عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً

روى لـ«الشرق الأوسط» قصة «المقاومة الوطنية» ومسلسل الاغتيالات ومحطات سياسية (2)

TT

عطاالله: رفضنا تسليم الأسد ورقة المقاومة وكان العقاب رهيباً

حافظ الأسد
حافظ الأسد

في 16 سبتمبر (أيلول) 1982 استمع اللبنانيون إلى نداء أطلقه من منزل كمال جنبلاط في بيروت جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ومحسن إبراهيم، الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي، للدعوة إلى مقاومة الجيش الإسرائيلي الذي اجتاح المدينة بعد اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل ووقوع مجازر صبرا وشاتيلا. وقبل نهاية الشهر فوجئ أهالي المدينة بمكبرات الصوت لجيش الاحتلال تبث الرسالة الآتية: «يا أهالي بيروت لا تطلقوا النار علينا لأننا غداً منسحبون، نحن ليست لدينا مهمات في داخل بيروت».

فوجئ أهالي المدينة الذين كانوا ابتهجوا بسلسلة عمليات استهدفت الجيش الإسرائيلي في بيروت. وفي اليوم التالي انسحب الجيش الغازي إلى خلدة عند المدخل الجنوبي للمدينة التي اكتسحها شعور بالاعتزاز بأبنائها المقاومين.

لم يعرف سكان المدينة، وكنت بينهم، من أدار الهجمات السبع التي استهدفت الجيش الإسرائيلي خلال 11 يوماً وأرغمته على الانسحاب. كان اسم الشاب إلياس عطاالله وهو عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي وقائده العسكري وكانت أوكلت إليه سراً مهمة تأسيس «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» (جمول) وتنسيق عملياتها. ويقول عطاالله لـ«الشرق الأوسط» إن ثلاثة فقط كانوا يعرفون مهمته، وهم حاوي، وإبراهيم وخليل الدبس، عضو المكتب السياسي في الحزب.

ولادة «جمول»

بدأت قصة «جمول» باختيار عطاالله 21 شاباً وتسليحهم وتوزيعهم في ثلاثة قطاعات في بيروت. كانت معلومات الجيش الإسرائيلي شحيحة؛ لهذا تمكن عطاالله أحياناً من استطلاع الأماكن المناسبة لتنفيذ الهجمات ورافق مرات عمليات التنفيذ من أماكن قريبة.

عطاالله مع عرفات وجورج حاوي ومحسن إبراهيم وأبو إياد خلال الحصار... وبين مقاتلي «المقاومة الوطنية» (أرشيف إلياس عطاالله)

يروي عطاالله أن العملية الأولى نفذت في ليل 20 سبتمبر حين قام شابان بإلقاء قنابل يدوية على جنود إسرائيليين متحلقين حول النار قرب صيدلية في محيط محلة الصنائع. انسحب المهاجمان بسلام وأسفرت العملية عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجنود الإسرائيليين. استهدفت العملية الثانية آليتين عند محطة أيوب في نزلة البطريركية واستخدمت فيها قذائف من عيار «ب 7».

نفذ رجال المقاومة هجوماً ثالثاً استهدف جنوداً إسرائيليين احتلوا مقر منظمة التحرير الفلسطينية في شارع المزرعة. وكان للعملية الرابعة دوي خاص؛ إذ قتل شابان بالمسدسات ضابطاً إسرائيلياً وجنديين كانوا يتناولون القهوة في مقهى «الومبي» في شارع الحمراء الشهير. وتبعتها ثلاث عمليات في تلة الخياط وجسر سليم سلام وفندق «ألكسندر» في الأشرفية. وهنا شهادة عطاالله عن عمليات «جمول».

محاولة اغتيال أنطوان لحد

* في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1988 أصيب قائد «جيش لبنان الجنوبي» اللواء أنطوان لحد، المتعاون مع إسرائيل، برصاص رفيقتكم سهى بشارة. ما قصة هذه العملية الجريئة؟

- هذه العملية، بدأت بصلة بهذه الصبية التي كان اختصاصها الرياضة ونشاطات تتعلق باللياقة البدنية. سهى من عائلة شيوعية. كانت تذهب دائماً إلى قريتهم قرب مرجعيون، ولم تحصل لها مضايقة أبداً. وكانت صديقة لزوجة أنطوان لحد التي اقترحت عليها أن تعطي لأولادها دروساً خصوصية ومكثفة في البيت لأن مخاطر الانتقال كبيرة. بقيت لفترة طويلة تعطيهم دروساً، تجلس وتشرب قهوة معهم. من هنا طلعت الفكرة بأن يتم اغتيال لحد. كنا ثلاثة نعرف. شاب موجود في بلجيكا، وجورج حاوي وأنا.

أنطوان لحد (أ.ف.ب)

أنا لم أكن ضد، ولكن كنت مستهولاً منطق العملية، كنت أقيسها على نفسي، أنا في بيت بشكل دائم وأجلس مع أولادهم، وإلخ، ثم أقدِم على قتل الأب الذي كنت أتحدث معه! قلت لسهى، هذه العملية ليست بسيطة، ليس لأنها صعبة عسكرياً، بل لأنك قد ترتبكين عندما تنظرين إلى عينيه وتريدين إطلاق النار عليه. لم أكن أحبطها، لا أبداً، لكن حقيقة لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أضع هذه الملاحظات، وربما ضمناً لم أشعر أن (العملية) فيها إنسانية. وأنا لم أكن أولي أهمية كبيرة لشيء كان اسمه قائد «جيش لبنان الجنوبي»، سواء أكان سعد حداد أو لاحقاً لحد.

قررت، وجاءت وأخذت السلاح، وحكي كثيراً عن السلاح أن جورج (حاوي) ربما أعطاها مسدسه. ذهبت وعندما استحكمت منه أطلقت عليه رصاصات عدة، وفوراً أمسكوا بها، وهو نُقل بطائرة إلى إسرائيل. أصيب إصابات قاتلة لكنه «زمط زمطة» (نجا بأعجوبة)، كيف عاش؟ مكث فترة طويلة في المستشفى في حالة الخطر.

في عام 2000 أفرج عن سهى بشارة بتدخل فرنسي وبطلب من الرئيس رفيق الحريري الذي حرص على أن يستقبلها. يوم أطلق سراحها نقلت بسيارة إسعاف من سجن الخيام، كان الشرط ألا تمر على أحد حتى تصل إلى السرايا (الحكومية في بيروت حيث استقبلها الحريري). أنا حاولت أن أخطفها لأنني لا أريد ذلك. هذه نحن يجب أن نستلمها وليس سوانا.

رفيق الحريري مستقبلاً سهى بشارة (أ.ف.ب)

لم أستطع خطفها. غشوني. كانوا يخضعوننا للمراقبة. كنت وضعت نقاطاً عسكرية عدة لأمسك بسيارة الإسعاف، لكنهم مروا بمنطقة (بعيدة)، جاءوا عن طريق صوفر.

* نفذتم عمليات، وذات يوم استدرجتم، بواسطة شخص متهم بالعمالة، ضابطاً إسرائيلياً في البقاع الغربي؟

- أريد أن أقول قبل ذلك، كانت هناك عمليات عدة مهمة، مثلاً (في) عملية وادي الزينة وقد رأيناهم مرميين نحو 12 قتيلاً.

* هل كان صديقك وليد جنبلاط يعرف أنك منسق العمليات؟

- لم يكن مشاركاً. وليد جنبلاط أنا أطلعته، لاحقاً، وشعرت أنه متضايق، وصارحني. قال لي: أنا ليس لي دخل في الموضوع أن أقول نعم أو لا للعمليات في الجبل، لكن أتمنى ألا تكون قرب المختارة (مقر جنبلاط). قلت له: حكماً. قال لي: إذا احتجتم أي شيء – وهذه حقيقة أشهد لها لأن البعض يحاول أن يشوه وليد جنبلاط. أشهد أنه عرض عليّ أي مساعدة من دون أن يكونوا ملتزمين بموقف المقاومة، وأنا أفهم السبب. ويومها سمّى لي شخصاً، هو أنور الفطايري. كان أمين سر الحزب. قال لي: اختاره أنت.

عطاالله مع وليد جنبلاط وجورج حاوي (أرشيف إلياس عطاالله)

* كيف انتهت «جبهة المقاومة الوطنية»؟

- لم تنته في يوم محدد. كان هناك مسار. أول الأمر لمسناه، بطريقة غير مباشرة بعض الشيء. نحن تمنينا (على السوفيات)، وطلبنا رسمياً، أننا نريد قناصات. أرسل لنا السوفيات، وهم لا يتدخلون كثيراً، 5 قناصات. وصلت القناصات إلى سوريا فصادرها حافظ الأسد. طالبنا بها، فقالوا لنا لم يصل شيء. أكد السوفيات أنها وصلت، لكن لا يريدون أن يحولوها قضيةً مع حافظ الأسد. القناصات سلاح جبار في عملية المقاومة. كانت قادرة على العمل من مسافة ألف متر. نعم اعتبرنا الأمر إشارة إلى موقف سلبي من نظام الأسد.

لاحقاً، بدأنا نشعر من سلوك حركة «أمل» بقيادة نبيه بري، رئيس المجلس النيابي الآن، بموقف لم يكن أبداً ودياً. وكان حسب المناطق وحسب الأشخاص، ولكن المسؤولين أبداً لم يكونوا وديين. وحصلت وشايات وإيصال معلومات ليس أساسها من عند «أمل»، بل أساسها من عند الذي أعتقد أنه ساهم في إخفاء الإمام موسى الصدر وهو النظام السوري.

غازي كنعان وموجة الاغتيالات

* ذات يوم أبلغكم مركز المخابرات السورية القريب ببرقية استدعاء عاجلة من اللواء غازي كنعان، مسؤول المخابرات السورية في لبنان. ما هي هذه القصة؟

- مضمون البرقية أنه ضروري جداً أن نلتقي في المكان الفلاني في الساعة الفلانية وأنا أنتظر. نعم، استدعاء. ذهبت إلى جورج حاوي، فقال لي: وصلتني البرقية. استقللنا السيارة في اليوم المحدد، أعتقد في فبراير (شباط) 1985. وصلنا فوجدناه جالساً خلف طاولة وقبالته كرسيان فارغان. جلسنا، فطلب قهوة، وبينما كنا نشربها فتح الحديث قائلاً: «أنا أحبكم. أنا أحترمكم. أنتم الملتزمون العقائديون المنظمون الشجعان، وكذا وكذا».

غازي كنعان برفقة بشار الأسد في بيروت عام 1999 (أ.ف.ب)

كان قلقي يتزايد كلما تزايد المديح. ما هي القصة؟ حتى تلك اللحظة لم نكن عرفنا ما هي. قال: أنا، تحدث سيادة الرئيس معي. هو لا يقول حافظ الأسد، يقول سيادة الرئيس، أن المقاومة ليست قضية لبنانية، بل قضية عربية استراتيجية، ولا يمكن أن توضع إلا في هذا السياق وأن تُقاد إلا بهذا المنطق. أنا، كنت واثقاً وعندي ثقة والآن عندي ثقة أننا معكم واحد، وسنشكل قيادة إما لتنسيق دقيق أو مشترك. لا تحصل عمليات وفق تقدير جهة واحدة.

أنا كنت متفقاً مع جورج أنه إذا حصل شيء محرج أتولى أنا «تسويد وجهي»؛ لأنني أنا لا أمثل الحزب. قلت له: هذا عمل يستحيل. حتى أنه حصل نقاش بين أطراف سياسيين ولم نستطع أن نعمل تنسيقاً أو عملاً مشتركاً؛ لأننا ليست لدينا وسائل متابعة لعملية، وليست لدينا قدرة أخذ القرار من بعد انطلاق (المنفذ). نريد أن نعطيه حرية القرار حتى يعرف كيف يتصرف. بعد أن يقطع المنفذ نهر الأولي، مدخل الجنوب، انتهى (الأمر) ولا يعود بإمكاننا أن نفعل شيئاً.

رفضت اقتراحه. قال لي: اترك لي سبل التنسيق والعمل المشترك. واقترح دمج العمليات مع عمليات «حزب الله». قال: تندمجون. قلت له: بالأمس قتلوا لنا شخصاً، وأنت تعرف، فكيف أندمج معهم؟ نحن لم نقتل منهم أحداً. مقاوم في قلب الجنوب قُتل على مرأى من رفيقه في ظهره، وبالتأكيد «حزب الله» هو من فعلها. قال: هذه مشاكل تحصل في العمل المسلح، تحصل في ظروف صعبة. كانت رسالته واضحة وهو أنه ممنوع علينا العمل بشكل مستقل.

قلت له في النهاية وبعدما ضاق خلقي وعرفت أنه قرار حاسم: كي لا نطيل الموضوع، نحن صراحة جئنا إلى هنا وكنا نريد أن نختم النقاش بأن نطلب معونات بوسائل ربما موجودة لديكم، وهي أفضل من تلك الموجودة لدينا لكي نستطيع أن نقوم بدور أكبر. أما أن نجلس الآن ونبحث مسائل التنظيم وغيره فهذا مستحيل، ودعني أكون صريحاً معك. لا نستطيع... إذا نسقنا معكم، مع أن هذا يشل العمل، وقلتم أنتم لا، فهل نستطيع أن نناقشكم؟ قال: أبداً لا يمكنكم أن تناقشونا. فقلت له: إذا قلتم لا فتعني لا. وإذا قلتم نعم فنعم، وإذا قلتم عملية واحدة في الأسبوع فيعني عملية واحدة في الأسبوع. فقال لي: ألست أنت عسكرياً؟ يعني لا يوجد نقاش.

قلت له: يا سيادة العميد، وكان لا يزال عميداً، أنا من الآن أقول لك لا نستطيع أن ننسق ولا نعمل بشكل مشترك. لا نشتغل مع «حزب الله». لا نستطيع نهائياً، وهذا ليس مسألة صعوبات فقط. هذا قرار نهائي. لن نكون حجارة شطرنج. وقف العمل أفضل في حالة من هذا النوع.

نظر مثل النسر، وبطريقة فيها مفاجأة هائلة أو خيبة أمل هائلة. توقف عن الكلام ورفع يده وضرب الطاولة؛ فطارت فناجين القهوة ومنفضة السجائر. وقف ورفع سبابته باتجاهنا، وقال: ستدفعون الثمن غالياً. آخر كلمة. «ستدفعون الثمن غالياً». ومشى من دون أن يودعنا.

حافظ الأسد

بقينا أنا وجورج جالسين إلى الطاولة. لم نفاجأ بأنهم يريدون ذلك، فوجئنا بردة الفعل. منذ قال «قال لي سيادة الرئيس» يعني أننا نتحدث، تقريباً، إلى حافظ الأسد. هذه لا يستخدمها هو إلا عندما يريد أن يقول لك لا يمكنك أن ترفض.

نفذ تهديده ودفعنا الثمن غالياً جداً. أول ثمن دفعناه اغتيالات على مستوى القيادة في الحزب، وثاني ثمن اغتيالات على مستوى المقاومة، نحو 28 - 30 مسؤولاً من المقاومة. لم نكن نعرف من ينفذ في حينها. لكن القرار من غازي كنعان. وهنا (في بيروت) خلال 1986 و1987، أول واحد خليل ناعوس، كان عضو لجنة مركزية مسؤول بيروت، محترم جداً جداً في الوسط السياسي البيروتي، اغتيل على مفرق المركز.

الثاني كان الكاتب والمفكر حسين مروة، وكان عمره 87 سنة ومُقعَد، وأنا كنت مررت به قبل يومين ولم يكن قادراً على التكلم، ويبدو ميتاً، جاء شخص وأطلق النار في جبهته. طلقة واحدة.

كانت لحسين مروة سمعة واسعة... ومن بعده حسن حمدان، المعروف بمهدي عامل، وهو فيلسوف لبناني مشهور، ولديه مجموعة مؤلفات ومشهور في فرنسا وكان من الأساتذة الجامعيين الذي يتوافد الطلاب من اختصاصات مختلفة لسماع محاضراته. ومن بعده سهيل طويلة الذي كان عضو لجنة مركزية، ورئيس تحرير «النداء» صحيفة الحزب الشيوعي اللبناني. هؤلاء في ظرف قصير.

كان توقيع غازي كنعان صريحاً على الاغتيالات. جاء إلى مأتم حسن حمدان، والطريف في الموضوع أنه لم يأت ليعزي. قالها بوضوح. وكأنه يقول أنا من قتله. صافح كريم مروة (نائب الأمين العام للحزب) وقال له أمام العشرات: «هكذا أحسن لكم؟ هل كان ضرورياً أن توصلوا أنفسكم إلى هنا؟».

لم نوقف عمل المقاومة بعد كل الاعتداءات التي حصلت، رغم هذا بقينا حتى عام 1988 نسجل أكبر عدد عمليات، وخسائر الإسرائيليين بلغت نحو 300 قتيل وأكثر. طبعاً نحن ولا يوم، وهذا كنا نشدد عليه كثيراً، ألحقنا أذى بمواطن لبناني، ولا حتى رآنا. ليس لدينا سجل اختلاط.

* كم عملية بتقديرك نفذت جبهة المقاومة؟

- فوق الألف.

* كم قتيل سقط لها؟

- أعتقد نحو 160. لكن أكيد فوق الألف (عملية) لأن المعدل اليومي نحو 3 إلى 4 (عمليات). المقاومة بقيت مستمرة رغم الضغوط، رغم الاغتيالات، ورغم كل شيء، ولكن طبعاً صار وضعنا صعباً، مطاردين، وحاسين بالمطاردة، وخصوصاً أنه حضرته، غازي كنعان، رجع من بعد أن طرد من بيروت خلال الاحتلال الإسرائيلي. افتعل أولاً حرباً بيننا وبين «أمل»، وحصلت حرب قاسية جداً، وسقطت بيروت بيدنا، وعندما سقطت بيروت بيدنا هو لم يرسل شيئاً، إخباراً، بل أناس لهم علاقة بهم برأيي، (قالوا) نزلت الدبابات من صوفر، لواء أو لواءا دبابات، واحد ذهب باتجاه المختارة، والآخر نزل من عاليه إلى بيروت. صوب المختارة، يعني معقل وليد جنبلاط. المعركة معنا من دون أي مبرر، حصلت المعركة معنا من دون مبرر. فجأة، في الوتوات حيث مقر الجريدة ومركز الحزب، هجموا عليه يريدون احتلاله، وصارت المعركة. هو استغل قصة المعركة ونزل إلى بيروت. أول اتصال به كان من كريم مروة فقال له: «يا جاسوس يا إسرائيلي».

نعم، حرام كريم، هو ليس رجل هذا العمل، وقعت السماعة (الهاتف) من يده وبقيت مفتوحة. ذهب والتقى (رئيس الحكومة) سليم الحص وقال له: كيف تصل أن يقول لي غازي كنعان، أنا كريم مروة، يا جاسوس يا إسرائيلي؟

إبعاد إلى موسكو

* كان نظام الأسد يقتل الشيوعيين والاتحاد السوفياتي لا يتدخل؟

- لم نلمس مساعدة لا في الحصار ولا بعده في المقاومة. اللهم ذهبت أنا مشواراً إلى موسكو، بعدما حصلت عندي مشكلة تقنية هنا، وهي أن الموجة التي نفجر عليها كشفها الإسرائيليون ولم نعد قادرين على أن نجد موجة فوق وتحت... صار الأمر في حاجة إلى شخص يعرف أكثر منا. ذهبت إلى موسكو. جلست مع اثنين برتبة مارشال وطرحت المشكلة، وبينما نحن نعمل، وهم لم ينزلوا في فندق لأنه عمل سري، وصل ماتوزوف، مندوب اللجنة المركزية، وهو كان مسؤولاً عن لبنان وفلسطين في اللجنة المركزية، وقال لي: لماذا تنحتون 10 ساعات في اليوم؟ قلت له: نريد أن ننهي العمل ونمشي. قال لي: لا، أنت باقٍ 6 أشهر هنا. طلعت القصة إبعاد. عرفت بها في موسكو. قلت له: كيف 6 أشهر؟ قال لي: جاءتني رسالة من المكتب السياسي لحزبكم بأنك باقٍ 6 أشهر.

تبين أن السبب هو محمد الخولي، مسؤول المخابرات الجوية السورية، وكان الأقرب إلى حافظ الأسد. أبلغ الخولي الذي التقيته نحو عشر مرات، حاوي قائلاً: «لديكم شخص اسمه إلياس عطاالله. إما تجدونه مقتولاً على الرصيف وإما تبعدونه». اختاروا الشق الثاني، وأرسلوا لي رسالة. لكن أنا رفضت ورحلت وعدت إلى لبنان.

ضربة النهاية

* لنختم قصة المقاومة باستهداف مركزكم في الرميلة؟

- كانت أكبر ضربة وهي هدت المعنويات. لا أخفيك كان هناك خلاف في قيادة الحزب على مسألة المقاومة، أي هناك جو في القيادة يريد أن يراعي الموقف السوري ويقول دعنا نخفف. هذا الجو لم يجرؤ على التعبير عن نفسه بشكل صريح، بل أصبحت هناك مضايقات ونشأ خلاف. الحقيقة هي أن الخلاف سابق على المقاومة وسابق على الاجتياح، في الموقف من سوريا.

أنا طلبت من الأساس أن نتصرف على أساس أن الاحتلال الإسرائيلي لا يزال في بيروت، وبعدما دخل السوريون، اقترحت ألا نخرج كل شيء خبأناه على أيام الإسرائيلي بافتراض أن الجو أصبح مختلفاً. طلبت أن نبقى كما نحن، والذي تحت الأرض يبقى تحت الأرض. لم يحصل ذلك.

هذا التضييق، منظمات والاعتداء على بضعة شيوعيين، الضغط على المراكز، خلق المشكلات في كل الأماكن من طرابلس إلى غيرها. إلى أن ضربت إسرائيل مركز الحزب الرئيسي في الرميلة (بلدة عطاالله في ساحل الشوف). أنا كان وصلني جو يقول إن إسرائيل تريد أن تضرب في الرميلة، وإنه مرجح من جانب أحد الضباط الكبار في الجيش اللبناني في المخابرات، أن هناك مناخاً بذلك. وجاءني خبر، لا أعرف لماذا، من السجن في إسرائيل، سجن اللبنانيين (كان هناك سجنان، واحد في الخيام وسجن داخل إسرائيل) أيضاً بالأمر نفسه، فأخذنا قراراً احتياطياً أن هذه المراكز الثلاثة في الرميلة، وهي ثكنة فيها 300 مقاتل (مدرسة الفرير) والدير فيه مقر اللجنة المركزية.

حينها لم يبق شبان في بيروت وأصبحوا في الرميلة. جورج حاوي كان داعياً في اليوم التالي إلى اجتماع مجلس وطني، أي المكتب السياسي والقيادة المركزية، يعني أكثر من 100. ليلاً ذهبت إلى جورج حاوي وقلت له لا يمكنك أن ترتكب هذه المغامرة، هذه مغامرة كبيرة، نحن نقول منذ 10 أيام أن هذه الأماكن يجب أن يغادرها من ليس له عمل ضروري فيها. لا أحد يطل. لهذا السبب قتل رفيقان (فقط) في القصف من أصل 8، وهما كانا واقفين في الخارج. نحن كنا منعنا الدخول إلى المركز. كانا واقفين عند الحائط.

نقل اجتماع المكتب السياسي واللجنة المركزية إلى بيروت «زمطنا» (نجونا)، هؤلاء الـ8 منهم حراس ومنهم على السنترال واثنان كانا يتحدثان في الخارج، أحدهما طبيب والآخر من آل الأمين. هذه الضربة بقنبلة فراغية. كان هناك شخص على برج المراقبة فوق الدير، وعندما جاءت الضربة طار في الهواء، أو نزل مع نزول المبنى ووقع على خيمة نايلون لزراعة الخضراوات، وجاء سليماً لكنه قال إنه غير قادر على وصف ما حصل. لم يصب ولا بأي جرح.

* هل اخترق أي جهاز جبهة المقاومة؟

- بشكل محدود جداً. أحدهم. نحن لم نذكر اسمه.

* جهاز عربي؟

- لا، إسرائيلي. الموساد. عربي لم ألمس.

* وماذا عن «كي جي بي» السوفياتية؟

- لا أعرف إذا كانت اخترقت سابقاً قيادات. ربما أنت سمعت ذلك من قبل، لم يذهب أحد إلى موسكو إلا وحاولوا معه إذا كان يود أن يكون متعاوناً مع «كي جي بي». أنا ولا مرة حاولوا معي.


مقالات ذات صلة

روبيو يرى اتفاقاً لبنانياً - إسرائيلياً على «زوال حزب الله»

المشرق العربي دخان يتصاعد في عمليات هدم إسرائيلية لبلدة الطيبة بجنوب لبنان (إ.ب.أ)

روبيو يرى اتفاقاً لبنانياً - إسرائيلياً على «زوال حزب الله»

رأى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية «متفقتان» على التوصل إلى «السلام وزوال حزب الله»، عادَّاً اللبنانيين «ضحية» لإيران.

علي بردى (واشنطن)
المشرق العربي من الوقفة التضامنية للصحافيين في بيروت (الصورة من الإنترنت)

الصحافة اللبنانية تشكو لـ«الإسكوا» الاستهداف الإسرائيلي المتعمّد

دعا نقيب محرري الصحافة اللبنانية جوزيف القصيفي إلى محاسبة إسرائيل دولياً على استهدافها الصحافيين اللبنانيين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق يضع إدغار مازجي الصراعات في الواجهة (غاليري «آرت أون 56»)

«ومع ذلك»... لوحات تعبُر فوق الجراح

جمهور المعرض جاء من مختلف الأعمار، كأنّ الحاجة إلى الفنّ هنا تتجاوز الذائقة لتصبح ضرورة نفسية...

فيفيان حداد (بيروت)
المشرق العربي لقطة من فيديو لعنصر من «حزب الله» يجهِّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

تصعيد ميداني إسرائيلي يوسّع رقعة العمليات في جنوب لبنان

أعاد كلام رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بوجود «تهديدَين رئيسيَّين» يواجهان الجيش الإسرائيلي، هما الصواريخ والطائرات المسيّرة.

صبحي أمهز (بيروت)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

كاتس: نعيم قاسم يلعب بنار ستحرق «حزب الله» وكل لبنان

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الاثنين أن الأمين العام لجماعة «حزب الله» نعيم قاسم «يلعب بالنار» مهدداً بأنها «ستحرق (حزب الله) وكل لبنان».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)
TT

إصابة جنديين اثنين بغارة إسرائيلية على قوات لبنانية وفِرق إنقاذ

جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون في منطقة حدودية لبنانية أصابها الدمار (أ.ف.ب)

أعلن الجيش اللبناني، اليوم الثلاثاء، إصابة اثنين من جنوده بـ«استهداف إسرائيلي مُعادٍ»، أثناء عملية إنقاذ في جنوب لبنان، حيث تُواصل إسرائيل شنّ ضربات، رغم وقف إطلاق النار مع «حزب الله».

وأورد الجيش اللبناني، في بيان، أن «عسكريَّين أُصيبا بجروحٍ جراء استهداف إسرائيلي مُعادٍ لدورية للجيش، مع عناصر من الدفاع المدني وجرافتين مدنيتين في بلدة مجدل زون - صور أثناء عملية إنقاذ مواطنين».

وأفاد جهاز الدفاع المدني اللبناني بأن 3 من عناصره محاصرون تحت الأنقاض بعد الغارة الإسرائيلي.


متحدث «حماس»: ربط ملادينوف كل المسارات بملف السلاح يشوه خطة ترمب

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

متحدث «حماس»: ربط ملادينوف كل المسارات بملف السلاح يشوه خطة ترمب

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

انتقد متحدث حركة «حماس»، حازم قاسم، أفكار الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، وذلك قبيل محادثات مرتقبة بالقاهرة، مؤكداً أن ربط كل المسارات بملف السلاح يشوه خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ودعا قاسم واشنطن للضغط على إسرائيل لوقف خروقات وقف إطلاق النار بالقطاع، مضيفاً: «نتعاطى باهتمام مع طروحات الوسطاء الأخيرة، وسيجري نقاشها معهم، وبحضور الفصائل الفلسطينية».

ورأى قاسم، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، الثلاثاء، أن الأفكار التي طرحها ملادينوف سابقاً «تتعارض مع الإطار العام لخطة ترمب، وتربط بشكل مشوه كل المسارات بالتعامل مع موضوع السلاح الفلسطيني».

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن تنسحب القوات الإسرائيلية من القطاع بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

ومن المنتظر عقد لقاءات في الأيام المقبلة بين الوسطاء والحركة، بعد وصول متوقع لوفد من الحركة، برئاسة خليل الحية إلى القاهرة، الثلاثاء.

إغلاق الملف «دُفعة واحدة»

دعا متحدث «حماس» الولايات المتحدة إلى «الضغط الجادّ» على حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لإلزامها باتفاق وقف إطلاق النار الذي رعاه ترمب، «بما في ذلك تنفيذ كامل للمرحلة الأولى، ووقف الخروقات».

ومن المنتظر أن تُعقد في غضون شهر تقريباً جولة محادثات ثالثة بالقاهرة، يقول خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» إنها يجب أن تشهد ضمانات على إغلاق ملف الحرب في المنطقة، سواء مع إيران أو لبنان أو غزة، دُفعة واحدة؛ لافتين إلى إمكانية التوصل للإعلان عن جاهزية الفصائل لنزع السلاح ثم ترك التفاصيل للنقاش لاحقاً.

فلسطينيون ينتظرون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفي مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو: «نحن نولي هذا الأمر (غزة) اهتماماً بالغاً، وأُحرز بعض التقدم في هذا الملف رغم التصريحات العلنية من (حماس)، ولكن في نهاية المطاف علينا أن نرى هذا الاتفاق يتحقق، ونأمل أن نسمع أخباراً سارة في الأيام القليلة المقبلة».

وأضاف: «أعلم أن شركاءنا في مصر وتركيا يشاركون في هذه العملية، وظهرت بعض المؤشرات الواعدة خلال عطلة نهاية الأسبوع تُشير إلى أننا نقترب من التوصل إلى اتفاق بشأن نزع سلاحهم، ولكن هذا أمر لا بد منه، فنجاح هذا المشروع برمته مرهون بنزع سلاح (حماس)، وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى كل شيء موضع شك»، بحسب ما نقلته «سي إن إن» الأميركية، الثلاثاء.

حراك مكثف

المحلل السياسي الفلسطيني أيمن الرقب قال إنه على مدار شهر تقريباً عُقد أكثر من اجتماع بالقاهرة، وطالبت الفصائل الفلسطينية بضرورة تطبيق باقي المرحلة الأولى قبل الذهاب للمرحلة الثانية، وقدَّم الوسطاء مقترحاً بدمج المرحلتين من أجل تجاوز كل القضايا الخلافية، حيث برز ملف نزع سلاح غزة كأساس للانتقال للمرحلة الثانية.

ولفت الرقب، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفصائل الفلسطينية «أوضحت خشيتها من أن يدفع نزع السلاح إلى حرب أهلية، وطلبت تأجيل تنفيذ هذا الملف حتى يتم ترتيب الوضع الأمني الداخلي الفلسطيني مع توافق فلسطيني».

ويخشى الرقب أن «تعتبر إسرائيل هذا الموقف بمثابة رفض لتنفيذ خطة ترمب»، مضيفاً أنه «من الأفضل أن تعلن الفصائل الفلسطينية جاهزيتها لنزع السلاح ثم تترك التفاصيل للنقاش لاحقاً».

ويعتقد الرقب أن تصريحات روبيو قد تكون دوافعها نجاح جهد الوسطاء في إقناع حركة «حماس» وباقي الفصائل «بالإعلان عن موافقتها المبدئية على نزع السلاح وترك التفاصيل وآلية التنفيذ خلال جلسات نقاش لاحقة».

تفاؤل حذر

وكانت مصادر قد لفتت في حديث إلى «الشرق الأوسط»، الاثنين، إلى أن ملادينوف سيزور إسرائيل لعدة ساعات قبل وصوله القاهرة، ظهر الثلاثاء، كما هو متفق عليه في جدول الأعمال.

وقالت المصادر إن ملادينوف سيبحث مع مسؤولين إسرائيليين تطورات المحادثات التي جرت مع «حماس» مؤخراً، إلى جانب الاستماع لأي ملاحظات إسرائيلية على المقترحات الجديدة التي صيغت بالتنسيق مع الوسطاء.

وبرأي المحلل في الشأن الإسرائيلي بمركز «الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، سعيد عكاشة، فإنه عند ضم حديث روبيو المتفائل مع تحركات ملادينوف والوسطاء «نستشعر أن ثمة محاولات دولية لغلق ملف الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران وغزة ولبنان مرة واحدة».

وأضاف عكاشة، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «ملف السلاح معقد، وإيجاد اختراقات بشأنه يتوقف على التنازلات والضمانات التي ستُقدم، وهذه ستكون أموراً شاقة في التفاوض»، مشيراً إلى أن اتفاق غزة في وضع صعب، والتفاؤل يجب أن يكون حذراً لنجاح مسار السلام نجاحاً حقيقياً.


تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء
صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء
TT

تسريب مقاطع كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا يثير الريبة في توقيته

صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء
صور مقتطعة من الفيديوهات المسربة لمسؤولين أمنيين وحرس في سجن صيدنايا الثلاثاء

أثارت مقاطع فيديو بثها مجهولون، فجر الثلاثاء، لمشاهد من داخل سجن صيدنايا، سُجلت قبل أيام قليلة من الإطاحة بنظام الأسد، جدلاً واسعاً حول هوية الجهة التي استولت على الأرشيف الرقمي لكاميرات المراقبة في سجن صيدنايا، وتوقيت نشرها.

وطالب نشطاء وأهالي ضحايا وجهات حقوقية الحكومة السورية بالتحرك السريع لمعالجة هذه المسألة البالغة الحساسية محذرين من استمرار تداول المقاطع بشكل مريب، والاستهانة بمشاعر مئات الآلاف من الضحايا وذوي الشهداء والمفقودين.

وتداولت منصات التواصل الاجتماعي، الثلاثاء، على نطاق واسع صوراً قيل إنها تعود لسجانين من داخل سجن صيدنايا، وذلك ضمن مقاطع فيديو مسربة من أرشيف كاميرات مراقبة داخل السجن تُنشر للمرة الأولى، حيث ظهر تاريخ أحدها في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) 2024، أي قبل نحو 6 أيام من الإطاحة بنظام بشار الأسد.

رجل يحمل حبليْ مشنقة تم العثور عليهما في «سجن صيدنايا» العسكري شمال دمشق... 9 ديسمبر (أ.ب)

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن حساباً مجهولاً على «فيسبوك» باسم «حيدر التراب»، نشر 3 مقاطع ثم قام بحذفها، إلا أنها كانت قد انتشرت بسرعة، وأُعيد تداولها على نطاق واسع في المنصات السورية المحلية.

وتظهر المقاطع تفاصيل غرف الانتظار والاستقبال وقاعة المراقبة المزودة بعشرات الشاشات لرصد الزنازين وجميع أقسام سجن صيدنايا. ويرجح ناشطون أن مجهولين استولوا على وحدات التخزين «الهاردات» في السجن ليلة سقوط النظام، في 8 ديسمبر 2024 والتي شهدت فُتح سجن صيدنايا، أكبر السجون السورية وأكثرها إثارة للرعب، فقد ارتبط اسمه بآلاف المعتقلين والمفقودين منذ عام 2013.

ولم يصدر رد فعل رسمي لغاية كتابة التقرير حول تلك التسريبات التي وصفت بـ«الحساسة والخطيرة» لارتباطها بأحد أكثر الملفات السورية تعقيداً، الأمر الذي زاد الالتباس حول الغاية من نشر التسريبات على هذا النحو المريب، وإذا كان الهدف ابتزازاً مالياً أو سعياً وراء الشهرة وشغل الرأي العام وافتعال الجدل للضغط على السلطات السورية بخصوص التعامل مع ملف السجون.

وتداول ناشطون مقطعاً صوتياً منسوباً لشخص يدعى أبو عمر الشامي، قال فيه إنه تواصل مع صاحب الحساب المجهول المدعو حيدر التراب الذي وضع رقم واتس للتواصل في الفيديو قبل حذفه، وقد استفسر منه عن سبب نشر فيديوهات صيدنايا ثم حذفها، فادّعى أنه حصل على هذه الفيديوهات من أحد أقاربه الذي يعمل في الأمن العام، وقد أخذ (من الموقع) جهاز كمبيوتر، وعثر فيه على 7 فيديوهات، قام بنشر 3 منها، وسيقوم بنشر 4 فيديوهات لاحقاً دون تحديد موعد لذلك.

وبحسب التسجيل الصوتي لم يُفصح حيدر التراب «عما إذا كانت الفيديوهات المتبقية تحتوي على مشاهد تعذيب مباشر، أو إن كانت تُظهر وجود معتقلين».

لاحقاً، جرى تداول مقطع مصور لناشطيْن قالا فيه إن 96 غيغا بايت من تسجيلات كاميرات المراقبة في سجن صيدنايا الأحمر، أصبحت بيد الجهات المختصة، وقريباً «سيتم كشف حقائق لا تقل في أهميتها عن القبض على أمجد يوسف ومحاكمة عاطف نجيب.

أحد عناصر الأمن السوري في سجن صيدنايا العسكري على مشارف دمشق يناير 2025 (أ.ب)

وعُرف سجن صيدنايا بـ«المسلخ البشري»، بحسب شهادات معتقلين سابقين فيها ومنظمات حقوقية بسبب حجم الانتهاكات التي شهدها، لا سيما بعد عام 2011، وبحسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، بلغ عدد المختفين قسرياً في سجون النظام البائد منذ عام 2011 أكثر من 96 ألف شخص، بينما وثقت منظمة العفو الدولية إعدام نحو 13 ألف معتقل بين عامي 2011 و2015، عبر عمليات شنق جماعية كانت تُنفذ بشكل دوري وسري في سجن صيدنايا.