إعمار سوريا المدمّرة برعاية «التطوير العقاري» المجهول

أصحاب ملكيات تحت «المرسوم 66»... ومجمعات فاخرة للأثرياء الجدد

دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
TT

إعمار سوريا المدمّرة برعاية «التطوير العقاري» المجهول

دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)
دمار هائل في مخيم اليرموك الفلسطيني بدمشق (الشرق الأوسط)

على طريق المتحلق الجنوبي في العاصمة السورية دمشق، تلوّح نجاح حسن الحي للسيارات الخاصة العابرة، علّ أحدها يقلّها إلى مفرق مدينتها داريا، التي لا تزال أجزاء واسعة منها مدمرة كلياً أو جزئياً بسبب الحرب. ما إن استقرت في السيارة حتى بدأت تتحدث عن معاناتها مع النزوح، وعجزها عن ترميم منزلها المتضرر من القصف في حي الشاميات في داريا.

تقول السيدة إنها تُضطر إلى التنقل بين ابنتيها، لعدم قدرتها على دفع بدل إيجار غرفة في أحياء محيط العاصمة.

من جانبي الطريق الذي يفصل شطري المدينة تظهر مفارقة واضحة؛ ففي الجهة الجنوبية يمتد دمار داريا أفقياً، في حين ترتفع في الجهة الشمالية أبنية حي المزة وأبراج مشروع «ماروتا سيتي» الذي استأنفت السلطات السورية العمل على إنجازه وكان قد بدأ منذ أيام النظام السابق.

تشير نجاح، التي فقدت زوجها وابنها خلال الحرب، إلى الأبراج بحسرة: «بناء منازل للمهجرين والنازحين، أهم من أبراج الأثرياء الذين لم يخسروا منازلهم ومصادر رزقهم».

وبالفعل، تتجاور في دمشق صورتان تبدوان وكأنهما تنتميان إلى بلدين مختلفين. على اللوحات الإعلانية ترتفع لافتات مجمعات سكنية حديثة وشقق فاخرة تسوق باعتبارها عنواناً لحياة جديدة، مع وعود بالرفاهية والاستثمار ومستقبل أكثر ازدهاراً، وعلى بُعد أمتار قليلة فقط، تمتد أحياء لا تزال تحمل آثار سنوات الحرب، بمساحات مدمرة ومناطق كاملة لم تصلها بعد مشاريع الترميم والبنى التحتية الأساسية.

يثير هذا التناقض بين الخطاب البصري الذي تروّجه مشاريع التطوير العقاري، والواقع الذي يعيشه جزء كبير من السوريين، أسئلة تتجاوز الهندسة والعمران، لتبحث في انتقائية هذه المشاريع على المستويين الاقتصادي والاجتماعي ومن المستفيد منها وما إذا كانت تعكس احتياجات السكان الفعلية.

فبعد فترة من سقوط نظام بشار الأسد، تصاعد حديث عن المشاريع والاستثمارات، وتوسمت الأسر السورية خيراً في أن تكون أولوية الحكم الجديد معالجة أزمة السكن الحادة بخطة فعلية لإعادة الإعمار والخلاص من مرارة النزوح والتشرد وبدلات الإيجار.

لكن التفاؤل سرعان ما خفت مع ظهور استراتيجية حكومية قائمة على جذب شركات استثمارية عقارية أجنبية ومحلية، توجهت إلى تشييد مجمعات سكنية جديدة ضخمة لا يقوى على شراء شقة فيها إلا أصحاب رؤوس الأموال، في حين تُركت العائلات المدمرة منازلها تواجه مصيرها بنفسها.

مبانٍ حديثة أُعيد العمل فيها ضمن مجمعات خاصة على تخوم العاصمة السورية دمشق (الشرق الأوسط)

«يعفور 963»... شقة الـ300 ألف دولار

من بين مشاريع عقارية يروج لها منذ مدة «يعفور 963»، غربي دمشق على طريق دمشق-بيروت، أطلقته مجموعة الاستثمار لما وراء البحر «إنفست جروب أوفرسيز» التي تتخذ من دبي مقراً لها.

يمتد المشروع، وفق منصة «المصدر العقاري»، على مساحة تقارب 144 ألف متر مربع، ويضم 13 مبنى تتوزع بين 12 مبنى سكنياً ونادٍ اجتماعي، فيما تم تخصيص أكثر من 75 في المائة من المساحة الإجمالية للمسطحات الخضراء والمناطق المفتوحة والمرافق.

لم يتم إعلان القيمة الاستثمارية الإجمالية للمشروع، إلا أن المنصة ذكرت أنه يضم 1280 وحدة سكنية تشمل شققاً من غرفتين وثلاث وأربع غرف نوم إضافة إلى نمط شقق الـ«بنتهاوس».

أما أسعار الشقق في المشروع الذي يضم مجموعة واسعة من المرافق والخدمات، فتبدأ بـ300 ألف دولار لشقة من غرفتي نوم. وتلك مساحة لا تخدم متوسط الأسرة السورية فيما ثمنها يفوق قدرتها بكثير.

وفي بلد لا يتجاوز الراتب الشهري لأغلبية الموظفين 150 دولاراً، في حين تكلف احتياجات أصغر عائلة نحو 500 دولار شهرياً، يبدو مبلغ 300 ألف دولار رقماً فلكياً.

لذا، مع فقدان الأمل بإعادة إعمار حكومية قريبة أو مشاريع استثمارية مدعومة لإعادة بناء المناطق المدمرة، وجدت العائلات نفسها مجبرة على العودة إلى العيش وسط الدمار، بعد إجراء عمليات ترميم جزئية وبسيطة على نفقتها الخاصة، من خلال حوالات مالية غير منتظمة من الخارج.

جانب من مشروع «مزّة 56» في دمشق (الشرق الأوسط)

شراكات مشبوهة في جوبر

يتداول أهالي ومسؤولو جوبر، وهي ضاحية تاريخية واقتصادية تقع شمال شرق العاصمة دمشق، عن عروض استثمارية مجهولة تلعب الحكومة فيها دور الوسيط، وليس الضامن.

يقول أيمن الدسوقي، الباحث الأول في «مركز عمران للدراسات الاستراتيجية»، الذي أجرى أخيراً جولة ميدانية في المناطق المدمرة، إن إحدى الشركات بدأت تعرض على سكان حي جوبر في ريف دمشق تسويات تتعلق بأملاكهم، بحيث يحصل أصحاب العقارات المسجلة بـ«الطابو» على 50 في المائة فقط من قيمة ملكياتهم، في حين يُعرض على مالكي الأراضي الزراعية 35 في المائة من قيمة أراضيهم. ويشير الدسوقي إلى أن هذه الآلية تثير مخاوف من انتقال ملكية السكان أو انتقاص حقوقهم العقارية عبر مشاريع إعادة الإعمار، في نموذج يرى البعض أنه يعيد تجميع ملكيات السكان وتعويضهم بجزء من قيمتها.

يُشاع على نطاق واسع أن رجال أعمال على صلات بالنظام السابق يقفون ورا الشركات او لهم فيها حصص كبيرة، بالتالي فإن الأمر الذي كان مثار جدل لدى أهالي جوبر بأن خلافهم مع عرض الشركة يتجاوز التفاصيل القانونية والفنية، لتمتد إلى الأشخاص بعينهم.

شوارع لا تزال مهدمة ومنازل تحت الركام في حي جوبر الدمشقي (الشرق الأوسط)

وإلى ذلك، يقول الدسوقي إن ارتفاع سعر بيع المتر المربع الواحد الذي خلصت إليه الشركة بعد دراستها للسوق، بلغ نحو 1000 دولار، ما يفوق القدرة الشرائية لسكان جوبر، وغالبيتهم من النازحين.

ويُرجع الدسوقي ارتفاع السعر إلى الصيغة التي تُطرح لمشاريع التطوير العقاري في المناطق المدمرة، تتحمل فيها الشركات الاستثمارية إعادة الخدمات الأساسية، لتعويض غياب الحكومة، لكن على حساب رفع قيمة المتر المربع من الوحدات السكنية، والاستحواذ على الأراضي عبر مشاركة حصص ملاكها.

الدولة وسيط للمستثمرين

تحاول الحكومة أن تكون وسيطاً يقنع المستثمر بإعادة بناء المناطق المدمرة تحت ضغط قاعدة مجتمعية عانت سنوات الحرب وثمة ضرورة لتعويضها، بالتزامن مع إعلانها عن «مشروع إغلاق المخيمات»؛ لذلك تفضّل خيار المستثمرين للبناء في مناطق نظيفة. لكن هذا المسار الذي يبدو اضطرارياً يوجه المشاريع نحو ذوي الدخل المرتفع، على حساب قطاع واسع من أصحاب الحقوق وهم من أصحاب الدخل المحدود.

وقال الدسوقي إن هذه الصيغة لا تفضي إلى تحقيق «الاستقرار المجتمعي»، موضحاً أن «الحكومة تستهدف فعلاً إعادة إعمار المناطق المدمرة، وربما تشجع عليها لكنها لا تملك صلاحية إلزام المستثمرين بالعمل فيها، فهم يقدمون عروضاً تتوافق مع مصالحهم الاقتصادية».

سكان عادوا إلى بيوتهم المهدّمة في حي التضامن بدمشق (الشرق الأوسط)

وأضاف أن الجهات الحكومية المعنية، ومنها المحافظة ووزارة الإسكان ووزارة التنمية المحلية، تجري محاولات لإقناع سكان المناطق المدمرة بقبول العروض المقدمة من الشركات الاستثمارية لأنها قد تكون أفضل الممكن.

وحسب الدسوقي، ثمة تفسير آخر لإحجام الدولة عن الدخول في عملية إعادة إعمار المناطق المدمرة، هو افتراض أن دورها يقتصر على تنظيم الأمور وإصدار القوانين والتشريعات واستقطاب العروض دون أن تكون مسؤولة عن تنفيذ إعادة الإعمار نفسها، ولا عن توفير خدمات أساسية، وهي مسؤوليات يمكن أن يتحملها القطاع الخاص بشقيه الداخلي أو الخارجي.

مع ذلك تنشأ مدن فارهة تستهدف طبقة جديدة في المجتمع السوري. يصفهم الدسوقي بـ«طبقة حديثي النعمة»، التي أقامت خلال سنوات الحرب مشاريع عقارية ضخمة في بعض مناطق الشمال السوري، وراكمت من ورائها ثروات كبيرة، وتقدر نسبتها من 1 إلى 3 في المائة من المجتمع، إلى جانب المغتربين السوريين الموجودين في الخارج، والجالية السورية الكبيرة في أوروبا التي اندمجت بالاقتصاد الأوروبي، إضافة إلى أصحاب الرأسمال الأجنبي الذي يبحث عن موطئ قدم في سوريا.

ومثل هذه المشاريع العملاقة تلبي احتياج شريحة محدودة، ويتحقق الاكتفاء لها ببناء 100 ألف وحدة سكنية، ولكن في المقابل تبقى، وفق الدسوقي، مشكلة السكن لـ3 ملايين نازح داخلي و5 ملايين لاجئ قائمة من دون حل.

استئناف العمل في المجمعات السكنية الفاخرة في دمشق (الشرق الأوسط)

«ماروتا سيتي» و«المرسوم 66»

محاولات الشركات الجديدة التي تنخرط أخيراً في سوق التطوير العقاري لمناطق مدمرة ليس جديداً في سوريا. نظام الأسد كان قد أصدر «المرسوم 66» السيئ الصيت عام 2012 بزعم «تطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي».

منذ الإطاحة بالنظام السابق، عاد الجدل إلى هذا المرسوم السيئ الصيت، ولا سيما عند الحديث عن المنطقتين التنظيميتين اللتين استُحدثتا بموجبه؛ الأولى هي منطقة جنوب شرق المزة (مزة-كفرسوسة)، التي عُرفت لاحقاً باسمها الجديد «ماروتا سيتي»، وتشمل ما يُعرف شعبياً ببساتين المزة وأجزاء من كفرسوسة. أما الأخرى فهي منطقة جنوبي المتحلق الجنوبي، التي عُرفت لاحقاً باسم «باسيليا سيتي».

اليوم، يؤكد أصحاب الملكيات الأساسيون في هاتين المنطقتين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، وحقوقيين سوريين ومنظمات حقوقية دولية، أن هدف النظام السابق من «المرسوم 66» هو انتزاع ملكيات الأهالي وتهجيرهم، وإحداث تغيير ديمغرافي فيهما.

وحسب تقارير دولية تعود إلى عام 2018، فإن «(المرسوم 66) يعاقب النازحين ويعوق التحقيق في جرائم الحرب»، كما أن حكومة النظام السابق «استخدمت المرسوم لمصادرة الممتلكات وتشريد السكان».

وكانت وزارة الخزانة الأميركية فرضت في يونيو (حزيران) 2020، عقوبات على محافظ دمشق السابق عادل العلبي لدوره في الإشراف على شركة «الشام القابضة»، ومشروع تطوير العقارات في «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، واصفة المشروع بأنه «أكبر استثمار عقاري في سوريا بملايين الدولارات، يهدف إلى تغيير ديمغرافية المكان إلى ديمغرافية غنية وموالية سياسياً لنظام الحكم».

ملكية الأراضي الزراعية معرّضة للخطر والتجزئة ضمن خطط الاستملاك الجديدة (الشرق الأوسط)

وفي عام 2024، ومع سقوط النظام، يأمل أصحاب الملكيات الأساسيون للأراضي في مشروعي «ماروتا سيتي» و«باسيليا سيتي»، أن تقوم السلطات السورية بإلغاء «المرسوم 66» أو تعديله بحيث تنصف المالكين الأساسيين بعد الحيف والظلم الذي طالهم من قبل النظام المخلوع، غير أن محافظة دمشق واصلت العمل فيه، مما أثار حفيظة الأهالي وارتفعت أصواتهم المطالبة بإنصافهم ونظموا تظاهرات في هذا الشأن.

بشير بعلبكي أحد المالكين الأساسيين في منطقة «بساتين المزة»، يتحدث إلى «الشرق الأوسط» قائلاً إن «المحافظة في عهد النظام البائد أعطت المالكين فقط 17 في المائة من أراضيهم، وهذا قمة الإجحاف».

يضيف بعلبكي: «السكن البديل كان مجانياً وبالمنطقة نفسها، وقد أخلت المحافظة بهذا البند من حيث المكان والتعويض، وقد تم تعويض المالكين ببدل إيجار سنوي زهيد لا يغطي حصتهم من الملكية».

وبعد التحرير، عدلت المحافظة بدل الإيجار إلى 35 ضعفاً، لكنه وفق بعلبكي «لا يزال غير متناسب مع سوق الإيجار والعقار خصوصاً مع التضخم الهائل. كما وعدت المحافظة بتوفير سكن بديل في المنطقة المجاورة ولكن من دون إكساء وبسعر مجهول حتى اليوم».

سكان يعودون إلى منازلهم المدمرة ويحاولون ترميم ما تيسّر تفادياً للإيجارات الباهظة (الشرق الأوسط)

ضرب «حواضن الثورة»... بالقانون

معتصم السيوفي، مدير مؤسسة «اليوم التالي» التي أنجزت دراسة حول حقوق الملكية ومشاريع التطوير العقاري، يوضح أن المشكلة في «المرسوم 66» و«القانون رقم 10» لعام 2018، أنهما «صدرا في ظرف غير طبيعي خلال سنوات الثورة، وقد استخدمهما النظام لمواجهة المناطق التي انتفضت عليه، وكانت تلك حواضن للثورة عبر تغيير هويتها وطابعها الديمغرافي».

ويلفت السيوفي لـ«الشرق الأوسط» إلى «تعسف كبير» بحق أصحاب الملكيات؛ إذ لم تكن حينها لدى أعداد كبيرة من المالكين الأساسيين إمكانية لإثبات ملكياتهم بسبب الظروف القائمة، كما حصل عدد كبير من حالات البيع بالإكراه، مشيراً إلى أن شخصيات بارزة من أركان النظام السابق، من بينهم أسماء الأسد ورجلا الأعمال سامر الفوز وحسام القاطرجي، يمتلكون حصصاً كبيرة في أبراج «ماروتا سيتي»، وقد وُضعت هذه الحصص تحت إدارة «الصندوق السيادي».

ويشرح السيوفي ما يصفه بآلية الاحتيال بالقول: «إذا كانت لديك اليوم قطعة أرض زراعية في دمشق تساوي ألف دولار، فإن قيمتها ترتفع إلى عشرة آلاف أو حتى مائة ألف دولار عندما تُصنّف أرضاً معدّة للبناء. لكن في (المرسوم 66) حُدّدت قيمة معينة للأراضي، ومنح المالك مقابلها أسهماً في المشروع الجديد، فيما أصبحت أسعار العقارات ضمن المخطط التنظيمي مرتفعة جداً، إلى درجة أن قيمة الأسهم التي حصل عليها المالكون لا تكفي لشراء غرفة، بل حتى حمام، في شقة ضمن أحد الأبراج، في وقت تُباع فيه الشقة الواحدة بنحو مليون ونصف المليون دولار. وهذا، برأيي، شكل من أشكال الاحتيال على الملكية أو سلبها بطريقة غير مباشرة، وما زال قائماً».

مبانٍ شاهقة وشقق فاخرة بانتظار سكان متمكنين اقتصادياً (الشرق الأوسط)

ويشير السيوفي إلى أن محافظة دمشق، خلال حقبة النظام السابق، استحوذت على حصة كبيرة من المقاسم السكنية والتجارية ضمن المشروع، ثم طرحتها للاستثمار عبر شركة «شام القابضة»، بحجة تمويل مشاريع البنية التحتية، معتبراً أن ذلك يثير كثيراً من علامات الاستفهام، معتبراً «الحل المنطقي» يبدأ بوقف تنفيذ «المرسوم 66» عند الحدود التي نُفذ فيها حتى الآن، ثم تعديله بما يضمن تعويضاً عادلاً للمالكين من حصة المحافظة.

مخيم اليرموك... نكبة مزدوجة

في مخيم اليرموك جنوب دمشق، الذي كان يُوصف بـ«عاصمة الشتات الفلسطيني» قبل أن يتحول إلى أحد أبرز نماذج الدمار السوري، تتزايد اليوم مؤشرات على عودة العائلات النازحة، مع حركة نسبية في السوق المحلية، رغم استمرار الدمار وتردي الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه وصرف صحي واتصالات.

في الشارع الرئيسي وعدد من الأزقة، تبرز أبنية أُعيد بناؤها على الهيكل (العظم). تعيش فيها عائلات في غرفة واحدة جرى إكساؤها مع مطبخ وحمام بالحد الأدنى من التجهيزات، فيما رمّم آخرون شققهم رغم مخاطر انهيار المباني المتضررة بشدة.

يسار العمر عاد إلى منزله في المخيم قبل نحو عام ونصف العام. تحدث الرجل الستيني لـ«الشرق الأوسط» وهو جالس على كرسي على رصيف الشارع. ألقى باللوم على الحكومة ووكالة «الأونروا»: «للأسف لم نر أحداً».

يوضح الرجل أنه في ظل الارتفاع الخيالي لبدلات إيجار الشقق ووصولها إلى أكثر من 400 دولار في محيط المخيم، أُجبرت العائلات النازحة على العودة إلى منازلها بعد إجراء عمليات ترميم جزئية وبسيطة.

ويقول: «المهم الخلاص من جشع المؤجرين، قمنا بتركيب باب رئيس للشقة وستائر وبطانيات على أبواب الغرف الداخلية والنوافذ، والبعض يأكل خبزاً وبصلاً لتوفير تكاليف الترميم».

وعن المجمعات والمشاريع الجديدة، قال إن «هذه الشقق والخدمات ليست لنا، وحتى في المناطق العشوائية بات تملُّك شقة صغيرة بالنسبة للغالبية العظمى من السكان حلماً مستحيل تحقيقه في ظل الأسعار الحالية».

البناء والترميم بجهود ذاتية وغياب تام لأي خطة حكومية (الشرق الأوسط)

غياب حكومي تام

يتحدث الدسوقي عن مبادرات محلية شعبية لترميم المنازل في مدينة دير الزور وبعض المشاريع لمنظمات معنية لإعادة تأهيل بعض الأسواق، «لكن الغائب في كل تلك المناطق المدمرة التي قمت بزيارتها سواء كانت في حي جوبر بدمشق أو ريفي حلب وإدلب الشرقيين، هو غياب الحكومة عن ملف إعادة الإعمار».

سبب الغياب، حسب الدسوقي، يتعلق بعدم امتلاك الحكومة تكلفة عملية إعادة الإعمار المرتفعة جداً، التي يتم الحصول عليها من الدولة أو القطاع الخاص أو القروض، وبالنسبة للدولة فإنها «خارج هذا الملف، لأن لديها مشكلات وتحديات كبيرة، ولم تستعد عافيتها بعد على صعيد الخزينة والإيرادات المالية، وبالتالي الدخول بهذا الملف قد يستنزفها وهو وأكبر منها».

لكن السؤال في ظل هذا الوضع، لماذا لم تتجه الدولة إلى القروض الخارجية، خصوصاً أن إعادة الإعمار لم تجر في دول عديدة إلا وكان فيها تمويل على هيئة قروض من الخارج؟

يعتقد الدسوقي أن عزوف الحكومة عن الدخول بموضوع القروض مرده «الحكم الشرعي» للقروض وفوائدها، إلى جانب ما يتعلق بالسيادة، ولذلك اتجهت لجذب رؤوس الأموال عن طريق القطاع الخاص، عبر فتح باب الاستثمار لإعادة إعمار المدن المدمرة بالاتفاق مع السكان.

لكن ما يحصل، برأي الدسوقي، أن الدولة لا تقوم بدورها بصفتها ضامناً للحقوق والملكيات، بل تظهر أشبه بوسيط كما سبق الذكر؛ إذ إنها عندما تطرح على الأهالي مسألة وجود عرض لشركة عقارية لإعادة إعمار منطقتهم، تكتفي بطرح العرض والقول لهم: هل يناسبكم أم لا؟ في حين الحكومة يجب أن تقول بوضوح إن كان هذا العرض يناسب ويراعي حقوق الملكيات أم لا.

أحد أحياء دمشق الأقل تضرراً خلال الحرب (الشرق الأوسط)

حلول ممكنة على الطريقة التركية

يرى الدسوقي أن من بين الحلول البديلة أن تقوم الدولة بمقايضة شركات التطوير العقاري، بإعطائها قطعة أرض نظيفة تعود ملكيتها لها للاستثمار فيها، مقابل إعمار حيٍّ مدمَّرٍ مثلاً، لافتاً إلى أن الحكومة بحاجة إلى إنجاز ملموس يقلّل الفجوة مع أهالي هذه المناطق قبل أن تتسع أكثر، وذلك من خلال تقديم إعفاءات وإغراءات إلى المستثمرين للاستثمار في المناطق المدمرة.

ويلفت الدسوقي إلى أن الحكومة لديها ميزة أنها كثيرة الاطلاع على تجارب الدول الأخرى ويمكن أن يستفيدوا منها، خصوصاً الشركات التركية التي لها علاقة بالشراكة بين القطاع الخاص والقطاع المشترك لبناء مساكن قريبة لسعر التكلفة، ومنها شركة المطور العقاري التركي الحكومي «التوكي» التي تعمر وتبيع بسعر التكلفة وبأقساط ميسرة.

مبنى أُعيد بناؤه وقد بدا ختم محافظة دمشق على أبواب المحال التجارية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «من غير المستبعد أن نشهد تحوّلاً في بنية (الصندوق السيادي) السوري عبر إحداث (ذراع عقارية) قابضة تابعة له على نمط (التوكي)، والبدء بتأمين مساكن بسعر التكلفة للمواطنين وبأقساط، وذلك بعد إكمال عملية التسويات مع رجال الأعمال السابقين الذين كانوا مرتبطين بالنظام السابق»، موضحاً أنه يمكن أن يتم اللجوء إلى هذا الخيار المرتبط بمسألتين وهما حوكمة «الصندوق» حتى تكون هناك آلية مستقرة، وكمية المال كي يستطيع الدخول في هذا المشروع، ولكن من غير المتوقع أن يكتمل ذلك قبل سنة أو سنتين.

يُذكر أن «الصندوق السيادي»، أنشئ بمرسوم رئاسي في يونيو 2025، وشارك خلال الفترة الماضية في العديد من المنتديات الاستثمارية، وبدأت تتكشف خيوط بأنه يدير أصولاً تم الاستحواذ عليها نتيجة تسويات قامت بها «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» مع رجال أعمال ارتبطوا مع النظام السابق وبعض رموزه الاقتصادية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended

اقرأ أيضاً


مقالات ذات صلة

«جهاز أمن العاصمة» في دمشق... لإحباط أي زعزعة استقرار قبل وقوعها

المشرق العربي العميد عبد العزيز الأحمد مدير أمن «جهاز أمن العاصمة» المستحدث مؤخراً (حساب فيسبوك)

«جهاز أمن العاصمة» في دمشق... لإحباط أي زعزعة استقرار قبل وقوعها

قال مسؤول عسكري سوري رفيع لـ«الشرق الأوسط» إن استحداث «جهاز أمن العاصمة» وتعيين العميد عبد العزيز هلال الأحمد مديراً له يهدف لـ«حماية أمن دمشق بشكل أكبر، ومركز»

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي صورة من المواد المتفجرة التي ضبطها الجيش اللبناني (صفحة الجيش على «إكس»)

السلطات اللبنانية تضبط مجدداً مواد متفجرة مهرّبة من سوريا

أعلن الجيش اللبناني، الاثنين، ضبط مواد متفجرة بزنة نحو مئتي كيلوغرام في شرق البلاد، مهرّبة من سوريا المجاورة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي العاصفة الغبارية في دير الزور (سانا)

271 حالة اختناق في دير الزور جراء عاصفة غبارية تضرب شرق سوريا

تسببت العاصفة الغبارية التي ضربت، الاثنين، مناطق شرق سوريا، في أكثر من 271 حالة اختناق بمحافظة دير الزور وفق قناة الإخبارية السورية الرسمية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي عثرت الوحدات الأمنية في منطقة القدموس بمحافظة طرطوس على مخبأ أسلحة وذخائر في إحدى المناطق الجبلية (الأمن الداخلي السوري)

ضبط مخبأ أسلحة وذخائر من النظام البائد في القدموس السورية

أعلن الأمن الداخلي في محافظة طرطوس العثور على مخبأ للأسلحة والذخائر في إحدى المناطق الجبلية، أثناء عمليات البحث والتمشيط في منطقة القدموس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شمال افريقيا صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي مستقبلاً وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني في مقر القيادة ببنغازي الأحد (القيادة العامة)

صدام حفتر يؤكد للشيباني استعداد «القيادة العامة» لدعم الشعب السوري

في أول زيارة له إلى بنغازي، بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، عدداً من الملفات الأمنية.

جمال جوهر (القاهرة)

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.


من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
TT

من «أحمد الياباني» إلى «طوفان السنوار»... قصة عذابات ونهر من الأضرحة

أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)
أوكاموتو أمام ضريح رفيقيه خلال إحياء الذكرى الخمسين لعملية اللد عام 2022 (أ.ف.ب)

كان حارس المقبرة لطيفاً وودوداً. ولعله ابتهج أن سكان الأضرحة التي يعايشها لم يغرقوا في النسيان الكامل، وأن هناك من لا يزال يزورهم أو يسأل عنهم. طاف بي بين أضرحة «مقبرة شهداء الثورة الفلسطينية» في بيروت، واستوقفتني أسماء كثيرة، بينها اسم بلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، التي قُتلت في انفجار ضرب السفارة العراقية في بيروت، وقد زُيّن ضريحها بأبيات من رثائه الموجع لها.

وتلعب الصدف أحياناً دوراً في تقرير المصائر. ولا غرابة أن تبدأ الحكايات من شرارة غير مقصودة. وسأروي قصة صدفتين.

روى لي حازم جواد، الذي قاد «البعث» العراقي إلى السلطة عام 1963، حكاية ذات دلالات. قال إن فريقاً في قيادة الحزب قرر عام 1959 اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم. تم اختيار الفريق المكلف بالاغتيال، لكن أحد أفراده اعتذر عن المشاركة بعدما كان قد وافق. تحت ضغط الوقت، سألت القيادة مسؤولاً حزبياً إن كان يعرف شاباً بديلاً للمعتذر، فحمل إليهم اسم الشاب صدام حسين. شارك صدام في محاولة الاغتيال الفاشلة، وأصيب بجرح في ساقه. فرّ إلى سوريا، حيث التقى مؤسس الحزب ميشال عفلق الذي وقع في الإعجاب بهذا الشاب، وأعطاه بعد سنوات قليلة فرص الصعود في الآلة الحزبية.

في الفترة نفسها، سمعت من رفاق القائد الفلسطيني الدكتور وديع حداد عن دور لعبته الصدفة. كان حداد يخطط لعملية مطار اللد، التي نُفذت في 30 مايو (أيار) 1972 وأسفرت عن مقتل عشرات الأشخاص، معظمهم من السياح.

تقول الرواية إن شاباً كان مقرراً أن يشارك في التنفيذ غرق بينما كان يسبح في منطقة الروشة في بيروت. لم تنتبه أجهزة الاستخبارات إلى الحادث وطبيعة دور الغريق، لكن حداد قرر الإسراع بتنفيذ العملية. بحث وديع، مع مجموعة «الجيش الأحمر الياباني»، عن بديل للغريق، فوقع الخيار على كوزو أوكاموتو، «أحمد الياباني»، وفقاً لتسمية «المجال الخارجي» التابع لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».

غسان شربل بين أضرحة مقبرة الثورة الفلسطينية (الشرق الأوسط)

استقبل حداد أعضاء الفريق وزودهم بتعليماته بعد تلقيهم تدريبات في بعلبك في البقاع اللبناني. غادروا بيروت إلى محطة أوروبية، ومنها إلى روما، حيث صعدوا إلى طائرة للخطوط الجوية الفرنسية متجهة إلى مطار اللد الإسرائيلي.

كان طابع العملية انتحارياً، إذ لم يكن مقدراً أن يبقى أحد من المهاجمين حياً. لعبت الصدفة دورها: قُتل اثنان من المهاجمين، وجُرح أوكاموتو واعتُقل. وسيشعر أوكاموتو بالأسى على مدى سنوات «لأنه لم يتمكن من ترك جثته في تراب فلسطين»، و«لأنه لم يتحول إلى نجمة في السماء على غرار ما حدث لرفيقيه»، وفقاً لمعتقداته اليابانية.

تعرض أوكاموتو في سجنه الإسرائيلي إلى تعذيب غير مسبوق. سُجن مقيّد اليدين في قفص للكلاب. وكان عليه، على مدى سنوات، أن ينتظر عواء كلب ويرد عليه بالعواء كي يأتيه الجندي بالطعام، من دون أن يوجه إليه سؤالاً أو كلمة.

وفي هذا العزل القاتل، فقد الأسير قدرته على استخدام يديه أو التفكير باستخدامهما. ولعله كان يتوقع أن يهرم ويموت في سجنه الإسرائيلي، لكن حدثاً غيّر مسار حياته.

كانت «الجبهة الشعبية - القيادة العامة»، بزعامة أحمد جبريل، تحتجز ثلاثة جنود إسرائيليين بعد الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982. خاضت الجبهة في منتصف الثمانينات مفاوضات شاقة غير مباشرة مع إسرائيل، شارك في تسهيلها المستشار النمساوي برونو كرايسكي. خلال تلك المفاوضات التي دامت نحو سنتين، أصر جبريل على أن تشمل عملية التبادل أسماء بارزة تقيم في السجون الإسرائيلية.

نضجت المفاوضات وحان وقت التبادل في 20 مايو (أيار) 1985. شاءت المهنة أن أكون حاضراً. أقلعت طائرتنا من دمشق إلى جنيف حاملة أحد الجنود الإسرائيليين الثلاثة. وبعد نجاح التبادل في جنيف، أقلّتنا الطائرة إلى طرابلس، إذ كان جبريل يريد إهداء النصر أيضاً إلى العقيد معمر القذافي، الذي لم يبخل على جبريل بالدعم على أنواعه.

كان أبرز من أُفرج عنهم بموجب صفقة التبادل الشيخ أحمد ياسين، زعيم حركة «حماس»، وزياد النخالة، الذي تولى لاحقاً منصب الأمين العام لـ«الجهاد الإسلامي»، وجبريل الرجوب، القيادي الفلسطيني المعروف. أما الرابع فكان أوكاموتو، الذي بدأ فصلاً جديداً ومختلفاً في حياته.

بعد إقامة محدودة في ليبيا، توجه أوكاموتو إلى سوريا، وأغلب الظن أنه انتقل سراً إلى لبنان في حدود 1987، وأقام مع رفاق له في منطقة البقاع، طبعاً مع تبديل مكان إقامته من وقت إلى آخر. عام 1997 اعتقلت السلطات اللبنانية في البقاع مجموعة من اليابانيين، وحُكم على أوكاموتو بالسجن ثلاث سنوات بتهمة الدخول خلسة إلى البلاد. أُفرج عن المجموعة عام 2000، لكن عودة أوكاموتو إلى اليابان لم تكن واردة، إذ كان مطلوباً فيها.

نجحت «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» في إطلاق تحركات احتجاجية بالتعاون مع عدد من الأحزاب والشخصيات، وكان الغرض السماح له بالبقاء في بيروت. كان سليم الحص رئيساً للحكومة، واللواء جميل السيد مديراً للأمن العام، والجنرال إميل لحود رئيساً للجمهورية. وفي خطوة غير مسبوقة، منحت السلطات اللبنانية أوكاموتو صفة «لاجئ سياسي»، مشترطة عليه عدم القيام بأي نشاطات على الأرض اللبنانية.

أخذت «الجبهة الشعبية» على عاتقها حفظ الجميل للمقاتل الياباني، وتحملت نفقات إقامته وتطبيبه وإعادة تأهيله. لم يكن يشارك في أي نشاط علني باستثناء وضع إكليل سنوي على النصب التذكاري لشهداء عملية اللد في مقبرة الشهداء. وكان يجدد العهد لرفيقيه بالتحول إلى نجمة في السماء.

نصب المشاركين اليابانيين في عملية اللد (الشرق الأوسط)

خرج أوكاموتو من سجنه الإسرائيلي مدمراً. كان يشبه «رفات رجل». كان ظهره محنياً ويداه معطلتين، ويأكل مباشرة بفمه من دون استخدام يديه. لم يكن يعرف كيف يستحم أو يصنع القهوة، ولم يجرؤ على إطفاء المصباح.

لم يكن يرغب في استعادة ما حدث في هجوم اللد، ولم يحدثه المهتمون عنه بما يمكن أن يفتح جروحه. تولى أطباء موثوقون مساعدته. ومن 2008 إلى 2021 تولى سميح رزق الاهتمام به، وكان بالنسبة إليه بمثابة «الأب والأخ والصديق والرفيق». بعد وفاة سميح، انتقلت مسؤولية الاهتمام بأوكاموتو إلى فؤاد ضاهر، مسؤول العمل الاجتماعي في «الجبهة الشعبية» في لبنان، والذي ربطته بالياباني علاقة مودة بدأت من أيام سميح.

كان أوكاموتو يحب بحر صور، وكان المهتمون به يأخذونه إلى هناك. استرجع قدراً من العيش شبه الطبيعي. كان يحب تناول الأسماك واللحم والدجاج، ويخطر بباله أحياناً تناول كأس من النبيذ أو قنينة من البيرة. كان أحياناً يطلب سندويتش فلافل أو شاورما. كانت عربيته ركيكة، وإنجليزيته مثلها.

كانت تحركاته لا تُعلن مسبقاً، ولم يشعر المهتمون به بأن إسرائيل حاولت الوصول إليه مجدداً. أميركا أعلنت قبل سنوات عن جائزة قدرها خمسة ملايين دولار لمن يرشد إلى مقر إقامة أوكاموتو، لكن «الجبهة» لم تبلغ الرجل الذي أقام في سنواته الأخيرة مع عائلة أحبها وأحبته. لم يتزوج، ولم تكن له صديقة، ولم يكن مهتماً بهذا الأمر. لم يحاول أحد من عائلته في اليابان زيارته أو مراسلته.

فؤاد ضاهر الذي رافق أوكاموتو في سنواته الأخيرة يتحدث إلى غسان شربل (الشرق الأوسط)

يقول فؤاد ضاهر: «أوكاموتو جزء من حالة. زرت أمس مقابر شهداء الثورة الفلسطينية، وقلت لشخص التقيته هناك إن المقبرة تعبر عن أممية القضية الفلسطينية التي تضم جنسيات وأدياناً مختلفة. فيها الياباني والفرنسي والتركي والإيطالي والإيراني والعراقي. إذا ذهبت إلى حارس المقبرة يطلعك عليهم. ضريح كمال ناصر المسيحي يجاور ضريح محمد يوسف النجار وكمال عدوان».

في يوليو (تموز) الماضي، تدهورت صحة أوكاموتو، وفي 23 منه توفي في «مستشفى الرسول الأعظم».

أثارتني قصة أوكاموتو، فقلت أزور مقبرة الشهداء. جلت بين أضرحة كثيرة، بينها أضرحة غسان كنفاني وأبو حسن سلامة وكمال ناصر وبلقيس، زوجة الشاعر نزار قباني، وشاهدت أضرحة «الشهداء الأجانب».

الصدفة تلعب دورها. لم أخطط للكتابة عن أوكاموتو. زرت مخيم مار إلياس في بيروت لجس نبض الناس عشية إطفاء «طوفان السنوار» شمعته الثالثة. عاينت بؤس الإقامة في المخيم، لكنني لمحت على الجدار صورة أوكاموتو، فذهبت القصة في اتجاه آخر.

ضريح غسان كنفاني (الشرق الأوسط)

أخذني الحارس إلى ضريح غسان كنفاني، عضو المكتب السياسي لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين». لاغتياله علاقة مباشرة بهجوم مطار اللد وما فعله أوكاموتو ورفيقاه. كان الناطق الرسمي باسم «الجبهة» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم.

روى لي رفاق وديع حداد أنهم قلقوا على سلامة كنفاني. نصحوه بتغيير مقر إقامته وسيارته، لكنه لم يتجاوب «فقد خشي أن يُتهم بالتصرف كبرجوازي». لم تتأخر يد «الموساد» في الوصول إليه. في 8 يوليو (تموز) 1972 انفجرت قنبلة في سيارته وقتلت معه لميس نجم (17 عاماً)، ابنة شقيقته. قفزت إلى ذاكرتي عناوين بعض رواياته: «أم سعد» و«رجال في الشمس» و«عائد إلى حيفا».

في هذا المكان الهادئ يقيم رجل صاخب اسمه أبو حسن سلامة. ابن عائلة ثرية اقتدى بتجربة والده في التصدي للاحتلال. عاشق للنضال والعيش والنساء والسهر، وانشغلت بيروت طويلاً بزواجه من ملكة جمال لبنان والعالم جورجينا رزق. أسس الجهاز العسكري الذي سمي «القوة 17»، المكلفة بحماية ياسر عرفات. كان قريباً من مكتب القائد وقلبه.

ضريح علي حسن سلامة في مقبرة الثورة (الشرق الأوسط)

شارك أبو حسن سلامة في الإشراف على عمليات خارجية طالت مصالح إسرائيلية. اغتاله «الموساد» الإسرائيلي في بيروت في 22 يناير (كانون الثاني) 1979 بعد مطاردة طويلة. نُسجت حول دور «الأمير الأحمر» روايات كثيرة، بينها أنه اغتيل بسبب علاقته بالهجوم على الفريق الإسرائيلي في الدورة الأولمبية في ميونيخ عام 1972. والحقيقة هي أنه لم تكن له أي علاقة، لا بطرح الفكرة ولا بالتنفيذ، وفقاً لما أكده لي محمد عودة (أبو داود)، الذي أدخل المهاجمين إلى القرية الأولمبية ومعهم الأسلحة التي أحضرها صلاح خلف (أبو إياد) شخصياً إلى ميونيخ. وثمة من يعتقد أن سلامة، الذي نجح أحد أعضاء «الموساد» في الاقتراب منه، اغتيل «بسبب نجاحه في فتح خط مع الـ(سي آي ايه) وهو ما أثار قلقاً شديداً لدى إسرائيل».

مررنا أيضاً بضريح القيادي والأديب الفلسطيني ماجد أبو شرار الذي فخّخ «الموساد» سريره في أحد فنادق روما، حيث كان يشارك إلى جانب الشاعر الكبير محمود درويش في مؤتمر للتضامن مع الشعب الفلسطيني. عادت إلى ذاكرتي قصيدة محمود «صباح الخير يا ماجد»، التي استهلها قائلاً: «قُمْ، اقرأ سورة العائد، وحثّ السير إلى بلد فقدناه بحادث سير».

قال الحارس إن الجنسيات تتجاور في المقبرة، وكذلك الأديان. وأشار إلى أن كمال ناصر، القيادي الفلسطيني المسيحي، ينام في المقبرة إلى جانب كمال عدوان وأبو يوسف النجار. وكان كمال ناصر، الشاعر، قد «غار» من جنازة غسان كنفاني قائلاً: «يا سلام، هكذا يكون عرس الكاتب الشهيد».

اغتيل ناصر وعدوان والنجار في 10 أبريل (نيسان) 1973، في ما عُرف بـ«عملية فردان» التي شنها الجيش الإسرائيلي ليلاً في بيروت. وفي تلك الليلة شارك في الاغتيال الثلاثي ضابط إسرائيلي تنكر في ثياب امرأة اسمه إيهود باراك، وسيتولى لاحقاً منصب رئيس الوزراء.

ضريح آخر لا يقل إيلاماً. في 15 ديسمبر (كانون الأول) 1981 اقتحمت سيارة مفخخة مبنى السفارة العراقية في بيروت. كان بين الضحايا الدبلوماسية بلقيس الراوي، زوجة الشاعر الكبير نزار قباني. وقد زُيّن الضريح بمقطع من قصيدة للشاعر جاء فيه:

بلقيس...

يا عطراً بذاكرتي

يا زوجتي... وحبيبتي... وقصيدتي

نامي بحفظ الله... أيتها الجميلة

فالشعر بعدك مستحيل...

والأنوثة مستحيلة

أبيات نزار قباني على شاهد قبر بلقيس (الشرق الأوسط)

لا يريد الحارس صورة أو كلاماً. قال: «أنا مجرد ناطور، والقصة هي عند سكان الأضرحة». سألته من يوفر له راتبه، فأجاب إنها حركة «فتح».

تذكرت في طريق العودة محمود درويش العصي على النسيان. تذكرت أيضاً ياسر عرفات، الذي كان يحلم بقبر في فلسطين حرة. رجعت مثقلاً بـ«طوفان الأضرحة».