«لقاء إيجابي» غير مسبوق بين وفد أميركي والشرع في دمشق

لاستكشاف التزام القادة الجدد مبادئ العملية الانتقالية المدعومة عربياً ودولياً

الوفد الدبلوماسي الأميركي، وفيه مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، مغادراً فندقاً في دمشق (إ.ب.أ)
الوفد الدبلوماسي الأميركي، وفيه مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، مغادراً فندقاً في دمشق (إ.ب.أ)
TT

«لقاء إيجابي» غير مسبوق بين وفد أميركي والشرع في دمشق

الوفد الدبلوماسي الأميركي، وفيه مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، مغادراً فندقاً في دمشق (إ.ب.أ)
الوفد الدبلوماسي الأميركي، وفيه مساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، مغادراً فندقاً في دمشق (إ.ب.أ)

عقد وفد أميركي رفيع «لقاءً إيجابياً» مع قائد «هيئة تحرير الشام» أحمد الشرع خلال زيارة لدمشق هي الأولى من نوعها لدبلوماسيين أميركيين منذ نحو عقد، وأتت بعد أقل من أسبوعين من خلع الرئيس السوري بشار الأسد، مخلفاً تداعيات جيوسياسية رئيسية على التوازنات الإقليمية والدولية.

وعلى الرغم من أن «هيئة تحرير الشام» («جبهة النصرة» سابقاً) والشرع الذي كان معروفاً بكنيته «أبو محمد الجولاني»، لا يزالان مدرجين على لوائح الإرهاب الأميركية، وكذلك لدى الأمم المتحدة، تعاملت الولايات المتحدة بحذر شديد مع الانفتاح الظاهر لمسؤولي «الهيئة» الذين يحاولون التخلص من ماضيهم، ويعلنون أنهم سيسعون إلى بناء دولة معتدلة تراعي حقوق كل أطياف الشعب السوري. وسعى المسؤولون في إدارة الرئيس جو بايدن إلى معرفة مصير الأميركيين الذين اختفوا في سوريا خلال حكم الأسد، وبينهم الصحافي أوستن تايس الذي اختُطف قرب دمشق قبل 12 عاماً، والمعالج مجد كم ألماز الذي اختفى عام 2017 وتوفي أثناء احتجازه.

وكانت وزارة الخارجية في واشنطن أعلنت الجمعة، في بيان، أن الوفد الدبلوماسي الأميركي الذي يزور العاصمة السورية للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، وبعد أقل من أسبوعين من خلع الرئيس بشار الأسد، يضم كلاً من المستشار الأول لدى مكتب وزارة الخارجية لشؤون الشرق الأدنى دانيال روبنشتاين الذي عُيّن أخيراً مبعوثاً رئاسياً خاصاً لسوريا، ومساعدة وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف، والمبعوث الرئاسي الخاص لشؤون الرهائن روجر كارستينز. وأفادت بأن الوفد الدبلوماسي الأميركي الزائر «سيتواصل مباشرة مع الشعب السوري، بمن في ذلك أعضاء المجتمع المدني والناشطون وأعضاء المجتمعات المختلفة والأصوات السورية الأخرى» حول «رؤيتهم لمستقبل بلادهم، وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تساعد في دعمهم». وعرضت الاجتماعات مع المسؤولين الجدد في دمشق لـ«مناقشة مبادئ العملية الانتقالية التي أقرتها الولايات المتحدة والشركاء الإقليميون في العقبة بالأردن».

«لقاء إيجابي»

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مصدر في دمشق أن الشرع عقد «لقاءً إيجابياً» مع الوفد الأميركي. وقال المصدر: «نعم صحيح، جرى اللقاء وكان إيجابياً، وستصدر عنه نتائج إيجابية إن شاء الله».

وكان يفترض أن تعقد ليف مؤتمراً صحافياً في أحد فنادق العاصمة السورية بعد اللقاء، لكنه ألغي «لأسباب أمنية». وقالت رنا حسن من طاقم السفارة الأميركية في دمشق: «للأسف... ألغي المؤتمر الصحافي لأسباب أمنية» لم تحدد طبيعتها.

ولاحقاً أفاد ناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية بأن الوفد الأميركي أجرى محادثات مع مسؤولين من «هيئة تحرير الشام»، مضيفاً أن الدبلوماسيين ناقشوا القضايا المتعلقة بمصير الصحافي المفقود في سوريا أوستن تايس ومواطنين أميركيين اختفوا في عهد الأسد. وأكد أن النقاش شمل أيضاً مبادئ انتقال السلطة في سوريا، والتطورات الإقليمية والحاجة إلى محاربة «داعش». كذلك قال إن الدبلوماسيين الأميركيين أجروا أيضاً محادثات مباشرة مع المجتمع المدني السوري وناشطين وأفراد من الطوائف المختلفة.

صحافيون ينتظرون أثناء انقطاع التيار الكهربائي قبل مؤتمر صحافي كان مقرراً لمساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى باربرا ليف في دمشق (رويترز)

مبادئ الانتقال

وسعى الوفد إلى التعرف على المشهد السياسي الجديد في سوريا، والمساعدة في تشكيله بعد الانهيار السريع لحكم الأسد، بما في ذلك مناقشة «مبادئ العملية الانتقالية»، طبقاً لما توافق عليه المسؤولون الأميركيون والعرب والأتراك خلال اجتماع نهاية الأسبوع الماضي في العقبة بالأردن. وأكد المسؤولون الأميركيون أن الجماعات المختلفة في سوريا يجب أن تبني عملية جامعة للحكم والتعامل العادل مع الأقليات العرقية والدينية في البلاد، وبينهم المسيحيون.

وأعلن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن أن إدارة الرئيس جو بايدن على «تواصل مباشر» مع «هيئة تحرير الشام»، مضيفاً أن الولايات المتحدة وشركاءها اتفقوا على مجموعة من مبادئ يأملون في أن يتبعها القادة المؤقتون في سوريا قبل الاعتراف بحكومة تصريف الأعمال السورية. وقال: «وضعنا سويةً بعض المبادئ لما نتوقعه في المستقبل في سوريا إذا أراد ما ينشأ في سوريا أن يحظى بالاعتراف والدعم الذي سيحتاج إليه من المجتمع الدولي»، مضيفاً: «لذا أعتقد أن هذا كان تمريناً مفيداً للغاية في نوع من وضع هذه التوقعات والمبادئ التي طرحناها».

وتمثل زيارة الوفد الأميركي خطوة مبدئية نحو الانخراط في سوريا، بعدما كانت الولايات المتحدة علاقتها الدبلوماسية معها عام 2012 بعد أقل من عام من بدء الثورة السورية التي تحوّلت لحرب أهلية شهدت فظاعات وانتهاكات جسيمة خلفت مئات الآلاف من الضحايا.

من غير الواضح كيف ستتطور العلاقة الأميركية مع الجولاني أو «الهيئة» التي يقودها بعد سنوات من تصنيفها خلال عهد الرئيس باراك أوباما كجماعة إرهابية، علماً بأن ذلك لا يشكل مانعاً قانونياً للتواصل بين الدبلوماسيين الأميركيين مع المجموعة. وحض مسؤولو «الهيئة» الإدارة الأميركية على رفعها عن لوائح الإرهاب. غير أن المسؤولين الأميركيين أفادوا بأنهم يراقبون تصرفات المجموعة عن كثب.

وكان السفير الأميركي السابق في دمشق، روبرت فورد، الذي دفع في اتجاه تصنيف «جبهة النصرة» منظمةً إرهابيةً، دعا أخيراً إدارة بايدن إلى التفكير في إزالة «هيئة تحرير الشام» من القائمة، لأنها أظهرت تسامحاً مع المسيحيين أتاحت لهم إعادة بناء كنائسهم.

كما وجدت إدارة بايدن أن «هيئة تحرير الشام» مستعدة للمساعدة في البحث عن تايس، وأعطت قائمة بمسؤولي حكومة الأسد السابقين الذين قد يكون لديهم معرفة به.

2000 وليس 900

إلى ذلك، كشفت وزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» أن ألفي جندي أميركي ينتشرون حالياً في سوريا، وهو أكثر من ضعف العدد المعروف علناً أنه يعمل في البلاد.

وأعلن الناطق باسم «البنتاغون» الجنرال باتريك رايدر خلال مؤتمر صحافي في واشنطن أنه علم بأن العدد أكثر من 900 جندي أخيراً. وقال: «تعد هذه القوات الإضافية قوات تناوبية موقتة نشرت لتلبية متطلبات المهمة المتغيرة، في حين أن القوات الأساسية البالغ عددها 900 جندي نشرت على المدى الأطول»، مضيفاً أن «الاعتبارات الأمنية الدبلوماسية والعملانية» هي «بالتأكيد الحال هنا». وذكر أن القوات، التي تعزز «مهمة هزيمة داعش»، كانت هناك منذ ما قبل سقوط الأسد.

وأعلنت الولايات المتحدة أنها ضربت أهدافاً عدة في سوريا أخيراً بهدف القضاء على بقايا التنظيم الإرهابي، وهناك خطر خاص حول الجيب الذي يسيطر عليه الأكراد في شمال شرقي سوريا، إذ تنتشر أيضاً قوات أميركية مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد لمحاربة «داعش».

وسُئل «البنتاغون» مراراً خلال الأسابيع الأخيرة عن عدد القوات الأميركية في سوريا، وأكد تكراراً أن العدد كان 900.


مقالات ذات صلة

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

المشرق العربي صورة تجمع صالح مسلم وعبد الله أوجلان خلال تشييع عضو الهيئة الرئاسية في حزب الاتحاد الديمقراطي بمدينة القامشلي شمال شرقي سوريا اليوم الجمعة (رويترز)

آلاف يشاركون في تشييع السياسي الكردي البارز صالح مسلم

شارك آلاف المشيعين في مدينة القامشلي، شمال شرقي سوريا، اليوم (الجمعة)، في جنازة السياسي الكردي البارز صالح مسلم.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي حملة أمنية بمحافظة دير الزور استهدفت مواقع تنظيم «داعش» في نوفمبر 2025 (الداخلية السورية)

«داعش» يتبنى قتل جنديين سوريين على طريق حلب

أعلن تنظيم «داعش» تبنيه قتل عنصرين من الجيش السوري على أوتوستراد حلب–الباب (شمالاً)، وسط تصاعد لعمليات التنظيم الإرهابي في البلاد.

سعاد جروس (دمشق)
شؤون إقليمية قوات تركية في منطقة «نبع السلام» شمال شرقي سوريا (الدفاع التركية)

أنقرة: لا انسحاب من منطقة «نبع السلام» في سوريا

نفت مصادر عسكرية تركية ما تردد بشأن الانسحاب من مناطق «عملية نبع السلام» في شمال شرقي سوريا.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي رجل يعبئ سيارته بالوقود في محطة بنزين بدمشق كإجراء احترازي وسط الحرب الدائرة في الشرق الأوسط (إ.ف.ب)

في دمشق سكان يراقبون الحرب الإقليمية ويطمئنون على عائلاتهم في الخليج

يشاهد السوريون الحرب عن بعد، بينما تعترض إسرائيل في سماء بلادهم الصواريخ الإيرانية العابرة نحوها، والتي سقطت شظاياها على مناطق في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري يقومون بدورية في ريف محافظة الحسكة (إ.ب.أ)

الجيش السوري يعزز انتشاره على الحدود مع لبنان والعراق

أعلن الجيش الحكومي السوري، اليوم الأربعاء، أنه عزز انتشار وحداته على طول الحدود السورية مع لبنان والعراق.

موفق محمد (دمشق)

صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
TT

صواريخ «حزب الله» تُهدد الطيران المدني

دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)
دخان يتصاعد من أحد المباني في الضاحية الجنوبية لبيروت إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (أ.ب)

في تطور لافت يعكس تحوّلاً في طبيعة المواجهة، أعلن «حزب الله» تنفيذ عمليات متتالية في المجال الجوي اللبناني، تمثّلت في إطلاق صاروخ أرض-جو باتجاه طائرة حربية إسرائيلية في سماء بيروت يوم الجمعة، ومن ثم «التصدي لطائرة استطلاع من نوع (RC12) في أجواء البقاع الغربي، كما في أجواء الجنوب».

وفي حين يعكس استخدام صواريخ أرض-جو، سعياً من قبل «حزب الله» إلى تقليص حرية الحركة الجوية، فإن هذه الخطوة من شأنها أن تُشكّل خطراً على الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت، لا سيما أنه من المرجّح أن يكون الصاروخ أطلق يوم الجمعة من الضاحية الجنوبية لبيروت، أي من محيط المطار.

بيئة مدنية حساسة

ورغم أن إسرائيل كانت قد أدخلت العاصمة بيروت ضمن دائرة الاستهداف عبر الغارات التي تُطلقها في مختلف مناطقها، وتقول إنها تستهدف قياديين في «حزب الله» و«الحرس الثوري» و«فيلق القدس»، فمن شأن الخطوة التي قام بها «حزب الله» أن تزيد من خطورة هذه التطورات بالنظر إلى أماكن تنفيذها، إذ إن إطلاق الصاروخ من محيط المطار يضع العمليات العسكرية ضمن نطاق مدني مكتظ. وهذا يرفع احتمالات الأضرار الجانبية، سواء نتيجة الاستهداف المباشر أو أي رد محتمل.

مطار رفيق الحريري الدولي في العاصمة بيروت (أرشيفية)

وهذا الأمر يتحدث عنه اللواء الركن المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي، مشيراً إلى أن «وجود مثل هذه الصواريخ في محيط مطار بيروت يشكّل خطراً جدياً على سلامة الطيران المدني، مستذكراً حادثة إسقاط طائرة مدنية في إيران نتيجة إطلاق صاروخ عن طريق الخطأ، وما أسفرت عنه من ضحايا».

تقييم القدرات الصاروخية

ويلفت شحيتلي الذي كان قد تولّى مهمة متابعة سقوط الطائرة الأثيوبية في بيروت عام 2010 مع المديرية العامة للطيران المدني، إلى «أن المعطيات المتوفرة حتى الآن لا تكفي لتحديد حجم منظومة الصواريخ المضادة للطيران لدى «حزب الله»، ولا طبيعة انتشارها الجغرافي، سواء أكانت محدودة أم واسعة النطاق، كما لا يزال نوع أنظمة التوجيه المستخدمة فيها غير واضح».

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن ثمة فارقاً جوهرياً بين الصواريخ التي تعتمد على التوجيه الحراري، مثل صواريخ «سام 7» التي تتعقب حرارة الطائرة تلقائياً، والصواريخ الموجهة التي يتم التحكم بها مباشرة، معتبراً أن تحديد هذه النقطة أساسي لتقدير مستوى التهديد الفعلي.

دور الرادارات والتحليل التقني

من هنا، يرجّح شحيتلي أن تكون المديرية العامة للطيران المدني قد بادرت إلى إعادة تقييم الوضع في ضوء هذا التطور، مشيراً إلى أن الكوادر المختصة في المديرية تمتلك الخبرة الكافية لاتخاذ قرارات مناسبة استناداً إلى معطيات دقيقة، لافتاً إلى «أن رادارات المطار قادرة على تتبع مسار الصاروخ، وتحديد نقطة إطلاقه والمسافة التي قطعها قبل انفجاره، ما يساعد في تصنيفه من حيث المدى (قصير، متوسط أو بعيد) وآلية التوجيه».

الدخان يتصاعد من ضاحية بيروت الجنوبية إثر استهدافها بغارة إسرائيلية (رويترز)

إجراءات محتملة للحد من المخاطر

وأشار إلى أن هذه المعطيات تتيح للجهات المعنية تحليل طبيعة التهديد وتقدير مخاطره، وعلى أساسها اتخاذ الإجراءات اللازمة، سواء عبر تعديل مسارات الطيران أو اعتماد تدابير تشغيلية جديدة.

وأوضح: «إن من بين الإجراءات الفورية المحتملة اعتماد مسارات جوية فوق البحر بدلاً من اليابسة، واستخدام المدرج الغربي حصراً للإقلاع والهبوط مع تعليق العمل بالمدرج الشرقي، وذلك للحد من المخاطر».


تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان تحت النار… و«الأرض المحروقة»

مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

تقدّم إسرائيلي في جنوب لبنان تحت النار… و«الأرض المحروقة»

مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
مبانٍ متضررة من جراء غارات جوية إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

يتّسع نطاق المواجهة في لبنان بوتيرة متسارعة، مع انتقال العمليات من ضغط ناري واسع إلى محاولة فرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض. وبين كثافة الغارات والتقدم البري التدريجي، يبرز نهر الليطاني كخط تماس متقدّم، فيما تتكامل الإنذارات بالإخلاء مع سياسة التدمير المنهجي لإعادة رسم الجغرافيا العسكرية والديموغرافية في الجنوب، في مشهد يعكس تحوّل المواجهة إلى حرب متعددة المستويات.

بالتوازي، أبلغ وزير الدفاع اللبناني الحكومة بأن القوات الإسرائيلية تقدّمت لمسافة تُقدَّر بنحو 8 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، وبدأت بهدم منازل في القرى التي دخلتها، في خطوة تهدف إلى منع عودة السكان وتثبيت واقع ميداني طويل الأمد.

وفي السياق نفسه، أعلن بنيامين نتنياهو أن قواته «في طور توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان»، مضيفاً: «أنشأنا منطقة أمنية حقيقية تمنع أي تسلل باتجاه الجليل والحدود الشمالية»، في مؤشر واضح إلى توجه إسرائيلي لفرض شريط أمني بالقوة.

وقبل الظهر، وسّع الجيش الإسرائيلي نطاق الضغط عبر إنذارات بالإخلاء الفوري لسكان سبع قرى جنوبية، طالباً انتقالهم إلى شمال نهر الزهراني، شملت معشوق، برج الشمالي، الرشيدية، دير كيفا، قعقعية الجسر، وادي جيلو والبص.

تصعيد واسع: قصف مكثف ومحاولة تثبيت

يتواصل القصف الإسرائيلي بعنف مستهدفاً القليلة (155 ملم) وقلاويه وسهلي القليلة ورأس العين، مع غارات ومسيّرات طالت دردغيا والمجادل والمنصوري والحنية، وامتدت إلى كفرا وحاريص وبيت ليف وصربين، إضافة إلى زفتا والنبطية ودير الزهراني وجويا والشهابية وعدلون والبقاع الغربي، وصولاً إلى ضربة فجر السبت على أوتوستراد هادي نصر الله في الضاحية.

بالتوازي، أُطلق أكثر من 70 صاروخاً نحو الطيبة، وسط محاولة تقدم إسرائيلية باتجاه الليطاني تحت غطاء جوي كثيف، ما يعكس انتقال العمليات إلى مرحلة تثبيت خطوط تماس.

وفي هذا السياق، تتركّز المواجهات على التلال الحاكمة، حيث سُجّلت اشتباكات في محيط البياضة وشمع، في محاولة للسيطرة النارية على المرتفعات المشرفة جنوباً، بما يربط بين الضغط الجوي ومحاولات التقدّم البري.

البياضة وشمع: تقدّم واشتباكات على التلال الحاكمة

وفي قراءة ميدانية متقاطعة، نقلت مصادر مطّلعة أن التحركات الإسرائيلية تتركّز على محاور مرتفعة ذات أهمية استراتيجية، وفي مقدّمها تلة البياضة الواقعة شمال الناقورة، التي تُشرف على الأوتوستراد الساحلي بين الناقورة وصور.

حطام متناثر يغطي أحد الشوارع في موقع غارة جوية إسرائيلية في بلدة السكسكية جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وأوضحت المصادر أن القوات الإسرائيلية وصلت إلى منطقة البياضة وتقدّمت باتجاهها، بالتوازي مع وصولها إلى مشارف بلدة شمع، حيث تدور اشتباكات في محيطهما، في إطار محاولة تثبيت نقاط سيطرة نارية على التلال المشرفة.

وأضافت أن السيطرة على هذه المرتفعات، أو حتى تثبيت إشراف ناري عليها، تتيح عملياً قطع المحاور الحيوية وعزل مناطق الساحل، ولا سيما الناقورة، عن عمقها، في سياق سعي تدريجي لفرض نطاق سيطرة مترابط يمتد من الساحل إلى الداخل.

وعدّت أن هذا النمط من التقدم يقوم على تثبيت نقاط نارية تدريجية وربطها جغرافياً، بما يسمح بفرض واقع ميداني متماسك قبل أي توغّل أوسع.

التقدّم البطيء... ومعركة وجودية

في قراءة عسكرية للتطورات الميدانية في جنوب لبنان، رأى العميد المتقاعد جورج نادر، عبر «الشرق الأوسط» أن إسرائيل «استخلصت دروساً عميقة من حرب عام 2006، لا سيما فيما يتعلق بالقتال المتقارب، حيث تكبّدت خسائر كبيرة أمام مقاتلي (حزب الله)»، لافتاً إلى أنها «تخلّت منذ ذلك الحين عن الاندفاع السريع نحو الاشتباك المباشر، واعتمدت بدلاً من ذلك استراتيجية التقدم البطيء والمدروس، المترافق مع قوة نارية هائلة تهدف إلى تدمير البيئة القتالية قبل دخولها».

وأضاف أن ما يُعرف إعلامياً بـ«سياسة الأرض المحروقة يعبّر فعلياً عن واقع ميداني قائم، حيث تتجنب القوات الإسرائيلية دخول أي بلدة قبل إخضاعها لتدمير شبه كامل باستخدام مختلف الوسائط الجوية والبرية والبحرية»، عادّاً أن «هذا النمط من العمليات يفسّر بطء التقدم الإسرائيلي مقابل حجمه التدميري الكبير».

الدمار في ضاحية بيروت الجنوبية بعد غارة استهدفت مبنى ليلاً (رويترز)

وفي توصيفه لحجم القوات المنخرطة، أشار إلى أن «إسرائيل تدفع بقوات ضخمة إلى الجنوب، إذ تعمل على عدة محاور باستخدام فرق عسكرية متكاملة، يتراوح عدد كل منها بين 15 و18 ألف جندي، ما يعني وجود عشرات آلاف المقاتلين في الميدان، إلى جانب مئات آلاف عناصر الاحتياط الجاهزين للاستدعاء»، موضحاً أن «هذا الحشد يعكس استعداداً لحرب طويلة ومفتوحة».

ورأى نادر أن «المعركة بالنسبة إلى إسرائيل تأخذ طابعاً وجودياً، وكذلك بالنسبة إلى (حزب الله)، ما يرفع منسوب التصعيد ويجعل الميدان هو العامل الحاسم في رسم مسار المفاوضات وحدودها»، مضيفاً أن «القرار الفعلي يُصنع اليوم في الجبهة، لا على طاولات السياسة».

وعن ذكر استخدام «العبوات الناسفة» في بيانات «حزب الله» الذي بدأ يوم الجمعة، عدّ نادر هذا التطور «مؤشراً واضحاً على انتقال القتال إلى داخل القرى، أي إلى نطاق الاشتباك المباشر»، موضحاً أن «التسمية الأدق عسكرياً هي الألغام المضادة للأفراد والآليات، التي تُزرع غالباً خلال الانسحاب بهدف إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف القوات المتقدمة».

وأشار إلى أن «القوات الإسرائيلية باتت تتحرك ضمن ما يُعرف عسكرياً بالأنساق القتالية، وقد تقدّمت من الخطوط الأمامية إلى ما يشبه النسق الثاني، مع احتمال التمدد نحو النسق الثالث وصولاً إلى شمال نهر الليطاني»، لافتاً إلى أن «استهداف الجسور وتدميرها يندرجان في إطار قطع خطوط الإمداد بين شمال الليطاني وجنوبه».

صحافي لبناني يحمل معدات تابعة لمراسل تلفزيون «المنار» علي شعيب ومراسلة قناة «الميادين» فاطمة فتوني اللذين استهدفا بغارة إسرائيلية على طريق جزين السبت (أ.ب)

وفيما يتعلق بالإنذارات التي يوجهها الجيش الإسرائيلي إلى السكان، رأى نادر أنها «لا تندرج فقط في إطار الإجراءات العسكرية، بل تشكّل أداة ضغط نفسي واجتماعي تهدف إلى دفع السكان نحو النزوح، بما يؤدي إلى خلق أزمات داخلية إضافية»، موضحاً أن «التهجير القسري، حتى لو تم تحت عنوان التحذير، يضع المجتمعات المحلية أمام تحديات معيشية واجتماعية معقّدة قد تثير مشاكل داخلية تستفيد منها إسرائيل».

ورأى أنّ «إسرائيل ماضية في توظيف كامل قدراتها التدميرية، مستفيدة من غطاء دولي واسع، ما يرجّح استمرار العمليات لفترة مفتوحة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب احتواء التصعيد».


محاولة غير مضمونة لانتخاب رئيس جديد للعراق

البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
TT

محاولة غير مضمونة لانتخاب رئيس جديد للعراق

البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
البرلمان العراقي مجتمعاً لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)

رغم توقيع ثلثي أعضاء البرلمان العراقي على رسالة موجّهة إلى رئاسة البرلمان لتخصيص جلسة يوم الاثنين لانتخاب رئيس الجمهورية، فإن الاتجاهات السياسية العامة في البلاد لا تشجّع كثيراً من المراقبين على التفاؤل بحسم ملف تشكيل الحكومة، الذي طال انتظاره لأكثر من 5 أشهر، خصوصاً في ظل الحرب الإقليمية المشتعلة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى.

وحسب رسالة قدّمها 220 من أصل 329 نائباً في البرلمان، الجمعة، وأوضحوا فيها أنهم يمثلون ثلثي أعضاء البرلمان اللازمة لتمرير انتخاب رئيس الجمهورية، وطالبوا بعقد جلسة الاثنين لهذا الغرض، فإن «استمرار شغور هذا المنصب يُمثّل تعطيلاً لمسار الاستحقاقات الدستورية، ويؤثر سلباً على انتظام عمل السلطات الدستورية، الأمر الذي يستوجب الإسراع في استكمال هذا الاستحقاق الوطني المهم، بما يضمن استقرار العملية السياسية، ويُعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والنواب الذين يمثلونهم».

وأكد الموقّعون، «ضرورة إدراج فقرة انتخاب رئيس الجمهورية ضمن جدول أعمال الجلسة المذكورة، واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لضمان انعقادها في الموعد المحدد».

محاولة غير مضمونة

في المقابل، تتحدث العديد من المصادر السياسية عن عدم نجاح المجلس في تمرير عملية انتخاب الرئيس، الاثنين، بالنظر إلى معارضة قوى وأحزاب وازنة في البرلمان، من بينها ائتلاف «دولة القانون» بزعامة المالكي، والحزب «الديمقراطي الكردستاني» بزعامة مسعود برزاني، وفقاً للمصادر.

من جهته، أعلن النائب الأول لرئيس مجلس النواب عن «عصائب أهل الحق»، عدنان فيحان الدليمي، يوم السبت، في بيان، أن هيئة رئاسة المجلس تسعى إلى عقد اجتماع «مهم» مع رؤساء الكتل السياسية خلال الأسبوع الحالي، للتباحث بشأن التوصل إلى توافق على تحديد موعد لعقد جلسة انتخاب رئيس الجمهورية.

وأكد الدليمي «عزم السلطة التشريعية على الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية، والمضي قدماً في استكمال ما تبقّى من الاستحقاقات الوطنية».

وأوضح أن «الظروف الحرجة التي تشهدها المنطقة عموماً، والعراق على وجه الخصوص، تفرض على القوى السياسية التي تُمثل مكونات المجتمع العراقي أن تتحمل مسؤولياتها في دعم خطوة رئاسة وأعضاء مجلس النواب، وجعل مصلحة البلد فوق كل اعتبار، والإسراع في إنجاز هذا الاستحقاق الدستوري».

وما زال الأمر متوقفاً على ما يقرره رؤساء الكتل السياسية قبل التوجه إلى قبة البرلمان. وحتى مع الأحاديث المتداولة بشأن إمكانية انتخاب نزار أميدي عن حزب «الاتحاد الوطني» لمنصب رئيس الجمهورية، وتكليفه محمد السوداني بتشكيل الحكومة لدورة وزارية ثانية، فإن مصادر مقربة من «دولة القانون» ترى أن «لا شيء مؤكداً حتى الآن».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»، إن «تحرك بعض النواب هدفه الاستعراض وإظهار بعض الحرص، لكن الواقع يُشير إلى عدم إمكانية تمرير رئيس الجمهورية خلال هذه الفترة، إذ لا يوجد اتفاق سياسية رصين يمكن التعويل عليه».

ويشير المصدر ضمناً إلى «بقاء الأمور على حالها لحين انتهاء الحرب الإقليمية الحالية، خصوصاً مع عدم حسم المرشح لمنصب رئاسة الوزراء داخل قوى الإطار ورئاسة الجمهورية داخل القوى الكردية»، وهو الموقف الذي سبق أن عبّرت عنه شخصيات عديدة داخل قوى «الإطار التنسيقي» وربط مسألة تشكيل الحكومة بمآلات الحرب الدائرة والطرف الذي سيحسمها لصالحه.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني (د.ب.أ)

وتتضارب التقارير والتسريبات المتعلقة بجلسة الاثنين بشكل كبير، سواء من حيث الكتل والقوى السياسية التي ستشارك أو تلك التي ستمتنع عن الحضور، حتى مع انضمام رئيس البرلمان، هيبت الحلبوسي، إلى الجهات المطالبة بحسم منصب رئاسة الجمهورية.

وتُشير تقارير صحافية إلى أن الكتل المتوقع حضورها في الجلسة تشمل الكتلة التي يتزعمها رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني، والتي تضم 45 نائباً، إلى جانب كتل «تقدّم» و«الاتحاد الوطني» الكردستاني و«صادقون»، وتُمثل جميعها ما مجموعه 137 نائباً، أي أقل بكثير من الثلثين المطلوبين في البرلمان لانتخاب رئيس الجمهورية.

وتلفت التقارير إلى أن معارضة ذلك وعدم حضور جلسة الاثنين تتأتى من كتل «دولة القانون» و«بدر» والحزب «الديمقراطي الكردستاني»، وقوى أخرى لها نحو 131 نائباً في البرلمان. الأمر الذي يُعزز من قناعة المشككين بجلسة الاثنين.

كان رئيس مجلس النواب العراقي، هيبت الحلبوسي، قد أكد مساء الجمعة، أن المجلس سيتحمل مسؤوليته الدستورية، ويمضي نحو انتخاب رئيس الجمهورية وفق الدستور.