استراتيجية يمنية لتمويل المناخ وبرنامج أممي يحمي الأسماك

مساعٍ حكومية لتعزيز القدرة على التكيف مع التحديات المناخية المتزايدة

التطرفات المناخية باليمن أسهمت إلى جانب الانقلاب والحرب في مضاعفة معاناة اليمنيين (أ.ف.ب)
التطرفات المناخية باليمن أسهمت إلى جانب الانقلاب والحرب في مضاعفة معاناة اليمنيين (أ.ف.ب)
TT

استراتيجية يمنية لتمويل المناخ وبرنامج أممي يحمي الأسماك

التطرفات المناخية باليمن أسهمت إلى جانب الانقلاب والحرب في مضاعفة معاناة اليمنيين (أ.ف.ب)
التطرفات المناخية باليمن أسهمت إلى جانب الانقلاب والحرب في مضاعفة معاناة اليمنيين (أ.ف.ب)

بينما يعتزم اليمن إطلاق برنامج وطني لتمويل المناخ، خلال فترة تبدأ مطلع العام المقبل، ولمدة ستة أعوام؛ بهدف تعزيز قدرة البلاد على التكيف مع التحديات المناخية المتزايدة التي تواجه السكان، مثل ندرة المياه، وانعدام الأمن الغذائي، ينفذ برنامج تابع للأمم المتحدة إجراءات للحد من التلوث، ووقف إهدار الثروة السمكية.

وأعلنت الحكومة اليمنية، منذ أيام، إطلاق البرنامج الوطني لتمويل المناخ للفترة بين 2025 و2030، والذي يهدف إلى تعزيز قدرة البلاد على التكيف مع التحديات المناخية المتزايدة.

وعلى هامش فعاليات مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ «COP29»، الذي اختتم أعماله، منذ أيام، في العاصمة الأذربيجانية باكو، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عبد الله العليمي، في فعالية خاصة ضمن أعمال مؤتمر المناخ، التزام المجلس والحكومة بتحقيق الأهداف المناخية، رغم التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد.

وأوضح العليمي، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الحكومية «سبأ»، أن التغير المناخي يمثل تحدياً عالمياً، إلا أنه يشكل تهديداً أكبر على اليمن، حيث يعاني الشعب تبِعات الحرب التي أشعلتها الجماعة الحوثية، ما أدى إلى تدهور الموارد الحيوية، وزاد من هشاشة البلاد تجاه تأثيرات التغيرات المناخية. وأشار إلى الأمطار الغزيرة والفيضانات التي شهدتها مناطق في محافظات الحديدة والمحويت وتعز، بالإضافة إلى الأعاصير التي تضرب السواحل الشرقية.

الجفاف والفيضانات يتوزعان على مختلف المناطق اليمنية ويفاقمان تهديدات الأمن الغذائي (رويترز)

تحديات بيئية

من جهته، ذكر وزير المياه والبيئة اليمني توفيق الشرجبي أن اليمن يواجه تحديات بيئية متصاعدة بفعل التغيرات المناخية، كالجفاف المتكرر، وارتفاع درجات الحرارة، وزيادة منسوب مياه البحر، والذي يؤثر سلباً على الموارد المائية والزراعة والبنية التحتية. وبيّن الشرجبي أن البرنامج يهدف إلى استجابة شاملة للاحتياجات الوطنية في مجال تمويل المناخ، من خلال تعزيز القدرات الوطنية، وتطوير البنية التحتية، وتشجيع الاستثمارات الخضراء.

ويرى الباحث عبد القادر الخراز أن مثل هذه البرامج يمكن الاستفادة، عند إعدادها وتنفيذها، من تجارب دول مختلفة، وتضمين الخصوصية اليمنية فيها، لكن المشكلة تكمن في وجود الفساد وانعدام الخبرة والكفاءة، وهو ما قد يستدعي أن تقوم الجهات المانحة بتنفيذ البرامج بنفسها، بينما تصبح الحكومة مجرد شريك في التسويق لها.

ويحذر الخراز، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، من أن أموال المِنح ستذهب، في هذه الحالة، في النفقات التشغيلية ورسوم التحويل، مطالباً الحكومة بالاستعداد منذ وقت مبكر بالخبرات وإعداد وتأهيل الكفاءات لاستيعاب هذه المِنح وإدارتها بنفسها، بدلاً من أن تجري إدارتها من قِبل المانحين أنفسهم، كما حدث في المعونات والإغاثة الإنسانية المقدمة إلى اليمن منذ قرابة عقد من الزمن، وكان تأثيرها طفيفاً.

ويشدد الخراز على حاجة اليمن الفعلية للتمويلات والمِنح للتكيف مع التحديات المناخية، خصوصاً أنها من أكثر البلدان التي شهدت تطرفات مناخية، خلال السنوات الأخيرة، داعياً إلى تنفيذ دراسات وبحوث ومشاريع لتحديد الاحتياجات، وضمان الحصول على التمويل الكافي، وتوجيهه نحو خطط لمقاومة التغير المناخي والتكيف مع تبِعاته، وإنتاج مشاريع تنموية في المناطق المتضررة.

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يساعد الصيادين اليمنيين على حماية تنظيم أعمالهم (الأمم المتحدة)

الحد من هدر الأسماك

ويدعم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عدداً من الممارسات المستدامة في حماية البيئة وتعزيز الدخل، مثل الإدارة الأكثر كفاءة للحد من هدر الأسماك وحماية الموارد البحرية للأجيال القادمة، من خلال مشروع تطوير مصايد الأسماك المستدامة في البحر الأحمر وخليج عدن، والذي يقدم للصيادين تقنيات وممارسات مستدامة لحفظ الأسماك، مما يقلل الهدر ويحمي النظم البيئية البحرية.

ومن المنتظر أن يسهم المشروع المموَّل من البنك الدولي، والذي ينفذه البرنامج الأممي، بالشراكة مع وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، في وقف الاستخدام غير المستدام للموارد السمكية، والذي يؤدي إلى التلف المتكرر للأسماك، وزيادة الطلب على الصيد الطازج، والذي فاقمته درجات الحرارة المرتفعة في المناطق الساحلية، ما ألحق مزيداً من الضرر بالأسماك، وزاد من التحديات التي يواجهها الصيادون وبائعو الأسماك المحليون.

صياد يمني بمدينة المكلا تلقّى دعماً وتدريباً من برنامج أممي ضمن مشروع لحماية البيئة والأسماك (الأمم المتحدة)

مشروع للتدريب

ويقدم المشروع للصيادين وبائعي الأسماك تدريبات على إدارة الأعمال، وحماية البيئة، واستمرارية العمليات، والتعامل مع الأسماك وتخزينها بشكل صحيح، وشراء المعدات والأجهزة المساعدة مثل الثلاجات، لإطالة فترة بقاء الأسماك بحالة جيدة، وزيادة كفاءة استخدام الموارد.

وأحدثت التغييرات تحولاً جذرياً، إذ أسهمت الممارسات الجديدة في تقليل الهدر بشكل كبير، مما قلّل الحاجة إلى الصيد المفرط لتعويض التلف، ومن خلال حفظ الأسماك لفترة أطول والحفاظ على جودتها، أصبح الصيادون والبائعون يحققون مبيعات أعلى، دون الحاجة إلى الإفراط في الصيد، أو التخلص من الأسماك غير المبيعة.

ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، على موقع الأمم المتحدة، إن ممارسات الصيد المستدام مكّنت 1552 صياداً ورائد أعمال من أن يصبحوا حماة للبيئة، إلى جانب مضاعفة دخلهم وتجديد متاجرهم وأدوات عملهم، وخلق بيئة نظيفة تجذب مزيداً من المستهلكين يومياً.

وتقلّل هذه الممارسات الفاقد من خلال تحسين طرق حفظ الأسماك، وتزيد من تدابير حماية البيئة للحدّ من المخاطر مثل التلوث، وتشجع على الالتزام باللوائح البيئية؛ لضمان استدامة الموارد على المدى الطويل.


مقالات ذات صلة

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العالم العربي العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

أقر البنك المركزي اليمني إجراءات لمعالجة شح السيولة وتعزيز الاستقرار النقدي، بالتوازي مع تحركات حكومية ودولية لدعم التعافي الاقتصادي ومواجهة الضغوط الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
المشرق العربي أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي حشد من الحوثيين في صنعاء دعا إليه زعيمهم للتضامن مع إيران (إ.ب.أ)

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الذراع الحوثية

الحكومة اليمنية تدين التصعيد الإيراني عبر الحوثيين، مع إعلان هجوم ثانٍ على إسرائيل، وسط تنسيق أميركي - إسرائيلي ومخاوف من توسع الصراع وتهديد الملاحة الدولية.

«الشرق الأوسط» (عدن)

عون: اليد التي ستمتد إلى السلم الأهلي في لبنان ستُقطع

وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)
وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)
TT

عون: اليد التي ستمتد إلى السلم الأهلي في لبنان ستُقطع

وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)
وفد من بلدة دبل الحدودية عرض أمام الرئيس جوزيف عون واقع البلدة طالباً مساعدات عاجلة لدعم صمود الأهالي (الرئاسة اللبنانية)

أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أنه «يواصل إجراء اتصالات دولية متعددة لدفع الأمور باتجاه تحقيق التفاوض ووقف الحرب»، في ظل التصعيد المستمر جنوباً، مشدداً في الوقت نفسه على أن «الأجهزة الأمنية تتخذ خطوات حازمة لمنع أي خلل أمني بين اللبنانيين، وتقوم بتوقيفات، ومصادرة للأسلحة»، محذراً من أن «اليد التي ستمتد إلى السلم الأهلي ستُقطع».

وفي الإطار نفسه، أكد رئيس الحكومة نواف سلام خلال استقباله وفداً من بلدة البرغلية في قضاء صور أنه «لا يجوز أن يبقى مصير اللبنانيين رهناً بحسابات تتجاوز مصلحة لبنان، وشعبه».

«لا مبرر للخوف على السلم الأهلي»

جاء كلام عون خلال سلسلة لقاءات عقدها في القصر الرئاسي، حيث استقبل وفداً من «منتدى غسان سكاف الوطني»، ووفداً من أندية «الروتاري» في لبنان، ووفداً من بلدة دبل الحدودية.

وخلال اللقاءات، شدد عون على أن «التقارير الأمنية تؤكد عدم وجود خطر فعلي على السلم الأهلي»، لافتاً إلى أن «بعض الجهات تثير هذا الموضوع، سعياً منها إلى تعويم نفسها»، ومؤكداً أن «الأجهزة الأمنية تتابع الوضع بدقة، وتتخذ الإجراءات اللازمة لمنع أي توتر».

وأضاف أنه «لا أحد في لبنان يرغب باندلاع حرب أهلية»، وأن «من يسعى إلى الاصطياد بالمياه العكرة لن تنجح مساعيه»، مشيراً إلى أن «الإشكالات التي حصلت سابقاً خلال حرب 2024 على خلفية النزوح لم تتكرر في الحرب الحالية»، ما يعكس قدرة أفضل على ضبط الوضع، واستيعاب التداعيات.

«لا أحد يأخذ مكان الدولة»

إلى ذلك، شدد رئيس الجمهورية على أنه «لا أحد يأخذ مكان الدولة، رغم صعوبة الظروف، والإمكانات التي نعمل من خلالها»، مؤكداً أن «الحكومة منذ تشكيلها اتخذت عدداً كبيراً من القرارات، والخطوات الجريئة لإصلاح الأوضاع في البلاد».

وأشار إلى الجهود المبذولة لمعالجة ملف النازحين، معتبراً أن «الدولة تمكنت من تحقيق استيعاب سريع وفعال لهذه الأزمة».

وعلى الصعيد الخارجي، جدد عون التأكيد على أنه «يواصل القيام باتصالات دولية متعددة لدفع الأمور باتجاه التفاوض مع» إسرائيل، لافتاً إلى أن «المبادرات المطروحة لم تلقَ حتى الآن التجاوب المطلوب»، في وقت «تستمر فيه الانتهاكات الجسيمة، والدمار في القرى الجنوبية».

مصطفى إبراهيم السيد نازح من قرية بيت ليف يوزع أرغفة الخبز على بناته في أحد مراكز الإيواء في مدينة صور (رويترز)

وفي الشق الإنساني، تناولت لقاءاته أوضاع النازحين، والاحتياجات المعيشية، حيث استمع إلى مطالب من وفد من بلدة دبل الحدودية تتعلق بتأمين المساعدات، والخدمات الأساسية، مؤكداً متابعة هذه الملفات، والعمل على دعم صمود المواطنين، لا سيما في المناطق الحدودية.

وختم عون بالتأكيد أن «المرحلة الحالية تتطلب تضافر الجهود للحفاظ على الاستقرار»، مشدداً على أن «لبنان قادر على تجاوز هذه التحديات بوعي أبنائه، وتمسكهم بالسلم الأهلي، وباستمرار العمل السياسي، والدبلوماسي لفتح أفق الحلول».

اجتماع وزاري وفجوة بين المساعدات والحاجات

في موازاة ذلك، عقد الاجتماع الوزاري اليومي برئاسة رئيس الحكومة نواف سلام، حيث تصدّر الاجتماع التحذير من اتساع الفجوة بين حجم المساعدات المتاحة، والحاجات المتزايدة، بالتوازي مع تصاعد الخطاب التحريضي، وتفاقم الأوضاع الأمنية، والإنسانية، في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية، وتزايد موجات النزوح، ما دفع الحكومة إلى التشديد على الإجراءات الأمنية، وضبط توزيع المازوت، وملاحقة المخالفين.

عمّال «وحدة إدارة الكوارث» التابعة لاتحاد بلديات صور يتابعون عملهم وسط تصعيد عسكري إسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

وخلال الاجتماع جرى عرض الأوضاع العامة، والتطورات العسكرية، والأمنية، إلى جانب متابعة حاجات النازحين، ومتطلبات الإيواء، والإغاثة، وبحث الخطوات الحكومية لمواكبة التحديات الراهنة. وأعلن وزير الإعلام بول مرقص أن رئيس الحكومة شدّد على أن «حجم المساعدات الحالية أقل بكثير من الحاجات المتزايدة»، محذّراً في المقابل من تصاعد الخطاب الفتنوي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومن استمرار الركود الاقتصادي.

كما طرح مرقص قضية الاعتداءات المتكررة على الصحافيين، والتي أدّت إلى استشهاد عدد منهم، معتبراً أن المعالجة تتطلب تحرّكاً حكومياً متكاملاً بالتنسيق مع وزارة الخارجية.

بدوره، عرض وزير الدفاع اللواء ميشال منسى التطورات الميدانية، ولا سيما التوغّل الإسرائيلي، والوضع على الحدود اللبنانية-السورية، مشيراً إلى سقوط 1238 قتيلاً، و3543 جريحاً جراء الاعتداءات الإسرائيلية، إضافة إلى سقوط قتيل من قوات الأمم المتحدة، وعدد من الجرحى.


سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
TT

سفير يرفض إبعاده! هل من سوابق في العلاقات بين الدول؟

مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)
مؤيدون لـ«حزب الله» في مظاهرة داعمة لإيران أمام سفارتها ببيروت يوم 26 مارس (أ.ف.ب)

تبدو قضية إبعاد سفير إيران المعتمد في لبنان، ورفضه الالتزام بالقرار اللبناني، واحدة من حالات قليلة مشابهة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول. حصلت سوابق مماثلة إلى حدٍّ ما، على غرار الأزمة الدبلوماسية بين لبنان وإيران عام 1983، وبين المملكة المتحدة وليبيا (في عامَي 1984 و2011)، وبين النيجر وفرنسا (عام 2023). وغالباً ما تنتهي مثل هذه الأزمات باستدعاء الدبلوماسي إلى بلده الأصلي، أو ترحيله، أو التوصل إلى تسوية بين البلدين.

هذه جولة على بعض الأزمات الدبلوماسية وطريقة حلها:

لبنان وإيران

أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية، يوم الثلاثاء الماضي، إبلاغها سفير إيران المعيّن في بيروت محمّد رضا شيباني بـ«سحب الموافقة على اعتماده، ومطالبته بالمغادرة في مهلة أقصاها الأحد (أمس)». لكن قرار إبعاد شيباني الذي باشر مهامه في أواخر فبراير (شباط) الماضي، قوبل برفض شيعي لبناني قاده «حزب الله» و«حركة أمل». وأعلنت إيران، الاثنين، أن سفيرها سيبقى في لبنان برغم إعلانه من جانب الحكومة اللبنانية شخصاً غير مرغوب فيه. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، خلال مؤتمر صحافي أسبوعي: «سيواصل سفيرنا عمله سفيراً لإيران في بيروت، وسيبقى موجوداً هناك»، مضيفاً أن السفارة في بيروت «لا تزال تعمل».

السفير شيباني... قرار بإبعاده من بيروت (أ.ف.ب)

وهذه المرة الثانية التي يحصل فيها مثل هذا الإشكال الدبلوماسي بين لبنان وإيران. ففي عام 1983، قررت حكومة الرئيس الراحل شفيق الوزان (خلال حكم الرئيس أمين الجميل)، قطع العلاقات مع إيران وطرد القائم بالأعمال محمود نوراني. لكن قرار طرده قوبل أيضاً برفض شيعي لبناني. بقيت الأزمة حتى فبراير 1984 عندما تغيّرت الحكومة اللبنانية وأعادت العلاقات مع إيران.

بريطانيا وليبيا

شهدت العلاقات بين المملكة المتحدة وليبيا أزمات دبلوماسية شبيهة إلى حدٍّ ما. ففي عام 2011 خلال الثورة على حكم العقيد معمر القذافي، نقلت حكومة المملكة المتحدة الاعتراف الدبلوماسي من نظام القذافي إلى المجلس الوطني الانتقالي، وتم إبعاد دبلوماسيين ليبيين في نهاية المطاف، لكن بقي في السفارة موظفون موالون للقذافي ظلوا يرفعون لفترة علم «الجماهيرية»، قبل انتقال البعثة الدبلوماسية لسلطة المجلس الانتقالي.

العقيد الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

لم تكن تلك الحادثة الدبلوماسية الوحيدة بين لندن وطرابلس. فعقب مقتل الشرطية إيفون فليتشر بالرصاص في 17 أبريل (نيسان) 1984، خلال مظاهرة أمام المكتب الشعبي الليبي في العاصمة البريطانية، قطعت حكومة مارغريت ثاتشر علاقاتها الدبلوماسية مع ليبيا وطردت 30 دبلوماسياً ليبياً. أدى الحادث إلى حصار دام 11 يوماً للمكتب الشعبي، وانتهى بمغادرة الموظفين وترحيلهم في 27 أبريل 1984.

فرنسا والنيجر

في عام 2023، شهدت العلاقات بين فرنسا والنيجر أزمة دبلوماسية مرتبطة أيضاً بقرار يتعلق بطرد السفير. فعقب انقلاب عسكري، أمر المجلس العسكري السفير الفرنسي، سيلفان إيتيه، بمغادرة البلاد. رفضت فرنسا في البداية الامتثال، بحجة أن المجلس العسكري ليس حكومة شرعية تملك صلاحية طرد ممثلها. بقي السفير داخل السفارة لعدة أسابيع قبل أن يغادر في نهاية المطاف.

إيران - المملكة المتحدة (1989)

بعد فتوى المرشد الإيراني الأول الخميني ضد الروائي البريطاني، الهندي المولد، سلمان رشدي، نشبت أزمة دبلوماسية بين لندن وطهران. أدت الأزمة إلى تقليص العلاقات ومغادرة دبلوماسيين، لكن بعض الدبلوماسيين الإيرانيين تأخروا أو لم يمتثلوا فوراً لقرار إبعادهم. لم تكن تلك حالة رفض علني لقرار بالإبعاد، لكنها كانت عبارة عن مماطلة وعدم امتثال فوري.

نيكولاس مادورو (أ.ف.ب)

فنزويلا - الولايات المتحدة (2019)

شهدت العلاقات بين واشنطن وكاراكاس أزمة دبلوماسية عقب اعتراف الحكومة الأميركية بخوان غوايدو رئيساً للبلاد عام 2019. فقد أمر الرئيس نيكولاس مادورو الدبلوماسيين الأميركيين بمغادرة البلاد. رفضت الولايات المتحدة الأمر بحجة أن مادورو «غير شرعي». بقي الدبلوماسيون الأميركيون في كاراكاس لفترة قبل سحبهم، علماً أن مادورو نفسه اعتُقل مطلع عام 2026، ونُقل إلى الولايات المتحدة للمحاكمة بتهم الاتجار بالمخدرات.

ماذا يحدث في حال رفض قرار بطرد دبلوماسي من بلدٍ ما؟

وفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (المادة 9)، إذا أُعلن دبلوماسي شخصاً غير مرغوب فيه ورفضت الدولة المُرسِلة استدعاءه، يجوز للدولة المُضيفة رفض الاعتراف به كعضو في البعثة. وهذا يعني فقدان الحصانة الدبلوماسية، ما يجعله، من الناحية القانونية، مواطناً عادياً خاضعاً للقوانين المحلية مع إمكان اعتقاله.

حقائق

أزمات طرد دبلوماسيين

حالات تكررت بين بيروت وطهران عامَي 1983 و2026... وبين لندن وطرابلس عامَي 1984 و2011... وبين باريس ونيامي عام 2023... وبين لندن وطهران عام 1989... وبين واشنطن وكاراكاس عام 2019


إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان

عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)
عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تطلق رسائل بالنار تتجاوز خطوط القتال في جنوب لبنان

عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)
عسكريان في الجيش اللبناني بعد استهداف مركزهما بغارة إسرائيلية ما أدى إلى مقتل جندي (أ.ف.ب)

في تحوّل يتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، بدأت الضربات الإسرائيلية في جنوب لبنان تتخطى الأهداف العسكرية المباشرة لتطول مؤسسات يفترض أنها محيّدة بموجب القوانين الدولية، من مسعفين وصحافيين وصولاً إلى الجيش اللبناني الذي لا يشارك في الحرب وقوات «اليونيفيل». هذا النمط من الاستهدافات الذي يذكّر بـ«سيناريو غزة» يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة ويطرح تساؤلات حول الأهداف وعما إذا كانت تمهّد لإعادة رسم قواعد الاشتباك وفرض وقائع جديدة على الأرض.

استهداف الجيش: رسالة إلى الدولة

في رسائل ضغط تتكرر في الفترة الأخيرة ضد الجيش والدولة اللبنانية، أعلنت قيادة الجيش، الاثنين، عن «تعرّض حاجز للجيش في بلدة العامرية على طريق القليلة – صور لاعتداء إسرائيلي، ما أدى إلى استشهاد أحد العسكريين وإصابة آخرين بجروح».

وتضع مصادر وزارية الاستهدافات المتكررة للجيش اللبناني في خانة «رسائل ترهيب وتهديد» لإبعاد الجيش اللبناني عن كل المناطق التي تنوي إسرائيل التقدم نحوها، مذكرة بأنه ليس الاستهداف الأول للمؤسسة العسكرية»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «يطالبون بسيطرة الجيش اللبناني على كامل الأراضي اللبنانية ويستهدفون عناصره ومراكزه، في رسالة مزدوجة إلى الدولة اللبنانية والمؤسسة العسكرية كما إلى الأهالي الذين لا يزالون صامدين في الجنوب ويطالبون ببقاء الجيش في قراهم بأن الجيش اللبناني لن يكون قادراً على حمايتهم».

عسكريون عند حاجز الجيش اللبناني الذي استهدف في منطقة العامرية في صور جنوب لبنان (أ.ف.ب)

استهداف «اليونيفيل»

وفي اعتداء ليس الأول من نوعه، كانت قوات «اليونيفيل» هدفاً إسرائيلياً لمرتين خلال 24 ساعة في جنوب لبنان، حيث «قُتل جندي حفظ سلام وأُصيب آخر بجروح خطيرة ليل الاثنين، إثر انفجار مقذوف في موقع تابع لليونيفيل بالقرب من عدشيت القصير»، بحسب بيان صادر عن «اليونيفيل».

وبينما قالت «اليونيفيل»: «لا نعرف حتى الآن مصدر المقذوف وقد بدأنا تحقيقاً لتحديد ملابسات الحادث»، جددت دعوتها «لكل الأطراف إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي، وضمان سلامة وأمن أفراد وممتلكات الأمم المتحدة في كل الأوقات».

وأكد البيان أن «الهجمات المتعمّدة على جنود حفظ السلام تعد انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقرار مجلس الأمن الدولي 1701، وقد ترقى إلى جرائم حرب».

وبعد ظهر الاثنين، أفادت «الوكالة الوطنية للإعلام» بـ«استهداف دورية لليونيفيل على طريق بني حيان طلوسة وتدخل مروحية من الناقورة لنقل الإصابات».

وأدان رئيس الجمهورية جوزيف عون الاعتداء على القوات الدولية العاملة في الجنوب، وأجرى اتصالاً بقائدها مقدماً له التعازي ومجدداً إدانته للتعرّض لها، ومنوّهاً بتضحيات عناصرها.

بدوره، أجرى وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي اتصالاً هاتفياً بالمنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جينين بلاسخارت، وطلب منها إطلاع وزارة الخارجية اللبنانية على جميع المعطيات والمعلومات فور انتهاء التحقيقات التي تجريها «اليونيفيل».

جندي لبناني في موقع استهداف المركز في منطقة العامرية بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

رسائل نارية حاسمة

يرى العميد المتقاعد حسن جوني أن «العمليات التي تستهدف جهات خارج سياق المعركة المباشرة تندرج في إطار رفع مستوى الشراسة بالقتال»، واصفاً إياها بـ«الرسائل النارية الحاسمة».

ويقول جوني لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الاستهدافات هي مؤشر خطير ويعكس نية إسرائيلية لتوسع العمليات»، موضحاً أن «حاجز الجيش الذي استهدف في صور هو أول نقطة للجيش من جهة الحدود وأتى الاستهداف وكأنه عملية دفع للجيش باتجاه الداخل وإخراجه من المنطقة على اعتبار أن العمليات الإسرائيلية تتقدم لتصل إليها».

وفي إطار «التعبير أيضاً عن شراسة القوة المراد استخدامها في هذه المنطقة»، جاء استهداف قوات «اليونيفيل» بحسب جوني، مشيراً إلى أنها «رسالة تحذير لقوات الأمم المتحدة بإخلاء مراكزها واستعجال رحيلها، وإنهاء مهامها التي تتعلق بالمراقبة والرصد ورفع التقارير، وهو ما يزعج إسرائيل من جهة توثيق الاعتداءات الإسرائيلية والخروق وغيرها».

استهداف القطاع الصحي: انتهاك للقانون الإنساني

في سياق الاستهدافات غير العسكرية، شنّ الطيران الحربي غارة على مركز الدفاع المدني التابع لـ«الهيئة الصحية الإسلامية» في بلدة المنصوري، ما أسفر عن وقوع عدد من الإصابات، بحسب «الوكالة الوطنية للإعلام».

خلال تشييع اثنين من المسعفين بعد استهدافهما في غارة في منطقة النبطية في 25 مارس الحالي (رويترز)

وأتى ذلك بعدما أعلنت وزارة الصحة العامة اللبنانية، الأحد، عن «جريمة مزدوجة» تمثّلت باستهداف سيارة إسعاف تابعة للهيئة الصحية، ما أدى إلى مقتل مسعف، إضافة إلى استهداف مخزن الأدوية واللوازم في مستشفى بنت جبيل الحكومي، ما أدى إلى احتراقه بالكامل.

وجددت الوزارة إدانتها «لاعتداءات العدو المتكررة على القطاع الصحي بما يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي».

في المقابل، برّر الجيش الإسرائيلي استهدافه للمسعفين بالقول إنهم «كانوا متنكرين بزيّ مسعفين»، معلناً أن «جيش الدفاع هاجم خلية تابعة لـ(حزب الله) عملت إلى جانب سيارة إسعاف في جنوب لبنان».

جاء ذلك أيضاً بعد استهداف صحافيين في الجنوب، أول من أمس (السبت)، في غارة إسرائيلية على طريق كفرحونة - جزين، وأدت إلى مقتل 4 أشخاص، بينهم 3 إعلاميين، هم مراسل قناة «المنار» علي شعيب، والمراسلة فاطمة فتوني، وشقيقها المُصوِّر محمد فتوني من قناة «الميادين»، وبرّر ذلك الجيش الإسرائيلي بالقول إنه استهدف شعيب لارتباطه بـ«قوة الرضوان» في «حزب الله».

خلال تشييع الصحافيين الثلاثة الذين قُتلوا في غارة إسرائيلية يوم السبت في جنوب لبنان (د.ب.أ)

وينص القانون الدولي الإنساني، خصوصاً اتفاقيات جنيف، على أن المسعفين والصحافيين يُعتبرون من الأشخاص المدنيين المحميين أثناء النزاعات المسلحة، وبالتالي يُحظر استهدافهم بشكل مباشر أو غير مباشر. كذلك تتمتع الطواقم الطبية بحماية خاصة تضمن لها العمل بحرية لمعالجة الجرحى دون تمييز، كما تُعدّ المستشفيات وسيارات الإسعاف أهدافاً مدنية لا يجوز ضربها.