عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (2)

TT

عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً

حافظ الأسد
حافظ الأسد

في 16 سبتمبر (أيلول) 1982 استمع اللبنانيون إلى نداء أطلقه من منزل كمال جنبلاط في بيروت جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، للدعوة إلى مقاومة الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح المدينة بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل ووقوع مجازر صبرا وشاتيلا. وقبل نهاية الشهر فوجئ أهالي المدينة بمكبرات الصوت لجيش الاحتلال تبث الرسالة الآتية: «يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار علينا لأننا غداً منسحبون، نحن ليست لدينا مهمات في داخل بيروت».

فوجئ أهالي المدينة الذين كانوا ابتهجوا بسلسلة عمليات استهدفت الجيش الإسرائيلي في بيروت. وفي اليوم التالي انسحب الجيش الغازي إلى خلدة عند المدخل الجنوبي للمدينة التي اكتسحها شعور بالاعتزاز بأبنائها المقاومين.

لم يعرف سكان المدينة، وكنت بينهم، من أدار الهجمات السبع التي استهدفت الجيش الإسرائيلي خلال 11 يوماً وأرغمته على الانسحاب. كان اسم الشاب إلياس عطاالله وهو عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وقائده العسكري وكانت أوكلت إليه سراً مهمة تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) وتنسيق عملياتها. ويقول عطاالله لـ«الشرق الأوسط» إن ثلاثة فقط كانوا يعرفون مهمته، وهم حاوي، وإبراهيم وخليل الدبس، عضو المكتب السياسي في الحزب.

ولادة «جمول»

بدأت قصة «جمول» باختيار عطاالله 21 شاباً وتسليحهم وتوزيعهم في ثلاثة قطاعات في بيروت. كانت معلومات الجيش الإسرائيلي شحيحة؛ لهذا تمكن عطاالله أحياناً من استطلاع الأماكن المناسبة لتنفيذ الهجمات ورافق مرات عمليات التنفيذ من أماكن قريبة.

عطاالله مع عرفات وجورج حاوي ومحسن إبراهيم وأبو إياد خلال الحصار... وبين مقاتلي «المقاومة الوطنية» (أرشيف إلياس عطاالله)

يروي عطاالله أن العملية الأولى نفذت في ليل 20 سبتمبر حين قام شابان بإلقاء قنابل يدوية على جنود إسرائيليين متحلقين حول النار قرب صيدلية في محيط محلة الصنائع. انسحب المهاجمان بسلام وأسفرت العملية عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين. استهدفت العملية الثانية آليتين عند محطة أيوب في نزلة البطريركية واستخدمت فيها قذائف من عيار «ب 7».

نفذ رجال المقاومة هجوماً ثالثاً استهدف جنوداً إسرائيليين احتلوا مقر منظمة التحرير الفلسطينية في شارع المزرعة. وكان للعملية الرابعة دوي خاص؛ إذ قتل شابان بالمسدسات ضابطاً إسرائيلياً وجنديين كانوا يتناولون القهوة في مقهى «الومبي» في شارع الحمراء الشهير. وتبعتها ثلاث عمليات في تلة الخياط وجسر سليم سلام وفندق «ألكسندر» في الأشرفية. وهنا شهادة عطاالله عن عمليات «جمول».

محاولة اغتيال أنطوان لحد

* في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988 أصيب قائد «جيش لبنان الجنوبي» اللواء أنطوان لحد، المتعاون مع إسرائيل، برصاص رفيقتكم سهى بشارة. ما قصة هذه العملية الجريئة؟

- هذه العملية، بدأت بصلة بهذه الصبية التي كان اختصاصها الرياضة ونشاطات تتعلق باللياقة البدنية. سهى من عائلة شيوعية. كانت تذهب دائماً إلى قريتهم قرب مرجعيون، ولم تحصل لها مضايقة أبداً. وكانت صديقة لزوجة أنطوان لحد التي اقترحت عليها أن تعطي لأولادها دروساً خصوصية ومكثفة في البيت لأن مخاطر الانتقال كبيرة. بقيت لفترة طويلة تعطيهم دروساً، تجلس وتشرب قهوة معهم. من هنا طلعت الفكرة بأن يتم اغتيال لحد. كنا ثلاثة نعرف. شاب موجود في بلجيكا، وجورج حاوي وأنا.

أنطوان لحد (أ.ف.ب)

أنا لم أكن ضد، ولكن كنت مستهولاً منطق العملية، كنت أقيسها على نفسي، أنا في بيت بشكل دائم وأجلس مع أولادهم، وإلخ، ثم أقدِم على قتل الأب الذي كنت أتحدث معه! قلت لسهى، هذه العملية ليست بسيطة، ليس لأنها صعبة عسكرياً، بل لأنك قد ترتبكين عندما تنظرين إلى عينيه وتريدين إطلاق النار عليه. لم أكن أحبطها، لا أبداً، لكن حقيقة لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أضع هذه الملاحظات، وربما ضمناً لم أشعر أن (العملية) فيها إنسانية. وأنا لم أكن أولي أهمية كبيرة لشيء كان اسمه قائد «جيش لبنان الجنوبي»، سواء أكان سعد حداد أو لاحقاً لحد.

قررت، وجاءت وأخذت السلاح، وحكي كثيراً عن السلاح أن جورج (حاوي) ربما أعطاها مسدسه. ذهبت وعندما استحكمت منه أطلقت عليه رصاصات عدة، وفوراً أمسكوا بها، وهو نُقل بطائرة إلى إسرائيل. أصيب إصابات قاتلة لكنه «زمط زمطة» (نجا بأعجوبة)، كيف عاش؟ مكث فترة طويلة في المستشفى في حالة الخطر.

في عام 2000 أفرج عن سهى بشارة بتدخل فرنسي وبطلب من الرئيس رفيق الحريري الذي حرص على أن يستقبلها. يوم أطلق سراحها نقلت بسيارة إسعاف من سجن الخيام، كان الشرط ألا تمر على أحد حتى تصل إلى السرايا (الحكومية في بيروت حيث استقبلها الحريري). أنا حاولت أن أخطفها لأنني لا أريد ذلك. هذه نحن يجب أن نستلمها وليس سوانا.

رفيق الحريري مستقبلاً سهى بشارة (أ.ف.ب)

لم أستطع خطفها. غشوني. كانوا يخضعوننا للمراقبة. كنت وضعت نقاطاً عسكرية عدة لأمسك بسيارة الإسعاف، لكنهم مروا بمنطقة (بعيدة)، جاءوا عن طريق صوفر.

* نفذتم عمليات، وذات يوم استدرجتم، بواسطة شخص متهم بالعمالة، ضابطاً إسرائيلياً في البقاع الغربي؟

- أريد أن أقول قبل ذلك، كانت هناك عمليات عدة مهمة، مثلاً (في) عملية وادي الزينة وقد رأيناهم مرميين نحو 12 قتيلاً.

* هل كان صديقك وليد جنبلاط يعرف أنك منسق العمليات؟

- لم يكن مشاركاً. وليد جنبلاط أنا أطلعته، لاحقاً، وشعرت أنه متضايق، وصارحني. قال لي: أنا ليس لي دخل في الموضوع أن أقول نعم أو لا للعمليات في الجبل، لكن أتمنى ألا تكون قرب المختارة (مقر جنبلاط). قلت له: حكماً. قال لي: إذا احتجتم أي شيء – وهذه حقيقة أشهد لها لأن البعض يحاول أن يشوه وليد جنبلاط. أشهد أنه عرض عليّ أي مساعدة من دون أن يكونوا ملتزمين بموقف المقاومة، وأنا أفهم السبب. ويومها سمّى لي شخصاً، هو أنور الفطايري. كان أمين سر الحزب. قال لي: اختاره أنت.

عطاالله مع وليد جنبلاط وجورج حاوي (أرشيف إلياس عطاالله)

* كيف انتهت «جبهة المقاومة الوطنية»؟

- لم تنته في يوم محدد. كان هناك مسار. أول الأمر لمسناه، بطريقة غير مباشرة بعض الشيء. نحن تمنينا (على السوفيات)، وطلبنا رسمياً، أننا نريد قناصات. أرسل لنا السوفيات، وهم لا يتدخلون كثيراً، 5 قناصات. وصلت القناصات إلى سوريا فصادرها حافظ الأسد. طالبنا بها، فقالوا لنا لم يصل شيء. أكد السوفيات أنها وصلت، لكن لا يريدون أن يحولوها قضيةً مع حافظ الأسد. القناصات سلاح جبار في عملية المقاومة. كانت قادرة على العمل من مسافة ألف متر. نعم اعتبرنا الأمر إشارة إلى موقف سلبي من نظام الأسد.

لاحقاً، بدأنا نشعر من سلوك حركة «أمل» بقيادة نبيه بري، رئيس المجلس النيابي الآن، بموقف لم يكن أبداً ودياً. وكان حسب المناطق وحسب الأشخاص، ولكن المسؤولين أبداً لم يكونوا وديين. وحصلت وشايات وإيصال معلومات ليس أساسها من عند «أمل»، بل أساسها من عند الذي أعتقد أنه ساهم في إخفاء الإمام موسى الصدر وهو النظام السوري.

غازي كنعان وموجة الاغتيالات

* ذات يوم أبلغكم مركز المخابرات السورية القريب ببرقية استدعاء عاجلة من اللواء غازي كنعان، مسؤول المخابرات السورية في لبنان. ما هي هذه القصة؟

- مضمون البرقية أنه ضروري جداً أن نلتقي في المكان الفلاني في الساعة الفلانية وأنا أنتظر. نعم، استدعاء. ذهبت إلى جورج حاوي، فقال لي: وصلتني البرقية. استقللنا السيارة في اليوم المحدد، أعتقد في فبراير (شباط) 1985. وصلنا فوجدناه جالساً خلف طاولة وقبالته كرسيان فارغان. جلسنا، فطلب قهوة، وبينما كنا نشربها فتح الحديث قائلاً: «أنا أحبكم. أنا أحترمكم. أنتم الملتزمون العقائديون المنظمون الشجعان، وكذا وكذا».

غازي كنعان برفقة بشار الأسد في بيروت عام 1999 (أ.ف.ب)

كان قلقي يتزايد كلما تزايد المديح. ما هي القصة؟ حتى تلك اللحظة لم نكن عرفنا ما هي. قال: أنا، تحدث سيادة الرئيس معي. هو لا يقول حافظ الأسد، يقول سيادة الرئيس، أن المقاومة ليست قضية لبنانية، بل قضية عربية استراتيجية، ولا يمكن أن توضع إلا في هذا السياق وأن تُقاد إلا بهذا المنطق. أنا، كنت واثقاً وعندي ثقة والآن عندي ثقة أننا معكم واحد، وسنشكل قيادة إما لتنسيق دقيق أو مشترك. لا تحصل عمليات وفق تقدير جهة واحدة.

أنا كنت متفقاً مع جورج أنه إذا حصل شيء محرج أتولى أنا «تسويد وجهي»؛ لأنني أنا لا أمثل الحزب. قلت له: هذا عمل يستحيل. حتى أنه حصل نقاش بين أطراف سياسيين ولم نستطع أن نعمل تنسيقاً أو عملاً مشتركاً؛ لأننا ليست لدينا وسائل متابعة لعملية، وليست لدينا قدرة أخذ القرار من بعد انطلاق (المنفذ). نريد أن نعطيه حرية القرار حتى يعرف كيف يتصرف. بعد أن يقطع المنفذ نهر الأولي، مدخل الجنوب، انتهى (الأمر) ولا يعود بإمكاننا أن نفعل شيئاً.

رفضت اقتراحه. قال لي: اترك لي سبل التنسيق والعمل المشترك. واقترح دمج العمليات مع عمليات «حزب الله». قال: تندمجون. قلت له: بالأمس قتلوا لنا شخصاً، وأنت تعرف، فكيف أندمج معهم؟ نحن لم نقتل منهم أحداً. مقاوم في قلب الجنوب قُتل على مرأى من رفيقه في ظهره، وبالتأكيد «حزب الله» هو من فعلها. قال: هذه مشاكل تحصل في العمل المسلح، تحصل في ظروف صعبة. كانت رسالته واضحة وهو أنه ممنوع علينا العمل بشكل مستقل.

قلت له في النهاية وبعدما ضاق خلقي وعرفت أنه قرار حاسم: كي لا نطيل الموضوع، نحن صراحة جئنا إلى هنا وكنا نريد أن نختم النقاش بأن نطلب معونات بوسائل ربما موجودة لديكم، وهي أفضل من تلك الموجودة لدينا لكي نستطيع أن نقوم بدور أكبر. أما أن نجلس الآن ونبحث مسائل التنظيم وغيره فهذا مستحيل، ودعني أكون صريحاً معك. لا نستطيع... إذا نسقنا معكم، مع أن هذا يشل العمل، وقلتم أنتم لا، فهل نستطيع أن نناقشكم؟ قال: أبداً لا يمكنكم أن تناقشونا. فقلت له: إذا قلتم لا فتعني لا. وإذا قلتم نعم فنعم، وإذا قلتم عملية واحدة في الأسبوع فيعني عملية واحدة في الأسبوع. فقال لي: ألست أنت عسكرياً؟ يعني لا يوجد نقاش.

قلت له: يا سيادة العميد، وكان لا يزال عميداً، أنا من الآن أقول لك لا نستطيع أن ننسق ولا نعمل بشكل مشترك. لا نشتغل مع «حزب الله». لا نستطيع نهائياً، وهذا ليس مسألة صعوبات فقط. هذا قرار نهائي. لن نكون حجارة شطرنج. وقف العمل أفضل في حالة من هذا النوع.

نظر مثل النسر، وبطريقة فيها مفاجأة هائلة أو خيبة أمل هائلة. توقف عن الكلام ورفع يده وضرب الطاولة؛ فطارت فناجين القهوة ومنفضة السجائر. وقف ورفع سبابته باتجاهنا، وقال: ستدفعون الثمن غالياً. آخر كلمة. «ستدفعون الثمن غالياً». ومشى من دون أن يودعنا.

حافظ الأسد

بقينا أنا وجورج جالسين إلى الطاولة. لم نفاجأ بأنهم يريدون ذلك، فوجئنا بردة الفعل. منذ قال «قال لي سيادة الرئيس» يعني أننا نتحدث، تقريباً، إلى حافظ الأسد. هذه لا يستخدمها هو إلا عندما يريد أن يقول لك لا يمكنك أن ترفض.

نفذ تهديده ودفعنا الثمن غالياً جداً. أول ثمن دفعناه اغتيالات على مستوى القيادة في الحزب، وثاني ثمن اغتيالات على مستوى المقاومة، نحو 28 - 30 مسؤولاً من المقاومة. لم نكن نعرف من ينفذ في حينها. لكن القرار من غازي كنعان. وهنا (في بيروت) خلال 1986 و1987، أول واحد خليل ناعوس، كان عضو لجنة مركزية مسؤول بيروت، محترم جداً جداً في الوسط السياسي البيروتي، اغتيل على مفرق المركز.

الثاني كان الكاتب والمفكر حسين مروة، وكان عمره 87 سنة ومُقعَد، وأنا كنت مررت به قبل يومين ولم يكن قادراً على التكلم، ويبدو ميتاً، جاء شخص وأطلق النار في جبهته. طلقة واحدة.

كانت لحسين مروة سمعة واسعة... ومن بعده حسن حمدان، المعروف بمهدي عامل، وهو فيلسوف لبناني مشهور، ولديه مجموعة مؤلفات ومشهور في فرنسا وكان من الأساتذة الجامعيين الذي يتوافد الطلاب من اختصاصات مختلفة لسماع محاضراته. ومن بعده سهيل طويلة الذي كان عضو لجنة مركزية، ورئيس تحرير «النداء» صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني. هؤلاء في ظرف قصير.

كان توقيع غازي كنعان صريحاً على الاغتيالات. جاء إلى مأتم حسن حمدان، والطريف في الموضوع أنه لم يأت ليعزي. قالها بوضوح. وكأنه يقول أنا من قتله. صافح كريم مروة (نائب الأمين العام للحزب) وقال له أمام العشرات: «هكذا أحسن لكم؟ هل كان ضرورياً أن توصلوا أنفسكم إلى هنا؟».

لم نوقف عمل المقاومة بعد كل الاعتداءات التي حصلت، رغم هذا بقينا حتى عام 1988 نسجل أكبر عدد عمليات، وخسائر الإسرائيليين بلغت نحو 300 قتيل وأكثر. طبعاً نحن ولا يوم، وهذا كنا نشدد عليه كثيراً، ألحقنا أذى بمواطن لبناني، ولا حتى رآنا. ليس لدينا سجل اختلاط.

* كم عملية بتقديرك نفذت جبهة المقاومة؟

- فوق الألف.

* كم قتيل سقط لها؟

- أعتقد نحو 160. لكن أكيد فوق الألف (عملية) لأن المعدل اليومي نحو 3 إلى 4 (عمليات). المقاومة بقيت مستمرة رغم الضغوط، رغم الاغتيالات، ورغم كل شيء، ولكن طبعاً صار وضعنا صعباً، مطاردين، وحاسين بالمطاردة، وخصوصاً أنه حضرته، غازي كنعان، رجع من بعد أن طرد من بيروت خلال الاحتلال الإسرائيلي. افتعل أولاً حرباً بيننا وبين «أمل»، وحصلت حرب قاسية جداً، وسقطت بيروت بيدنا، وعندما سقطت بيروت بيدنا هو لم يرسل شيئاً، إخباراً، بل أناس لهم علاقة بهم برأيي، (قالوا) نزلت الدبابات من صوفر، لواء أو لواءا دبابات، واحد ذهب باتجاه المختارة، والآخر نزل من عاليه إلى بيروت. صوب المختارة، يعني معقل وليد جنبلاط. المعركة معنا من دون أي مبرر، حصلت المعركة معنا من دون مبرر. فجأة، في الوتوات حيث مقر الجريدة ومركز الحزب، هجموا عليه يريدون احتلاله، وصارت المعركة. هو استغل قصة المعركة ونزل إلى بيروت. أول اتصال به كان من كريم مروة فقال له: «يا جاسوس يا إسرائيلي».

نعم، حرام كريم، هو ليس رجل هذا العمل، وقعت السماعة (الهاتف) من يده وبقيت مفتوحة. ذهب والتقى (رئيس الحكومة) سليم الحص وقال له: كيف تصل أن يقول لي غازي كنعان، أنا كريم مروة، يا جاسوس يا إسرائيلي؟

إبعاد إلى موسكو

* كان نظام الأسد يقتل الشيوعيين والاتحاد السوفياتي لا يتدخل؟

- لم نلمس مساعدة لا في الحصار ولا بعده في المقاومة. اللهم ذهبت أنا مشواراً إلى موسكو، بعدما حصلت عندي مشكلة تقنية هنا، وهي أن الموجة التي نفجر عليها كشفها الإسرائيليون ولم نعد قادرين على أن نجد موجة فوق وتحت... صار الأمر في حاجة إلى شخص يعرف أكثر منا. ذهبت إلى موسكو. جلست مع اثنين برتبة مارشال وطرحت المشكلة، وبينما نحن نعمل، وهم لم ينزلوا في فندق لأنه عمل سري، وصل ماتوزوف، مندوب اللجنة المركزية، وهو كان مسؤولاً عن لبنان وفلسطين في اللجنة المركزية، وقال لي: لماذا تنحتون 10 ساعات في اليوم؟ قلت له: نريد أن ننهي العمل ونمشي. قال لي: لا، أنت باقٍ 6 أشهر هنا. طلعت القصة إبعاد. عرفت بها في موسكو. قلت له: كيف 6 أشهر؟ قال لي: جاءتني رسالة من المكتب السياسي لحزبكم بأنك باقٍ 6 أشهر.

تبين أن السبب هو محمد الخولي، مسؤول المخابرات الجوية السورية، وكان الأقرب إلى حافظ الأسد. أبلغ الخولي الذي التقيته نحو عشر مرات، حاوي قائلاً: «لديكم شخص اسمه إلياس عطاالله. إما تجدونه مقتولاً على الرصيف وإما تبعدونه». اختاروا الشق الثاني، وأرسلوا لي رسالة. لكن أنا رفضت ورحلت وعدت إلى لبنان.

ضربة النهاية

* لنختم قصة المقاومة باستهداف مركزكم في الرميلة؟

- كانت أكبر ضربة وهي هدت المعنويات. لا أخفيك كان هناك خلاف في قيادة الحزب على مسألة المقاومة، أي هناك جو في القيادة يريد أن يراعي الموقف السوري ويقول دعنا نخفف. هذا الجو لم يجرؤ على التعبير عن نفسه بشكل صريح، بل أصبحت هناك مضايقات ونشأ خلاف. الحقيقة هي أن الخلاف سابق على المقاومة وسابق على الاجتياح، في الموقف من سوريا.

أنا طلبت من الأساس أن نتصرف على أساس أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال في بيروت، وبعدما دخل السوريون، اقترحت ألا نخرج كل شيء خبأناه على أيام الإسرائيلي بافتراض أن الجو أصبح مختلفاً. طلبت أن نبقى كما نحن، والذي تحت الأرض يبقى تحت الأرض. لم يحصل ذلك.

هذا التضييق، منظمات والاعتداء على بضعة شيوعيين، الضغط على المراكز، خلق المشكلات في كل الأماكن من طرابلس إلى غيرها. إلى أن ضربت إسرائيل مركز الحزب الرئيسي في الرميلة (بلدة عطاالله في ساحل الشوف). أنا كان وصلني جو يقول إن إسرائيل تريد أن تضرب في الرميلة، وإنه مرجح من جانب أحد الضباط الكبار في الجيش اللبناني في المخابرات، أن هناك مناخاً بذلك. وجاءني خبر، لا أعرف لماذا، من السجن في إسرائيل، سجن اللبنانيين (كان هناك سجنان، واحد في الخيام وسجن داخل إسرائيل) أيضاً بالأمر نفسه، فأخذنا قراراً احتياطياً أن هذه المراكز الثلاثة في الرميلة، وهي ثكنة فيها 300 مقاتل (مدرسة الفرير) والدير فيه مقر اللجنة المركزية.

حينها لم يبق شبان في بيروت وأصبحوا في الرميلة. جورج حاوي كان داعياً في اليوم التالي إلى اجتماع مجلس وطني، أي المكتب السياسي والقيادة المركزية، يعني أكثر من 100. ليلاً ذهبت إلى جورج حاوي وقلت له لا يمكنك أن ترتكب هذه المغامرة، هذه مغامرة كبيرة، نحن نقول منذ 10 أيام أن هذه الأماكن يجب أن يغادرها من ليس له عمل ضروري فيها. لا أحد يطل. لهذا السبب قتل رفيقان (فقط) في القصف من أصل 8، وهما كانا واقفين في الخارج. نحن كنا منعنا الدخول إلى المركز. كانا واقفين عند الحائط.

نقل اجتماع المكتب السياسي واللجنة المركزية إلى بيروت «زمطنا» (نجونا)، هؤلاء الـ8 منهم حراس ومنهم على السنترال واثنان كانا يتحدثان في الخارج، أحدهما طبيب والآخر من آل الأمين. هذه الضربة بقنبلة فراغية. كان هناك شخص على برج المراقبة فوق الدير، وعندما جاءت الضربة طار في الهواء، أو نزل مع نزول المبنى ووقع على خيمة نايلون لزراعة الخضراوات، وجاء سليماً لكنه قال إنه غير قادر على وصف ما حصل. لم يصب ولا بأي جرح.

* هل اخترق أي جهاز جبهة المقاومة؟

- بشكل محدود جداً. أحدهم. نحن لم نذكر اسمه.

* جهاز عربي؟

- لا، إسرائيلي. الموساد. عربي لم ألمس.

* وماذا عن «كي جي بي» السوفياتية؟

- لا أعرف إذا كانت اخترقت سابقاً قيادات. ربما أنت سمعت ذلك من قبل، لم يذهب أحد إلى موسكو إلا وحاولوا معه إذا كان يود أن يكون متعاوناً مع «كي جي بي». أنا ولا مرة حاولوا معي.


مقالات ذات صلة

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

المشرق العربي مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

يتزامن الحديث عن استعداد إسرائيل لتسليم بلدتي فرون وزوطر الشرقية إلى الجيش اللبناني ضمن مرحلة تجريبية من تنفيذ اتفاق الإطار، مع استمرار عملياتها العسكرية.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال استقباله بمنتجع مارالاغو بولاية فلوريدا في ديسمبر 2025 (أ.ب)

نتنياهو وترمب اتفقا على اللقاء «قريباً» في الولايات المتحدة

أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه تحدث، الجمعة، مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، واتفقا على الاجتماع «قريباً» في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الوزير روبيو يشارك في جلسة المفاوضات الأولى بين سفيرة لبنان وسفير إسرائيل في واشنطن يوم 14 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

واشنطن تتحدث عن تنفيذ الاتفاق... وتل أبيب تتمسك بالبقاء في جنوب لبنان

تجدّد التباين بين واشنطن وتل أبيب بشأن تنفيذ «اتفاق الإطار» في لبنان، مع تمسك الأولى ببدء تنفيذه عبر انسحابات إسرائيلية تدريجية وانتشار الجيش اللبناني.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عودة التفجيرات إلى جنوب لبنان... إسرائيل تُعيد رسم الشريط الحدودي

عودة التفجيرات إلى جنوب لبنان... إسرائيل تُعيد رسم الشريط الحدودي

استعادت إسرائيل سياسة التفجيرات الواسعة في جنوب لبنان، مع تنفيذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف طالت بلدات حداثا وبيت ياحون وكونين والطيري وكفرتبنيت.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي جانب من بلدة عين إبل المسيحية في جنوب لبنان (صفحة بلدية عين إبل على «فيسبوك»)

قرى مسيحية في جنوب لبنان بين الاحتلال والعزلة... حياة معلّقة بانتظار المجهول

تواجه القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان ظروفاً معيشية وأمنية صعبة، في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي والقيود على الحركة وغموض مستقبل المنطقة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

الطائرة التي تقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهبط في مطار دمشق الدولي، سوريا 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
الطائرة التي تقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهبط في مطار دمشق الدولي، سوريا 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

ماكرون في دمشق... أول زيارة لرئيس غربي منذ فرار الأسد

الطائرة التي تقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهبط في مطار دمشق الدولي، سوريا 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
الطائرة التي تقل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تهبط في مطار دمشق الدولي، سوريا 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الاثنين، إلى دمشق في زيارة غير مسبوقة، هي الأولى لرئيس دولة غربية كبرى إلى سوريا منذ تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة أواخر عام 2024 بعد إطاحة نظام بشار الأسد، كما شاهد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلال زيارته التي تستمر حتى الثلاثاء، سيدعو ماكرون، وفق ما أفاد قصر الإليزيه للصحافيين، إلى «سوريا حرة وتعددية تحترم جميع مكوناتها»، وتضطلع بـ«دور في تهدئة التوترات» في الشرق الأوسط.


سوريا تؤسس لمنظومة تعليم عالية في العلوم الأمنية والدفاعية

وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)
وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)
TT

سوريا تؤسس لمنظومة تعليم عالية في العلوم الأمنية والدفاعية

وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)
وزير الدفاع اللواء مرهف أبو قصرة يفتتح مبنى إدارة التجنيد والتعبئة بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل (الدفاع السورية)

أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع مرسومين، الأحد، بإحداث «الجامعة السورية للعلوم الأمنية» و«الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية»، في خطوة تهدف إلى تنظيم وهيكلة قطاع التعليم الأمني في سوريا، وتحويله إلى منظومة أكاديمية متكاملة، وممنهجة لتشكل نقلة استراتيجية في منظومة التعليم العالي المتخصص في العلوم الأمنية، والدفاعية.

تعد (الجامعة السورية للعلوم الأمنية) هيئة عامة علمية ذات طابع إداري متخصصة في العلوم الأمنية، بحسب نص المرسوم رقم (146)، وتضم ست مؤسسات تعليمية، وبحثية، وتدريبية، وهي: المعهد العالي للعلوم الأمنية، وكلية العلوم الأمنية، وكلية الأمن السيبراني، ومركز الدراسات والبحوث الأمنية، والمعهد التقاني للعلوم الأمنية، والمعهد التقاني للأمن السيبراني.

أما المرسوم رقم (147)، فقد نص على إحداث جامعة علمية متخصصة تعليمية وتدريبية في العلوم العسكرية تسمى (الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية).

وتتمتع الجامعتان بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي، والإداري، ويكون مقرهما الرئيس في مدينة دمشق، ويجوز إحداث كليات ومعاهد ومراكز تابعة لهما في دمشق، والمحافظات.

وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة قال إن المرسوم (147) «جاء ثمرة أشهر من العمل، والبحث، ومراجعة نماذج التعليم العسكري العربية، والإقليمية، وصولاً إلى رؤية وطنية تعيد تنظيم مسار التعليم العسكري، وتمنحه أفقاً أوسع».

وأوضح الوزير في منشور عبر منصة (إكس) أن الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية جمعت تحت إطار واحد «الأكاديمية العسكرية العليا، والكليات الحربية الجوية، والبحرية، والبرية، والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، والمعاهد التقانية العسكرية، بما يحقق تكاملاً أكبر بين التأهيل العسكري، والاختصاص العلمي، والتدريب العملي».

فرع تدريب طرطوس بوزارة الداخلية (فيسبوك)

يعد استحداث الجامعة السورية للعلوم الأمنية خطوة نحو مأسسة العمل الأمني على أسس علمية، وأكاديمية، بحسب الخبير العسكري العقيد عماد شحود، الذي رأى في إحداث هذه الجامعة «أهمية كبيرة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن جامعات العلوم الأمنية معدودة، وأهميتها تتمثل في تخريج كوادر متخصصة بالأمن السيبراني، والأمن الجنائي، والقانون الدولي، وكافة العلوم التي تحتاجها المؤسسات الأمنية، والعسكرية.

واعتبر شحود أن عمل جامعة العلوم الأمنية يتكامل مع عمل الكليات العسكرية والأمنية التي تقوم بالتدريبات الميدانية، مشيراً إلى أنه في السابق كان لدى سوريا الأكاديمية العسكرية في حلب فقط، وتخرج مهندسين عسكريين، إلا أن الجامعة الأمنية المحدثة تدرس اختصاصات عديدة، وسترفد المؤسسات الأمنية بالخبراء.

ووصف الخبير العسكري المرسومين الرئاسيين بالـ«خطوة المتقدمة، والمهمة» في بناء الكوادر الأمنية، وسابقاً كانت الأجهزة الأمنية تعتمد في بناء كوادرها على الكليات العسكرية (الكلية الحربية في حمص، والكلية الجوية، أو البحرية)، ومعظم ضباط الأجهزة الأمنية في سوريا من خريجي تلك الكليات، وكان يتم فرزهم وانتقاؤهم للعمل في شعب وفروع الأجهزة الأمنية استناداً إلى اعتبارات معينة، أبرزها الولاء للسلطة.

وسيتوجه الاستقطاب لخريجي الجامعات الحكومية السورية من كليات الحقوق، والعلوم السياسية، والآداب، والهندسة التقنية. وكان يتم تأهيل وتدريب الأمنيين في مدرسة المخابرات العسكرية في نجها بريف دمشق، أو يتم إيفادهم إلى دول منها بريطانيا، وروسيا، وقبرص، للخضوع إلى دورات تخصصية لرفع كفاءتهم الأمنية، والأساليب المتطورة في الإدارة الأمنية. وحتى الهجانة والجمارك تعتمد على الكليات العسكرية في كوادرها، وكثيراً ما كانت تفتقر تلك الكوادر إلى الخبرات اللازمة، وفق الخبير عماد شحود.

اجتماع في الكلية الحربية بحمص (أرشيف وزارة الدفاع السورية)

ويأتي إحداث جامعتين للعلوم الأمنية والعلوم الدفاعية لينهي الأساليب التقليدية لتلقي العلوم الأمنية، ويحول العمل الأمني إلى تخصص أكاديمي مدني وعلمي مدروس. حيث لم تكن في سوريا «جامعة» تمنح درجات أكاديمية عليا (بكالوريوس، ماجستير، دكتوراه) في العلوم الأمنية. وبعد الإطاحة بالنظام السابق، وانهيار المؤسسات العسكرية، والأمنية، عملت السلطات الجديدة على بناء مؤسسات جديدة، وفتح باب الانتساب لقوى الأمن الداخلي، والجيش، والعمل على تأهيل المتطوعين في دورات تدريب تخصصية.

وفي عام 2025 تم إحداث الأكاديمية الوطنية للشرطة لتطوير مهارات القوانين، وحقوق الإنسان، والتحقيق الجنائي، والذكاء الاصطناعي كجزء من الهيكلة الجديدة.


هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
TT

هل تبدأ إسرائيل تسليم البلدات التجريبية إلى الجيش اللبناني؟

مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)
مسعفون وعناصر إنقاذ يعاينون السيارة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان وأدت إلى مقتل 4 أشخاص (أ.ف.ب)

يتزامن الحديث عن استعداد إسرائيل لتسليم بلدتي فرون في قضاء بنت جبيل وزوطر الشرقية في قضاء النبطية، إلى الجيش اللبناني ضمن المرحلة الأولى من تنفيذ اتفاق الإطار، مع استمرار عملياتها العسكرية التي أدت الاثنين، إلى مقتل 4 أشخاص في النبطية الفوقا.

ويطرح هذا المشهد المتناقض تساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه إلى إعادة توزيع انتشارها، عبر التخلي عن بعض المواقع، مقابل الاحتفاظ بحرية العمل العسكري أو السيطرة العملياتية في مناطق أخرى.

وفي المقابل، تستعد الحكومة اللبنانية لمرحلة ما بعد الحرب، عبر تسهيل عودة الأهالي وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، فيما قدّرت التكلفة المباشرة الأولية للحرب بما بين 3 و4 مليارات دولار، من دون احتساب الخسائر الاقتصادية والأضرار غير المباشرة، ما يعكس حجم التحديات أمام عودة النازحين، واستعادة الحياة الطبيعية في الجنوب.

إعادة انتشار تجريبية... وتصعيد ميداني

وفيما يسود الترقب في لبنان لبدء الانسحاب، أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بالاستعداد لتنفيذ أول انسحاب جزئي عبر تسليم بلدتي فرون وزوطر الشرقية إلى الجيش اللبناني ضمن «مرحلة تجريبية» لتطبيق اتفاق الإطار، عقب اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينيت) برئاسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وذكرت «يديعوت أحرونوت» و«كان 11» أن ضباطاً من الجيشين الإسرائيلي واللبناني بدأوا، بوساطة أميركية، اتصالات لوضع معايير لما تصفه إسرائيل بـ«المنطقة الخالية من حزب الله»، بانتظار إعلان الجيش اللبناني جهوزيته للانتشار في المنطقتين وموافقة القيادة المركزية الأميركية.

مسعفون وعناصر إنقاذ في موقع استهداف سيارة بغارة إسرائيلية في النبطية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

غير أن هذه الأنباء تزامنت مع تصعيد ميداني واسع؛ إذ استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة على طريق دار المعلمين والمعلمات في النبطية الفوقا، ما أدى إلى مقتل 4 أشخاص، كما أفادت وزارة الصحة اللبنانية.

كما ألقت مسيّرتان قنبلتين على البلدة خلال أقل من ربع ساعة. ونفذ الجيش الإسرائيلي عمليات نسف في بنت جبيل وعيترون وحولا وبيت ياحون وكفرتبنيت والطيري وكونين، كما طال القصف المدفعي الإسرائيلي بلدة برعشيت تزامناً مع غارة من مسيرة.

وفي الميدان، توغلت دبابتا «ميركافا» وجرافة عسكرية من طراز «D9» من محيط ملعب بلدة حداثا باتجاه وسط البلدة، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي فرض ما وصفه بـ«السيطرة العملياتية على البلدة، وتدمير أكثر من 90 بنية تحتية، والعثور على أكثر من 150 قطعة سلاح».

سموتريتش

في موازاة ذلك، أشار وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، أن «اتفاق الإطار يتيح لإسرائيل البقاء داخل منطقة أمنية بعمق يتراوح بين 8 و10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية إلى حين نزع سلاح (حزب الله)»، فيما قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال جولة في قلعة الشقيف، إن «الجيش اللبناني مطالب بتنفيذ التزاماته بموجب الاتفاق، وإن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته، وسيكون مستعداً لاستئناف الهجوم إذا جرى انتهاك وقف إطلاق النار».

ويعزز هذا المشهد الانطباع بأن ما يجري لا يقتصر على انسحاب من نقطتين؛ بل قد يشكل بداية إعادة رسم لخريطة الانتشار الإسرائيلي في جنوب لبنان، تقوم على تسليم مواقع محددة للجيش اللبناني مقابل الاحتفاظ بمواقع أخرى وحرية التدخل العسكري، كلما رأت إسرائيل أن ذلك يخدم متطلباتها الأمنية.

آلية عسكرية إسرائيلية تناور داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

في السياق، قال العميد الركن المتقاعد الدكتور بهاء حلال، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحديث عن إعادة انتشار إسرائيلية في فرون وزوطر، بالتوازي مع استمرار العمليات العسكرية في مناطق أخرى مثل حداثا، لا ينبغي أن يُقرأ على أنه انسحاب حقيقي؛ بل بوصفه جزءاً من إعادة توزيع للانتشار يخدم أهدافاً استراتيجية بعيدة المدى، وإن المعيار ليس عدد الكيلومترات التي تتراجعها القوات؛ بل المواقع التي تحتفظ بها وقدرتها على التحكم بالنيران وجمع المعلومات وحرية التدخل».

السيطرة الانتقائية

وأضاف أن «ما يجري قد يعكس انتقالاً من الاحتلال المباشر إلى السيطرة الانتقائية، أو السيطرة على المجال العملياتي»، معتبراً أنّ «أي مرحلة تجريبية لانتشار الجيش اللبناني في فرون وزوطر، تمثل اختباراً عملياً لنموذج أمني جديد؛ إذ تقاس بنجاح الدولة في ملء الفراغ الأمني ومنع عودة التصعيد، لا بحجم إعادة الانتشار الإسرائيلية».

وأوضح أن اختيار فرون يرتبط بموقعها الجيوبوليتيكي المشرف على وادي الحجير، وبكونها أقل تعقيداً من القرى الحدودية، فيما تمثل زوطر عقدة انتقال بين الشريط الحدودي والعمق الجنوبي ومحور النبطية، ما يجعلها اختباراً لقدرة الجيش اللبناني على إدارة المجال الأمني خارج الحدود المباشرة.

شروط نجاح التجربة

ورأى أن نجاح التجربة يرتبط بأربعة عناصر: «قدرة الجيش اللبناني على الانتشار السريع وفرض الاستقرار، والتزام الأطراف بالترتيبات الأمنية، وفاعلية الآلية الأميركية والدولية في معالجة الخروقات الإسرائيلية، واستعداد إسرائيل للانتقال إلى مراحل لاحقة من إعادة الانتشار إذا نجحت التجربة، على أن يكون تقييمها من اختصاص الآلية الدولية، لا إسرائيل وحدها».

واعتبر أن «فرون وزوطر ليستا مجرد بلدتين؛ بل مختبر ميداني لنموذج أمني جديد يقوم على انتقال المسؤولية تدريجياً إلى الدولة اللبنانية تحت إشراف دولي، ونجاحه يبقى مشروطاً بوقف العمليات العسكرية والاغتيالات الإسرائيلية، ومنح الجيش اللبناني هامشاً كافياً لتنفيذ مهامه، واستمرار الضمانات الأميركية والدولية، لأن ما يجري اليوم ليس إجراءً تكتيكياً محدوداً؛ بل اختبار لقدرة الولايات المتحدة على فرض رؤيتها الاستراتيجية، ولقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت سلطتها، ولقدرة المجتمع الدولي على تحويل التهدئة العسكرية إلى استقرار سياسي وأمني مستدام».

دبابة إسرائيلية تتمركز بمحاذاة الحدود اللبنانية - الإسرائيلية (أ.ف.ب)

من جهة أُخرى، رأى العميد المتقاعد الدكتور خليل الحلو، أن أول عقبة تعترض تنفيذ الاتفاق الإطاري تتمثل في رفض «حزب الله» الانسحاب من المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، معتبراً أن ذلك يمنح إسرائيل الذريعة للاستمرار في عملياتها العسكرية داخل لبنان.

رفض «حزب الله»

أوضح الحلو لـ«الشرق الأوسط»، أن المنطقتين اللتين يجري الحديث عنهما بوصفهما بداية لتنفيذ الاتفاق؛ هما زوطر الشرقية شمال الليطاني، وفرون جنوبه، ورأى أن «إعلان الأمين العام لـ(حزب الله) رفض البحث في أي انسحاب شمال الليطاني يعني عملياً، وفق تقديره، أن تنفيذ الاتفاق يواجه مأزقاً منذ بدايته، لأن إسرائيل ستتمسك بموقفها القائل إنها ستواصل عملياتها طالما بقي الحزب موجوداً في تلك المناطق».

وأشار إلى أن «المعلومات المتداولة تفيد بأن رئيس لجنة آلية المراقبة الأميركية يجري اتصالات مع كل من إسرائيل والجيش اللبناني والحكومة اللبنانية، للبحث في آلية دخول الجيش إلى المنطقتين، لكنها لم تفضِ حتى الآن إلى نتيجة»، لافتاً إلى أن «موقف قيادة الجيش بعدم الدخول في أي اشتباك مع (حزب الله) يعني، إذا استمر الحزب برفض الانسحاب، أن تنفيذ الاتفاق سيبقى متعذراً».

ورأى أن استمرار الغارات والاغتيالات والعمليات الإسرائيلية يرتبط مباشرة بهذا الواقع، معتبراً «أن عدم تنفيذ الالتزامات المقابلة المنصوص عليها في الاتفاق يُبقي المبرر الذي تستند إليه إسرائيل لمواصلة عملياتها».

وتوقع الحلو أنّ «التصعيد مرشح للاستمرار ما دام ملف سلاح (حزب الله) لم يجد حلاً، أو ما لم يوافق الحزب على تسهيل تنفيذ الاتفاق»، معتبراً أن المعطيات الحالية تشير إلى وجود «طريق مسدود».