلت رئيساً منتخباً ومشروعاً. دوى انفجار في بيت «الكتائب» في منطقة الأشرفية أثناء وجود بشير الجميل فيه. وبعد وقت قصير عرف عطاالله من مصدر شيوعي في المنطقة أن بشير قد قُتل. سألته، فأجاب: «قبل الانفجار دار همس على لسان عامل شمالي في أجهزة الأمن اللبنانية في منطقة المصنع على الحدود اللبنانية - السورية أن بشير سيُقتل. لم يستوقف الكلام كثيرين. كان الانطباع أن بشير محمي جيداً، وخصوصاً من إسرائيل. الحقيقة أن منفذ عملية الاغتيال وهو حبيب الشرتوني من الحزب القومي السوري الاجتماعي كان يحركه شخص اسمه نبيل العلم، له - حسب معلوماتي - علاقة بالمخابرات في ألمانيا الشرقية».

آثار الانفجار الذي أودى ببشير الجميل في الأشرفية ببيروت (أ.ف.ب)

وأضاف أن «المتفجرة التي قتلت بشير جاءت من ألمانيا الشرقية على شكل لحاف نوم عادي يمكنك أن تتغطى به وتنام. وضعت في اللحاف مادة شديدة الانفجار وذات قدرة تدميرية عالية. يكفي أن تضع الصاعق أو ربما مجرد دبوس ليحصل الانفجار. هذه عملية تتخطى قدرة الشرتوني كـفرد، وأنا أعتقد أن العملية كانت بمشاركة المخابرات السورية التي كانت لها علاقات مع أجهزة المخابرات في ألمانيا الديمقراطية (الشرقية) وغيرها».

سألت عطاالله إن كان الجهاز العسكري الذي تولى مسؤوليته خطط لاغتيال بشير، فرد: «أبداً، فأنا كنت معارضاً لأسلوب الاغتيالات ومحاولة اغتيال العماد ميشال عون في باحة قصر بعبدا لم تمر عبر المجموعة التي كنت مسؤولاً عنها».

اغتيل بشير وحصلت مجازر صبرا وشاتيلا واجتاحت القوات الإسرائيلية بيروت الغربية. هنا بدأ الفصل الأهم والأخطر في تجربة عطاالله الذي كان كُلّف الإشراف على عمليات «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي ستنجح في إرغام القوات الإسرائيلية على مغادرة بيروت، طبعاً بالإضافة إلى عوامل أخرى.

غداً الجمعة حلقة ثانية


مقالات ذات صلة

تقرير: الجيش الإسرائيلي يدخل «مرحلة جديدة» من القتال في جنوب لبنان

شؤون إقليمية صورة التُقطت من قرية زوطر الغربية في جنوب لبنان تُظهر آليات مدرعة إسرائيلية تقوم بمناورات في قرية زوطر الشرقية المجاورة (أ.ف.ب)

تقرير: الجيش الإسرائيلي يدخل «مرحلة جديدة» من القتال في جنوب لبنان

أعلنت «القناة 12» العبرية، اليوم (الجمعة)، أن الجيش الإسرائيلي سيدخل مرحلة جديدة من القتال في جنوب لبنان خلال الأيام المقبلة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عون مستقبلاً كبير مستشاري الحكومة البريطانية لشؤون الدفاع في الشرق الأوسط الأميرال إدوارد ألغرن (الرئاسة اللبنانية)

الرئيس اللبناني: غياب البديل عن «يونيفيل» لا يخدم الأمن في المنطقة

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن عدم التمديد لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان (يونيفيل) من دون تشكيل قوة دولية بديلة سيؤدي إلى فراغ.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (أ.ف.ب)

عون يرفض أي تسوية على حساب لبنان... وسلام يحشد الدعم الدولي

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على ضرورة تحصين الوحدة الوطنية لمواجهة التحديات التي يواجهها لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي احتفال قوات الـ«يونيفيل» باليوم الدولي للسلام في جنوب لبنان (حساب قوات اليونيفيل)

«يونيفيل»: تنفيذ القرار 1701 أساس الاستقرار في جنوب لبنان

أكدت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) أن التنفيذ الكامل للقرار 1701 يبقى الأساس لتحقيق السلام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لقاء سابق بين الرئيسين الأميركي والفرنسي في البيت الأبيض (رويترز)

مخاوف لبنانية من ترحيل نتنياهو المفاوضات إلى ما بعد الانتخابات

تبقى أنظار اللبنانيين مشدودة إلى الاجتماعات التي تُعقد بين رؤساء الوفود العربية والأجنبية على هامش انعقاد الدورة العادية للأمم المتحدة.

محمد شقير (بيروت)

اليمن يعلن التعبئة والنفير العام


عضو {الرئاسي} اليمني عبد الله العليمي يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة (رويترز)
عضو {الرئاسي} اليمني عبد الله العليمي يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة (رويترز)
TT

اليمن يعلن التعبئة والنفير العام


عضو {الرئاسي} اليمني عبد الله العليمي يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة (رويترز)
عضو {الرئاسي} اليمني عبد الله العليمي يلقي كلمة بلاده في الأمم المتحدة (رويترز)

دعا رئيس مجلس القيادة اليمني، رشاد العليمي، الشعب إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، والالتحاق بصفوف القوات المسلحة والأمن، والإسهام في الدفاع عن جمهوريتهم ومؤسساتهم الوطنية ضد ميليشيا الحوثي الإرهابية.

وأعلن العليمي، في خطاب للشعب بمناسبة ذكرى ثورة 26 سبتمبر (أيلول)، فتح باب العودة الآمنة للمغرر بهم إلى صف الجمهورية والشرعية الدستورية، موضحاً أن من يتوقف، ابتداء من الجمعة (أمس) عن القتال في صفوف الحوثيين أو العمل لصالحهم، فسيشمله عفو وفق الدستور والقانون. وطلب الرئيس من الدول التي تريد الأمن والاستقرار في اليمن والبحر الأحمر «الوقوف إلى جانب شعبنا وحكومته وقواته المسلحة، ومساندة التحالف بقيادة السعودية لتخليص بلدنا من الميليشيا».

واعتبر العليمي أن استعادة مؤسسات الدولة «ليست مصلحة يمنية فقط، بل لكل دول المنطقة والعالم»، منوهاً بأن «المشروع الحوثي لتحويل أرضنا وسواحلنا إلى تهديد مستمر لأمن اليمن والمنطقة بأسرها».

وشدَّد الرئيس على أن هدف الدولة واضح للجميع و«هو استعادة مؤسساتها، وبسط سيادتها على كامل ترابها الوطني، وصولاً إلى صنعاء».


لبنان يضع ثوابته على منبر الأمم المتحدة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته على منبر الأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته على منبر الأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)
TT

لبنان يضع ثوابته على منبر الأمم المتحدة

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته على منبر الأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يلقي كلمته على منبر الأمم المتحدة (رئاسة الحكومة)

وضع لبنان ثوابته على منبر الأمم المتحدة، حيث أكد رئيس الحكومة نواف سلام تمسك بلاده بسيادة «تقتضي انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي اللبنانية» المحتلة، كما تشمل «بسط سلطة الدولة اللبنانية، بقواها الذاتية، على كامل أراضيها، وحصر السلاح بيدها وحدها».

وقال سلام في كلمة ألقاها في الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة: «لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه، سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية»، مضيفاً: «صحيح أن لبنان يتأثر بما يجري في محيطه، لكن ذلك لا يعني أننا نقبل بأن يعود ساحة لصراعات الآخرين، أو ورقة تفاوض في أيديهم». وأكد أن «مستقبل لبنان لا يُقرَّر بالنيابة عنه، ولا يجوز أن يكون أمنه واستقراره ثمناً لتسويات تُعقد في غيابه».

وتطرق سلام إلى «اتفاق الإطار» مع إسرائيل برعاية أميركية، وقال: «نجاح أي اتفاق لا يُقاس بالنوايا المعلنة، بل بتنفيذ الالتزامات. ولذلك، فإن المطلوب اليوم هو استكمال ترجمة هذا الإطار إلى خطوات عملية ضمن جدول زمني واضح، وآلية تحقق تضمن تنفيذ جميع بنوده».


سوريا: شركة اتصالات تفصل 40 موظفاً سرّبوا معلومات

منظر عام لدمشق (أرشيفية-رويترز)
منظر عام لدمشق (أرشيفية-رويترز)
TT

سوريا: شركة اتصالات تفصل 40 موظفاً سرّبوا معلومات

منظر عام لدمشق (أرشيفية-رويترز)
منظر عام لدمشق (أرشيفية-رويترز)

نسبت صحيفة «الثورة» السورية إلى مصدر مطّلع أن شركة MTN للاتصالات فصلت نحو 40 موظفاً، بعد ثبوت تورطهم بتسريب معلومات عن مشتركين ومكالمات مسجلة وأرقام مسؤولين في الدولة السورية، إلى جهات خارجية.

وأضاف المصدر أن «الموظفين المفصولين ثبت ارتباطهم بجهات تعمل على زعزعة الأمن في سوريا».