«أسبوع الغذاء العالمي» يبحث استخدام «الدرونز» والذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات

الواعر لـ«الشرق الأوسط»: الصراعات الجيوسياسية والتغير المناخي يعيقان تحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول 2030

فتاة تتفاعل مع تجمع الفلسطينيين لتلقي الطعام الذي تعده جمعية خيرية وسط أزمة الجوع (رويترز)
فتاة تتفاعل مع تجمع الفلسطينيين لتلقي الطعام الذي تعده جمعية خيرية وسط أزمة الجوع (رويترز)
TT

«أسبوع الغذاء العالمي» يبحث استخدام «الدرونز» والذكاء الاصطناعي لمواجهة التحديات

فتاة تتفاعل مع تجمع الفلسطينيين لتلقي الطعام الذي تعده جمعية خيرية وسط أزمة الجوع (رويترز)
فتاة تتفاعل مع تجمع الفلسطينيين لتلقي الطعام الذي تعده جمعية خيرية وسط أزمة الجوع (رويترز)

سيطرت السياسة على نقاشات قمة توفير الغذاء ومحاربة الجوع في أسبوع الغذاء العالمي الذي أقيم في العاصمة الإماراتية أبو ظبي. وتزامنت النقاشات حول تحديات الصراعات والحروب على الأمن الغذائي مع إعلان وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان والذي أحيى آمالاً لدى المشاركين في إمكانية حدوث انفراج في الصراعات المشتعلة في المنطقة، واتخاذ خطوات لتخفيف المعاناة؛ لا سيما في غزة والضفة الغربية ولبنان والسودان. كما ركزت القمة على استكشاف حلول ابتكارية تستفيد من التقنيات الحديثة وآليات الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة توفير الغذاء، بالإضافة إلى تعزيز الدعم الدولي لهذه المبادرات.

وفقاً لمنظمة الأغذية والزراعة (فاو)، يواجه نحو 800 مليون شخص خطر الجوع، ما يعادل 10 في المائة من سكان العالم. وقد أدت الصراعات الجيوسياسية والتغير المناخي إلى تأخير تحقيق هدف القضاء على الجوع بحلول 2030، ومن المتوقع أن يتأخر هذا الهدف حتى عام 2050.

والجوع هو السلاح الذي تستخدمه إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث يشير عبد الحكيم الواعر، مساعد المدير العام والممثل الإقليمي لمنظمة الأغذية والزراعة في الشرق الأدنى وشمال أفريقيا، في حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»، إلى أن المنظمة قادرة على توفير الحليب الطازج لكل أطفال غزة؛ لكن المعوقات تتمثل في إغلاق المعابر والقيود التي تفرضها إسرائيل. كما تتزايد التحديات مع مجيء إدارة جمهورية ورئيس أميركي ليس لديه قناعة بالتغير المناخي وتأثيراته على الزراعة وتوفير الغذاء.

المدير العام المساعد لمنظمة الأغذية والزراعة الدكتور عبد الحكيم الواعر (الشرق الأوسط)

تحديات المنطقة

وقال الواعر عن الآمال التي يمكن أن تحققها قمة أبوظبي بمشاركة 600 وفد من 70 دولة: «تركز القمة على الأمن الغذائي في وقت حساس، حيث تواجه المنطقة تحديات مثل زيادة السكان وارتفاع الطلب على الغذاء، مع قلة الموارد الطبيعية والمياه العذبة، خاصة في الدول العربية التي تضم ثمانية من بين العشر دول الأكثر جفافاً في العالم. كما أن التغيرات المناخية وارتفاع مستويات البحر وتأثير المياه المالحة على الأراضي الزراعية وتذبذب الأمطار يزيد من تعقيد الوضع»، وأضاف أن التغيرات المناخية، بالتزامن مع الصراعات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية، جعلت قضية الأمن الغذائي أولوية رئيسية، خاصة في قمة «كوب 27» في مصر و«كوب 28» في الإمارات. وقد زاد الاهتمام العالمي بالأمن الغذائي والمائي والطاقة المتجددة، مع التأكيد على دور الزراعة بوصفها مصدراً أساسياً لتوفير الغذاء. كما يعكس العدد الكبير من الوفود المشاركة في أسبوع الأمن الغذائي رغبة في تبادل الأفكار والخبرات وطرح حلول ابتكارية لزيادة الإنتاج باستخدام الموارد المحدودة. وأكد أن قمة أبوظبي أسفرت عن خريطة أولويات يجب الاستثمار فيها مستقبلاً عبر التعاون بين الحكومات والقطاع الخاص والأكاديمي للوصول إلى حلول مبتكرة.

مواجهة آثار التغير المناخي

وحول كيفية مواجهة آثار التغير المناخي في ظل إدارة أميركية جمهورية لا تضع قضية التغير المناخي في أولوياتها، قال الواعر: «يجب أن نأخذ في الاعتبار أن الولايات المتحدة، بغض النظر عن التغيرات السياسية والإدارية، تظل ملتزمة بدعم منظمات مثل منظمة الأغذية والزراعة. فهي عضو مؤسس للمنظمة، ولعبت دوراً أساسياً في تأسيسها منذ قمة كيبك عام 1945، ولا تزال من أكبر المانحين. ولا أعتقد أن وصول الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة سيؤثر على تمويل المنظمة. أما فيما يخص قضايا المناخ، فهناك مؤسسات أخرى معنية بها، وتُجرى نقاشات على مستويات سياسية واقتصادية. على الرغم من ذلك، أصبحت دول العالم أكثر قدرة على التكيف والاستجابة لتوجهات الحكومات الصناعية».

فلسطينيون يتجمعون لتلقي الطعام الذي يقدمه مطبخ خيري في خان يونس (رويترز)

وعن حجم الفجوة الغذائية في العالم اليوم وما هي الزراعة الرقمية والبصمة الغذائية والبصمة الكربونية، أشار الواعر إلى وجود فجوة مالية كبيرة لتحقيق الأمن الغذائي، حيث تحتاج المنطقة العربية إلى 422 مليون دولار للاستجابة الطارئة للتحديات في مناطق الصراعات مثل غزة ولبنان والسودان واليمن، إضافة إلى المناطق المتضررة من الفيضانات. ومع جمع 14 في المائة فقط من المبلغ المطلوب، هناك فجوة تصل إلى 86 في المائة. وأكد على أهمية التمويل المحلي والدولي لدعم خطة الطوارئ لضمان توفير الغذاء بشكل مستدام، بما في ذلك الحبوب والبذور والعلف الحيواني والأسمدة. وخلال القمة تمت مناقشة سبل تمويل مبادرات الأمن الغذائي لمواجهة هذه الأزمة، وأضاف الواعر: «الزراعة الرقمية تتضمن استخدام التكنولوجيا الحديثة في الزراعة، مثل الطائرات من دون طيار (الدرونز) للمسح والإنذار المبكر، وتطبيقات الأسمدة والمبيدات، بالإضافة إلى منصات الإرشاد الزراعي لصغار المزارعين. أما البصمة الغذائية، فهي تشير إلى ارتباط المنتجات الزراعية بمكان نموها، مما يربطها بتلك المنطقة. بينما البصمة الكربونية تقيس الانبعاثات الناتجة عن إنتاج المحاصيل بدءاً من تجهيز الأرض وحتى وصولها للأسواق، بهدف تقليل الانبعاثات وتعزيز الاستدامة عبر تحسين استهلاك المياه والطاقة».

وفي احتفال العالم بيوم الأغذية العالمي تحت شعار «الحق في الغذاء من أجل حياة ومستقبل أفضل»، يرى الواعر أن الحق في الغذاء يعد من حقوق الإنسان الأساسية حسب المعاهدات الدولية، لكن واقع الوصول إلى الغذاء يختلف بين المناطق. يعاني نحو 735 مليون شخص من الجوع أو نقص التغذية، يعيش معظمهم في دول ذات دخل منخفض أو مناطق صراع. وقد تفاقمت أزمة الغذاء نتيجة الصراعات المسلحة، والتغيرات المناخية، وارتفاع الأسعار، مما جعل الحصول على غذاء كاف وآمن أمراً بعيد المنال.

ومع استخدام الجوع كسلاح ضد الفلسطينيين، بالإضافة إلى أزمة الأمن الغذائي التي تعصف باليمن والسودان بسبب الصراعات، يبرز دور المنظمات الدولية بشكل عام ودور «الفاو» في مواجهة استخدام الجوع كسلاح خلال الحروب. وفي هذا الإطار، يقول الواعر: «إن لبنان أيضاً تأثر بالأزمة، وإن المنطقة العربية تمر بأزمة إنسانية حادة بسبب حرب غزة، التي تعد الأكثر دموية منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يُستخدم الجوع كسلاح ضد النساء والأطفال. وتشير المنظمات إلى ضرورة وقف هذه المعاناة. وتقوم (الفاو) بدعم الزراعة والثروة الحيوانية في هذه الدول من خلال توزيع بذور المحاصيل، والأدوات الزراعية، واللقاحات الحيوانية، بالإضافة إلى إعادة تأهيل البنية التحتية وتقديم حوافز نقدية للأسر المتضررة لضمان استمرارية الإمدادات الغذائية».

أطفال السودان ضحايا الحرب والأوبئة والجوع (رويترز)

وأضاف: «يعد اليمن من أكثر البلدان تأثراً بالصراع، حيث يعاني 19 مليون يمني من أزمة أمن غذائي شديدة في 2023، مع انعدام الأمن الغذائي الحاد لنصف السكان. يعتمد 85 في المائة من غذائه على الاستيراد، مما يجعله عرضة لارتفاع الأسعار واضطرابات الإمدادات. كما يعتمد 2 من كل 3 يمنيين على الزراعة، وتقوم «الفاو» بتقديم مساعدات زراعية وإعادة تأهيل البنية التحتية. في السودان، يعاني 25 مليون شخص من آثار الصراع، بينما في غزة، يعاني مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. وفي لبنان، يعيش 30 في المائة من السكان في فقر مدقع، مما يستدعي زيادة التمويل لتلبية الاحتياجات الطارئة لهذه الدول».

تستطيع منظمة «الفاو» من خلال الدعم الحيواني توفير الحليب الطازج لأطفال غزة، ولكن المعابر مغلقة ولا توجد ممرات آمنة. وتتطلع المنظمة إلى المؤتمر الذي تستضيفه مصر في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) لمناقشة إيصال المساعدات إلى قطاع غزة وفتح المعابر. لأول مرة، يُصنف جميع سكان غزة (2.2 مليون شخص) في المرحلتين الرابعة والخامسة من تصنيف الأمن الغذائي، مما يعني أن الأسر غير قادرة على توفير وجبة واحدة في اليوم.

وعن إمكانيات تطبيق تقنيات زراعية ذكية لضمان الأمن الغذائي، أشار الواعر إلى أن هناك العديد من النقاشات حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الزراعة، لكنه يعتقد أن تنفيذ هذه التقنيات سيستغرق وقتاً طويلاً، خاصة في المنطقة العربية حيث يعتمد الإنتاج الزراعي بشكل كبير على صغار المزارعين. هذه التقنيات تتطلب موارد مالية ضخمة وإمكانيات تقنية قد تكون غير متاحة للمزارعين الصغار. ورغم أن كبار المزارعين يمكنهم الاستفادة من هذه التقنيات، فإن 80 في المائة من الإنتاج الزراعي ما زال يعتمد على صغار المزارعين، مما يعني أن تقليص تكاليف هذه التقنيات وجعلها في متناول هؤلاء المزارعين سيستغرق وقتاً طويلاً.

«أرشيفية» لطوابير الجوعى في أميركا أمام بنك طعام (رويترز)

وختم الواعر قائلاً: «هدف القضاء على الجوع لا يمكن تحقيقه بحلول عام 2030، للأسف، لأن المؤشرات تشير إلى أن العالم ليس على المسار الصحيح. مع تأثيرات الأزمة الاقتصادية، وجائحة كورونا، وأزمة البحر الأسود، وضغوط التغيرات المناخية، شهدنا صحوة عالمية. إذا استمر هذا الزخم، أتوقع أن نصل إلى القضاء على الجوع بحلول عام 2050، خاصة مع تهديد أكثر من 800 مليون شخص بالجوع في العالم».


مقالات ذات صلة

«سالك» السعودية ترفع حصتها في «أولام» السنغافورية إلى 80.01 في المائة

الاقتصاد لوز «أولام» (رويترز)

«سالك» السعودية ترفع حصتها في «أولام» السنغافورية إلى 80.01 في المائة

رفعت «سالك» السعودية، حصتها في شركة «أولام الزراعية» من 35.43 إلى 80.01 في المائة، بصفقة قيمتها 1.88 مليار دولار، لتعزيز الأمن الغذائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الاقتصاد مزارع يحصد القمح في بينيتو خواريز بالأرجنتين (رويترز)

أزمة أسمدة عالمية... كيف تهدد الحرب حصاد الحبوب في العام المقبل؟

يواجه المزارعون حول العالم ثاني ارتفاع في أسعار الأسمدة خلال 4 سنوات بسبب الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (باريس، سنغافورة )
الاقتصاد فراولة في إحدى المزارع السعودية (وزارة السياحة)

السعودية تعزز أمنها الغذائي وتبني منظومة للاستدامة ضمن «رؤية 2030»

تواصل السعودية ترسيخ مكانتها في مجالي الأمن الغذائي، والمائي، عبر تطوير منظومات تستند إلى إعادة هيكلة القطاعات، وتعزيز الاستدامة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد أطفال فلسطينيون في انتظار مساعدات غذائية بقطاع غزة (رويترز)

الجوع يتفاقم في 2026... وحرب إيران تهدد بالمزيد

أظهر التقرير العالمي عن الأزمات الغذائية لعام ​2026 أنَّ الصراعات والجفاف وتراجع المساعدات عوامل ستبقي مستويات الجوع العالمية عند مستويات خطيرة في 2026.

«الشرق الأوسط» (روما)
يوميات الشرق أشخاص يحملون مظلاتٍ احتماءً من الشمس في نيويورك (أ.ب)

موجات الحر الشديدة تهدد غذاء أكثر من مليار شخص حول العالم

أفاد تقرير جديد بأن موجات الحر الشديدة تدفع النظم الغذائية الزراعية العالمية إلى حافة الانهيار؛ مما يهدد سبل عيش وصحة أكثر من مليار شخص.

«الشرق الأوسط» (روما )

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.