انتهاء «كابوس التجنيد» لدى الشباب السوري بعد إلغاء الخدمة الإلزامية

شكل التواري عن الأنظار أو السفر الملاذ الوحيد للمطلوبين

مدنيون خلال فرارهم من القتال بين معارضين وجيش النظام السوري شرق محافظة حلب أول ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
مدنيون خلال فرارهم من القتال بين معارضين وجيش النظام السوري شرق محافظة حلب أول ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
TT

انتهاء «كابوس التجنيد» لدى الشباب السوري بعد إلغاء الخدمة الإلزامية

مدنيون خلال فرارهم من القتال بين معارضين وجيش النظام السوري شرق محافظة حلب أول ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)
مدنيون خلال فرارهم من القتال بين معارضين وجيش النظام السوري شرق محافظة حلب أول ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

ترك قرار الإدارة السورية الجديدة إلغاء الخدمة الإلزامية ارتياحاً كبيراً لدى فئة الشباب وعائلاتهم، منهياً «كابوس التجنيد» سواء بالالتحاق بخدمة الجيش أو برفضها والبحث عن بدائل مثل دفع مقابل مادي وما يرتبط بها من عمليات ابتزاز أنهكت الشباب وعوائلهم.

منذ السنوات الأولى للأزمة السورية التي بدأت في مارس (آذار) 2011، استغلَّ نظام الأسد الخدمة الإلزامية وركز عليها في مواجهة الاحتجاجات الشعبية، بسبب تهالك جيشه والانشقاقات عنه للانضمام إلى المحتجين، وكان رفض الالتحاق بالتجنيد السمة الأبرز عند الشباب وعائلاتهم لعدم اقتناعهم برواية النظام أن الجيش يقاتل «إرهابيين».

كثافة البسطات على الرصيف في منطقة البرامكة وسط دمشق وأغلب أصحابها من شريحة الشباب (الشرق الأوسط)

وشكل التواري عن الأنظار الملاذ الوحيد لنسبة كبيرة من الشباب ممن بقوا في داخل سوريا ورفضوا الالتحاق بالخدمة الإلزامية، وقُدرت أعداد المتخلفين عنها بأكثر من نصف مليون سوري، حسب قوائم نشرها موقع سوري معارض قبل 4 سنوات.

وبعد إعلان الإدارة السياسية السورية الجديدة على لسان قائدها أحمد الشرع عن توجهها لإلغاء الخدمة الإلزامية وتشكيل جيش احترافي، ساد الارتياح أوساط فئة الشباب.

يوسف إبراهيم من بلدة التل بريف دمشق الشمالي كان ملاحقاً طيلة سنوات بسبب تخلفه عن الخدمة الإلزامية (الشرق الأوسط)

يقول يوسف إبراهيم، الذي كان طيلة سنوات الأزمة ملاحقاً بسبب تخلفه عن الخدمة الإلزامية إن حياته باتت حالياً تتسم بالنشاط والحيوية، نتيجة إعلان الإدارة السياسية التوجه لإلغائها.

يشرح يوسف لـ«الشرق الأوسط» أنه عندما اندلعت الأزمة قبل 14 عاماً كان يبلغ من العمر 16 عاماً وفي عامها الثالث حان موعد سوقه للخدمة الإلزامية (19 عاماً)، لكنه مثل مئات آلاف الشبان السوريين رفض الالتحاق بها، وتم تعميم اسمه من قبل الأجهزة الأمنية في نشرات المطلوبين على كافة المنافذ الحدودية والحواجز.

ويرى يوسف أنه كان «يجب إسقاط نظام الأسد منذ زمن بعيد، ولكن المهم أن الأمر تحقق وخلصت منه سوريا والسوريون». ومن وجهة نظره، فإن «أفضل ما في الأمر هو انتهاء ملاحقتي والتخلص من الكابوس المرعب الذي كنت أعيشه يومياً لسنوات».

يروي الشاب أنه قضى معظم وقته متوارياً عن الأنظار في منزل والده بمدينة التل بريف دمشق الشمالي، خوفاً من إلقاء القبض عليه. ويوضح أن «حالة نفسية سيئة جداً كانت تسيطر عليه، لأنه لا يعمل وبات عالة على عائلته، ورغم ذلك كان يفضل الموت من الجوع أو المرض على الالتحاق بالجيش، لأن النتيجة ستكون إما أن تقتل أبناء شعبك، أو تقتل، في حين أنه حتى النجاة من هذا المصير، تعني احتفاظ الجيش بي لسنوات ضمن (الاحتياط) التي هي كلها ذل وإهانات».

محمد علي يبيع علب السجائر على بسطة في منطقة البرامكة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

قتل للمستقبل

حال أحمد البيك وهو طالب في كلية الهندسة بجامعة حلب مشابهة لحال يوسف، فهو يعبر عن «سعادة كبيرة» بالتوجه لإلغاء الخدمة الإلزامية، لأن الأمر سينعكس إيجابياً عليه. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «أغلبية زملائي الذين تخرجوا في السنوات الماضية كانوا يبحثون عن سبل للسفر خارج البلاد من أجل التهرب من خدمة الجيش».

ووفقاً له، فإن تأدية الخدمة بمثابة «قتل للمستقبل لأن مدتها (سنة ونصف للخريجين الجامعيين) لم يتقيد بها النظام، بل كانت تستمر لـ7 سنوات وأكثر»، لتعويض النقص في جيشه.

شاب يبيع مواد غذائية على بسطة وسط دمشق (الشرق الأوسط)

قرار إلغاء الخدمة الإلزامية شكل من جهة أخرى انفراجة لدى عائلات كثيرة كانت تجمع مدخراتها من مال وتبيع ما لديها من مجوهرات وأملاك لتأمين تكلفة سفر أبنائها إلى خارج البلاد (تكلفة الشخص ما بين 10 - 15 ألف دولار) لتفادي التحاقهم بالخدمة الإلزامية.

أم مروان وهي سيدة تتحدر من مدينة القنيطرة وتقطن في دمشق أمنت سفر اثنين من أبنائها إلى ألمانيا قبل عام من سقوط الأسد، بينما بقي لديها واحد لم يبلغ سن التكليف.

تؤكد السيدة لـ«الشرق الأوسط»، أنه «همّ كبير راح عنا. بعنا عشرة دونمات ومنزلين والذهب للحفاظ على حياة أولادنا». وتضيف: «المال يعوض المهم أولادنا، كانوا يرسلونهم للموت في الجبهات، في حين أن أولادهم (مسؤولي النظام) يرسلونهم إلى الكازينوهات».

فرض عين

وفي حين يتريث شبان في مسألة اتخاذ القرار بالتطوع في الجيش الجديد، ريثما تتضح الصورة أكثر، يبدي سكان دمشقيون حماسة للإقدام على ذلك، وينظر البعض إلى الأمر على أنه «فرض عين»، لأن الجيش الجديد «سيكون وطنياً لحماية البلاد، وليس طائفياً كجيش الأسد، الذي كانت أغلبية ضباطه همهم فقط الثراء وبكافة الأساليب».

قوات من جيش النظام السوري بمجمع عسكري شمال غربي سوريا 5 سبتمبر 2016 (أرشيفية- رويترز)

الباحث الاجتماعي كنان سمعان، المتحدر من مدينة حلب، يرى أن الخدمة الإلزامية في الفترة الماضية كانت بمثابة «مقتل للشباب»، ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: إن «لم تضع أعمارهم كانت تضيع أخلاقهم بدخولهم في منظومة الاكتساب غير المشروع بشكل من الأشكال خلال الخدمة».

لكن سمعان يعتقد أن «الخدمة الإلزامية الطبيعية في وقت غير حرج هي واحدة من الأطر الأساسية التي تساهم في حدوث تمازج كبير وترفع مستوى الوطنية، إذا كانت شروط الخدمة لائقة وليست بالصيغة التي كانت موجودة فيها».


مقالات ذات صلة

«الصندوق السعودي» يسرّع خريطة التعافي في سوريا بتمويلات مرتقبة لـ 1.5 مليار دولار

خاص وفد «الصندوق السعودي» خلال لقائه وزير المالية السوري محمد يسر برنية (وزارة المالية السورية)

«الصندوق السعودي» يسرّع خريطة التعافي في سوريا بتمويلات مرتقبة لـ 1.5 مليار دولار

بحث وفد من «الصندوق السعودي للتنمية» مع وزير الطاقة السوري، محمد البشير، في دمشق، المشاريع ذات الأولوية المقترحة في قطاعَي الكهرباء والمياه.

موفق محمد (دمشق)
شؤون إقليمية سكان حي الشيخ مقصود يغادرون بعد إعلانه من جانب الجيش السوري ضمن منطقة عسكرية في حلب (سانا)

تركيا تراقب مفاوضات سوريا وإسرائيل ولن تسمح لـ«قسد» بالتجذر في المنطقة

أعلنت تركيا أنها تتابع من كثب المفاوضات بين سوريا وإسرائيل التي ترعاها الولايات المتحدة، مؤكدة في الوقت نفسه أنها لن تسمح لـ«قسد» بالتجذر في المنطقة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي فرار السكان من حيي الشيخ مقصود والأشرفية بعد اندلاع اشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الأكراد في منطقة متنازع عليها بمدينة حلب الشمالية، سوريا، الأربعاء 7 يناير/كانون الثاني 2026. ( أسوشييتد برس)

إعلان حظر تجول في اثنين من أحياء حلب مع تجدد الاشتباكات بين الجيش و«قسد»

أعلنت هيئة عمليات الجيش السوري حظر تجول كاملاً في حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب بشمال البلاد ابتداء من اليوم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي أرشيفية لأحد عناصر الشرطة السورية خلال عملية أمنية في حلب (الداخلية السورية)

«إعلام سوري»: هدوء حذر يسود حلب بعد توقف قصف «قسد»

قالت قناة «الإخبارية السورية» التلفزيونية، إن الهدوء الحذر يسود مدينة حلب وسط انتشار أمني مكثف تحسباً لأي خروقات بعد توقف قصف قوات سوريا الديمقراطية (قسد).

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية قوات إسرائيلية تجري دوريات على السياج الحدودي مع سوريا بالقرب من قرية مجدل شمس في مرتفعات الجولان المحتلة من قبل إسرائيل في 23 يوليو 2025 (أ.ف.ب)

سوريا: لا يمكن بحث ملفات استراتيجية مع إسرائيل دون جدول زمني لانسحابها

قال مسؤول سوري إنه «لا يمكن الانتقال إلى أي ملفات استراتيجية» في المحادثات مع إسرائيل ‌دون جدول ‌زمني واضح ​لخروج ‌القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

لبنان: الاستحقاق النيابي على لائحة الانتظار والأولوية لحصرية السلاح

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية)
TT

لبنان: الاستحقاق النيابي على لائحة الانتظار والأولوية لحصرية السلاح

جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية)
جلسة سابقة للبرلمان اللبناني (الوكالة الوطنية)

إعلان القوى السياسية اللبنانية عن تشغيل ماكيناتها الانتخابية استعداداً لخوض الانتخابات النيابية لا يعني بالضرورة أن الطريق سالكة سياسياً أمام إنجازها في موعدها خلال ربيع 2026، أو أنها لن تصطدم بتأجيل تقني لا يمكن القفز فوقه وبات حتمياً، هذا في حال جرى التوافق على القانون الذي ستنظَّم على أساسه، بالتلازم مع استقرار الوضع في الجنوب باستكمال تطبيق حصرية السلاح بيد الدولة بإنهاء المرحلة الأولى من انتشار الجيش في جنوب الليطاني، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية التي تمتد من شمال النهر إلى نهر الأولي.

فالانتخابات النيابية معلقة على لائحة الانتظار، كما يقول مصدر نيابي لـ«الشرق الأوسط»، الذي يضيف أن «مصيرها محكوم بوقف الأعمال العدائية بإلزام إسرائيل التقيّد به وامتناعها عن توسعة الحرب». ولفت المصدر النيابي إلى أن «مبادرة القوى السياسية إلى تشغيل ماكيناتها الانتخابية يبقى من باب المبارزة السياسية بإعلان استعدادها لخوضها، مع أنها تدرك أن قرار إنجاز الاستحقاق النيابي يتجاوزها إلى الإقليم والمجتمع الدولي، وإلا فلماذا تربط إنجازها باستقرار الوضع في الجنوب للتأكد من أن الضغط الأميركي سيُلزم إسرائيل عدم توسعتها الحرب؟».

مجلس الوزراء اللبناني ملتئماً برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام (الوكالة الوطنية)

وكشف المصدر نفسه عن أن إصرار المجتمع الدولي على إجراء الانتخابات «بدأ يفقد زخمه وأخذ يتراجع، ولو مؤقتاً، بإدراجه استكمال تطبيق حصرية السلاح أولويةً على جدول أعماله، وهذا ما ظهر للعيان من خلال احتكاك القوى السياسية بعدد من سفراء الدول المعنية بعودة الاستقرار إلى لبنان، وزيارات الموفدين الأجانب لبيروت، الذين يولون الأولوية لنزع سلاح (حزب الله)».

وخلص إلى القول إن إجراء الانتخابات «قرار دولي بامتياز قبل أن يكون محلياً، والأطراف الخارجية المعنية بإنجازها لم تَقُلْ حتى الساعة كلمة الفصل، وإن كانت تؤكد بلسان موفديها ضرورة إجرائها، فإنها سرعان ما تُدرج حصرية السلاح أولويةً وشرطاً لإتمامها».

وأكد أن مصير الانتخابات «ليس معزولاً عن تسارع وتيرة التطورات في الميدان الإيراني بالتلازم مع مضي الحكومة، كما يقول رئيسها نواف سلام، في التزاماتها أمام المجتمع الدولي بحصرية السلاح، ويتوافق مع الرئيس (جوزيف) عون بأن القرار اتُّخذ ولا رجوع عنه». وقال إنه لم يعد من خيار لدى «حزب الله» سوى التسليم بإيداع سلاحه في عهدة الدولة، وإنه «لا مصلحة له في إقحام نفسه بمزايدات شعبوية لن تقدّم أو تؤخّر في ظل افتقاده قدراته العسكرية لتحقيق توازن الرعب في وجه إسرائيل واستعادته قواعد الاشتباك التي خسرها بإسناده غزة».

ورأى أنه لا مصلحة لـ«حزب الله» في ربط مصيره بما ستؤول إليه الاحتجاجات الشعبية في إيران؛ «لأنه بموقفه لن يقدّم أو يؤخّر، ولن يكون له من دور في حال قرر إشغاله الولاياتِ المتحدة وإسرائيلَ رداً على تدخلهما عسكرياً بتوجيه ضربات جوية إلى مراكز (الحرس الثوري) ومنشآته العسكرية». وقال إن قيادته ستكون «محرجة أمام بيئتها إذا ما قررت إسنادها النظام في إيران على غرار إسنادها غزة، رغم أن طهران لم تحرك ساكناً لمساندة (الحزب) في وجه إسرائيل».

وقال المصدر إن إسناد «الحزب» النظام في إيران «سيُخضعه للمساءلة أمام جمهوره؛ لافتقاده المبررات التي تحتم عليه مساندته، فيما يلتزم بوقف النار منذ أكثر من سنة، ويمتنع عن الرد على الخروق والاعتداءات الإسرائيلية». وأكد أن «التزام لبنان، ومن خلاله (الحزب)، وقف الأعمال العدائية يضع الولايات المتحدة أمام تعهّدها بالضغط على إسرائيل لبدء تنفيذ الاتفاق، ولو على دفعات، لما يترتب عليه من تقوية موقف الحكومة بإلحاحها على (الحزب) لتسليم سلاحه تطبيقاً لحصريته من جهة، وخلق المناخ المواتي لإجراء الانتخابات من جهة ثانية».

جنازة رئيس أركان «حزب الله» هيثم الطبطبائي وآخرين قُتلوا معه بضربة إسرائيلية في ضاحية بيروت الجنوبية خلال نوفمبر 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ولفت إلى أن إدراج مصير الانتخابات على لائحة الانتظار يشكل قناعة لدى الأطراف المعنية بإنجاز الاستحقاق النيابي؛ «لأنها تولي الأفضلية لمواكبة استكمال تطبيق حصرية السلاح، وهذا هو لسان حالها لدى سؤال معظمها عن الأسباب الكامنة وراء البرودة المسيطرة على الحراك الانتخابي». وقال إن «تريثها، بخلاف ما تعلنه، يعود إلى رغبتها في الوقوف على ما سيؤول إليه الوضع بدءاً من الجنوب؛ لتبني على أساسه حساباتها؛ لأنه من غير الجائز إجراء الانتخابات في ظل تمادي إسرائيل في توسعتها الحرب».

وأكد المصدر أن مجرد التأكد من أن الانتخابات حاصلة لا محالة، فإن «تأجيلها التقني يتقدم على إتمامها في موعدها؛ إفساحاً في المجال أمام التوافق على تسوية تتعلق بالقانون الذي ستجرى على أساسه، رغم أنه لا يزال متعذراً في ظل الانقسام بين الكتل النيابية الرئيسية، الذي يقابَل بإصرار الرؤساء الثلاثة على إنجازها، مما يدعوهم إلى التدخل لإنقاذ الاستحقاق النيابي، خصوصاً أن اعتماد القانون الناجز لإجرائها بإصرار من رئيس المجلس النيابي، نبيه بري، بحاجة إلى تعديل بعض بنوده في جلسة تشريعية تُعقد خصيصاً لذلك».

وعليه؛ فإن «التأجيل التقني» بات أكبر تقدُّماً على غيره؛ نظراً إلى انقضاء المهل بدعوة الهيئات الناخبة للمشاركة في العملية الانتخابية، لا سيما أن الخلاف بشأن اقتراع المغتربين لا يزال يتصاعد ولا يمكن حسمه بقرار من الحكومة، وإنما بتعديلٍ نيابي، فيما لا يبدو أن فتح دورة استثنائية للبرلمان بدءاً من أوائل الشهر الحالي حتى أوائل مارس (آذار) المقبل، سيخصص لمناقشة مشروع الموازنة العامة لعام 2026 وإقرارها، إلى جانب مناقشة عدد من مشروعات اقتراحات القوانين التي قد لا تلحظ إدراج تعديل قانون الانتخاب على جدول أعمال الجلسات التشريعية.


عراقجي في بيروت للقاء المسؤولين: زيارة توقيع كتاب بطابع سياسي

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

عراقجي في بيروت للقاء المسؤولين: زيارة توقيع كتاب بطابع سياسي

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رجي وعراقجي خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

يصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى لبنان، الخميس، في زيارة مفاجئة لا تحمل عنواناً محدداً في توقيت سياسي دقيق، وإن حاول هو عبر «وكالة مهر للأنباء» أن يمنحها طابعاً اقتصادياً بالقول إنه سيرافقه إلى بيروت وفد اقتصادي.

وبانتظار ما سيحمله عراقجي، يجمع المسؤولون في لبنان على أن مواقف الدولة اللبنانية واضحة لناحية العلاقات بين طهران وبيروت ورفض أي تدخل إيراني بالشأن الداخلي وهو ما سبق أن سمعه المسؤولون الإيرانيون في زياراتهم السابقة إلى بيروت وما سيسمعه أيضاً عراقجي في لقاءاته التي يفترض أن تشمل يوم الجمعة وفق جدول المواعيد، كلاً من رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، إضافة إلى نظيره وزير الخارجية يوسف رجي، كما طلب موعداً من وزير الاقتصاد عامر البساط.

ونقلت «وكالة مهر» عن عراقجي قوله إنه سيزور لبنان الخميس ويرافقه وفد اقتصادي»، مضيفاً: «علاقاتنا راسخة مع جميع مكونات الدولة اللبنانية، ونتطلع إلى تعزيز هذه العلاقات ونأمل أن نعود إلى علاقة طيبة للغاية».

إعادة توقيع كتاب

وأفادت مصادر مطلعة بأنه بعدما كان عراقجي قد وقّع كتاباً له في بيروت في يونيو (حزيران) الماضي، يأتي اليوم لـ«توقيع إضافة جزء على الكتاب مرتبط بالحرب على إيران»، وهو ما رأت المصادر الوزارية «أن الزيارة تتعدى توقيع الكتاب إلى زيارة بأهداف سياسية لا سيما وأن الوزير الإيراني طلب مواعيد مع المسؤولين اللبنانيين ولم يكتفِ بطابعها الاجتماعي».

وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في بيروت في يونيو 2025 (أرشيفية - إرنا)

وبينما اكتفت مصادر وزارية مقربة من الرئاسة اللبنانية بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «ليس هناك عنوان محدد لزيارة عراقجي بانتظار لقائه مع الرئيس عون لاتضاح ما سيحمله»، توقّفت عند توقيت الزيارة لا سيما بعد التطورات والمستجدات التي حصلت وآخرها تلك المرتبطة بفنزويلا، مشيرة إلى أن «الوزير الإيراني لم يكتفِ بالطابع الاجتماعي للزيارة عند توقيع الكتاب بل طلب لقاء المسؤولين أيضاً، ما أكسبها طابعاً سياسياً»، وذكرت المواقف بالوقت عينه أن زيارة عراقجي الأخيرة إلى بيروت في شهر يونيو الماضي لم تحمل مواقف عالية السقف إنما قال إن إيران تريد فتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين وعدم التدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية.

«الخارجية»: موقف لبنان واضح

من جهتها، تشدد مصادر وزارة الخارجية على أن موقف لبنان واضح فيما يتعلق بالعلاقة مع الدول ولا سيما إيران وهو ما سبق أن عبّر عنه مراراً الوزير رجي.

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن عراقجي طلب مواعيد وفق الأصول الدبلوماسية عبر وزارة الخارجية وقد حُددت له مواعيد مع الرؤساء الثلاثة»، مشيرة كذلك إلى أنه سيلتقي قيادة «حزب الله» إنما طبعاً ليس عبر وزارة الخارجية.

وبينما من المتوقع أن يطلق عراقجي من لبنان مواقف سياسية على غرار ما حصل سابقاً، تؤكد مصادر «الخارجية» أن رجي سيكرر خلال اللقاء ما سبق أن قاله لنظيره في لقاءات سابقة لجهة انفتاح لبنان على الحوار لكن إذا كانت هناك نية لإيران لتصويب العلاقة مع لبنان ولتكن عبر الأصول الدبلوماسية مع احترام سيادة الدولة ومؤسساتها وقرارات الحكومة بعيداً عن التدخل الذي لا ينفيه «حزب الله» ويتحدث عنه المسؤولون الإيرانيون بشكل واضح وصريح، مذكرة بمواقف المسؤولين الإيرانيين الرافضة بشكل أو بآخر لقرار الحكومة حول حصرية السلاح ونزع سلاح «حزب الله».

زيارة بعد سجال

وتأتي هذه الزيارة بعد سجال بين رجي وعراقجي على منصة «إكس» الشهر الماضي، بعد دعوة الوزير اللبناني نظيره الإيراني إلى جولة تفاوض في دولة محايدة لبحث الملفات الخلافية بين الجانبين، وردّ آنذاك عراقجي عبر «إكس» بإعادة نشر الدعوة، متوجهاً إلى رجي بالقول: «صديقي العزيز وزير الخارجية اللبناني دعاني إلى التفاوض... نحن لا نتدخل في الشؤون الداخلية للبنان، ونرحّب بأي حوار لتعزيز العلاقات الثنائية، ولا حاجة لبلد ثالث»، وأضاف: «أدعو زميلي لزيارة طهران، وأنا مستعدّ لزيارة بيروت إذا تلقيت دعوة رسمية».

ورد رجي على الردّ بالتأكيد على التدخل الإيراني في الشؤون اللبنانية، قائلاً: «عزيزي وزير الخارجية الإيراني، كنت فعلا أرغب في تصديق ما تفضلّتم به من أنّ إيران لا تتدخّل بشؤون لبنان الداخلية، إلى أن خرج علينا مستشار مُرشدكم الأعلى ليرشدنا إلى ما هو مهمّ في لبنان، وحذّرنا من عواقب نزع سلاح (حزب الله)». وأكد: «سيادتنا وحريتنا واستقلال قرارنا الداخلي بعيداً عن الشعارات الآيديولوجية والسياقات الإقليمية العابرة للحدود التي دمّرت بلدنا وما زالت تمعن في أخذنا نحو الخراب».


إسرائيل تفرض السيادة عملياً على الضفة... ولكن من دون إعلان

حفَّارة عسكرية إسرائيلية أثناء هدم أحد المباني السكنية في مخيم نور شمس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
حفَّارة عسكرية إسرائيلية أثناء هدم أحد المباني السكنية في مخيم نور شمس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تفرض السيادة عملياً على الضفة... ولكن من دون إعلان

حفَّارة عسكرية إسرائيلية أثناء هدم أحد المباني السكنية في مخيم نور شمس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
حفَّارة عسكرية إسرائيلية أثناء هدم أحد المباني السكنية في مخيم نور شمس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

تخطط إسرائيل لجعل العام الحالي (2026) عاماً للسيطرة والسيادة على الضفة الغربية من دون أن تلجأ إلى إعلان ضم الضفة رسمياً كما كان مخططاً له، وذلك عبر تعميق العمليات العسكرية في قلب الضفة من جهة، وتثبيت ومضاعفة المستوطنات الإسرائيلية من جهة ثانية، وكله يصب في نحو إجهاض فكرة الدولة الفلسطينية.

وأصدر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تعليماته لقيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي للتخطيط لعمليات للاستيلاء على مخيمات إضافية في شمال الضفة، ضمن عملية «السور الحديدي»، التي سيطرت خلالها قوات الجيش الإسرائيلي على مخيمات اللاجئين في جنين وطولكرم ونور شمس.

وقال مسؤولون عسكريون لموقع «واللا» الإسرائيلي إن «الرسالة واضحة. لم تعد هذه المنطقة ملاذاً آمناً للنشاط الإرهابي».

وحسب «واللا»، أصدر كاتس تعليماته لقيادة المنطقة الوسطى بالتخطيط لعمليات احتلال مخيمات أخرى في الضفة، وتفكيك البنى التحتية فيها على غرار ما يحدث الآن بمخيم جنين في جنين، ومخيمي طولكرم ونور شمس في طولكرم.

وقال «واللا» إن توسيع العملية المرتقب يأتي على خلفية معلومات بان مسلحين فروا وبدأوا في التمركز في مناطق جديدة، وذلك على الرغم من انهم يواجهون صعوبة بالغة في تشكيل «كتائب» منظمة كما كان الحال سابقاً.

وتقوم الفكرة على احتلال متواصل، وهو ما يرى الجيش أنه يسهِم في تفكيك البنى التحتية ويمنعها من النمو ويحقق حرية عمل.

والهجوم على مخيمات أخرى في الضفة، يعني توسيع الاحتلال الذي أصبح يسيطر على 41 في المائة من مساحة الضفة، حسب المسؤولين في السلطة الفلسطينية.

احتلال دائم

واتهم مسؤولون في السلطة إسرائيل بإطلاق مشروع سياسي متكامل، يحولها حالة احتلال دائم وليس مؤقتاً في الضفة.

وكشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية عن جزء من هذا المشروع، مؤكدة أن إسرائيل تنفذ خطة عمل ميدانية لفرض السيادة على أرض الواقع في الضفة من دون إعلان الضم.

ويتضح من متابعة أفعال الوزارات ونشاط قيادة المستوطنات، أن هذه الخطة تشمل تثبيت 70 مستوطنة جديدة ومضاعفة مساحات الأراضي الممنوحة لها، وضمان وجود ميليشيات مسلحة لحمايتها وتطويق كل مدينة فلسطينية بزنار استيطاني.

وقال رؤساء الاستيطان، ومعهم وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل منصب وزير ثانٍ في وزارة الدفاع مسؤولاً عن المستوطنين، ووزيرة الاستيطان، أوريت ستروك، وكلاهما من حزب «الصهيونية الدينية»، إن الهدف من هذه الخطة هو إجهاض فكرة الدولة الفلسطينية وفرض أمر واقع لضم الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967، إلى السيادة الإسرائيلية، وقد أكدوا أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، كان قد تعهد لهم عشية تشكيل الحكومة، بأن تقام 70 مستوطنة جديدة في الضفة، وحددوا سنة 2026 ذروةً في الاستيطان وفرض السيادة.

سنة العمل الميداني

وقال مصدر رفيع لصحيفة «يديعوت أحرونوت»: «إذا كانت 2025 سنة ثورة في القرارات وفي تغيير مفهوم العمل الاستيطاني، فإن 2026 ستكون سنة العمل الميداني، وسنرى الأمور بالفعل ترسيخاً للأقدام على الأرض».

وحسب تقرير للصحيفة، فإن هذه السنة ستشهد اكتمال تنفيذ إقامة 69 مستوطنة جديدة، منها 49 بؤرة عشوائية تقرر تحويلها مستوطنات وهناك 20 مستوطنة جديدة تماماً، ومنح تراخيص لـ150 مزرعة توضع تحت تصرفها مليون دونم من الأراضي الزراعية والبرية الفلسطينية، وبناء 45 ألفاً و187 وحدة سكنية جديدة، والإعلان عن نحو 26 ألف دونم أرض معروفة على أنها أراضٍ بور، لتصبح أراضي دولة، بغرض وضعها تحت تصرف المستوطنات، وفي هذا تكون قد ضاعفت مساحة أراضي الدولة مرتين.

وكشفت الصحيفة العبرية، عن أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية شقت حتى الآن 200 كيلومتر من الطرقات في الضفة الغربية، وستكمل شق المزيد من الطرق التي تخدم المستوطنين بالأساس، ويترافق كل ذلك مع عملية هدم وتدمير لبيوت فلسطينية فيما يعرف بالمنطقة «ج»، حيث تم هدم 966 بيتاً في سنة 2025 (في سنة 2024 هدموا 537 بيتاً فلسطينياً) ويتوقع هدم المزيد.

طوق استيطاني

ومن قراءة تفاصيل الخطة، يتضح أن إسرائيل تخطط لفرض طوق استيطاني حول المدن الفلسطينية الرئيسية، من القدس جنوباً وأريحا شرقاً وحتى جنين شمالاً.

ففي جبل عيبال يعتزم مجلس شومرون (السامرة) فرض وجود يهودي قريب، يضمن تطويق نابلس.

وفيما يسمى «مدينة التمور» في غور الأردن، يعدون لتوسيع الاستيطان بحيث يخنق مدينة أريحا من جهة الشرق، لتكون مدينة استيطانية لليهود المتدينين (الحريديم)، ويطلق عليها «إلى جانب عدد آخر من المستوطنات، غلاف أريحا».

وفي امتداد شمالي لغور الأردن، وعلى طول الحدود الشرقية لإسرائيل، تقود وزارة ستروك «ثورة حقيقية»، على حد قول مسؤولين كبار في المستوطنة. وهناك سيكون مقر الميليشيات الاستيطانية المسلحة، التي ستحمي المستوطنات اليهودية، بدعوى «تغيير مفهوم الأمن الإسرائيلي والقيام بإجراءات استباقية تمنع خطر تكرار هجوم (حماس) في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023».

وقال الصحافي اليشع بن كيمون إن «الترجمة الفعلية لمفهوم الأمن هنا تعني توسيع الاستيطان. فعلى طول الحدود، وفي الجيوب أيضاً ستقام مؤسسات تعليم – بينها معاهد مدارس التسوية ومزارع رعوية. وسيجتاز التلاميذ تأهيلاً وسيحمون بسلاحهم سكان الحدود وفقاً للسيناريو المطروح».

وتنص خطة عام 2026 على جلب عائلات كاملة للاستيطان. والتوقع هو أن في الأسابيع وفي الأشهر القريبة سنرى مزيداً من المستوطنات، ومزيداً من البنى التحتية والبناء الفعلي. والخطوة كما يأمل قادة الاستيطان ستؤدي عملياً إلى انهيار فكرة الدولة الفلسطينية وتجعل مسألة السيادة مفتوحة».

وقالت حركة «سلام الآن»، الإسرائيلية إنّ «المعطيات لا تترك مجالاً للشك. هذا هو الضم. الحكومة تجرّنا إلى كارثة ذات أثمان أمنية واقتصادية هائلة. ويجب إيقاف ذلك».