تحركات إسرائيلية في غزة تؤشر لـ«تقطيع أوصال القطاع»

غارات مكثفة وإحراق خيام نازحين وروبوتات متفجرة

جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)
جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)
TT

تحركات إسرائيلية في غزة تؤشر لـ«تقطيع أوصال القطاع»

جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)
جنود إسرائيليون يحركون دباباتهم قرب قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)

تكشف التحركات الإسرائيلية ميدانياً في قطاع غزة عن نيّات عسكرية لتوسيع المنطقة العازلة، أو التي يطلق عليها «الآمنة»، على طول الحدود الشرقية والشمالية والجنوبية للقطاع، بما لا يسمح بحدوث أي عمليات فلسطينية في المستقبل.

وتكثف إسرائيل منذ أيام من غاراتها الجوية وسط تقدم بطيء لبعض قواتها البرية، خصوصاً في المحور الشمالي الغربي لبلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، وتقدمت صوب منطقة السلاطين وصولاً لأطراف شارع الخزندار المركزي، وسط تقدم وتراجع أحياناً.

ووسَّعت القوات الإسرائيلية وجودها في شرق جباليا وبيت حانون وبيت لاهيا بعد أن طلبت من سكان تلك المناطق النزوح جنوباً عبر منشورات واتصالات مع استمرار القصف المدفعي والجوي.

نساء ينتحبن بجوار جثث قُتل أصحابها في ضربات إسرائيلية بمدينة غزة يوم الأحد (رويترز)

وقصفت إسرائيل منازل وبنايات قبل دخولها البري في عدة مناطق منها السلاطين ومحيطها، ما أسفر عن مقتل العشرات، قبل أن تباغت قواتها البرية السكان في أحد مراكز الإيواء وتعتقل كثيرين، فيما أفرجت عن النساء بعد التحقيق معهن وتوجيههن بالتحرك إلى الجنوب.

الروبوتات المتفجرة

يتزامن ذلك مع عمليات مستمرة شرق مدينة غزة، تحديداً أحياء الزيتون والشجاعية والتفاح، وسط تقدم بري يجري ببطء شديد تحسباً فيما يبدو للوقوع في كمائن، مع قصف منازل وبنايات وأراضٍ وغيرها.

كما يتزامن مع عملية مماثلة في منطقة القرارة شمال شرق خان يونس ومحيطها، تحديداً منطقة شرق دير البلح، وسط قصف جوي ومدفعي.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن جميع هذه المناطق تشهد عمليات نسف مكثفة، تعمل فيها القوات الإسرائيلية على التحكم عن بعد في أجهزة روبوت تحمل كميات كبيرة من المتفجرات، ويجري تفجيرها بين ما يتبقى من منازل.

وبعد نسف العديد من المنازل على مدى الأيام القليلة الماضية، تبدأ القوات البرية بالتقدم لعشرات الأمتار فقط، ثم تواصل التقدم بالمسافات نفسها من حين لآخر بعد تأمين المناطق من خلال عمليات النسف التي تهدف بالأساس لتدمير ما تبقى من منازل وكشف أي كمائن قد تكون هنا أو هناك.

نازحون فارون من العمليات الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة يصلون إلى جباليا بشمال قطاع غزة يوم الأحد (أ.ب)

وأضافت المصادر أن القوات الإسرائيلية تحاصر حالياً مناطق شمال قطاع غزة حصاراً تاماً، بدءاً من محور نتساريم على طريق صلاح الدين، وصولاً إلى حي الزيتون، تحديداً المناطق الحدودية الشرقية والجنوبية منه، كما تحاصر حيي الشجاعية والتفاح المجاورين، وصولاً إلى مناطق شرق جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون، مروراً بالمناطق الشمالية إلى المناطق الشمالية الغربية، وتضيق الخناق حول المنطقة بالوصول إلى السلاطين ومحيط شارع الخزندار المركزي في تلك المناطق.

مؤشرات نيّات التقسيم

أشارت المصادر إلى أن القوات الإسرائيلية تركز غاراتها على مناطق شرق جباليا، وجباليا، وتل الزعتر، وأحرقت خياماً للنازحين وقصفت منازل وطلبت من سكان تلك المناطق إخلاءها، وصولاً إلى مستشفى الإندونيسي شرق بيت لاهيا، الذي كثفت إطلاق النيران عليه، ما دفع الطواقم الطبية للبدء في إجلاء المصابين.

ورجَّحت المصادر أن تسعى القوات في الفترة المقبلة لتوسيع عملياتها، على غرار ما كانت تفعل قبيل وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني) الماضي، بإقامة منطقة عازلة تصل إلى نحو كيلومترين داخل المناطق الشمالية، وإلى نحو كيلومتر واحد في المناطق الشرقية من مدينة غزة، أي في أحياء الزيتون والشجاعية والتفاح.

ولا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر على جزء من محور نتساريم وصولاً إلى شارع الرشيد البحري، الذي يظل السبيل الوحيد أمام أهل القطاع للتنقل ما بين شماله وجنوبه. وتتمركز القوات في وسط المحور بالقرب من شارع صلاح الدين، ويمكن أن تسيطر وتحكم قبضتها عليه في أي لحظة، وهو أمر متوقع حال اتخاذ قرار بتقسيم القطاع.

ومن مؤشرات نيات التقسيم توسيع العمل العسكري في محيط موقع كيسوفيم في بلدة القرارة شمال شرق خان يونس، وتوسيع العملية البرية هناك على نحو يضاهي ما يجري في شمال القطاع.

وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل قد تذهب لفصل خان يونس عن وسط القطاع، بعد أن فصلتها عن رفح بسيطرتها على «محور موراغ».

ويرجَّح أن تشق إسرائيل طريقاً يفصل وسط القطاع من دير البلح إلى محور موراغ من خلال هذا التوغل البري الذي بدأته بشكل تدريجي وبطيء في بلدة القرارة، وتحديداً عند مفترق المطاحن.

ومن غير الواضح في حال تنفيذ هذه الخطة إن كانت عملية الفصل ستنحسر فقط في شارع صلاح الدين الرئيسي، أم ستصل إلى شارع الرشيد البحري كما حدث عند شق «محور موراغ» الذي يفصل خان يونس عن رفح.

وفي حال تنفيذ هذه الخطة، فسيكون قد تم فصل رفح عن خان يونس، والأخيرة عن مناطق وسط القطاع، التي ستكون مفصولة عن محافظتي غزة والشمال، ليصبح القطاع مقسماً إلى 4 مناطق.

الخريطة المسرَّبة

وأظهرت خريطة مسربة حصلت عليها صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية مقترحاً للجيش الإسرائيلي لإجبار المدنيين في غزة على الانتقال والعيش في 3 مناطق خاضعة لسيطرة مشددة، تفصل بينها وتطوقها 4 مناطق عسكرية، وذلك إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع حركة «حماس» خلال الأيام المقبلة.

وتُظهر الخريطة، التي سرّبها دبلوماسيون مُطَّلعون على تفاصيل المقترح، مناطق عسكرية مُطوّقة ومخصصة فقط للقوات الإسرائيلية في شمال القطاع وفي الوسط والجنوب، تفصل بين مناطق مدنية، بما يمنع المدنيين من التنقل بين المناطق المختلفة بغير تصريح.

وحسب ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، السبت، فإن عملية «عربات جدعون» تهدف لتقطيع أوصال قطاع غزة، كما تهدف لتوسيع العمل البري تدريجياً وصولاً للسيطرة بشكل أساسي على مناطق مهمة ومركزية وخاصةً شمال القطاع، وحصاره بما لا يسمح لعناصر «حماس» بالتنقل منه إلى جنوب القطاع كما كان في بدايات الحرب، وذلك من خلال وضع بوابات حديدية عند إجبار السكان على النزوح لتفتيشهم والتدقيق في هوياتهم.

فلسطينيون يبكون بجوار جثث قتلى سقطوا في ضربات إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

وتعتمد الخطة، كما تذكر الصحيفة، على البقاء في المناطق المركزية والرئيسية بالقطاع لفترات طويلة الأمد، مشيرةً إلى أن العملية البرية ستركز على قطع التواصل بين قادة «حماس» وعناصرها، ومنع تجنيد أي أشخاص بعد اتخاذ الخطوات الرامية إلى حرمانها من المساعدات.

«حماس» تستهجن

من جانبها حمَّلت حركة «حماس»، الأحد، الإدارة الأميركية، مسؤولية ما يشهده قطاع غزة من «مجازر».

وقالت في بيان صحافي أورده المركز الفلسطيني للإعلام إنها تدين «المجازر التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة، بمنحها حكومة الاحتلال الإرهابي غطاءً سياسياً وعسكرياً».

وأضافت: «استهداف خيام النازحين، وإحراقها بمن فيها من مدنيين أبرياء، جريمة وحشية جديدة، تجسد فاشية حكومة مجرم الحرب نتنياهو، وانتهاكها الصارخ لكل القوانين والأعراف الإنسانية».

واستهجنت الحركة ما وصفته بحالة «الصمت والعجز الذي تقابل به منظومة الأمم المتحدة ومؤسساتها، ودول العالم، هذه الجرائم الوحشية، والانتهاكات غير المسبوقة لكل قوانين الحروب، التي يرتكبها جيش الاحتلال وحكومته الفاشية».

غير أن ستيف ويتكوف، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أكد في حديث إعلامي، الأحد، أن بلاده لن تسمح بوقوع كارثة إنسانية في قطاع غزة في عهد ترمب.

وتحدث ويتكوف عن صعوبة إدخال شاحنات الغذاء جميعها قائلاً: «المسألة الآن -في رأيي- هي: كيف يمكننا من الناحية اللوجيستية إدخال كل تلك الشاحنات إلى غزة؟ وكيف نقيم محطات توزيع المساعدات؟».

أطفال جوعى يتدافعون للحصول على طعام من «تكيَّة خيرية» في مدينة غزة يوم الأحد (إ.ب.أ)

وتابع: «سيتم إرسال مطابخ متنقلة إلى داخل غزة، وهناك شاحنات محملة بالدقيق تنتظر عند الحدود. وقد أشارت السلطات الإسرائيلية إلى أنها ستبدأ في السماح بدخول عدد أكبر من هذه الشاحنات».

وحذَّرت منظمات إغاثية من أن قطاع غزة على شفا كارثة إنسانية، مع إيقاف إسرائيل دخول كل المساعدات منذ الثاني من مارس (آذار).


مقالات ذات صلة

زعيم المعارضة الإسرائيلية يحذر من «كارثة أمنية» بسبب نقص القوات

شؤون إقليمية زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد يلقي بياناً في الكنيست الإسرائيلي (أرشيفية-رويترز)

زعيم المعارضة الإسرائيلية يحذر من «كارثة أمنية» بسبب نقص القوات

اتهم زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد، الخميس، الحكومة بدفع البلاد نحو «كارثة أمنية» بسبب نقص في عدد القوات.

«الشرق الأوسط»
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يلقون تحية عسكرية خلال جنازة الرقيب أوري غرينبيرغ (21 عاماً) في مقبرة جبل هرتزل العسكرية بالقدس 26 مارس 2026 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل جنديين خلال اشتباكات في جنوب لبنان

أعلن ​الجيش الإسرائيلي مقتل اثنين من جنوده، خلال عمليات قتالية في جنوب لبنان، وسط اشتباكات مستمرة ‌مع جماعة ‌«حزب ​الله».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جسر الزرارية المدمر فوق نهر الليطاني بعد تعرّضه لغارة إسرائيلية في طيرفلسيه جنوب لبنان (رويترز)

خطة إسرائيل «لمنطقة عازلة» في لبنان تعقب تاريخاً طويلاً من الاجتياحات والاحتلال

أعلنت إسرائيل عزمها السيطرة على جزء من جنوب لبنان لإنشاء «منطقة عازلة» لإبعاد مقاتلي جماعة «حزب ‌الله»؛ ما أثار مخاوف اللبنانيين من احتلال عسكري إسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شؤون إقليمية قائد القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ف.ب)

إسرائيل تعلن اغتيال قائد القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني

ذكَّرت وسائل إعلام محلية إسرائيلية اليوم (الخميس) أن الجيش الإسرائيلي قضى على قائد القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

«الشرق الأوسط»
المشرق العربي دبابات إسرائيلية عند الحدود مع لبنان (رويترز)

«حزب الله» يعلن استهداف 10 دبابات «ميركافا» إسرائيلية

أعلن «حزب الله» اللبناني، اليوم (الخميس)، استهداف 10 دبابات «ميركافا» إسرائيلية في ثلاث بلدات جنوبية.

«الشرق الأوسط» (بيروت )

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».