تحركات إسرائيلية في غزة تؤشر لـ«تقطيع أوصال القطاع»

غارات مكثفة وإحراق خيام نازحين وروبوتات متفجرة

جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)
جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)
TT

تحركات إسرائيلية في غزة تؤشر لـ«تقطيع أوصال القطاع»

جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)
جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)

تكشف التحركات الإسرائيلية ميدانياً في قطاع غزة عن نيّات عسكرية لتوسيع المنطقة العازلة، أو التي يطلق عليها «الآمنة»، على طول الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية للقطاع، بما لا يسمح بحدوث أي عمليات فلسطينية في المستقبل.

وتكثف إسرائيل منذ أيام من غاراتها الجوية وسط تقدم بطيء لبعض قواتها البرية، خصوصاً في المحور الشمالي الغربي لبلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وتقدمت صوب منطقة السلاطين وصولاً لأطراف شارع الخزندار المركزي، وسط تقدم وتراجع أحياناً.

ووسَّعت القوات الإسرائيلية وجودها في شرق جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا بعد أن طلبت من سكان تلك المناطق النزوح جنوباً عبر منشورات واتصالات مع استمرار القصف المدفعي والجوي.

نساء ينتحبن بجوار جثث قُتل أصحابها في ضربات إسرائيلية بمدينة غزة يوم الأحد (رويترز)

وقصفت إسرائيل منازل وبنايات قبل دخولها البري في عدة مناطق منها السلاطين ومحيطها، ما أسفر عن مقتل العشرات، قبل أن تباغت قواتها البرية السكان في أحد مراكز الإيواء وتعتقل كثيرين، فيما أفرجت عن النساء بعد التحقيق معهن وتوجيههن بالتحرك إلى الجنوب.

الروبوتات المتفجرة

يتزامن ذلك مع عمليات مستمرة شرق مدينة غزة، تحديداً أحياء الزيتون والشجاعية والتفاح، وسط تقدم بري يجري ببطء شديد تحسباً فيما يبدو للوقوع في كمائن، مع قصف منازل وبنايات وأراضٍ وغيرها.

كما يتزامن مع عملية مماثلة في منطقة القرارة شمال شرق خان يونس ومحيطها، تحديداً منطقة شرق دير البلح، وسط قصف جوي ومدفعي.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن جميع هذه المناطق تشهد عمليات نسف مكثفة، تعمل فيها القوات الإسرائيلية على التحكم عن بعد في أجهزة روبوت تحمل كميات كبيرة من المتفجرات، ويجري تفجيرها بين ما يتبقى من منازل.

وبعد نسف العديد من المنازل على مدى الأيام القليلة الماضية، تبدأ القوات البرية بالتقدم لعشرات الأمتار فقط، ثم تواصل التقدم بالمسافات نفسها من حين لآخر بعد تأمين المناطق من خلال عمليات النسف التي تهدف بالأساس لتدمير ما تبقى من منازل وكشف أي كمائن قد تكون هنا أو هناك.

نازحون فارون من العمليات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة يصلون إلى جباليا بشمال قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)

وأضافت المصادر أن القوات الإسرائيلية تحاصر حالياً مناطق شمال قطاع غزة حصاراً تاماً، بدءاً من محور نتساريم على طريق صلاح الدين، وصولاً إلى حي الزيتون، تحديداً المناطق الحدودية الشرقية والجنوبية منه، كما تحاصر حيي الشجاعية والتفاح المجاورين، وصولاً إلى مناطق شرق جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، مروراً بالمناطق الشمالية إلى المناطق الشمالية الغربية، وتضيق الخناق حول المنطقة بالوصول إلى السلاطين ومحيط شارع الخزندار المركزي في تلك المناطق.

مؤشرات نيّات التقسيم

أشارت المصادر إلى أن القوات الإسرائيلية تركز غاراتها على مناطق شرق جباليا، وجباليا، وتل الزعتر، وأحرقت خياماً للنازحين وقصفت منازل وطلبت من سكان تلك المناطق إخلاءها، وصولاً إلى مستشفى الإندونيسي شرق بيت لاهيا، الذي كثفت إطلاق النيران عليه، ما دفع الطواقم الطبية للبدء في إجلاء المصابين.

ورجَّحت المصادر أن تسعى القوات في الفترة المقبلة لتوسيع عملياتها، على غرار ما كانت تفعل قبيل وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني) الماضي، بإقامة منطقة عازلة تصل إلى نحو كيلومترين داخل المناطق الشمالية، وإلى نحو كيلومتر واحد في المناطق الشرقية من مدينة غزة، أي في أحياء الزيتون والشجاعية والتفاح.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على جزء من محور نتساريم وصولاً إلى شارع الرشيد البحري، الذي يظل السبيل الوحيد أمام أهل القطاع للتنقل ما بين شماله وجنوبه. وتتمركز القوات في وسط المحور بالقرب من شارع صلاح الدين، ويمكن أن تسيطر وتحكم قبضتها عليه في أي لحظة، وهو أمر متوقع حال اتخاذ قرار بتقسيم القطاع.

ومن مؤشرات نيات التقسيم توسيع العمل العسكري في محيط موقع كيسوفيم في بلدة القرارة شمال شرق خان يونس، وتوسيع العملية البرية هناك على نحو يضاهي ما يجري في شمال القطاع.

وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل قد تذهب لفصل خان يونس عن وسط القطاع، بعد أن فصلتها عن رفح بسيطرتها على «محور موراغ».

ويرجَّح أن تشق إسرائيل طريقاً يفصل وسط القطاع من دير البلح إلى محور موراغ من خلال هذا التوغل البري الذي بدأته بشكل تدريجي وبطيء في بلدة القرارة، وتحديداً عند مفترق المطاحن.

ومن غير الواضح في حال تنفيذ هذه الخطة إن كانت عملية الفصل ستنحسر فقط في شارع صلاح الدين الرئيسي، أم ستصل إلى شارع الرشيد البحري كما حدث عند شق «محور موراغ» الذي يفصل خان يونس عن رفح.

وفي حال تنفيذ هذه الخطة، فسيكون قد تم فصل رفح عن خان يونس، والأخيرة عن مناطق وسط القطاع، التي ستكون مفصولة عن محافظتي غزة والشمال، ليصبح القطاع مقسماً إلى 4 مناطق.

الخريطة المسرَّبة

وأظهرت خريطة مسربة حصلت عليها صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية مقترحاً للجيش الإسرائيلي لإجبار المدنيين في غزة على الانتقال والعيش في 3 مناطق خاضعة لسيطرة مشددة، تفصل بينها وتطوقها 4 مناطق عسكرية، وذلك إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع حركة «حماس» خلال الأيام المقبلة.

وتُظهر الخريطة، التي سرّبها دبلوماسيون مُطَّلعون على تفاصيل المقترح، مناطق عسكرية مُطوّقة ومخصصة فقط للقوات الإسرائيلية في شمال القطاع وفي الوسط والجنوب، تفصل بين مناطق مدنية، بما يمنع المدنيين من التنقل بين المناطق المختلفة بغير تصريح.

وحسب ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، السبت، فإن عملية «عربات جدعون» تهدف لتقطيع أوصال قطاع غزة، كما تهدف لتوسيع العمل البري تدريجياً وصولاً للسيطرة بشكل أساسي على مناطق مهمة ومركزية وخاصةً شمال القطاع، وحصاره بما لا يسمح لعناصر «حماس» بالتنقل منه إلى جنوب القطاع كما كان في بدايات الحرب، وذلك من خلال وضع بوابات حديدية عند إجبار السكان على النزوح لتفتيشهم والتدقيق في هوياتهم.

فلسطينيون يبكون بجوار جثث قتلى سقطوا في ضربات إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

وتعتمد الخطة، كما تذكر الصحيفة، على البقاء في المناطق المركزية والرئيسية بالقطاع لفترات طويلة الأمد، مشيرةً إلى أن العملية البرية ستركز على قطع التواصل بين قادة «حماس» وعناصرها، ومنع تجنيد أي أشخاص بعد اتخاذ الخطوات الرامية إلى حرمانها من المساعدات.

«حماس» تستهجن

من جانبها حمَّلت حركة «حماس»، الأحد، الإدارة الأميركية، مسؤولية ما يشهده قطاع غزة من «مجازر».

وقالت في بيان صحافي أورده المركز الفلسطيني للإعلام إنها تدين «المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، بمنحها حكومة الاحتلال الإرهابي غطاءً سياسياً وعسكرياً».

وأضافت: «استهداف خيام النازحين، وإحراقها بمن فيها من مدنيين أبرياء، جريمة وحشية جديدة، تجسد فاشية حكومة مجرم الحرب نتنياهو، وانتهاكها الصارخ لكل القوانين والأعراف الإنسانية».

واستهجنت الحركة ما وصفته بحالة «الصمت والعجز الذي تقابل به منظومة الأمم المتحدة ومؤسساتها، ودول العالم، هذه الجرائم الوحشية، والانتهاكات غير المسبوقة لكل قوانين الحروب، التي يرتكبها جيش الاحتلال وحكومته الفاشية».

غير أن ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد في حديث إعلامي، الأحد، أن بلاده لن تسمح بوقوع كارثة إنسانية في قطاع غزة في عهد ترمب.

وتحدث ويتكوف عن صعوبة إدخال شاحنات الغذاء جميعها قائلاً: «المسألة الآن -في رأيي- هي: كيف يمكننا من الناحية اللوجيستية إدخال كل تلك الشاحنات إلى غزة؟ وكيف نقيم محطات توزيع المساعدات؟».

أطفال جوعى يتدافعون للحصول على طعام من «تكيَّة خيرية» في مدينة غزة يوم الأحد (إ.ب.أ)

وتابع: «سيتم إرسال مطابخ متنقلة إلى داخل غزة، وهناك شاحنات محملة بالدقيق تنتظر عند الحدود. وقد أشارت السلطات الإسرائيلية إلى أنها ستبدأ في السماح بدخول عدد أكبر من هذه الشاحنات».

وحذَّرت منظمات إغاثية من أن قطاع غزة على شفا كارثة إنسانية، مع إيقاف إسرائيل دخول كل المساعدات منذ الثاني من مارس (آذار).


مقالات ذات صلة

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

المشرق العربي امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاطهم.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (أ.ب)

كاتس: ننتظر الضوء الأخضر الأميركي لاستكمال القضاء على «سلالة خامنئي»

أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الدولة العبرية «مستعدة لاستئناف الحرب ضد إيران»، مشيراً إلى أنها تنتظر موافقة الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي صورة عامة تُظهر منازل ومنشآت دمرها الجيش الإسرائيلي في قرية بيت ليف جنوب لبنان 22 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«حزب الله» يعلن استهداف مربض مدفعية للجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان

أعلن «حزب الله»، في بيان، اليوم (الأربعاء)، أن عناصره استهدفوا مربض مدفعية مستحدثاً تابعاً للجيش الإسرائيلي في بلدة البياضة، جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)

القدس: اعتقال 5 سيدات من الأقصى بالتزامن مع اقتحام مستوطنين

أفادت محافظة القدس بأن عشرات المستوطنين اقتحموا، اليوم الأربعاء، المسجد الأقصى، بحماية مشددة من القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

محاكمة قريبة لعاطف نجيب «جزار أطفال درعا»

صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)
صورة ممزقة لبشار الأسد وقد علق بالقرب منها العلم السوري الجديد في درعا 27 ديسمبر 2024 (رويترز)

كشف تقرير إعلامي، الخميس، أن محكمة الجنايات الرابعة ستباشر، الأحد المقبل، جلسات المحاكمة العلنية لرئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب في عهد نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.

وأوضح المصدر لموقع «تلفزيون سوريا»، أن هذه الخطوة تأتي بعد استكمال الإجراءات القانونية المرتبطة بالقضية، ضمن ملف العدالة الانتقالية، وذلك بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام.

وعاطف نجيب، هو ابن خالة بشار الأسد، اعتقل خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام في محافظة اللاذقية، في يناير (كانون الثاني) 2025، وتتهمه منظمات حقوقية وفصائل الثورة السورية لأنه كان المسؤول المباشر عن قمع الاحتجاجات الشعبية في محافظة درعا الجنوبية، بارتكاب جرائم قتل مروعة بحق الأطفال المشاركين في الحراك السلمي في مدينة درعا، وأبرزهم حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب في عام 2011.

وقال المصدر المشار إليه أعلاه، إن المحكمة ستعقد وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية، ريثما يقر مجلس الشعب السوري بعد انعقاده مشروع (قانون العدالة الانتقاليّة)، الذي بُنيت مواده وفقاً للقوانين السوريّة المعمول بها، التي تصل في بعض موادها إلى عقوبة الإعدام، والذي أصبح جاهزاً بانتظار إقراره.

كسر حالة الإفلات من العقاب

ورغم أن قناة «الإخبارية السورية» نقلت، اليوم، عن رئيس «لجنة تقصي الحقائق في أحداث الساحل»، القاضي جمعة الدبيس العنزي، أن جلسة محاكمة علنية لعاطف نجيب بحضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام ستعقد قريباً، فهذا لا يتناقض مع التصريح المنشور في موقع «تلفزيون سوريا»، إذ إنه من الواضح أن المحاكمة لم تعد بعيدة.

عبد الله يرفع صورة شقيقه حمزة الخطيب الذي قضى تحت التعذيب عام 2011

«الشرق الأوسط» سألت المعتصم الكيلاني، وهو خبير قانوني سوري مقيم في باريس ومتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، عن تقييمه لسير المحاكمات وإيقاعها في محاكمة مجرمي الحرب في عهد نظام بشار الأسد، وإن كان مسار العدالة الانتقالية يشوبه بعض البطء، أم أنه من طبيعة الأمور في القضاء عموماً؟

العميد عاطف نجيب الذي شغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا (مواقع)

يعتبر الكيلاني، أن الإعلان عن بدء جلسات المحاكمة العلنية لعاطف نجيب يشكّل خطوة مهمة في اتجاه كسر حالة الإفلات من العقاب، خاصة مع حضور أهالي الضحايا ووسائل الإعلام، بما يعزز الشفافية وحق المجتمع في معرفة الحقيقة. هذا التطور، من حيث المبدأ، ينسجم مع أحد أعمدة العدالة الانتقالية، وهو «العلنية والمساءلة».

لكن وبمنظور قانوني أوسع، يقول إنه لا يمكن اعتبار هذه الخطوة كافية بحد ذاتها، فالعدالة الانتقالية ليست محاكمة فردية، بل منظومة متكاملة تتطلب إصلاحاً تشريعياً ومؤسسياً عميقاً.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تعديل قانون العقوبات السوري ليشمل معايير التجريم الدولية، لا سيما جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وفق التعريفات المعتمدة في القانون الدولي. فغياب هذه النصوص يخلق فجوة قانونية خطيرة، ويحدّ من قدرة القضاء الوطني على التعامل مع الانتهاكات الجسيمة بشكل صحيح.

كما أنه من المتطلبات الأساسية أيضاً إلغاء مبدأ «التقادم» على الجرائم الجسيمة، لأن طبيعة هذه الجرائم - بما فيها التعذيب والقتل خارج القانون - تستوجب عدم سقوطها بمرور الزمن، انسجاماً مع المعايير الدولية وضماناً لحقوق الضحايا في الملاحقة والمساءلة مهما طال الزمن.

كتابة على جدار في درعا تسببت بحبس أطفال وتعذيبهم في سجون النظام (متداولة)

ومن جهة أخرى، يقول الحقوقي السوري: «لا يمكن إغفال البعد المؤسسي، إذ يجب تدريب القضاة وأعضاء النيابة العامة وكوادر المحاكم تدريباً تخصصياً على معايير التجريم الدولية، وعلى كيفية التعامل مع الأدلة في قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما في ذلك شهادات الضحايا، والأدلة السياقية، وسلاسل المسؤولية. فمن دون هذا التأهيل، تبقى المحاكمات مهددة بالقصور، حتى لو توفرت الإرادة السياسية. الاستفادة من تجارب سابقة، مثل محاكمات الساحل، أمر ضروري هنا. فقد أظهرت تلك التجربة بعض الإيجابيات، مثل العلنية، لكنها كشفت أيضاً ثغرات منها ضعف التأهيل المتخصص أحياناً، والحاجة إلى إطار قانوني أوضح يواكب طبيعة الجرائم».

صورة لبشار الأسد في القامشلي ممزقة بعد الإعلان عن سقوط النظام الحاكم 8 ديسمبر (رويترز)

وفي المحصلة، يؤكد الكيلاني أن لا سلم أهلياً حقيقياً دون عدالة انتقالية شاملة. وأي محاولة لبناء استقرار دون معالجة جذرية للانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها ضمن إطار قانوني سليم، ستبقى هشّة وقابلة للانهيار

من حيث المبدأ، تتسم المحاكمات في القضايا الكبرى المرتبطة بانتهاكات جسيمة بالتعقيد، وهذا يفرض بطئاً نسبياً لضمان دقة الإجراءات واحترام حقوق جميع الأطراف. هذا جانب طبيعي في أي نظام قضائي يحترم الأصول.

لكن في الحالة السورية، لا يمكن الاكتفاء بهذا التبرير. فالتأخير الطويل في إطلاق مسار العدالة أصلاً، إلى جانب استمرار بعض الانتهاكات، يجعل من عامل الزمن عنصراً حساساً للغاية. البطء المفرط هنا قد يُفهم باعتباره استمراراً غير مباشر للإفلات من العقاب، ويؤثر سلباً على ثقة الضحايا بالمؤسسات القضائية.

لذلك، المطلوب ليس تسريعاً على حساب العدالة، بل يجب تحقيق توازن دقيق: قضاء مهني، مستقل، مدرّب، يعمل وفق معايير واضحة، وفي إطار زمني معقول.

ويشدد المعتصم الكيلاني، على أنه إذا جرت المحاكمات (ضد مرتكبي جرائم حرب ضد الإنسانية) ضمن هذا الإطار المتكامل، يمكن اعتبارها خطوة إيجابية. أما إذا بقيت جزئية، أو افتقرت إلى الأساس القانوني المتين، أو لم تُدعَم بإصلاح مؤسسي حقيقي، فإنها قد تتحول إلى مسار محدود الأثر.

وفي جميع الأحوال، يبقى المبدأ الحاكم واضحاً: لا يمكن تحقيق السلم الأهلي في سوريا دون عدالة انتقالية حقيقية، قائمة على المساءلة، وإنصاف الضحايا، وإصلاح المؤسسات، وبناء عقد اجتماعي جديد يحترم كرامة الإنسان وحقوقه.


3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

3 قتلى في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)
امرأة تحمل بعض المقتنيات الشخصية وسط دمار سببته ضربة إسرائيلية لبلدة كفرصير بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

قُتل ثلاثة أشخاص بغارة إسرائيلية على جنوب لبنان، اليوم الخميس، وفق ما أعلنت وزارة الصحة، في أحدث هجوم رغم الهدنة القائمة منذ عشرة أيام بين إسرائيل و«حزب الله».

وقالت الوزارة، في بيان أوردته «وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «غارة العدو الإسرائيلي على طريق شوكين قضاء النبطية»، والتي تبعد نحو 30 كيلومتراً من الحدود اللبنانية الجنوبية، «أدت إلى 3 شهداء»، في حين أسفرت غارة أخرى على بلدة ياطر إلى إصابة شخصين؛ بينهما طفل.

تأتي هذه الهجمات قبل ساعات من اجتماعٍ ثان يُعقَد في واشنطن بين سفيريْ لبنان وإسرائيل لدى الولايات المتحدة، حيث يُتوقع أن يطلب لبنان تمديد وقف إطلاق النار.

في غضون ذلك، أفاد الجيش الإسرائيلي، في بيان، بأن جنوده قتلوا «رجلين مسلّحين في جنوب لبنان، بعد أن اقتربا من جنود».


تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
TT

تصعيد إسرائيلي في غزة يواكب مزاعم بتعافي «حماس»

فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)
فلسطينيون في موقع استهداف سيارة بغارة جوية إسرائيلية في شارع صلاح الدين جنوب مخيم البريج وسط غزة الخميس (أ.ف.ب)

تواصل القوات الإسرائيلية تصعيدها الميداني في مناطق مختلفة من قطاع غزة عبر استهدافها لنشطاء في الفصائل، متذرعةً باتهامات عن تجديد نشاط الفصائل الفلسطينية وتعافي حركة «حماس».

وقتلت القوات الإسرائيلية، منذ مساء الأربعاء وحتى منتصف نهار الخميس في غزة، 9 فلسطينيين، منهم 5 في غارة بطائرة مسيرة استهدفت خياماً للنازحين في منطقة مشروع بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلمت «الشرق الأوسط»، من مصادر ميدانية، أن المستهدف الرئيسي بالغارة أصيب بجروح خطيرة، وهو قيادي ميداني في «سرايا القدس»، الجناح العسكري لحركة «الجهاد الإسلامي»، فيما قُتل اثنان من أطفاله، وطفل ثالث، ومواطنان آخران كانا يجلسان في نفس المكان.

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبعد ساعات قليلة، قتلت القوات الإسرائيلية ناشطاً من «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، جنوب خان يونس جنوبي قطاع غزة، بعد أن استهدفته بمسيرة.

وقال الجيش الإسرائيلي، في بيان له عن الحدثين، إنه قضى على عناصر من «حماس» عملوا بمنطقة قريبة من الخط الأصفر شمالي قطاع غزة، فيما هاجم عدداً آخر جنوب القطاع، ما أدى للقضاء على أحدهم خلال نقلهم وسائل قتالية، وفق زعمه.

وتبع ذلك حدث ثالث، بقصف مركبة، ظهر الخميس، في أثناء مرورها على شارع صلاح الدين الرئيس، وتحديداً جنوب مخيم البريج وسط قطاع غزة، ما أدى لمقتل 3 فلسطينيين كانوا على متن المركبة.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

ووفقاً لمصدر ميداني، فإن المستهدفين في المركبة هم بعض نشطاء في «كتائب القسام»، وبينهم نجل أحد مسؤولي جهاز الدفاع المدني في وسط قطاع غزة، وجميعهم من سكان مخيمي البريج والمغازي.

ووفقاً لإحصائية وزارة الصحة بغزة، فإن عدد الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، ارتفع إلى 975 قتيلاً، وأصيب أكثر من 2235 بجروح متفاوتة بعضها خطيرة، فيما زاد إجمالي الضحايا منذ السابع من أكتوبر 2023 إلى 72568 قتيلاً، وأكثر من 172 ألف مصاب.

مفاوضات في القاهرة

ويأتي التصعيد الإسرائيلي على وقع مطالبات من «حماس» في القاهرة بوقف الخروقات المستمرة داخل القطاع، في إطار الالتزام بالمرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، فيما تتجاهل إسرائيل تلك المطالب بتوسيع هجماتها واستهداف نشطاء الفصائل، وخاصةً حركتي «حماس» و«الجهاد».

واعتبر حازم قاسم، الناطق باسم «حماس»، عمليات الاستهداف المتواصلة بأنها تمثل دليلاً جديداً على استمرار «حرب الإبادة ونشر الموت في مختلف مناطق القطاع دون توقف». كما قال، معتبراً أن هذه «الجرائم تكشف عن عجز متزايد لـ(مجلس السلام) عن إلزام الاحتلال بوقف خروقاته أو تنفيذ التزاماته ضمن أي اتفاقات قائمة».

يشق فتيان فلسطينيان طريقهما عبر أنقاض المباني المُدمَّرة في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأضاف قاسم، في تصريح صحافي له: «هذه الجرائم تعكس بوضوح أن الآلة العسكرية للاحتلال مسؤولة عن ارتكاب أعمال الإبادة وانتهاك القانون الدولي والإنساني»، مطالباً الوسطاء والدول الضامنة والمشاركين في «مجلس السلام» بالوقوف أمام مسؤولياتهم وإلزام الاحتلال بوقف «حرب الإبادة» ضد قطاع غزة. كما قال.

وتقول إسرائيل مؤخراً إنها تعمل على مهاجمة أي محاولات من «حماس» والفصائل الأخرى التي تنشط في داخل القطاع، لإعادة امتلاك السلاح أو تأهيل ما لديها من أسلحة وعتاد وغيره، ومنعها من إقامة تدريبات، كما أنها تعمل على تصفية مشاركين بهجمات سابقة ضدها.

وثيقة استخبارية

وتزامن التصعيد الإسرائيلي مع ما نقلته القناة الـ12 العبرية، مساء الأربعاء، عن وثيقة استخباراتية قدمها الجيش الإسرائيلي لجهات محددة في المستوى السياسي، خلال الأيام الأخيرة، تزعم أن حركة «حماس» تنجح في التعافي مجدداً بشكل ملحوظ، مستغلةً وقف إطلاق النار.

ووفقاً للوثيقة المسربة، فإن «حماس» تكسب الوقت المتعلق بوقف إطلاق النار، وتعمل على تنظيم وتحسين وبناء قوتها في القطاع، وإعادة تأهيل الجناح العسكري، وتسريع تجنيد نشطاء جدد، والسيطرة على البضائع، وإظهار السيادة المدنية والحكومية في المناطق التي تسيطر عليها. ونقلت أن «الحركة لم تنجح بعد في تحقيق قفزة نوعية، لكنها تتعافى تدريجياً».

وتسيطر إسرائيل على نحو 53 في المائة من مساحة قطاع غزة، بينما تسيطر «حماس» على ما تبقى منها.

جانب من الدمار في قطاع غزة جراء الحرب (رويترز - أرشيفية)

ويرى مسؤولون أمنيون إسرائيليون، نقلت عنهم «القناة الـ12»، أن «التطورات في الجبهات المختلفة، وخاصةً الحرب مع إيران ولبنان تخدم (حماس)؛ لأن الانتباه الأميركي موجه إلى مكان آخر، فيما تستغل الحركة ذلك، وتكسب الوقت ببساطة ولا تفي بالتزاماتها كما وردت في خطة السلام التي عرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب»، وفق قولهم.

وأكدت المصادر ذاتها أن «الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ترى أنه في حال لم يكن هناك عملية نزع سلاح، وتفكيك للبنية التحتية لـ(حماس) وفصائل غزة، فإنه سيتم العودة إلى نقطة الصفر، وأن ما يحدث الآن هو تعافٍ مقابل لا شيء»، وفق قولهم.

فلسطينيون إلى جانب مقاتلين من فصائل غزة عقب اشتباكات مع ميليشيات مدعومة من إسرائيل في خان يونس جنوب القطاع (صورة من فيديو بثته رويترز)

وما زالت قضية سلاح غزة مثار جدل بين حركة «حماس» والوسطاء والولايات المتحدة و«مجلس السلام»، وتصر إسرائيل على تسليمه كاملاً بلا استثناء، وهو أمر نصت عليه خطة المجلس التي قدمها الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف إلى قيادة الحركة.

وفي المقابل تخوض الفصائل الفلسطينية مباحثات لإجراء تعديلات تتضمن إلزام إسرائيل بتنفيذ بنود المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار التي تركز على الاحتياجات الإنسانية وإدخال المساعدات، قبل الحديث عن المرحلة الثانية التي تركز على نزع السلاح من القطاع. ويسعى الوسطاء إلى تقديم مقاربة جديدة لدمج المرحلتين، أو تنفيذهما بالتزامن.