العراق لتشريع «الحشد»... هيكل جديد بصلاحيات الجيش

مديرية «توجيه عقائدي»... وشركة «المهندس» للمقاولات

TT

العراق لتشريع «الحشد»... هيكل جديد بصلاحيات الجيش

تمرين عسكري لفصائل من «الحشد الشعبي»... (أ.ب)
تمرين عسكري لفصائل من «الحشد الشعبي»... (أ.ب)

أظهرت وثيقة حصلت عليها «الشرق الأوسط» لمسودة قانون جديد لـ«الحشد الشعبي» في العراق منْح «الهيئة» صلاحيات موازية للجيش، فيما حددت هيكلاً تنظيمياً لقيادة المؤسسة، مع تقديم استشارات أمنية للحكومة، وتنفيذ عمليات عسكرية واستخبارية.

وأفادت وثيقة تحمل اسم «قانون هيئة الحشد الشعبي» بأن الأخيرة «جزء من القوات المسلحة، وترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة»، لكنها في الوقت نفسه تمنحها حق التسلح لحماية النظام الديمقراطي والدستوري في البلاد.

وكان البرلمان العراقي قد قرأ القانون الجديد أول مرة يوم الاثنين 24 مارس (آذار) 2025، بعد أن سحبت الحكومة العراقية قانوناً سابقاً يحمل اسم «قانون الخدمة والتقاعد لمجاهدي الحشد الشعبي».

وسحبت الحكومة العراقية، في 11 مارس 2025، مشروع القانون من مجلس النواب بهدف تعديله بسبب خلافات سياسية، ووسط ضغوط أميركية بأن تخضع «الحشد الشعبي» للحكومة العراقية.

وجرى تغيير اسم مشروع القانون إلى «قانون هيئة الحشد الشعبي»، بينما كان اسم المشروع السابق «قانون خدمة وتقاعد مجاهدي الحشد الشعبي».

وحثت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية، تامي بروس، في مؤتمر صحافي يوم 24 مارس الحالي، الحكومة العراقية على أن «تتأكد من سيطرتها على جميع الأجهزة الأمنية داخل حدود العراق، بما في ذلك (الحشد الشعبي)، الذي يجب أن يستجيب للقائد العام، وليس لإيران».

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني يتوسّط رئيس «الحشد الشعبي» فالح الفياض ورئيس أركانه «أبو فدك»... (أرشيفية - إعلام حكومي)

تعريف «الحشد»

يعرّف القانون الجديد «هيئة الحشد الشعبي» بأنها «جزء من القوات المسلحة، وترتبط بالقائد العام»، و«يحظر على منتسبيها الانتماء إلى أي حزب أو ممارسة نشاط سياسي».

ومن شأن إقرار المسودة الجديدة إلغاء قانون «الهيئة» القديم الذي أُقرَّ في عام 2016، كما ستحل «الهيئة» الجديدة، التي تأسست بناء على القانون المعدل، محل «الحشد الشعبي» الحالي.

وحدد القانون الجديد مهمة «الحشد الشعبي» بـ«المساهمة في حماية النظام الديمقراطي في العراق، والدفاع عن البلد وحماية وحدة وسلامة أراضيه، ومكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، والمساهمة في تأمين وحماية الأمن الوطني».

وسيكون «الحشد» ملزماً «بناء وتنظيم جهاز عسكري متكامل من حيث التسليح والتجهيز والتدريب وتطويره، وتسليح وتجهيز المجاهدين وتزويدهم بأحدث المعدات التكنولوجية، وإدخال التقنيات الحديثة ونظم المعلومات لتطوير أساليب العمل في الهيئة»، في حال أقر مجلس النواب القانون الجديد.

وستقدم الهيئة «المعلومات والاستشارة للحكومة في القضايا المتعلقة بالأمن الوطني وسلامة الأراضي العراقية»، وهذا من مهام «جهاز المخابرات» الذي من المفترض أن يقدم الاستشارة للسلطات بشأن التهديدات.

عناصر من «الحشد الشعبي» في مدينة الموصل (رويترز)

هيكل «الحشد»

وتضمنت مسودة القانون الجديد هيكلاً إدارياً لـ«هيئة الحشد الشعبي» لا يختلف كثيراً عمّا هو قائم حالياً، بقيادة رئيس، ورئيس أركان، ودونهما مسؤولو دوائر تخصصية.

ونصّت المسودة على أن «رئيس (الهيئة) هو الرئيس الأعلى والمسؤول عن تنفيذ أعمالها ومهامها، ويمارس الرقابة والإشراف على أنشطتها وفعاليتها، ويكون بدرجة وزير، ويعين وفقاً للقانون».

ولا تشترط هذه الصيغة سناً قانونية للتقاعد؛ مما يعني أن رئيس «الهيئة» الحالي، فالح الفياض، يمكنه الاستمرار في منصبه، بدرجة وزير.

وكان مسؤولون عراقيون وقادة أحزاب بدأوا مفاوضات سياسية لإصلاح «هيئة الحشد الشعبي» استجابة لضغوط أميركية، واقترحوا تعيين ضابط كبير من الجيش رئيساً لـ«الهيئة»، بدلاً من الفياض الذي تجاوز السن القانونية إلى جانب ارتباطه بحزب سياسي.

وحدد القانون الجديد مهام رئيس «الهيئة» بـ«رسم السياسة، وتنفيذ قرارات مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، وإصدار قواعد السلوك والاشتباك الخاصة بمجاهدي (الهيئة)».

ولتعيين رئيس أركان «هيئة الحشد الشعبي»، وضعت مسودة القانون الجديد شرطاً يقضي أن تكون لديه خدمة لا تقل عن 10 سنوات في «الهيئة»، وبرتبة «فريق» أو «فريق أول ركن»؛ مما يعني أن المرشحين للمنصب سيكونون من بطانة الفصائل المسلحة أو ضباطاً موالين لها.

وحدد القانون الجديد مهام رئيس أركان «الهيئة» بـ«تنفيذ الخطط والعمليات العسكرية والاستخباراتية، والإشراف على تسليح وتجهيز وتدريب مجاهدي (الهيئة)، والرقابة على سير النظام العسكري في (الهيئة)».

وفي حال أُقرت المسودة، فإن حسابات «(هيئة الحشد الشعبي)... ستخضع لرقابة وتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي».

«مجاهد»... و«أكاديمية»

وردت كلمة «المجاهد» 4 مرات في مسودة القانون لوصف العنصر المقاتل في «الحشد الشعبي»، كما منحت «الهيئة» حق تأسيس مديرية تحمل اسم «التوجيه العقائدي».

وتنص المسودة على «نشر ثقافة الدفاع عن الوطن وتشجيع المواطنين على التعاون مع (هيئة الحشد الشعبي)».

وكان القانون السابق قد تضمن تصنيفات لعناصر «الحشد الشعبي» شملت أوصافاً عقائدية؛ من بينها العنصر «المبلغ» المكلف الإرشاد الديني والعقائدي.

ووفق المسودة الجديدة، فإن «الهيئة» تؤسس «أكاديمية الحشد الشعبي» التي تتمتع بالشخصية المعنوية وترتبط برئيس «الهيئة»، وتمنح شهادة البكالوريوس في العلوم العسكرية. إلى جانب تأسيس «شركة المهندس العامة للمقاولات» لتنفيذ مشروعات إنشائية وهندسية وميكانيكية.

وفقاً للمسودة، فإن «الحشد الشعبي» سيشترك مع الجيش العراقي وجهاز المخابرات في عدد من المهام التي حددها الدستور؛ أبرزها «الدفاع عن العراق وحماية النظام الديمقراطي»، و«مكافحة الإرهاب بجميع أشكاله»، و«تقديم الاستشارات الأمنية للحكومة»، و«تنفيذ العمليات العسكرية اللازمة لحماية العراق»، و«تنفيذ عمليات عسكرية واستخباراتية».


مقالات ذات صلة

اعتراف متأخر بتمركز إسرائيلي «مؤقت» في العراق

المشرق العربي «الحشد الشعبي» العراقي أطلق عملية «فرض السيادة» في صحراء كربلاء جنوب البلاد يوم 12 مايو 2026 (موقع الهيئة)

اعتراف متأخر بتمركز إسرائيلي «مؤقت» في العراق

ما زالت السلطات العراقية تسعى لتلافي الحرج الذي تسببت فيه تقارير عن تمركز قوة إسرائيلية بالمنطقة الصحراوية بين محافظتَي النجف وكربلاء مطلع مارس (آذار) الماضي...

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي إحدى جلسات البرلمان العراقي في بغداد مارس 2026 (واع)

ضغوط أميركية تعقّد مهمة الزيدي قبيل إقرار الحكومة العراقية

تصاعدت الضغوط الأميركية على الحكومة العراقية المقبلة بالتزامن مع تحركات المكلف تشكيلها علي الزيدي لعرض برنامجه الوزاري وتقديم كابينته الحكومية إلى البرلمان.

حمزة مصطفى (بغداد)
خاص دورية تابعة لأحد ألوية «الحشد الشعبي» (موقع الهيئة)

خاص «الشرق الأوسط» تكشف عن لجنة عراقية لنزع سلاح الفصائل

علمت «الشرق الأوسط» أن لجنة عراقية تضم 3 شخصيات رفيعة تقترب من إنجاز «مشروع تنفيذي» لنزع سلاح الفصائل، تمهيداً لعرضه على مسؤولين أميركيين.

علي السراي (لندن)
خاص عنصر من «الحشد الشعبي» على دراجة نارية في دورية غرب البلاد (موقع الهيئة) p-circle

خاص حرب إيران في ميدان العراق... مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

ينظر إلى التحالف الحاكم في العراق على أنه «خصم» لا يريد القتال، ولا ينزع السلاح، كما هي الصورة الإقليمية الأوسع؛ لا حرب ولا سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

علي السراي (بغداد - لندن)
المشرق العربي 
أرشيفية لرئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

واشنطن تربط دعم بغداد بإقصاء الفصائل

ربطت واشنطن دعمها لبغداد بمباشرة «إجراءات ملموسة» من شأنها إقصاء الجماعات المسلحة الموالية لإيران عن مؤسسات الدولة.

فاضل النشمي (بغداد)

إغلاق المؤسسات المسيحية في القدس وسط اعتداءات المستوطنين

يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
TT

إغلاق المؤسسات المسيحية في القدس وسط اعتداءات المستوطنين

يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)
يهود متطرفون عند «بوابة دمشق» في القدس القديمة الخميس (إ.ب.أ)

عشية الذكرى العبرية لاحتلال القدس، شهدت المدينة المقدسة، اليوم (الخميس)، سلسلة اعتداءات استيطانية عنيفة، مدعومة من الشرطة الإسرائيلية، شملت اقتحامات واسعة للمسجد الأقصى المبارك، واعتداءات على الحي الإسلامي في البلدة القديمة، وفرض أشبه بحظر التجول في حي النصارى، قرب باب الخليل، وإقامة حلقات رقص هستيرية بأعلام إسرائيل.

وقال شاهد عيان لـ«الشرق الأوسط» إن رجال الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود وقوات المخابرات احتلوا البلدة القديمة داخل الأسوار وخارجها من جديد، وأغرقوا المكان بالأعلام الإسرائيلية في مظاهرة استعراض عضلات، تبين كم هي فاقدة الثقة بسيطرتها. ومع أن قيادة الشرطة أعلنت أنها ستفرض النظام بالقوة وتمنع العنف، فقد هاجم عدد كبير من المستوطنين كل من صادفوه في طريقهم وكسروا عدداً من واجهات المحلات التجارية الفلسطينية. وعندما حاول مواطنون التصدي لهم، استلوا العصي التي حملوها وراحوا يعتدون بالضرب، وسط عدم اكتراث من رجال الشرطة، الذين راقبوا المكان بقواتهم على الأرض وعشرات الحواجز العسكرية في مداخل المدينة وبالكاميرات المنصوبة في كل قرنة وزقاق. واعتدوا على مجموعة من أنصار السلام اليهود الذين حضروا للتضامن مع الفلسطينيين والمشاركة في صدّ الاعتداءات.

الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير يحمل علماً أمام المسجد الأقصى في القدس القديمة الخميس (رويترز)

ويقوم المستوطنون الإسرائيليون، تحت غطاء كامل من الحكومة، بما يعرف بـ«مسيرة الرقص بالأعلام (الإسرائيلية)»، في الذكرى السنوية لاحتلال القدس الشرقية (بحسب التقويم العبري)، بمشاركة عشرات الآلاف. وبسبب الاعتداءات «التقليدية»، حاول الفلسطينيون تفادي الصدام. فقررت جميع المؤسسات المسيحية إغلاق أبوابها ومتاجرها، وأغلق سائر الفلسطينيين في الحي الإسلامي متاجرهم، كما أصدرت سلطات الاحتلال بلاغات لتجار البلدة القديمة ومحيطها، تطالبهم بإغلاق محالهم التجارية عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، تزامناً مع مرور مسيرة الأعلام. لكن هذا لم يحمهم من الاعتداءات.

وقد تدفق نحو ألف مستوطن منهم إلى المسجد الأقصى من جهة باب المغاربة، وأدّوا الطقوس والصلوات داخل باحاته، وذلك تحت حماية مشددة من قوات الاحتلال. وذكرت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن المستوطنين أدّوا شعائر وطقوساً تملودية، بينها ما وصف بـ«السجود الملحمي»، في المنطقة الشرقية من المسجد الأقصى، وتحديداً في محيط باب الرحمة. كما أشارت إلى أن عضو الكنيست، أرييل كيلنر، شارك في قيادة مجموعات المقتحمين خلال الاقتحام الصباحي.

شرطيتان إسرائيليتان تحتجزان امرأة في القدس القديمة الخميس (رويترز)

وبالمقابل، فرضت شرطة الاحتلال قيوداً مشددة على دخول المسلمين الفلسطينيين إلى المسجد الأقصى، من خلال التفتيش الدقيق واحتجاز الهويات على البوابات الخارجية، ما يحدّ من حرية الوصول إلى المسجد في هذه الفترة. كما فرضت الشرطة إجراءات مشددة تمنع بموجبها دخول الرجال دون سن 60 عاماً، والنساء دون 50 عاماً، منذ صلاة الفجر، إلى جانب اعتداءات بالضرب والدفع على عدد من المصلين عند بوابات المسجد.

كما أُجبر المصلون وموظفو الأوقاف وطلاب المدرسة الشرعية على المكوث داخل المصليات المغلقة فقط، ومنعهم من البقاء في ساحات المسجد، ما أدى إلى تقليص أعداد الموجودين إلى نحو 150 شخصاً، مقابل دخول أكثر من 200 مستوطن خلال الساعة الأولى من الاقتحام. وأفادت دائرة الأوقاف الإسلامية بأن 620 مستوطناً و78 طالباً يهودياً اقتحموا ساحات المسجد الأقصى، صباح اليوم، تحت حماية قوات الاحتلال الإسرائيلي.

شبان يهود يتجمعون في القدس القديمة الخميس (د.ب.أ)

يذكر أنه في نهاية عام 2024، بلغ عدد السكان العرب في القدس نحو 400 ألف نسمة، أي ما يعادل نسبة 40 في المائة من عموم سكان المدينة، ونحو 70 في المائة من سكان المدينة الشرقية المحتلة. وبحسب إحصائيات إسرائيلية رسمية، فإن 60 في المائة من الفلسطينيين في المدينة يعيشون دون خط الفقر (مقابل 39 في المائة في أوساط المواطنين العرب في إسرائيل). وأكثر من 90 في المائة منهم ينتمون إلى الشريحة الاجتماعية والاقتصادية الأولى، في أسفل الهرم. وهم يعانون من مخططات إهمال في جميع مجالات الحياة، ضمن السعي إلى ترحيلهم.

وأقيمت في المدينة 14 حياً استيطانياً يهودياً. لكن في السنوات الأخيرة تقوم ميليشيات يهودية استيطانية بتنفيذ اعتداءات عنيفة بغطاء من الشرطة وحرس الحدود، بشكل منهجي على مدار اليوم. وبحسب البروفسور يسكا هراني، وهي باحثة في شؤون المدينة، فإن الشرطة سجّلت 181 اعتداء على مسيحيين من هؤلاء المستوطنين خلال السنة المنصرمة، عدا الاعتداءات التي يتعرض لها رجال الدين المسيحيون، والراهبات بشكل خاص.


بري يترك كلمة الفصل للنتائج في ملف المفاوضات مع إسرائيل

نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)
نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)
TT

بري يترك كلمة الفصل للنتائج في ملف المفاوضات مع إسرائيل

نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)
نساء ينتحبن على نعش عنصر في الدفاع المدني قُتل بغارة إسرائيلية في جنوب لبنان (أ.ب)

استبق «حزب الله» انطلاق المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية المباشرة في واشنطن برعاية أميركية بإعلان تبرئه من أي اتفاق يمكن التوصل إليه. ويكمن البديل، من وجهة نظره، برهانه على الاتفاق الإيراني - الأميركي واضعاً أوراقه في سلة طهران، برغم أن لا شيء نهائياً حتى الساعة، وهو يتأرجح تحت ضغط تبادل الشروط بينهما، ويتعامل مع هذا المسار على أنه يكاد يكون الأقوى لإيقاف العدوان الإسرائيلي، داعياً إلى خيار المفاوضات غير المباشرة والانسحاب من المباشرة التي تشكل، كما قال أمينه العام نعيم قاسم في بيانه الأخير، أرباحاً خالصة لإسرائيل، وتنازلات مجانية من السلطة اللبنانية.

فقاسم برفضه المفاوضات المباشرة، فاته الإجابة على سؤال غالبية اللبنانيين ما إذا كان لدى بلدهم القدرة على الصبر في حال طال أمد المفاوضات غير المباشرة برعاية باكستانية وتخلله تبادل الشروط بين واشنطن وطهران، التي توجّه إليها بالشكر سلفاً على اهتمامها بلبنان وشعبه؟ وهل يتحمل الجنوب إصراره على شراء الوقت إفساحاً في المجال أمام التوصل لاتفاق يبدو أن ظروفه ليست ناضجة حتى الساعة.

إيداع أوراق «حزب الله» بيد طهران

وفي هذا السياق، رأى مصدر وزاري أن ما أورده قاسم في بيانه الأخير لا يحمل جديداً، وكان سباقاً لإيداع أوراقه بلا أي تحفظ بعهدة إيران بدلاً من وضعها بتصرف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون لتقوية الموقف اللبناني في المفاوضات، خصوصاً أنه يشترط ذلك أساساً لبدئها تثبيت وقف النار، وتمسكه بالثوابت الوطنية التي ضمّنها قاسم في بيانه، ولا أظن أنها تشكل نقطة خلاف بين القوى السياسية، وتكاد تكون جامعة وتحظى بتأييد اللبنانيين بمن فيهم «الثنائي الشيعي» المكون من «حزب الله» وحركة «أمل» بقيادة رئيسها رئيس المجلس النيابي نبيه بري.

قنابل مضيئة أطلقتها المدفعية الإسرائيلية باتجاه بلدة أرنون في جنوب لبنان (رويترز)

وسأل المصدر الوزاري قاسم عن الأسباب التي تملي عليه رفضه التموضع خلف الدولة في خيارها الدبلوماسي؟ وهل لم يحن الوقت لإعطاء الفريق اللبناني المفاوض فرصة لعله يتوصل لاتفاق مع إسرائيل وبعدها لكل حادث حديث؟ وقال لـ«الشرق الأوسط» إن لا مصلحة لـ«حزب الله» بحرق المراحل وإصداره الأحكام المسبقة على النيات قبل بدء المفاوضات لتبيان الخيط الأبيض من الأسود، ليكون في وسعه أن يبني على الشيء مقتضاه مع إصرار إسرائيل على تبرير عبورها لبلدتي زوطر الغربية والشرقية بذريعة إلحاقهما بجنوب الليطاني ومعهما بلدات أرنون ويحمر وكفرتبنيت، وهذا ما طالبت به لدى تثبيت الحدود الجغرافية لمنطقة جنوب نهر الليطاني وقوبل برفض لبناني، باعتبار أن جميعها تقع في شمال النهر وليست مشمولة بما نص عليه اتفاق وقف الأعمال العدائية في منطقة العمليات المشتركة التي تقضي بنشر الجيش بمؤازرة قوات الطوارئ الدولية «يونيفيل» في البقعة الممتدة من جنوبه حتى الحدود الدولية مع إسرائيل.

وتوقف أمام موقف بري، وقال إنه وإن كان لا يؤيد المفاوضات المباشرة فهو في المقابل يتصرف بواقعية ويمتنع عن إطلاق النار، بالمفهوم السياسي للكلمة، على الوفد المفاوض، وتبقى «كلمة الفصل» لديه على النتائج، شرط أن تحفظ الحقوق المشروعة للبنان وسيادته على أرضه، وهذا يكمن وراء إصراره على تثبيت وقف النار، لدى اجتماعه بالسفير الأميركي في بيروت، ميشال عيسى، قبل توجهه إلى واشنطن للالتحاق بالوفد الأميركي الذي يرعى المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، ونقل عنه زواره قوله أمامه: «أعطونا وقف النار والباقي علينا».

تمايز بري عن «حزب الله»

فبري وإن كان يلتقي، بحسب المصدر، مع حليفه «حزب الله» برفضه المفاوضات المباشرة، فهو يتمايز عنه بعدم استباق نتائجها، وهذا ما ينسحب أيضاً على نواب كتلته النيابية، خلافاً لزملائهم النواب في كتلة «الوفاء للمقاومة» (حزب الله)، الذين أفرغوا ما في جعبتهم من تهديدات لرئيسي الجمهورية جوزيف وعون والحكومة نواف سلام، يغلب عليها طابع التخوين.

رئيس البرلمان نبيه بري مستقبلاً السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى (رئاسة البرلمان)

ولفت المصدر الوزاري إلى أن «حزب الله» يتصرف، برفضه المفاوضات، وكأنه في الموقع الذي يتيح له فرض شروطه متسلحاً بالوعد الذي قطعه لقيادته عضو الوفد الإيراني المفاوض، وزير الخارجية عباس عراقجي، بأن لبنان مشمول بالاتفاق ولن نتخلى عنه. وقال إن «الثنائي الشيعي»، وإن كانت عينه مشدودة إلى إسلام آباد التي تستضيف المفاوضات الأميركية - الإيرانية، يتصرف سلفاً بأن نتائجها مضمونة بشمولها لبنان، برغم أن بري وإن كان يواكب المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية بحذر ويقاربها عن كثب بانتظار نتائجها، فهو في المقابل لن يكون منزعجاً إذا بقيت تحت سقف التمسك بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها.

واستغرب المصدر إصرار «حزب الله» على أن تحظى المفاوضات المباشرة بإجماع وطني، فيما تفرّد هو بإسناد غزة وإيران من دون عودته إلى الدولة، وهو يحمّلها الآن وزر ما حلّ بجنوب لبنان والضاحية الجنوبية، امتداداً إلى البقاع، من نكبات وكوارث حوّلت الجنوب أرضاً محروقة لا يصلح العيش فيها وتكاد تخلو من سكانها بإصرار إسرائيل على إنذار المقيمين في البلدات الواقعة في شمال النهر على إخلائها.

ودعا «حزب الله» للتواضع، ولو مرحلياً، والكف عن اتباعه سياسة المكابرة والإنكار، والتفاته إلى مراجعة حساباته بدلاً من إقحام الجنوب بمزايدات شعبوية لا تُصرف سياسياً لتأمين عودة النازحين إلى قراهم. وقال إن قيادته تتباهى بما أحاطها به الوزير عراقجي من تطمينات، وهذا ما أبلغته طهران، على حد قول مصدر سياسي يدور في فلك الحزب، للدولة المضيفة؛ أي باكستان، وللدول المعنية بعودة الاستقرار إلى لبنان وخفض منسوب التوتر في المنطقة بالتوصل لاتفاق يشمل إيران.

رد «حزب الله» على التفاوض

وأكد المصدر نفسه أن بيان قاسم هو بمثابة رده المباشر على ما يمكن أن يتوصل إليه لبنان مع إسرائيل. وقال إن قيادة الحزب تثق بلا تردد بما تبلغته من عراقجي وترفض أن تتحضر منذ الآن للمرحلة السياسية، في حال تأخر الاتفاق مع الولايات المتحدة، وهذا يتطلب منها الحفاظ على قنوات التواصل مع عون، وامتناعها عن وضع كل أوراقها في السلة الإيرانية على نحو لا يسمح لها بتدوير الزوايا لتحتفظ لنفسها بخط العودة عن رهانها على الاتفاق الإيراني - الأميركي.

ولفت إلى أن قاسم في بيانه الأخير سعى لرسم الخطوط الحمر التي يتمسك بها في حال تم التوصل إلى اتفاق لبناني - إسرائيلي تحت سقف إنهاء حالة الحرب بين البلدين. وقال إنه استبق النتائج منذ الآن بإعلانه عدم موافقته على تسليم سلاحه للدولة تطبيقاً لحصريته بيدها، مشترطاً أن يأتي تسليمه في إطار التوصل لاستراتيجية أمن وطني للبنان؛ استناداً لما تعهد به عون في خطاب القسم.

خيارات «حزب الله»

وشدد على أن الحزب ليس في وارد إخلاء شمال النهر الذي تصر عليه إسرائيل، بحسب قول مصدر دبلوماسي غربي لـ«الشرق الأوسط»، وإلا لم تكن لتبادر للعبور إلى بلدتي زوطر الشرقية والغربية واعتبارهما جزءاً من الليطاني لمنع الحزب، في حال عدم التوصل لاتفاق قاعدته وقف النار، من استخدامهما ومعهما البلدات المجاورة كونها منصة لإطلاق الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية.

فالدبلوماسي الغربي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، يرى أن لا خيار للحزب سوى وقوفه خلف الوفد المفاوض، طالما أنه يتفق وعون على الثوابت الوطنية التي حددها قاسم في بيانه، وأن عامل الوقت لن يكون لمصلحته بربط موافقته بالاتفاق الإيراني - الأميركي، وهو يدرك سلفاً أن واشنطن تأخذ بوجهة نظر لبنان الرسمي بفصل المسار اللبناني عن الإيراني وعدم ربطهما؛ لأن الانتظار سيرفع من منسوب الخسائر المترتبة على تمادي إسرائيل بتجريفها للقرى وتدميرها الممنهج للمنازل وطلبها من سكان شمال النهر، أسوة بجنوبه، بإخلاء قراهم. وسأل من قال إن واشنطن مستعدة لأن تعيد الاعتبار للنفوذ الإيراني في لبنان، وتوافق على ربط الاتفاق اللبناني بنظيره الإيراني، مع أن كليهما، أي واشنطن وطهران، بحاجة للتوصل عاجلاً وليس آجلاً لاتفاق على إعادة رسم المنطقة بخريطة سياسية جديدة؟


العصابات المسلحة تشرد 10 آلاف فلسطيني في غزة

فتى فلسطيني يقفز بعدما تم تركيب «وصلة ساق اصطناعية» له يقفز في أحد شوارع مدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني يقفز بعدما تم تركيب «وصلة ساق اصطناعية» له يقفز في أحد شوارع مدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

العصابات المسلحة تشرد 10 آلاف فلسطيني في غزة

فتى فلسطيني يقفز بعدما تم تركيب «وصلة ساق اصطناعية» له يقفز في أحد شوارع مدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني يقفز بعدما تم تركيب «وصلة ساق اصطناعية» له يقفز في أحد شوارع مدينة غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

أجبرت العصابات المسلحة المنتشرة في مناطق سيطرة القوات الإسرائيلية بقطاع غزة، أكثر من 10 آلاف فلسطيني من سكان مناطق شرق دير البلح وسط القطاع، على النزوح من مناطق سكنهم تحت تهديد السلاح وقتلهم إذا لم يستجيبوا لطلبها.

وغادر السكان الذين كانوا يعيشون في منطقة أبو العجين، من شارع صلاح الدين الرئيس، وصولاً إلى أكثر من 400 متر شرقاً باتجاه الخط الأصفر، تلك المنطقة بعد أن أمهلوا الأربعاء، عدة ساعات وتحديداً عند الساعة العاشرة مساءً.

توسيع السيطرة الأمنية

وعاش السكان ساعات عصيبة ذكرتهم بحالات النزوح السابقة خلال فترة الحرب، وما زالوا مشردين ما بين مراكز الإيواء التي احتوتهم فيما تبقى من فراغ في ساحاتها الصغيرة، وما بين ما تبقى من منازل أقاربهم، على أمل أن يسمح لهم بالعودة مجدداً.

وبحسب مصادر ميدانية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن عناصر تتبع عصابة شوقي أبو نصيرة، التي تتمركز في مناطق شمال خان يونس ووسط القطاع، هي من دخلت لتلك المناطق وسط غطاء جوي من طائرات مسيّرة إسرائيلية كانت تحلق في سماء المنطقة، وطلبت من السكان المغادرة، مشيرةً إلى أنه لاحقاً تلقى السكان اتصالات من ضابط جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك» المسؤول عن المنطقة وأبلغهم بالرسالة نفسها.

خيام تؤوي نازحين قرب ركام أبنية في مدينة غزة (أرشيفية - رويترز)

وشوهد السكان وهم يحملون بعض أمتعتهم التي استطاعوا نقلها معهم، مثل الملابس والفراش والأغطية وغيرها، في أثناء تنقلهم من شرق دير البلح إلى مناطق وسطها وغربها، وسط مشهد مأساوي غلب فيه العجز والقهر على قوة التحمل بعد عامين من حرب قاسية لم يغب فيها هذا المشهد عن حياة الغزيين.

ووفقاً للمصادر الميدانية، فإن إسرائيل تسعى من هذه الخطوة التي جندت العصابات المسلحة لتنفيذها، إلى توسيع الخط الأصفر مجدداً بعدما كانت وسعته في الأيام الأخيرة بمناطق أخرى من القطاع لتزيد من عملية احتلالها لمناطق القطاع التي اقتربت لتصل إلى نحو 60 في المائة.

وتعمد القوات الإسرائيلية منذ أكثر من أسبوعين إلى توسيع سيطرتها لتشمل مناطق تقع تماماً على شارع صلاح الدين الرئيس الذي يربط مناطق شمال القطاع مع وسطه وجنوبه، لتزيد بذلك المنطقة العازلة التي تصنفها مناطق صفراء والتي تطالب حركة «حماس»، إسرائيل بالانسحاب منها، ضمن مفاوضات وقف إطلاق النار، فيما ترفض تل أبيب ذلك.

تحريض واغتيالات

وتأتي تحركات العصابات المسلحة ميدانياً، مع أخرى عبر «السوشيال ميديا» تقود فيها حملة تحريض كبيرة ضد بعض ضباط شرطة «حماس»، وعناصرها الذين ينشطون ضدها ميدانياً وكذلك إعلامياً.

فتيان فلسطينيون على الشاطئ في دير البلح وسط قطاع غزة الأربعاء (أ.ف.ب)

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر أمنية في خان يونس، جنوب قطاع غزة، أن عمليتي اغتيال ضابطين كبيرين في جهاز الشرطة التابع لحكومة «حماس»، خلال الأيام الأخيرة، جاءتا بعد حملة قاما بها ضد تهريب حبوب مخدرة من قبل عناصر تلك العصابات المسلحة، وكذلك قيادة عملية أمنية ضدهم في جنوب المحافظة نفسها ما أدى لوقوع قتلى وجرحى في صفوف تلك العصابات.

وأدت عمليتا الاغتيال المنفصلتان بواقع عدة أيام، إلى مقتل نسيم الكلزاني قائد شرطة مكافحة المخدرات في خان يونس، ونائل عبد الهادي مدير مباحث المحافظة، وهو أسير محرر وينتمي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» سابقاً، ومعروف عنه أنه من الشخصيات المجتمعية البارزة التي كان لها دور كبير في حل مشاكل عشائرية وحتى حل خلافات تتعلق بعناصر انضمت للعصابات المسلحة وعادت لعوائلها بمبادرة بينه وبين تلك العوائل.

وقتل قبل أيام الناشط في «حماس» عبد الرحمن الشعافي، بعد أن استهدفته طائرة مسيّرة إسرائيلية في منطقة بالقرب من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. وتبين أنه تعرض لحملة تحريض كبيرة من العصابات المسلحة التي هددته بالاغتيال بسبب نشاطاته الإعلامية عبر السوشيال ميديا ضدها، كما تقول مصادر أمنية لـ «الشرق الأوسط»، مشيرةً إلى أن هناك ناشطين آخرين تعرضوا لحملات مماثلة.

وتنشط عصابة شوقي أبو نصيرة بشكل أكبر من العصابات الأخرى في مهاجمة نشطاء «حماس» داخل مناطق سيطرتها، ونفذت عمليات تعد الأكثر جرأةً ضد الحركة، ومنها اغتيال ضابط أمني قبل عدة أشهر، ومحاولات مماثلة لاحقاً.

وطالبت «حماس» والفصائل الفلسطينية خلال مفاوضات القاهرة الأخيرة بالعمل على تفكيك تلك العصابات المسلحة، وهو أمر رفضته إسرائيل وعدّته شأناً فلسطينياً داخلياً، في وقت يدعم الوسطاء وأطراف دولية هذا الطلب الفلسطيني باعتباره أنه سيسهم في التقدم بالمفاوضات بشكل إيجابي ويحقق الاستقرار.

فلسطيني هجر من بيته في نكبة 1948 وسط عائلته في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب قطاع غزة 12 مايو 2026 (رويترز)

تصعيد ميداني

ويأتي ذلك على وقع تصعيد ميداني مستمر في قطاع غزة من قبل القوات الإسرائيلية التي قتلت، الخميس، فلسطينيين في شمال القطاع، أحدهما نتيجة إلقاء قنبلة عليه بشكل مباشر من قبل طائرة مسيّرة في منطقة جباليا البلد، وآخر قنصاً في مخيم جباليا. فيما أصيب 7 فلسطينيين بينهم 3 أطفال في حوادث مماثلة بمناطق متفرقة من القطاع.

وبلغ عدد الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025، إلى أكثر من 860، والإصابات إلى أكثر من 2486.

وتعدّ «حماس» والفصائل الفلسطينية تلك الخروقات الإسرائيلية من قتل وعمليات توسيع السيطرة على الأراضي، استكمالاً للحرب، وتطالب الوسطاء، بإلزام إسرائيل بوقفها، فيما ترفض الأخيرة دون نزع سلاح غزة.