انسحاب «الجبهة الديمقراطية» من جلسات «المجلس المركزي» يعقّد الانقسام الفلسطيني

الرئيس محمود عباس خلال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله الأربعاء (إ.ب.أ)
الرئيس محمود عباس خلال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

انسحاب «الجبهة الديمقراطية» من جلسات «المجلس المركزي» يعقّد الانقسام الفلسطيني

الرئيس محمود عباس خلال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله الأربعاء (إ.ب.أ)
الرئيس محمود عباس خلال الدورة الثانية والثلاثين للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله الأربعاء (إ.ب.أ)

أثار إعلان «الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين» تعليق مشاركتها وانسحابها من جلسة «المجلس المركزي» الفلسطيني في دورته الـ32، بجميع مندوبيها الموجودين في رام الله وفي الخارج، الكثير من الجدل حول أهمية انعقاد الجلسة في ظل الوضع الفلسطيني الحالي، خاصةً أن جدول أعمالها منصب بشكل أساسي على استحداث منصب لنائب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

وانسحب وفد «الجبهة الديمقراطية» بعد أن انتهت نائبة الأمين العام لـ«الجبهة»، ماجدة المصري، من كلمتها أمام اجتماع «المجلس المركزي» الذي انعقد في رام الله، يوم الأربعاء، ويستمر حتى يوم الخميس. وسجلت ماجدة المصري في كلمتها اعتراض «الجبهة» بشكل واضح على آلية عقد الدورة، في ظل غياب التحضيرات اللازمة لعقدها، وغياب الحوار الوطني بين كل الفصائل، إلى جانب اعتراضها على تصريحات الرئيس محمود عباس ضد حركة «حماس».

وقالت، في مؤتمر صحافي، عُقد الخميس في رام الله: «قررنا الانسحاب مما تبقى من جلسات المجلس المركزي لما يمكن أن يترتب في نهايتها من نتائج خطرة، خاصة أن المؤشرات التي جاءت في خطاب الرئيس (عباس) تشير إلى خطورة المرحلة، وما يمكن أن يخرج عن المجلس من نتائج».

خريطة طريق «الجبهة الديمقراطية»

الدورة الثانية والثلاثون للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية في رام الله 23 أبريل 2025 (أ.ب)

وأضافت أن «الجبهة» قدمت خريطة طريق سياسية وطنية للمجلس المركزي والقوى الوطنية تتضمن العديد من النقاط، أبرزها تفعيل الإطار القيادي المؤقت لمنظمة التحرير، وأن تتقدم الفصائل غير المنضوية في المنظمة بطلبات رسمية للانضمام إليها، وفق ما جرى التوافق عليه في اتفاق بكين، وعقد دورة جديدة للمجلس يتم فيها الاعتراف بهذه الفصائل، بحيث يجري انتخاب لجنة تنفيذية جديدة، واعتماد استراتيجية وطنية نضالية، وأن يتم تشكيل حكومة توافق وطني، وتشكيل وفد تفاوضي موحّد بقيادة منظمة التحرير، وبمشاركة «حماس»، و«الجهاد الإسلامي».

وحذرت خريطة الطريق، التي قدمتها «الجبهة الديمقراطية»، من تمرير إجراءات شكلية تفرضها إملاءات خارجية، منها استحداث منصب نائب رئيس المنظمة، إذ أكدت ماجدة المصري أن «هذه إجراءات لا تعالج أزمة النظام السياسي، بل تفاقمه، وتوسع الفجوة بينه وبين الجماهير»، مضيفة: «نحن لن نكون طرفاً في إضفاء شرعية زائفة على هذه الإجراءات».

«الاستجابة للضغوط الغربية»

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض 7 أبريل 2025 (أ.ف.ب)

من جانبه قال عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير عن «الجبهة الديمقراطية»، رمزي رباح، إن جلسة «المجلس المركزي» جاءت استجابة لجملة من الضغوط الغربية، وتحديداً الأميركية، مشيراً إلى أن هذه الضغوط جاءت ضمن شروط لوقف الحرب في غزة، ونزع سلاح الفصائل، واستبعاد حركة «حماس» من الحكم، وإنجاز ترتيبات أمنية بإشراف خارجي بما يحقق احتياجات إسرائيل الأمنية.

وأضاف رباح أن «ضغوطاً سياسية تمارس على السلطة تحت عنوان الإصلاح، أي بمعنى تأهيل السلطة لدور قادم ينسجم مع متطلبات الخطة الأميركية المطروحة للقضية الفلسطينية، وترتيبات المنطقة برمتها». وأشار إلى أن «هذه الضغوط بدأت تأخذ مساراً خطيراً، وهو طمس قضية الأسرى، والتعليم، وتعديل محتوياته، وإفراغه من المحتوى الوطني، والتحريض لإفراغ الخطاب الوطني، إلى جانب دعوات لإصلاح الأجهزة الأمنية للعب دور شرطي في إطار المشروع الأمني المطروح».

وبين أن المستوى الثالث من الضغوط يدور حول إدخال تعديلات هيكلية على بنية النظام السياسي الفلسطيني، بما يسمح لأميركا بوجود يد طويلة لها في النظام، وهذا جرى عبر استحداث منصب نائب للرئيس.

ولفت إلى أن ضغوطاً إقليمية ودولية، وتحديداً من واشنطن، قد مورست على قيادة السلطة لعقد المجلس المركزي بالصيغة التي جرى عقد «المركزي» عليها، ولذلك «استغربنا من حديث الرئيس عن الإفراج عن أسرى الاحتلال، ونزع سلاح المقاومة»، وفق ما أعلن في المؤتمر الصحافي.

وتابع القيادي في «الجبهة الديمقراطية» قوله إن «هذا الحديث لا يجوز، ويشكل خطورة كاملة بتلبية مطالب أميركا وإسرائيل، لأن الاستجابة لذلك ستؤدي إلى تشجيع إسرائيل على الاستمرار في عدوانها تحت عنوان تنظيف جيوب المقاومة، لخلق البيئة معنوياً واجتماعياً للتهجير وفق مخطط نتنياهو». وأكد رباح أن التسرع في عقد جلسة المجلس المركزي بهذا الشكل «تلبية لإملاء وضغوط الخارج في ظل نزعة داخلية تميل للتفرد بالقرار دون الشراكة، وهذا لا يمكن توفير الغطاء له».

بيان «الجبهة الديمقراطية»

اجتماع الفصائل الفلسطينية في الصين انتهى بتوقيع إعلان بكين لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الفلسطينية (رويترز)

وسبق ذلك أن قالت «الجبهة الديمقراطية» في بيانها الرسمي إن «تعليق المشاركة، وانسحاب الوفد جاء احتجاجاً على عدم التجاوب مع ما طرحه وفد (الجبهة) من محددات لجهة استعادة الوحدة الوطنية، وصياغة استراتيجية عمل وطني لمواجهة تداعيات حرب الإبادة في قطاع غزة، ومخطط الضم في الضفة، وعدم تطبيق قرارات المجلسين الوطني والمركزي، ومخرجات إعلان بكين».

واعتبرت «الجبهة» أن طريق الوحدة تتحقق من خلال البحث عن قواسم مشتركة، وليس بطريقة تعميقها، مشيرةً إلى أنه تم التوصل إلى هذه القواسم من خلال اجتماع بكين، وأنها كانت تأمل أن تكون دورة المجلس المركزي هي التي تنهض بالوظيفة التوحيدية، لذلك دعت للتحضير لدورته في اجتماع على مستوى الأمناء العامين لكل الفصائل الفلسطينية، بما فيها «حماس» و«الجهاد الإسلامي».

واعتبر بعض المراقبين أن موقف «الجبهة الديمقراطية» حسم الجدل الذي كان دائراً من أن هذه الدورة هدفها السماح لبعض الأطراف بزيادة التفرد بالقرار الفلسطيني بدلاً من البحث عن قاسم مشترك يجمع كل الأطياف السياسية تحت مظلة منظمة التحرير، بما ينهي حالة الانقسام، وإبقاء الفلسطينيين تحت حكومة وسلطة واحدة قادرة على أن تقودهم إلى بر الأمان في ظل التغول الإسرائيلي.

«مشاركة الكل»

أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» حسين الشيخ خلال اجتماع «المجلس المركزي» 23 أبريل 2025 (إ.ب.أ)

وقال المحلل السياسي مصطفى إبراهيم إن هذه الخطوة تأتي استكمالاً لخطوات اتخذتها فصائل يسارية تريد البحث في تجليات الوحدة الوطنية، ومشاركة الكل، وهذا جزء مما يطرحه الشعب الفلسطيني، والفصائل التي تريد أن تكون هناك إعادة ترتيب للمجلسين الوطني، والمركزي.

وكانت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وحركة «المبادرة الوطنية»، وهما من فصائل منظمة التحرير، قد استبقتا عقد الدورة بإعلان عدم مشاركتهما في تلك الاجتماعات، احتجاجاً على عدم دعوة فصائل فلسطينية أخرى، وعدم الالتزام بمخرجات الحوارات الوطنية التي عقدت سابقاً، واتهام حركة «فتح» بالتفرد بالقرار الفلسطيني.

وقال أمين عام «المبادرة الوطنية»، مصطفى البرغوثي، في تصريحات متلفزة، إن حركته لا تقبل أن تكون المسألة في المجلس المركزي مجرد الإدلاء برأيك، ثم يفعل الآخرون ما يشاءون، مضيفاً في تعقيبه على خطابات، بما فيها خطاب الرئيس عباس: «️سمعنا عبارات غير لائقة بالوحدة الفلسطينية، بل تعمّق الانقسامات الداخلية، ولا يجب أن تقال، وآخر ما يمكن أن يكون مقبولاً هو لوم الضحية على ما ترتكبه إسرائيل من جرائم».


مقالات ذات صلة

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الرئيس عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الفلسطينية في رام الله السبت (الرئاسة الفلسطينية)

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

الفلسطينيون ينتخبون في أول انتخابات منذ الحرب وتكتسب أهميتها في أنها شملت جزئياً قطاع غزة وتستجيب لمطالب إصلاح وتؤسس لنظام سياسي جديد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس خلال اجتماع للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين في بروكسل الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

السلطة الفلسطينية ماضية في «إصلاح شامل»... لكنها تخشى مخططات إسرائيل

قال رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، إن السلطة تعمل على إصلاح شامل استعداداً للدولة الفلسطينية المرجوة، لكن «إسرائيل تقوض الدولة والسلطة معاً بشكل منهجي».

كفاح زبون (رام الله)

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

وقف النار في جنوب لبنان يترنح

الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد جراء غارات إسرائيلية استهدفت النبطية الفوقا في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري سُجّلت خلاله عشرات الضربات الجوية الإسرائيلية، وقصف أطلقه «حزب الله» باتجاه قوات إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية.

ووسع الجيش الإسرائيلي، أمس، إنذارات إخلاء البلدات اللبنانية لتشمل 7 بلدات واقعة شمال نهر الليطاني للمرة الأولى منذ تطبيق الاتفاق قبل عشرة أيام، مما يهدد الهدنة.

واتهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، «حزب الله»، بـ«تقويض» الاتفاق، وقال: «نحن نعمل بقوة وفق الترتيبات المتفق عليها مع الولايات المتحدة، وبالمناسبة أيضاً مع لبنان»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني حرية العمل، ليس فقط للرد على الهجمات».

في المقابل، رفض «حزب الله» تلك الاتهامات، وتوعد بالرد العسكري، قائلاً: «لن ننتظر أو نراهن على دبلوماسية خائبة أثبتت فشلها».


العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً
TT

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

العراق في «فراغ دستوري» حكومياً

يدخل العراق اليوم فراغاً دستورياً على مستوى الحكومة، مع نهاية مهلة الـ15 يوماً اللازمة لتقديم مرشح لرئاسة الوزراء، وعدم تمكن «قوى الإطار التنسيقي» من الاتفاق على اسم واحد، في اجتماعها مساء السبت، رغم مرور أكثر من 5 أشهر على إجراء الانتخابات البرلمانية أواخر العام الماضي، ونحو نصف شهر على انتخاب نزار آميدي رئيساً للجمهورية.

ويتكون «الإطار التنسيقي» من 12 شخصية شيعية متفاوتة الثقل السياسي والانتخابي؛ مما أدى إلى تعقيد عملية اختيار رئيس وزراء جديد يخلف الحالي محمد شياع السوداني، رغم كثرة المرشحين لهذا المنصب وتجاوز عددهم الأربعين.

ويرى مراقبون أن دخول البلاد فراغاً دستورياً أوقع «الإطار» الشيعي في حرج سياسي كبير، فيما يحاول بعض قواه تبريره بالقول إنه لا شروط جزائية جرّاء هذا الفراغ.


«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
TT

«أطفال درعا» يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» خلال محاكمة عاطف نجيب

نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)
نشطاء رفعوا صور أطفال قُتلوا في بداية الانتفاضة السورية خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا خلال حكم بشار الأسد الأحد (أ.ب)

الشابة ذات الثمانية والعشرين عاماً كادت ترقص فرحاً وهي تشدو من خلف نقابها الأسود «جاييك الدور يا دكتور» وسط المتجمهرين أمام باب قاعة المحكمة في أثناء انعقاد أولى جلسات محاكمة عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا.

الشابة التي كانت عند اندلاع الاحتجاجات في درعا 2011، بعمر 15 عاماً لم تسعفها الكلمات للتعبير عن مشاعرها لـ«الشرق الأوسط»، ثم قالت: «أنا من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة، كل أبناء عمومتي وكل أبناء درعا تعرضوا للاعتقال والملاحقة والقتل، الفرحة كبيرة بمحاكمة القاتل، اليوم انتصرنا، وأتمنى القصاص لكل من انتهك حقوق الإنسان في سوريا».

إغلاق شرطة مكافحة الشغب لقاعة المحكمة الجنائية في دمشق أمام الجمهور خلال الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا (أ.ب)

أمام باب القاعة وفي أروقة القصر العدلي الواقع في شارع النصر، انتشر عناصر حفظ النظام بكثافة، بينما احتلت كاميرات الإعلام معظم مساحة القاعة؛ ما أثار استنكار أطراف الادعاء الشخصي الذين جاءوا من محافظة درعا في ساعات الصباح الباكر، واضطروا إلى الانتظار خارج القاعة إلى أن يُنادى عليهم.

صرخ أحدهم: «هل الإعلاميون أولى بالحضور من أصحاب الادعاء؟ إلا أن أحداً لم يجب وسط ضوضاء القصر العدلي، حيث تابعت دوائره ومحاكمه سير أعمالها الاعتيادي، رغم الحضور الكثيف لعناصر حفظ النظام في الأروقة، وأمام باب القاعة لتنظيم دخول الراغبين بحضور لحظة تاريخية نادرة، يجتمع فيها المتهم مع ضحاياه تحت قوس العدالة».

علا أبا زيد كانت بين الأطفال الذين اعتُقلوا في قضية أطفال الحرية بدرعا 2011 (الشرق الأوسط)

أكثر من 50 شخصاً قدموا من درعا بينهم 6 شبان من الذين اعتقلهم عاطف نجيب في فبراير (شباط )2011 فيما عُرف حينها بقضية «أطفال الحرية»، وذلك بتهمة كتابة عبارة «أجاك الدور يا دكتور» على جدار إحدى المدارس.

في حينها، اعتُقل أكثر من 20 طفلاً بتهمة الكتابة على الجدران «أية كتابة حتى لو كانت اسم شخصي أو ذكرى طفولية بريئة»، وفق ما قالته علا أبا زيد لـ«الشرق الأوسط»، وقد جاءت مع شقيقها عبد الرحمن لحضور المحاكمة بصفة طرف الادعاء، حيث سيواجه شقيقها مع 5 آخرين منهم أحمد وإبراهيم رشيدات وسامر الصياصنة وإياد خليل، المتهم عاطف نجيب بالأدلة على اعتقالهم وتعذيبهم حين كانوا تلاميذ في المدرسة.

شابة من عائلة الشيخ أحمد الصياصنة في درعا تعرضت وأقرانها الصغار للاعتقال والقتل (الشرق الأوسط)

تقول علا إن نجيب ينكر اعتقال الأطفال وتعذيبهم، علماً أن كل من دخل سجون الأسد دون استثناء تعرض لشتى صنوف التعذيب الرهيب. كانوا أطفالاً أكبرهم أربعة عشر عاماً، منهم من استُشهد لاحقاً، ومنهم من هاجر، ومنهم من بقي وجاء ليشهد أمام المحكمة.

وطالبت علا السلطات السورية بالاهتمام أكثر بتنظيم وصول أصحاب الادعاء إلى قاعة المحكمة، متمنية أن ينال نجيب وكل من ارتكب انتهاكات من رموز النظام البائد بحق السوريين الجزاء العادل، وأن «يجربوا طعم المرار الذي تجرعه أهالي المعتقلين والشهداء والمفقودين».

إياد خليل أول معتقل بقضية أطفال الحرية في درعا عام 2011 (الشرق الأوسط)

إياد خليل الذي كان ينتظر مناداته لدخول القاعة والاستماع لشهادته، قال: «أنا أول معتقل في الثورة السورية في 8 فبراير 2011، كان عمري أربعة عشر عاماً»، مشيراً إلى إعاقة جسدية في ساقه: «هذه بسبب التعذيب... أذاقونا كل أنواع التعذيب لانتزاع اعتراف بأن جهات خارجية دفعتنا للكتابة على جدار المدرسة، لكني فعلت ذلك بسبب الظلم».

لا يبدو أياد فرحاً بالمحاكمة بقدر ما هو غاضب ومهتم برد الاعتبار: «عندما سمعت بنبأ اعتقال عاطف نجيب» بادرت فوراً إلى رفع دعوى قضائية عليه، وأنتظر صدور حكم الإعدام بحقه».

الجمهور الذي حضر لمتابعة جلسات محاكمة العميد عاطف نجيب المتهم بحملة القمع العنيفة ضد المتظاهرين بداية الصراع السوري في درعا (إ.ب.أ)

محامٍ من المراجعين للقصر العدلي انضم للحشود أمام قاعة محكمة الجنايات وهو يتابع البث المباشر لوقائع المحكمة عبر شاشة هاتفه المحمول، قال لزميله مستغرباً مشهد بكاء عاطف نجيب لدى وصوله إلى القصر العدلي: «عليه أن يبكي فرحاً؛ لأنه يساق إلى المحكمة باحترام». رد أحد الحضور: «لو أن هناك عقوبة أقسى من الإعدام لطالبنا بها».

العميد الركن عاطف نجيب المسؤول السابق في النظام السوري يدخل إلى جلسة محاكمته في دمشق الأحد (إ.ب.أ)

وتمنى عبد الحكيم السرحان أحد المدعين في قضية اقتحام الجامع العمري عام 2011 الذي تأذى منه كل سكان الحي، أن يكون تقرير مصير عاطف نجيب في الساحة أمام الجامع العمري، وقال: «لقد كان رئيس الفرع السياسي في درعا أي رجل الدولة الأول في محافظة درعا، وكل ما ارتُكب من انتهاكات في درعا حينها كان بأوامر منه».

أحد الحاضرين قال إن «نجيب ارتكب مجزرة أمام باب فرع الأمن السياسي عام 2011 قُتل فيها اثنا عشر شخصاً، وأصيب اثنان وثلاثون شخصا آخرون»، وطالب أن يحاسب عليها هو وكل رؤساء الأفرع الأمنية والشبيحة في درعا.

ياسر عطا عبد الغني من الجولان المحتل فقد اثنين من أشقائه في محافظة درعا (الشرق الأوسط)

أما باسل مريج، فأصيب في مجزرة النفق عام 2013، وقال إنه ضمن فريق الادعاء على رموز نظام الأسد. ويتألف الفريق من أكثر من 46 شخصاً من درعا، جاءوا جميعهم لحضور المحاكمة. رفع باسل كفاً مبتورة الأصابع نتيجة إصابته: «قُتلت عائلتي، زوجة وطفلان، في مجزرة النفق في درعا، مع أكثر من 24 مدنياً بينهم نساء وأطفال». وشدد على وجوب محاكمة كل من أعطى أوامر بالقصف والتدمير والقتل.

في حين أن ياسر عطا عبد الغني المنحدر من الجولان المحتل، ويسكن في حي القدم جورة الشرباتي، رأى أن القبض على المتهم الرئيسي في مجزرة حي التضامن أمجد يوسف، والبدء بمحاكمة رموز النظام المخلوع «فرحة كبيرة لكل أهالي الشهداء والمفقودين والمهجّرين»، متمنياً القصاص من كل من تسبب في تدمير سوريا.

عبد الغني فقد اثنين من أشقائه منذ عام 2012، ولا يعرف عنهما شيئاً، ولا يعرف ماذا يفعل، هل يقوم بإصدار شهادة وفاة لهما أم ينتظر، مؤكداً أن بدء مسار العدالة «يهدئ قلوب المكلومين»، وطالب السلطات السورية بتسريع مسار العدالة الانتقالية رأفة بذوي الضحايا.