عمليات ثأر في ريف دمشق تثير قلقا حقوقيا

مختار بلدة دُمر متهم بالتعاون مع أجهزة الأمن خلال حكم الأسد

قوات أمن سورية في ساحة الأمويين بدمشق يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)
قوات أمن سورية في ساحة الأمويين بدمشق يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)
TT

عمليات ثأر في ريف دمشق تثير قلقا حقوقيا

قوات أمن سورية في ساحة الأمويين بدمشق يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)
قوات أمن سورية في ساحة الأمويين بدمشق يوم 8 يناير الحالي (أ.ف.ب)

أثار احتفال أهالي بلدة دمر، غرب دمشق، الجمعة، بـ«إعدام» مختار المنطقة السابق مازن كنينة ميدانياً، قلق نشطاء المجتمع المدني وحقوقيين مطالبين بتحقيق العدالة الانتقالية، وسط تشديد على ضرورة وضع حد للأعمال الثأرية والانتقامات الفردية التي ينفذها مسلحون بشكل خارج عن القانون.

وقالت مصادر أهلية في دمر إن مازن كنينة كان على اتصال مع أجهزة الأمن السورية خلال حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وتحديداً سرية المداهمة 215، المتهمة بالمسؤولية عن مقتل عشرات المعتقلين. وأضافت أن معارضين يقولون إنه لعب دوراً مؤذياً أثناء مداهمات قوات النظام لمنطقتي دمر والهامة عام 2016. وتابعت المصادر أن الذين نفذوا حكم الإعدام بكنينة في إحدى ساحات البلدة هم مسلحون من أبناء المنطقة، وانتسبوا حديثاً لقوى الأمن في الإدارة الجديدة. وأوضحت أن الأهالي ثاروا، وطالبوا بإعدامه فور انتشار نبأ القبض عليه، مشيرةً إلى أن هناك عائلات فقدت عدداً من أبنائها بسببه.

وانتشرت صورة لما قيل إنها جثة كنينة وهي مربوطة بجذع شجرة وعلى جبينه ما يبدو أنه أثر طلق ناري ودماء على الأرض، ومن حوله أطفال ينظرون إلى جثته. وانتشر مقطع فيديو يظهر الأطفال وهم يقومون بضربه بعصا على جسده، أو ركله على رأسه وهو مربوط بجذع الشجرة، بينما قام بعضهم بالتصوير. ووثّق «المرصد السوري» صحتهما. وذكرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أنها لم تتمكن من التحقق من صحة الصورة والمقطع بشكل منفصل.

وعبَّر نشطاء مدنيون عن قلقهم من تنفيذ إعدامات ميدانية دون محاكمة، في الوقت الذي يطمح فيه السوريون إلى بناء «دولة جديدة» أساسها القانون وتحقيق العدالة. ورأت المحامية والناشطة المدنية رهادة عبدوش أن «الإعدامات الميدانية ليست طريقة للتعافي». وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «أخذ الثأر سيجلب للبلاد مزيداً من الدمار، وأخص التنكيل بالجثث والاقتصاص أمام الأطفال وعائلة المقتول»؛ ولذلك «يجب إيجاد محاكم خاصّة لمعاقبة ومحاكمة من تلطخت أيديهم بالدماء، ومحاسبة كل شخص بحسب الضرر الذي قام به».

المحامية والناشطة المدنية رهادة عبدوش

ورأت عبدوش أن «تفويض مجموعة، بناءً على شكاوى الناس أو حتّى شهود من الناس بأن هذا الشخص قد تسبب باعتقالات أو قتل أو إعدامات ميدانية، من شأنه أن يضعنا في الدائرة نفسها التي وُجد فيها نظام الأسد الذي كان يرتكب الإعدامات الميدانية بحق الناس ودون محاكمات». ورأت أن هذه الممارسات قد «تضفي» فيما بعد «شرعية على ما فعله النظام»، مشيرةً إلى احتمال أن تكون «بعض الشكاوى أو التهم منطلقة من ثارات شخصيّة، أو ربما شكوك غير مثبتة، وهذا يعني زيادة في أعداد المظلومين».

وطالبت عبدوش «السلطة الحاكمة حالياً بمنع الإعدامات الفردية وحتى الضرب والتنكيل، وتخصيص محكمة ميدانية ومحاكمات عادلة قد تصل للإعدام»، مؤكدة أن «العدالة الانتقالية تقوم على شقين: الاعتراف بالجرم، والتعويض وجبر الضرر». وتابعت أن «كل ما يجري خارج القانون هو جريمة، وقد تندرج ضمن جرائم الحرب، وهذا ليس من صالح السلطة الحاكمة اليوم التي نتمنى نجاحها، ونشدّ على يديها نحو دعم بلادنا، وإعطائها فرصة الحياة من جديد».

وقالت مصادر مقرَّبة من إدارة العمليات العسكرية في دمشق لـ«الشرق الأوسط» إن هناك ضغوطاً شعبية على الإدارة الجديدة للقصاص من مجرمي الحرب وتحقيق العدالة بأسرع وقت ممكن. وتابعت أن «آلاف العائلات مكلومة، ولا تطيق صبراً على ثأرها، وذلك بينما لا تزال الإدارة الجديدة منهمكة في فرض الأمن وسحب السلاح، وإعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وفرض القانون في بلد مدمَّر بشكل كامل. وكل ذلك يحتاج إلى وقت».

ولا تزال الفوضى الناجمة عن تعقُّد الوضع السوري السمة الأبرز للمشهد العام، رغم عدم تجاوزه الحد الأدنى من التوقعات قبل سقوط النظام، والتي كانت تشير إلى احتمال وقوع مجازر على نطاق واسع.

الناشطة المدنية سلمى صياد

وقالت الناشطة المدنية سلمى الصياد لـ«الشرق الأوسط»: «شاهدت اليوم ما جرى في دمر البلد، ولا أخفي أنني أتعاطف جداً مع النساء المكلومات على أولادهن، وفرحت لهن وهن يشهدن أخيراً تحقيق نوع من العدالة انتظرنها طويلاً». وأضافت مستدركة: «لكنني أخاف خوفاً شديداً من إجراءات انفعالية كهذه قد تظلم أشخاصاً أبرياء، وتشجع على الثأر الفردي». وأضافت: «إذا أردنا أن يكون لنا دولة مدنية في المستقبل فما نريده هو تطبيق إجراءات العدالة الانتقالية في دولة مؤسسات تكون فيها الإدانة وتنفيذ الحكم بناءً على محاكمة عادلة وأدلة واضحة وأمام قاضٍ وبحسب القانون»، مشددة على ضرورة أن تكون هناك «مؤسسات حكومية تنفيذية وسلطة قضائية منفصلة عن بقية السلطات».

وتشن إدارة العمليات العسكرية في دمشق حملة أمنية واسعة لسحب السلاح وملاحقة متهمين بالارتباط بالنظام المخلوع وعناصر سابقين رافضين للتسوية، في ريف دمشق. وشملت الحملة مدناً وبلدات مثل مضايا، الزبداني، وضاحية قدسيا. واستفاق أهالي ضاحية قدسيا، يوم الجمعة، على أصوات إطلاق نار كثيف واشتباكات في المناطق التي يتركز فيها ضباط سابقون ومسلحون من فلول النظام السابق.

وتعهّد رئيس الاستخبارات العامة في الإدارة السورية الجديدة أنس خطّاب «إعادة هيكلة» المنظومة الأمنية في البلاد بعد حلّ كل فروعها، بحسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية (سانا) في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وفي سياق حالة الفوضى، تُوفيت 3 سيدات، وأصيب 5 أطفال، الجمعة، في حادثة تدافُع شهدها الجامع الأموي في مدينة دمشق القديمة، ضمن فعالية إقامة وليمة غداء قدمها شيف سوري مشهور في وسائل التواصل الاجتماعي. ونتيجة الازدحام الشديد وسوء التنظيم حصل تدافُع أدى إلى سقوط ضحايا.

ومنذ أسبوع، تشهد الأماكن العامة والشوارع ازدحاماً شديداً وسط فوضى مرورية عارمة، مع غياب فرق شرطة المرور، حيث يتولى عمليات تنظيم وتسهيل المرور متطوعون يفتقرون للخبرة.


مقالات ذات صلة

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

المشرق العربي تفتيش دقيق للكنائس السورية قبل انطلاق احتفال عيد الشعانين (الداخلية السورية)

كنائس سوريا تحيي «الشعانين» وسط إجراءات أمنية مكثفة

أحيت الكنائس المسيحية التي تتبع التقويم الغربي أحد الشعانين بالصلوات داخل حرم الكنائس، وسط إجراءات أمنية مكثفة في محيطها.

سعاد جرَوس (دمشق)
المشرق العربي سيارة لقوات الأمن أمام كنيسة في السقيلبية اليوم السبت (أ.ب)

سوريا: عودة الهدوء إلى مدينة مسيحية بعد أحداث شغب

عاد الهدوء إلى مدينة السقيلبية ذات الغالبية المسيحية في ريف حماة، بعد ليلة من أعمال الشغب، إلا أن أجواء قلق ما زالت تسود في أوساط المسيحيين قبل «أحد الشعانين».

سعاد جروس (دمشق)
المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية قوات تركية في منطقة «نبع السلام» شمال شرقي سوريا (الدفاع التركية)

أنقرة: لا انسحاب من منطقة «نبع السلام» في سوريا

نفت مصادر عسكرية تركية ما تردد بشأن الانسحاب من مناطق «عملية نبع السلام» في شمال شرقي سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تُحكم الطوق على لبنان من جبل الشيخ


تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بجنوب لبنان (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بجنوب لبنان (رويترز)
TT

إسرائيل تُحكم الطوق على لبنان من جبل الشيخ


تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بجنوب لبنان (رويترز)
تصاعد الدخان عقب غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بجنوب لبنان (رويترز)

تهديد الجامعات يربك مجتمع «الأميركية» في بيروت يفرض التوغّل الإسرائيلي عبر محور جبل الشيخ إيقاعاً ميدانياً مختلفاً على الحرب مع لبنان، ما يعيد رسم خطوط الاشتباك ويغير قواعد المواجهة.

وأعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ عملية عابرة للحدود انطلاقاً من الشق السوري لجبل الشيخ وصولاً إلى مزارع شبعا اللبنانية لتوسيع نطاق العمليات نحو تضاريس أكثر تعقيداً، ولكن بأفضلية جغرافية تتيح له الإشراف على مساحات واسعة، وفتح مسارات التفاف تتجاوز خطوط التماس التقليدية.

كذلك قطعت إسرائيل، أمس، محور الخيام الجنوبي عن خط الإمداد الوحيد المتبقي لـ«حزب الله» من جهة البقاع الغربي شرقاً، عبر غارات جوية مكثفة، ضمن مسار لعزل المنطقة، وهو ما تنفذه ساحلياً أيضاً عبر التوغل البري حتى مشارف مدينة صور.

دبلوماسياً، وفي محاولة فرنسية للموازنة بين الضغط السياسي والتحذير من تداعيات التصعيد العسكري، حمّل وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، «حزب الله» مسؤولية جرّ لبنان إلى الحرب، ودعا إسرائيل إلى «الامتناع عن شن أي عملية برية أو استهداف البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، لا سيما بيروت».


مسعود بارزاني: قصفوا مقري 5 مرات

 مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
TT

مسعود بارزاني: قصفوا مقري 5 مرات

 مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)
مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني. (أ ف ب)

غداة استهداف ميليشياوي لمنزل رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، في مدينة دهوك، أثار غضباً واستنكاراً واسعين عراقياً وعربياً ودولياً، كشف مسعود بارزاني، رئيس «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، أن «مقره الخاص» تم قصفه 5 مرات.

وفي بيان شديد اللهجة، حمَّل بارزاني الحكومة الاتحادية في بغداد المسؤولية، وقال في بيان، أمس: «للأسف هناك مجموعة من الأشخاص، من دون أن يردعهم أحد، ينصبّ تركيزهم الأساسي على كيفية معاداة إقليم كردستان، وبأي وسيلة». وكشف أن مقره الخاص تم «قصفه خمس مرات، لكننا التزمنا الصمت كي لا نُحدث قلقاً وغضباً بين الجماهير». ودعا بغداد إلى أن «تحسم أمرها؛ إما أن تعلن أنها غير قادرة على منع هذه الجماعات الخارجة عن القانون، أو أن تتحمل مسؤولياتها بجدية (..) وتتخذ إجراءات حازمة لمنع تكرار مثل هذه الهجمات».


«اليونيفيل» تعلن مقتل أحد جنودها بانفجار مقذوف في جنوب لبنان

عربات لقوات «اليونيفيل» تمر أمام موقع للجيش اللبناني في منطقة الناقورة جنوب لبنان (ا.ف.ب)
عربات لقوات «اليونيفيل» تمر أمام موقع للجيش اللبناني في منطقة الناقورة جنوب لبنان (ا.ف.ب)
TT

«اليونيفيل» تعلن مقتل أحد جنودها بانفجار مقذوف في جنوب لبنان

عربات لقوات «اليونيفيل» تمر أمام موقع للجيش اللبناني في منطقة الناقورة جنوب لبنان (ا.ف.ب)
عربات لقوات «اليونيفيل» تمر أمام موقع للجيش اللبناني في منطقة الناقورة جنوب لبنان (ا.ف.ب)

أعلنت قوة الأمم المتحدة الموقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل)، فجر اليوم (الاثنين)، مقتل أحد جنودها بانفجار مقذوف في مواقع لها في جنوب لبنان، مشيرة إلى أن مصدر المقذوف غير معروف حتى الآن.

وأوردت القوة في بيان «قُتل جندي حفظ سلام بشكل مأساوي وأُصيب جندي آخر بجروح خطيرة ليلة أمس، إثر انفجار مقذوف في موقع تابع لليونيفيل بالقرب من عدشيت القصير»، وهي قرية حدودية مع اسرائيل التي تخوض منذ نحو شهر حربا دامية مع حزب الله في لبنان.

وقالت اليونيفيل «لا نعرف حتى الآن مصدر المقذوف. وقد بدأنا تحقيقا لتحديد ملابسات الحادث».