تمدد الفصائل يُقلق دول الجوار السوري

إسرائيل تتمسك بتحجيم «حزب الله» وإيران... تركيا ترى فرصة سانحة... لبنان يخشى التداعيات... العراق بين نارين... والأردن أمام سيناريو تغيّر مصدر التهديد على حدوده

دمار عند معبر حدودي قصفته إسرائيل اليوم الجمعة بين لبنان سوريا في منطقة العريضة (أ.ب)
دمار عند معبر حدودي قصفته إسرائيل اليوم الجمعة بين لبنان سوريا في منطقة العريضة (أ.ب)
TT

تمدد الفصائل يُقلق دول الجوار السوري

دمار عند معبر حدودي قصفته إسرائيل اليوم الجمعة بين لبنان سوريا في منطقة العريضة (أ.ب)
دمار عند معبر حدودي قصفته إسرائيل اليوم الجمعة بين لبنان سوريا في منطقة العريضة (أ.ب)

تبدو سوريا، هذه الأيام، على أبواب تغيير كبير في موازين القوى لم تشهده منذ عام 2011، فالزحف السريع لمقاتلي «هيئة تحرير الشام»، بمعاونة فصائل مسلّحة أخرى، من حلب شمالاً باتجاه العاصمة دمشق جنوباً، مروراً بحماة بالأمس، وربما حمص الآن، بات يهدد فعلاً بتغيير جذري في خريطة السيطرة والنفوذ بالبلاد، وهي خريطة كانت شبه ثابتة منذ عام 2020. وواضح أن تمدد الفصائل المسلحة في أجزاء واسعة من سوريا ستكون له تداعيات كبيرة على الداخل السوري، خصوصاً أن هدفها المعلَن قلب نظام الحكم. لكن تداعيات ما يحصل لن تكون محصورة في النطاق السوري المحلي، فثمة قلق واضح في دول الجوار السوري من تقدم الفصائل نحو دمشق، ربما باستثناء تركيا التي شكلت، لسنواتٍ، المظلة التي احتمى تحتها معارضو الرئيس السوري بشار الأسد، والتي ترى في انتصاراتهم ضد قواته فرصة سانحة لتحقيق أهدافها في سوريا.

فما تداعيات ما يحصل في سوريا على دول الجوار؟

تركيا... فرصة مواتية

نأت تركيا، منذ البداية، بنفسها عن هجوم «هيئة تحرير الشام» على حلب، لكنها حمّلت، في الوقت نفسه، حكومة الأسد المسؤولية بسبب رفضها إبرام اتفاق مع معارضيها. قد تكون حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان صادقة فعلاً في نفيها وقوفها المباشر وراء الهجوم الحالي للفصائل. لكن مؤيدي حكومة دمشق سيكون من الصعب، في المقابل، إقناعهم بأن أنقرة لم يكن في وسعها، لو أرادت، منع «هيئة تحرير الشام» من إطلاق معركة حلب. فهذه «الهيئة»، مع فصائل أخرى، كانت تحتمي تحت مظلة الانتشار العسكري التركي في شمال غربي سوريا، على الأقل منذ عام 2020، وهو التاريخ الذي تمكنت فيه حكومة الأسد، بمساعدة روسيا وإيران، من دفع معارضيها باتجاه جزء من محافظة إدلب؛ الجيب الوحيد الذي بقي تحت سيطرة الفصائل المسلحة. كان المعارضون وقتها على شفا الهزيمة، لولا التدخل العسكري التركي الذي منع روسيا من إكمال مهمتها في مساعدة الأسد على استعادة شمال غربي البلاد. وأسهم التدخل التركي في قيام ما أصبح يُعرَف لاحقاً بـ«مناطق خفض التصعيد» أو منطقة «بوتين - إردوغان» التي رسم حدودها الرئيسان الروسي والتركي، وبقيت ثابتة منذ عام 2020.

أعادت «هيئة تحرير الشام»، منذ ذلك الوقت، بناء قواتها وفرضت هيمنتها على كثير من الفصائل المسلحة التي كانت منتشرة في شمال وشمال غربي البلاد. وبالتوازي مع إعادة بناء قوتها، سعت «الهيئة» إلى إعادة رسم صورتها من خلال تأكيد فك ارتباطها بتنظيم «القاعدة»، وتقديم نفسها على أنها فصيل معارض نشاطه محصور بسوريا وليست له علاقة بمشروع «الجهاد العالمي». وهكذا أطلق زعيم «الهيئة» أبو محمد الجولاني حملة إعلامية سعى فيها إلى تسليط الضوء على صورته الجديدة بوصفه قائد فصيل همُّه تغيير نظام الحكم في دمشق. خلع الجولاني عباءة «الزعيم المتشدد» التي ظهر بها عندما كان زعيماً لـ«جبهة النصرة»؛ فرع «القاعدة» في سوريا، وصار يجول بملابس مدنية على البلدات المسيحية والدرزية في ريف إدلب، محاولاً طمأنة سكانها القليلين الخائفين من ممارسات تستهدفهم من قِبل جماعات متشددة.

لكن الإنجاز الأكبر، الذي تمكّن الجولاني من تحقيقه، تمثَّل في تنفيذه تعهداته للأتراك، كما يبدو، وعبرهم لأطراف خارجية، بأنه لن يسمح باستخدام مناطق نفوذه لشن هجمات خارج سوريا. في هذا الإطار، قام الجولاني بتحجيم نفوذ مؤيديه السابقين الذين رفضوا فك الارتباط بـ«القاعدة»، وألزم فصائل مسلحة أخرى بالبقاء تحت سقف ما يقرره تنظيمه. شمل ذلك فصائل عدة؛ بينها جماعات متشددة من خارج سوريا، كمقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني؛ وهم من الأويغور الصينيين الذين قَدِموا إلى سوريا مع بدء الثورة عام 2011 وباتوا، اليوم، وفق بعض التقارير، جزءاً من التركيبة السكانية في شمال غربي البلد نتيجة تزوجهم من سوريات. وشمل تحرك الجولاني أيضاً مقاتلين من الأوزبك والروس والشيشان، من ضمن مناطق أخرى.

وفوق ذلك كله، شنت «هيئة تحرير الشام» حملة واسعة ضد خلايا تنظيم «داعش»، التي تبيَّن أنها تنشط سراً في إدلب، علماً بأن زعيميْ «داعش» السابقين أبو بكر البغدادي وأبو إبراهيم الهاشمي القرشي قُتلا في عمليات أميركية بريف هذه المحافظة. وعلى الرغم من حملات الجولاني ضد «داعش»، فإن خلايا التنظيم ظلت قادرة على شن هجمات متفرقة، بينها هجوم انتحاري يُنسب لها أودى بحياة قيادي كبير سابق في «هيئة تحرير الشام» هو أبو ماريا القحطاني الذي كان حليفاً للجولاني لدى تمرده على زعيمه السابق أبو بكر البغدادي. وكان القحطاني قد اختلف مع الجولاني قبل مقتله، في وقت سابق هذه السنة، إذ كان يدعو إلى حل تنظيم «القاعدة» كلياً نتيجة نفوذ إيران على قادته المقيمين على أراضيها.

قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد» مظلوم عبدي في الحسكة اليوم الجمعة (أ.ف.ب)

وانطلاقاً مما سبق، يمكن توقع أن تكون تركيا سعيدة بما يحققه الجولاني وتنظيمه في سوريا، وستَعدُّ ذلك في النهاية انتصاراً لسياستها وتمدداً لنفوذها في اتجاه دمشق. لكن تمدد حلفاء تركيا جنوباً في اتجاه العاصمة السورية يرافقه تمدد آخر سيصب في مصلحتها أيضاً، باتجاه ريف حلب الشرقي. وفي هذا الإطار، تبدو الفصائل الموالية لتركيا عازمة على طرد القوات الكردية الناشطة، في إطار ما يُعرف بـ«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، من الضفة الغربية لنهر الفرات، إذا نجح هجومها على ريف منبج. وتُحقق الفصائل السورية هنا رغبة الرئيس التركي التي كررها مراراً بأنه يريد إبعاد القوات الكردية عن الشريط الحدودي مع بلاده. ولم يتمكن إردوغان من تنفيذ رغبته هذه، في السنوات الماضية، بسبب الفيتو الأميركي. فالولايات المتحدة تَعدُّ الأكراد حلفاء لها؛ كونُهم كانوا رأس الحربة في القضاء على تنظيم «داعش» عام 2019. وتأتي عمليات الفصائل الموالية لتركيا ضد الأكراد، اليوم، في وقت تمر فيه الإدارة الأميركية بمرحلة انتقالية بين إدارتين، ما يعطي انطباعاً بأن حكومة الرئيس جو بايدن قد تكون عاجزة عن وقف التحرك الحالي ضد الأكراد السوريين.

العراق قلِق والجولاني يطمئنه

تشعر الحكومة العراقية بأنها معنية مباشرة بما يحصل في سوريا، لكنها عالقة بين نارين: نار الماضي الذي يثير مخاوفها من الفصائل السورية، ونار المستقبل الذي يُحتم فتح صفحة جديدة معها في ضوء رسائل الطمأنة التي تبعثها إلى بغداد.

تتخذ الفصائل الشيعية العراقية، التي لعبت دوراً أساسياً في الهزيمة التي ألحقها الأسد بخصومه، قبل انتكاسته الحالية، من محافظة دير الزور، شرق البلاد، قاعدة أساسية لنشاطها الذي اندرج في إطار رغبة إيران في تأمين خط إمداداتها عبر العراق وسوريا إلى «حزب الله» في لبنان. لكن الفصائل العراقية تبدو عاجزة، اليوم، عن التدخل مجدداً لإنقاذ الحكومة السورية. قد تكون هناك رغبة لدى بعض الفصائل في التدخل عسكرياً لمساعدة الأسد، لكن غير واضح ما إذا كان هذا الأمر مسموحاً به أميركياً. ومعلوم أن الطيران الأميركي وجّه، قبل أيام، ضربات ضد فصائل عراقية يُزعم أنها كانت تتجه من شرق سوريا لمساعدة الجيش النظامي في صدّ الهجوم على ريف حماة، ما يوحي بأن الأميركيين ربما يعارضون انخراط الفصائل العراقية في مساعدة الرئيس الأسد.

رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مستقبلاً وزير الخارجية السورية بسام الصباغ اليوم الجمعة (المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة العراقية - أ.ف.ب)

من جهتها، تبدو الحكومة العراقية، المدعومة من فصائل بعضها شارك في الحرب السورية، قلقة من التغييرات الحاصلة في سوريا، وهو أمر عبّر عنه كبار المسؤولين العراقيين. والقلق ربما يكون مرتبطاً بهوية الفصائل التي تُقاتل الحكم السوري. فالحكومة العراقية تعرف أن الجولاني نفسه كان عنصراً في تنظيم الدولة الإسلامية في العراق بقيادة أبو بكر البغدادي. يتذكر العراقيون بالطبع أن هذا التنظيم كان وراء إرسال جيش من الانتحاريين الذين ارتكبوا فظاعات في البلاد وكادوا يجرُّونها إلى حرب أهلية. وكان لافتاً أن الجولاني سعى، في الأيام الماضية، إلى طمأنة حكومة محمد شياع السوداني بأنها يجب ألا تخشى وصولهم إلى الحكم في دمشق، وبأنهم لا يريدون التدخل في الشؤون العراقية، رابطاً ذلك بالطبع بتحييد الحشد الشعبي العراقي عما يحصل في سوريا اليوم.

على أي حال، لا يُعتقد أن الفصائل العراقية يمكن أن تتحرك لمساعدة الرئيس السوري إلا إذا كان ذلك رغبة إيران؛ فهذه الدولة كانت وراء إقامة تحالف يضم جماعات شيعية من أكثر من دولة (مثل الفصائل العراقية و«حزب الله» اللبناني وجماعتي «فاطميون» و«زينبيون») للتدخل في سوريا ودعم حكومتها تحت مسمى حماية المراقد الشيعية المقدسة. وفي حين بدت طهران مترددة، في الأيام الماضية، في اتخاذ خطوة واضحة لدعم الأسد من جديد، يبدو أن هذا الأمر على وشك أن يتغير إذا صحت الأنباء التي سَرَت، اليوم، عن قرار إيراني بالتدخل. فقد نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول إيراني كبير أن طهران تعتزم إرسال صواريخ وطائرات مسيّرة إلى سوريا، وزيادة عدد مستشاريها العسكريين هناك؛ لدعم الرئيس الأسد. وذكر المسؤول، الذي طلب عدم كشف هويته: «من المرجح أن طهران ستحتاج إلى إرسال مُعدات عسكرية وصواريخ وطائرات مسيّرة إلى سوريا... وقد اتخذت طهران كل الخطوات اللازمة لزيادة عدد مستشاريها العسكريين في سوريا ونشر قوات».

لبنان... «حزب الله» الضعيف وشهية معارضيه

لا يبدو لبنان، بدوره، بمنأى عما يحصل في سوريا. ففي سنوات الحرب السورية، شهد لبنان جزءاً من هذه الحرب على حدوده الشرقية التي انتشر فيها مقاتلون من «داعش» و«جبهة النصرة»، قبل طردهم منها منذ سنوات في إطار ما يُعرَف بـ«معركة الجرود» (جرود منطقة عرسال). لكن تلك المعركة لم تكن سوى جزء بسيط من الصورة الأشمل التي تمثلت بانخراط «حزب الله» بكامل قوته في دعم قوات الرئيس السوري ضد معارضيه. ولا شك أن تدخل الحزب لعب دوراً أساسياً في منع سقوط حكومة دمشق التي كانت تمر بأحلك أيامها بين عاميْ 2013 و2014، قبل أن تتدخل روسيا عسكرياً في سبتمبر (أيلول) 2015، وهو التدخل الذي لعب دوراً حاسماً في تغيير خريطة السيطرة والنفوذ لمصلحة الأسد.

لكن تدخُّل «حزب الله»، اليوم، يبدو كأنه يواجه صعوبات، فالضربات الإسرائيلية، في الحرب الأخيرة، ألحقت خسائر ضخمة بقيادات الحزب وعناصره ومُعداته؛ ليس فقط في لبنان، ولكن أيضاً داخل سوريا، بما في ذلك قاعدته الأساسية في القصير بريف حمص. وفي حين نقلت «رويترز» عن مصدرين أمنيين أن «حزب الله» أرسل، ليلاً، عدداً من عناصره من لبنان إلى حمص، وشنت إسرائيل غارات فجراً على معابر حدودية بين لبنان وسوريا، في رسالة واضحة تؤكد قرار منع تحرك الحزب إلى الداخل السوري. وأوضح الجيش الإسرائيلي، في بيان، أن سلاح الجو «شن غارات على طرق تهريب أسلحة وبنى تحتية إرهابية قرب معابر النظام السوري عند الحدود السورية اللبنانية».

ويُتوقع أن يكون «حزب الله» قلقاً، اليوم، من لجوء الفصائل السورية إلى الانتقام منه؛ لمشاركته في إلحاق الهزيمة بها خلال سنوات الحرب.

لكن قلق الحزب ينسحب، بشكل طبيعي، على لبنان ككل، نتيجة تداعيات ما يحصل في سوريا، على أوضاعه الداخلية. فخلال سنوات الحرب السورية، ظهرت في لبنان جماعات مسلحة مؤيدة لدعم معارضي الرئيس الأسد، في مقابل انخراط «حزب الله» عسكرياً لمصلحته. وفككت السلطات اللبنانية، في السنوات الماضية، جماعات مسلحة مؤيدة للمعارضين السوريين، لكن ضعف «حزب الله»، اليوم، وانتكاسة قوات حكومة الأسد، قد يثيران شهية بعض الجماعات لإعادة إحياء نشاطها في لبنان.

طائرة في مطار عسكري سيطرت عليه فصائل مسلحة بمحافظة حماة (أ.ف.ب)

الأردن... القلق على التهديد الآتي من الحدود السورية

لم يتدخل الأردن عسكرياً في النزاع السوري، لكنه سيكون بالطبع قلقاً من التغييرات التي تحصل على حدوده الشمالية. كان مصدر القلق الأساسي للأردن، في السنوات الماضية، مرتبطاً بتهريب المخدرات (الكبتاغون) والأسلحة، وبانتشار فصائل شيعية مُوالية لإيران قرب الجانب السوري من حدوده. لكن القلق، اليوم، سيكون منصبّاً على احتمال وصول جماعات متشددة طالما ناصَبَها العداء، إلى حدوده. ومعروف أن الأردن لعب دوراً مهماً في الحرب ضد خلايا الجماعات المتشددة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» في السنوات الماضية، لكنه يبدو، اليوم، أمام احتمال أن تصل هذه الجماعات إلى حدوده لتحل محل الجماعات الموالية لإيران.

لكن الأردن يمكن أن يراهن على العلاقة الجيدة التي نسَجها مع عشائر الجنوب السوري خلال سنوات الحرب، وهو رهان يمكن أن يجنبه تداعيات أي تغييرات يمكن أن تحصل في سوريا. وليس واضحاً تماماً كيف سيكون مستقبل منطقة التنف الحدودية مع الأردن، والتي تنتشر فيها قوات أميركية وغربية أخرى إلى جانب فصيل سوري مسلح معارض لحكومة دمشق. وبالإضافة إلى قاعدة التنف، يوجد على الحدود الأردنية السورية مخيم الركبان للاجئين السوريين المعارضين لحكومة الرئيس الأسد.

إسرائيل... منطقة عازلة؟

ولا تبدو إسرائيل بدورها بعيدة عن تداعيات ما يحصل في سوريا. كان همها الأساسي تحجيم نفوذ إيران و«حزب الله»، وهو أمر حققته، إلى حد كبير، من خلال سلسلة غارات أسهمت، في الواقع، في انهيار دفاعات القوات الحكومية السورية، خلال الهجوم الحالي للفصائل المسلحة.

وإذا كانت إسرائيل متمسكة بسياسة منع «حزب الله» وإيران من إعادة التموضع في سوريا، إلا أنها قد تواجه في مرحلةٍ ما احتمال أن تحلّ مكان الفصائل الشيعية المُوالية لإيران فصائلُ سنيّة متشددة كانت حتى وقت قريب جزءاً من تنظيم «القاعدة». ويجري الحديث، اليوم، عن استعدادات إسرائيلية لإقامة منطقة عازلة على الحدود في سوريا، إذا وصلت فصائل المعارضة المسلحة إلى دمشق. ولن يكون هذا السيناريو هو الأول من نوعه لإسرائيل، فقد كشفت تجربة سنوات الحرب السورية أن معارضين مسلحين كانوا ينتشرون على الحدود مع إسرائيل، لكن همّهم الأساسي كان مواجهة القوات الحكومية السورية، وليس شن هجمات ضد الدولة العبرية. لكن إسرائيل قد تكون قلِقة، اليوم، من وصول مقاتلي «هيئة تحرير الشام» إلى حدودها، خصوصاً أن الجولاني نفسه كان قد أدلى بمواقف أشاد فيها بهجوم حركة «حماس» ضد إسرائيل في طوفان الأقصى يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع مع وزير الخارجية أسعد الشيباني ووزير الداخلية السوري أنس حسن خطاب (سانا)

الأمم المتحدة: الرئيس السوري ووزيران كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة من «داعش»

أفاد الأمين العام للأمم المتحدة، في تقرير حول التهديدات التي يشكلها «داعش»، أن الرئيس السوري ووزير الداخلية ووزير الخارجية كانوا هدفاً لخمس محاولات اغتيال فاشلة

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص سوريون يحتفلون في الساحات العامة بسقوط نظام الأسد 8 ديسمبر 2025 (الشرق الأوسط)

خاص معارك الظل في سوريا... محاربة «داعش» وإعادة بناء الدولة

بين واجهة احتفالية مصقولة وعمق اجتماعي منهك وتحديات أمنية هائلة تواجه سوريا سؤالاً مفتوحاً حول قدرة الدولة الناشئة على التحول من حالة فصائلية إلى مفهوم الدولة.

بيسان الشيخ (دمشق)
المشرق العربي جانب من عملية تسليم جنود النظام السابق أسلحتهم لقوات الحكومة الجديدة في اللاذقية يوم 16 ديسمبر 2024 (نيويورك تايمز)

بناء الجيش أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية

يتمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة السورية الناشئة في إعادة بناء القوات العسكرية في البلاد.

رجاء عبد الرحيم (حلب، سوريا)
المشرق العربي جندي من وزارة الدفاع السورية خلال جولة داخل ما كانت يوماً قاعدة عسكرية إيرانية جنوب حلب (أ.ف.ب)

خفايا الانسحاب الإيراني من سوريا... أفرغوا المراكز وهربوا عبر «حميميم»

أبلغ قائد إيراني مسؤول عن ضباط وجنود سوريين يخدمون تحت إمرته أنه «بعد اليوم لن يكون هناك (حرس ثوري) إيراني في سوريا».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
أوروبا وزير الخارجية السابق ديفيد لامي زار دمشق في يوليو الماضي والتقى الشرع وعدد من المسؤولين السوريين  (وزارة الخارجية البريطانية)

بريطانيا تحذف «هيئة تحرير الشام» السورية من قائمة المنظمات الإرهابية

قالت بريطانيا إنها قررت حذف «هيئة تحرير الشام» السورية من قائمة المنظمات الإرهابية، مشيرة إلى أن هذا القرار سيسمح بتعزيز التواصل مع الحكومة السورية الجديدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مدينة الخيام الحدودية عنوان المواجهة بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)
TT

مدينة الخيام الحدودية عنوان المواجهة بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي

جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يُحمّلون قذائف في مدفع هاوتزر ذاتي الحركة يُطلق قذائف باتجاه جنوب لبنان من موقع في الجليل الأعلى شمال إسرائيل قرب الحدود (أ.ف.ب)

أعادت الاشتباكات في محيط بلدة الخيام وبلدات حدودية طوال ليل الأحد، الحديث عن أهمية هذه البلدة والاستعدادات الإسرائيلية للاجتياح البري، وسط تصاعد الغارات والقصف الذي طال البقاع والجنوب محيط صيدا.

وشهدت الحدود اللبنانية الجنوبية تصعيداً ميدانياً لافتاً مساء السبت، مع إعلان «حزب الله» خوض اشتباكات مباشرة مع الجيش الإسرائيلي داخل مدينة الخيام الحدودية، بالتزامن مع سلسلة عمليات استهداف لمواقع وتجمعات للجنود الإسرائيليين على طول الحدود.

وفيما لم يعلن «حزب الله» عن عدد عناصره الذين قتلوا في المواجهات، أفادت بيانات صادرة عنه بأن مقاتليه استهدفوا قوة إسرائيلية حاولت إخلاء دبابة مدمرة قرب المدخل الشرقي لبلدة الطيبة بالصواريخ الموجهة والقذائف المدفعية، واستهداف تجمعات للجنود الإسرائيليين قرب بوابة فاطمة في كفركلا.

وحدة مدفعية إسرائيلية تطلق قذائف من موقع لم يُكشف عنه قرب الحدود الإسرائيلية اللبنانية (إ.ب.أ)

الخيام في قلب المعركة

وبينما يأتي هذا التصعيد المتبادل بالتزامن مع المعارك الدائرة في محيط الخيام، التي تبقى النقطة الأكثر حساسية في أي سيناريو محتمل لتوغّل بري إسرائيلي في جنوب لبنان، يرى مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات العميد الركن المتقاعد خالد حمادة أن المعطيات المتداولة حول ما يجري مقابل الحدود الجنوبية خلال الأيام الأخيرة لا تشير إلى استعدادات إسرائيلية لتنفيذ عملية برية واسعة في جنوب لبنان، معتبراً أن الحديث عن حشود عسكرية لا يكفي وحده لتأكيد القرار بذلك، وأشار إلى أن تقييم الوضع الميداني بدقة يحتاج عادة إلى صور جوية ومراقبة ميدانية مباشرة، وهو ما لا يتوفر بالكامل في الوقت الراهن.

دبابات ميركافا القتالية الرئيسية التابعة للجيش الإسرائيلي عند الحدود داخل لبنان كما تظهر من الجليل الأعلى شمال إسرائيل في 15 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويشير حمادة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «القوات التي تستعد لعملية برية لا تبقى أياماً عدّة محتشدة على الحدود بانتظار التنفيذ، بل تتحرك تحت غطاء ناري كثيف وضمن خطة مناورة واضحة، مضيفاً: «إذا كانت هناك قوات محتشدة منذ أربعة أيام من دون تقدم فعلي، فهذا يعني أن الأمر لا يندرج بالضرورة في إطار التحضير لعملية برية واسعة وشيكة».

أهمية الخيام الاستراتيجية

وفيما يتعلق بالاشتباكات الدائرة في محيط بلدة الخيام، فيشدد حمادة على أن المنطقة تتمتع بأهمية عسكرية خاصة، موضحاً أن «تلة الخيام، الممتدة بين تلة الحمامص ومحيط ما كان يعرف بمعتقل الخيام، تُعد من أبرز النقاط الحاكمة في القطاع الشرقي من الجنوب». وأضاف: «هذه التلة تشرف على مساحات واسعة، من بينها سهل مرجعيون ومناطق قبل السقي والقطاع الشرقي، ولذلك فإن السيطرة عليها مسألة ذات أهمية عسكرية كبيرة».

وأشار إلى أن الإمساك بهذه التلة ليس أمراً سهلاً؛ نظراً لاتساعها وطبيعتها الجغرافية التي تمتد لنحو كيلومترين تقريباً وتوفر مواقع ممتازة لاستخدام الأسلحة ومراقبة التحركات في محيطها. وقال: «لهذه الأسباب تبقى التلة هدفاً دائماً لمحاولات السيطرة أو منع الطرف الآخر من استخدامها».

استطلاع بالنار

ورأى حمادة أن ما يجري حالياً يندرج في إطار «استطلاع دائم بالنار وعمليات محدودة للسيطرة على النقاط الهامة»، أكثر مما هو مقدمة لعملية اجتياح بري شامل، مضيفاً: «إسرائيل تسعى أساساً إلى التأكد مما إذا كان (حزب الله) يعزز وجوده في هذه التلة أو يحاول استخدامها نقطة انطلاق لعمليات تسلل أو مساندة هجمات محدودة عبر الحدود». ورأى أنّ «السيطرة على الخيام بحد ذاتها لا تُعد اجتياحاً برياً بالمعنى العسكري، بل محاولة لتعزيز السيطرة بالنار على جزء هام من القطاع الشرقي إلى جانب السيطرة على نقاط حدودية أخرى تحاول إسرائيل منع (حزب الله) من التمركز فيها أو استخدامها للضغط العسكري».

جنود إسرائيليون ومركبات عسكرية على الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)

لا شيء محسوماً

في المقابل، وفي ظل التطورات الميدانية، تعتبر مصادر محلية أنه وانطلاقاً من الوقائع تبقى فرضية التوغّل البري المحدود أو الواسع قائمة، مشيرة في الوقت عينه إلى أن طبيعة المواجهات على الحدود الجنوبية غالباً ما تتبدل سريعاً تبعاً لتطور العمليات العسكرية أو الحسابات السياسية والعسكرية لدى الطرفين، ما يجعل أي تقدير ميداني عرضة للتعديل في حال قررت إسرائيل توسيع نطاق عملياتها».

إنذارات إخلاء في الضاحية والجنوب

في غضون ذلك، يتواصل التصعيد العسكري الإسرائيلي على لبنان، مع غارات جوية وقصف مدفعي استهدفا مناطق عدة في الجنوب والبقاع، في وقت وجّه فيه الجيش الإسرائيلي إنذاراً جديداً لسكان عدد من أحياء الضاحية الجنوبية لبيروت لإخلائها فوراً.

تجمّع عناصر الإنقاذ والسكان في موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بلدة حارة صيدا جنوب لبنان (أ.ف.ب)

وفي سياق التحذيرات نفسها لكن في قضاء النبطية في جنوب لبنان، دعت بلدية بلدة أنصار الأهالي إلى إخلاء البلدة بشكل مؤقت، بعد تهديدات إسرائيلية طالت عدداً من قرى المنطقة، رغم أن البلدة لا تُعد من البلدات الحدودية المباشرة. وأبلغت البلدية في بيان لها أهالي البلدة، بأن مركز الدفاع المدني اللبناني في بلدة الدوير تلقى اتصالاً من الجيش الإسرائيلي يطلب فيه إخلاء عدة قرى، من بينها بلدة أنصار، ما دفعها إلى دعوة السكان للمغادرة كإجراء احترازي.

استهداف قيادي في «حماس» في صيدا

وفجر الأحد، استهدفت غارة إسرائيلية شقة في مبنى سكني في منطقة الشرحبيل شرق مدينة صيدا. وأفادت المعلومات بأن المستهدف في الغارة هو القيادي في حركة «حماس» وسام طه، وهو من أبناء مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين وشقيق الناطق باسم الحركة في لبنان جهاد طه. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارة أدت في حصيلة أولية إلى مقتل شخص وإصابة ثلاثة أطفال بجروح.

غارات متواصلة

ميدانياً، شن الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات استهدفت العدوسية - الزهراني، وحرج الشقيف – جبل الرويس في النبطية، وبلدات بلاط وجبشيت وتولين وبورة وهبي في حي المشاع في النبطية والنبطية الفوقا، إضافة إلى طريق عام صور - العباسية، وكفرا، وعيتيت، ويحمر الشقيف، والشرقية في قضاء النبطية.

كما تعرّضت أطراف عيتا الشعب ورامية وحرج البويضة – مرجعيون وبلدة دبين لقصف مدفعي إسرائيلي، فيما استهدفت غارة فجراً بلدة الطيبة بالتزامن مع قصف مدفعي عنيف. كما شُنّت سلسلة غارات على أطراف يحمر وقليا وزلايا في البقاع الغربي.


لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

لبنان: مفاوضات وقف الحرب بين المصلحة الوطنية والتسوية الإقليمية

صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)
صورة للمرشد الإيراني السابق علي خامنئي مرفوعة في منزل مدمر نتيجة القصف الإسرائيلي بضاحية بيروت الجنوبية (أ.ف.ب)

يتقدم في الأيام الأخيرة الحديث عن احتمال فتح مسار تفاوضي بين لبنان وإسرائيل لوقف الحرب، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة أي اتفاق على النجاح أو الصمود إذا بقي محصوراً بالساحة اللبنانية، في ظل مواقف معلنة لقيادات في «حزب الله» ومسؤولين إيرانيين تؤكد ترابط جبهات الصراع في المنطقة.

ورغم مواصلة الرئيس اللبناني جوزيف عون، جهوده لإنجاح المبادرة التي أطلقها حول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، التي نفى وزير خارجيتها جدعون ساعر الأحد، «وجود أي توجه لإجراء مفاوضات مباشرة مع لبنان لإنهاء الحرب»، عبّرت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية عن خشيتها من أن يربط «حزب الله» وإيران مسار التفاوض بالجبهتين، واصفة أي توجّه في هذا الإطار بـ«الغباء».

الرئيس اللبناني جوزيف عون مجتمعاً الجمعة بأمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في قصر بعبدا الرئاسي بمناسبة زيارته السريعة إلى لبنان (أ.ب)

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن الرئيس عون أطلق مبادرته بمعزل عن الملف الإيراني ولأنه رأى البلد يحترق، ومن مسؤوليته بوصفه رئيساً للجمهورية أن يتحرك «لا سيما أننا ندرك أننا ليست لدينا قدرة على مواجهة إسرائيل، ولا فعل أي شيء يقارن بهمجيتها ووحشيتها، كما أن الانتظار حتى يقرر الآخرون مصير البلد ليس خياراً».

وترى المصادر أن الأيام المقبلة «ستكشف نوايا (حزب الله) كما إيران وإسرائيل على حد سواء». وتضيف: «إذا جرى ربط مسار المفاوضات بالجبهتين، فستتكشف عندها النوايا الحقيقية، ولن يكون بإمكان (حزب الله) القول إنه يحافظ على لبنان أو على وحدته، وكل الشعارات ستسقط حينها»، محذرة في الوقت عينه من أي «تشويش» عسكري سياسي محتمل من الجانب الإيراني إذا سلكت المبادرة طريقاً إيجابياً «وعندها ستتكشف كل الأدوار والالتزامات».

مسار محدود بلا تسوية إقليمية

في ظل غياب مؤشرات حول أي مفاوضات محتملة، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن فعلاً التوصل إلى اتفاق حول الجبهة اللبنانية وحدها؟ أم أن أي تسوية محتملة ستظل مرتبطة بتفاهمات إقليمية أوسع تشمل إيران وحلفاءها في المنطقة؟

يقول رئيس قسم الدراسات الدولية والسياسية في الجامعة اللبنانية - الأميركية الدكتور عماد سلامة: «من غير المرجح أن تنطلق مفاوضات فعلية ومنتجة بين لبنان وإسرائيل قبل الوصول إلى تسوية أوسع على مستوى الإقليم، تحديداً فيما يتعلق بالصراع المرتبط بإيران». ويوضح سلامة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «طالما أن (حزب الله) يواصل الانخراط في دعم المجهود الحربي الإيراني، فإن أي مسار تفاوضي سيبقى محدود النتائج، لأن القرار الاستراتيجي المرتبط بالحرب والسلم لا يزال متداخلاً مع الحسابات الإقليمية. لذلك، فإن أي تقدم حقيقي في المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، يبقى مرهوناً إلى حد كبير بتبلور تسوية إقليمية أشمل تعيد ترتيب موازين القوى، وتفتح المجال لتفاهمات أكثر استقراراً».

خيمة لنازحين في وسط بيروت حيث تساقطت الأمطار بكثافة يوم الأحد (رويترز)

ضغط سياسي على «حزب الله»

مع ضخ المعلومات المتناقضة حول المفاوضات، يرى سلامة «أنه قد يكون هناك دافع لدى إسرائيل وبعض القوى اللبنانية المعارضة لـ(حزب الله)، إضافة إلى الحكومة اللبنانية، لاستئناف الحديث عن المفاوضات حتى في غياب تسوية إقليمية نهائية، بهدف ممارسة ضغط سياسي على (حزب الله)، وإظهار التزام لبنان بالمسار الدبلوماسي بما يعزز علاقاته مع الغرب، ويضمن استمرار الدعم للمؤسسات اللبنانية، هذا في وقت ترى فيه إسرائيل أن فتح باب التفاوض أداة لزيادة الانقسامات الداخلية في لبنان، وربما تعميق التباينات السياسية حول دور (حزب الله) وسلاحه».

شروط جديدة

بعد تجارب سابقة باءت كلّها بالفشل، وعما يفترض أن تتضمنه أي مفاوضات أو اتفاقات جديدة محتملة، يقول سلامة: «إذا استؤنفت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، فمن المرجح أن تختلف طبيعتها وشروطها عمّا كان مطروحاً في السابق»، موضحاً أن «إسرائيل ستسعى إلى ربط أي تقدم تفاوضي بتعاون وثيق مع الجيش اللبناني فيما يتعلق بعملية نزع سلاح (حزب الله)، بما في ذلك آليات مراقبة مباشرة وشفافة لانتشار الجيش. وقد يشمل ذلك إعادة تموضع الجيش اللبناني داخل معاقل تقليدية لـ(حزب الله)، ليس فقط في الجنوب الحدودي بل أيضاً في مناطق نفوذه مثل الضاحية الجنوبية وبعض مدن الجنوب الرئيسية كمدينة النبطية، بما يهدف إلى إثبات قدرة الدولة على بسط سلطتها الأمنية».

الدخان يتصاعد من شقة في مبنى في صيدا تعرض لغارة إسرائيلية (إ ب أ)

ويضيف سلامة: «في المقابل، من المتوقع أن يحظى الجيش اللبناني بدعم سياسي ومالي وعسكري أكبر من الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول العربية، بما في ذلك دعم لعملية إعادة هيكلة القيادة العسكرية وتعزيز قدراته. وعلى هذا الأساس، قد تربط إسرائيل انسحابها التدريجي من الجنوب اللبناني بمدى التقدم المحقق في انتشار الجيش وتنفيذ هذه الترتيبات، مع تقديم الولايات المتحدة ضمانات أمنية وسياسية للطرفين لضمان تنفيذ الالتزامات المتبادل».

مع العلم أنه بات معلناً أن قرار الحزب مرتبط بالكامل بطهران؛ فمنذ اتخاذ قرار «إسناد إيران» وإطلاق الصواريخ ثأراً للمرشد الإيراني علي خامنئي، أكد المسؤولون الحزبيون مراراً أنه جزء من محور إقليمي في مواجهة إسرائيل، وأن العلاقة مع إيران تقوم على تحالف استراتيجي.

وفي سياق الحديث عن المواجهة الحالية، وصف أمين عام «حزب الله» نعيم قاسم، المعركة مع إسرائيل بأنها «معركة وجودية»، مؤكداً أن الحزب مستعد لمواجهة طويلة إذا استمر التصعيد، وأن قدراته العسكرية تتيح له مواصلة القتال مهما طال أمد الحرب.

طفلة على متن حافلة تحوّلت إلى خيمة لعائلة نازحة هرباً من القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

ولا يقتصر هذا الربط بين الجبهات على خطاب «حزب الله» فقط؛ بل يظهر أيضاً في مواقف القيادة الإيرانية بشكل دائم، وهو ما كان واضحاً أيضاً في بيان «الحرس الثوري» مساء الأربعاء الماضي، بشأن مشاركة «حزب الله» في عملية «العصف المأكول».


«حزب الله» يكشف بيروت أمنياً ويأمر بنزع كاميرات المراقبة

آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
TT

«حزب الله» يكشف بيروت أمنياً ويأمر بنزع كاميرات المراقبة

آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)
آثار غارة إسرائيلية استهدفت شقة في مبنى بمنطقة برج حمود في بيروت خلال الشهر الحالي (رويترز)

حوّل «حزب الله» بعض مناطق العاصمة بيروت إلى مربعات أمنية، يفرض على سكانها شروطه، وآخرها الإيعاز لأصحاب المؤسسات التجارية والمدارس ولجان الأبنية في أحياء البسطة الفوقا والبسطة التحتا وخطّ النويري، والشوارع المتفرعة منها وصولاً إلى الخندق الغميق والباشورة، بإطفاء كاميرات المراقبة الخاصة بها بشكلٍ كامل، وفصلها عن شبكة الإنترنت، وصولاً إلى قطع الكهرباء عنها بحيث تتوقف عن العمل كليّاً.

مشكلة أمنية وتفشي الجرائم

وبينما لم يوضح الحزب أسباب هذا الطلب، إلا أنه سيكون له تداعيات سلبية على أداء الأجهزة الأمنية في مكافحة الجريمة؛ واعتبر مصدرٌ أمني بارز أن ما يحصل سيخلق مشكلة أمنية كبيرة، مشيراً إلى أن حوالي 90 في المائة من الجرائم «يجري اكتشافها من خلال ضبط الكاميرات وتتبعها من شارع إلى آخر». وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط»: «نحن بأمس الحاجة إلى الكاميرات، خصوصاً في هذه المرحلة التي بات الوضع الأمني فيها صعباً بسبب كثافة النزوح والإشكالات التي تحصل في الشوارع والأحياء، والتي تستخدم فيها الأسلحة الحربية أحياناً، والمُرشّح أن ترتفع معها نسبة الجريمة»، معتبراً أن «ضبط الكاميرات وتعطيلها سيؤدي حتماً إلى تفشي الجريمة».

الدخان يتصاعد من مبنى في صيدا بعد استهدافه بغارة إسرائيلية أدت إلى مقتل قيادي في حركة «حماس» (إ.ب.أ)

قلق من استهدافات إسرائيلية

عبّر رئيس جمعية «بيروت منارتي» المحامي مروان سلام من جهته عن قلقه من تصرفات «حزب الله»، وتحدث عن تلقيه مراجعات من أهالي بيروت أفادت بأن عناصر أمنية تابعة للحزب «طلبت من أصحاب بعض المحال التجارية والبنايات نزع كاميرات المراقبة أو إطفاءها وفصلها عن شبكة الإنترنت».

وفي ظل ملاحقة إسرائيل لقياديين في «حزب الله» عبر استهدافهم في الشقق والأحياء، أكد سلام أن «أبناء المنطقة تخوّفوا من هذه الإجراءات التي تمنح مسؤولي وعناصر (حزب الله) حرية التحرك في مناطقهم وتعرضهم لخطر استهدافها من قبل الطيران الإسرائيلي»، مشيراً إلى أن هذه الخطوة «تُثير قلقاً بالغاً لدى أصحاب المؤسسات التجارية، لا سيما محلات المجوهرات والصرّافين والسوبر ماركت، الذين يخشون أن تستغلّ العصابات غياب الكاميرات لتنفيذ عمليات سرقة وسطو على مؤسساتهم»، ولفت إلى أن «هذا القلق ينسحب على لجان الأبنية السكنية الذين يراقبون عبر هذه الكاميرات من يدخل ويخرج منها، ويُحذرون من تسلّل أشخاص غير معروفين للإقامة فيها والخشية من استهدافهم».

وقال سلام لـ«الشرق الأوسط»: «نقلنا هواجس المواطنين إلى وزير الداخلية والبلديات العميد أحمد الحجار الذي أفادنا بأن الأمر تحت المتابعة الحثيثة، إضافة إلى متابعته مع شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ومديرية المخابرات في الجيش اللبناني، وطلبنا منهم إجراء تحقيق فوري لكشف حقيقة ما يجري وتحديد المسؤوليات».

نازحان ينقلان فرشات إسفنجية لأحد تجمعات النازحين في بيروت (إ.ب.أ)

حرية تنقّل «حزب الله»

تتعدد الأسباب التي حدت بالحزب إلى هذا التصرف، ورأى الخبير في شؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات عامر الطبش «أن كثيراً من معدات المراقبة المتداولة في الأسواق اللبنانية قابلة للاختراق تقنياً، بما في ذلك كاميرات المراقبة وأجهزة التسجيل الخاصة بها (NVR)، فهذه الكاميرات لا تقتصر وظيفتها على التصوير فقط، بل تحتوي أيضاً على عدسات (Lens) تلتقط الصورة بدقة، إضافة إلى ميكروفونات تتيح تسجيل الصوت»، لافتاً إلى أنه «في حال تمكنت جهة معادية (إسرائيل) من اختراق هذه الأجهزة، يمكنها تجنيدها لنقل الصوت والصورة بشكل مباشر لما يجري في الشوارع أو داخل نطاق تغطيتها، ما يحوّلها عملياً إلى وسيلة مراقبة يمكن الاستفادة منها لرصد التحركات».

ويقول الطبش لـ«الشرق الأوسط» إنّ المسألة «ترتبط أيضاً بقدرة الجهات المعادية على تأكيد المعلومات ميدانياً، فعند مرور موكب معيّن قد يكون عرضة للاستهداف، يمكن التحقّق من وجوده العسكري في الشوارع عبر وسائل مراقبة متعددة، كما أن مجرد مرور أشخاص في المكان، سواء كانوا من عناصر الحزب أو حتى أفراداً يحملون هواتف ذكية، قد يساهم في تثبيت هوية الهدف».

في الحالات التي يكون فيها الوجه مخفياً لا يمكن الاستفادة من تقنية التعرّف إلى الوجه، على حدّ تعبير الخبير عامر الطبش، بل يمكن اللجوء إلى وسائل أخرى «مثل تحليل بصمة الصوت في حال التقطت الكاميرات الشخص وهو يتحدث، أو من خلال مراقبة حركة الجسد وبنية الجسم وقياسها، إضافة إلى مجموعة من المؤشرات التقنية التي تساعد على تأكيد هوية الشخص المستهدف»، مشيراً إلى أن كاميرات المراقبة في الشوارع «قد توفر بثاً مباشراً (Live Feed) يتيح متابعة تحركات الأشخاص المراقبين لحظة بلحظة، بالتزامن مع تحليق الطائرات المسيّرة فوق هذه المناطق». ويلفت إلى أنّ «طائرة الدرون قادرة على التصوير والمراقبة من الجو، فيما تتيح الكاميرات مراقبةً أكثر دقّة داخل الشوارع والأحياء الضيقة».

نازحون قرب موقع استهداف لشقة سكنية في منطقة عرمون بجبل لبنان (أ.ف.ب)

وتذكر تدابير الحزب بأحداث 7 مايو (أيار) من عام 2008، التي كان أحد أسباب اندلاعها قرار الحكومة اللبنانية آنذاك المتعلق بشبكة الاتصالات الخاصة بـ«حزب الله»، والتي رفض الحزب المساس بها، إضافة إلى قرار آخر يتصل بكاميرات المراقبة التي كانت وزارة الداخلية تعتزم تركيبها في بيروت بقدرات مراقبة عالية نسبياً في ذلك الوقت. ويؤكد عامر الطبش أن «هذه الخطوات شكّلت، بالنسبة إلى الحزب، محاولة لمراقبة نطاق تحركاته، ما تسبب باجتياح بيروت عسكرياً»، مذكراً بأن الأمين العام السابق لـ«حزب الله» حسن نصر الله، كان قد دعا في الأسبوع الأول من الحرب الأخيرة في عام 2024، إلى إطفاء الهواتف الذكية، كونها قد تتحول إلى وسيلة يمكن للعدو الاستفادة منها في عمليات الرصد والتعقب، كما حذّر حينها من التصوير ومن استخدام الكاميرات.