ميقاتي يواجه إيران: نرفض تدخلها الفاضح في الشأن اللبناني

موقفه من كلام قاليباف قُوبل بتأييد نيابي وسياسي واسع

رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي (يمين) خلال لقائه رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (يسار) خلال زيارته بيروت الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي (يمين) خلال لقائه رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (يسار) خلال زيارته بيروت الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

ميقاتي يواجه إيران: نرفض تدخلها الفاضح في الشأن اللبناني

رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي (يمين) خلال لقائه رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (يسار) خلال زيارته بيروت الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي (يمين) خلال لقائه رئيس مجلس النواب الإيراني محمد باقر قاليباف (يسار) خلال زيارته بيروت الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

في خطوة هي الأولى من نوعها، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي، الجمعة، رفضه موقف رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف لجهة قوله إن طهران مستعدةٌ للتفاوض مع فرنسا بشأن تطبيق قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، معتبراً ذلك «تدخلاً فاضحاً في الشأن اللبناني، ومحاولة لتكريس وصاية مرفوضة على لبنان».

كما طلب ميقاتي من وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب استدعاء القائم بأعمال السفارة الإيرانية في بيروت، والاستفسار منه عن هذا الموقف، وإبلاغه الموقف اللبناني.

وقال ميقاتي في بيان صادر عن مكتبه: «نستغرب هذا الموقف الذي يشكل تدخلاً فاضحاً في الشأن اللبناني، ومحاولة لتكريس وصاية مرفوضة على لبنان، علماً بأننا كنا أبلغنا وزير خارجية إيران ورئيس مجلس الشورى خلال زيارتيهما إلى لبنان أخيراً بضرورة تفهم الوضع اللبناني، خصوصاً وأن لبنان يتعرض لعدوان إسرائيلي غير مسبوق، ونعمل لدى جميع أصدقاء لبنان ومنهم فرنسا للضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار».

وأضاف «أن موضوع التفاوض لتطبيق القرار الدولي الرقم 1701 تتولاه الدولة اللبنانية، ومطلوب من الجميع دعمها في هذا التوجه، لا السعي لفرض وصايات جديدة مرفوضة بكل الاعتبارات الوطنية والسيادية».

ومن ثم طلب ميقاتي من وزير الخارجية والمغتربين عبد الله بو حبيب استدعاء القائم بأعمال السفارة الإيرانية في بيروت، والاستفسار منه عن حديث قاليباف، كما إبلاغه الموقف اللبناني في هذا الصدد.

يأتي موقف ميقاتي في وقت يغيب فيه موقف «حزب الله» الذي لطالما رفع راية إيران، وبعد الضربات القاسية التي تلقاها واغتيال قادته، على رأسهم أمينه العام حسن نصر الله، في حين تتصاعد فيه مواقف المعارضة التي لطالما أعلنت رفضها الوصاية الإيرانية على لبنان عبر «حزب الله»، بما يعكس شبه إجماع لبناني، وللمرة الأولى حول رفض الوصاية الإيرانية على لبنان.

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري مستقبلاً رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف خلال زيارته الأخيرة إلى بيروت (أ.ف.ب)

كان قد سبق ردّ ميقاتي رد من قبل رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط على وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي زار بيروت قبل أسبوعين، قائلاً: «لا يستطيع وزير الخارجية الإيراني أن يعطينا دروساً في المواجهة».

وكان «حزب الله» قد أوكل، على لسان نائب أمينه العام نعيم قاسم، مهمة التفاوض حول وقف إطلاق النار في لبنان إلى «الأخ الأكبر»، رئيس البرلمان اللبناني، حليفه رئيس «حركة أمل»، نبيه بري.

مواقف داعمة لميقاتي

ولاقت الخطوة التي قام بها ميقاتي مواقف داعمة مع تأكيد على ضرورة المضي قدماً باتجاه استعادة هيبة الدولة اللبنانية.

وكتب رئيس «حزب الكتائب» اللبنانية النائب سامي الجميل على حسابه على منصة «إكس» قائلاً: «موقف دولة الرئيس نجيب ميقاتي من حديث رئيس البرلمان الإيراني، وطلبه استدعاء القائم بأعمال السفارة الإيرانية لدى لبنان خطوة جيدة باتجاه استعادة هيبة الدولة وسيادتها وقرارها، وندعم هكذا خطوات لوضع حد للتدخل الوقح في الشؤون اللبنانية. المطلوب الآن أن تستكمل ببسط سلطة الدولة على الأرض».

كما صدر عن رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع موقف مماثل، وقال في بيان له: «ما صرّح به الرئيس نجيب ميقاتي اليوم تعليقاً على كلام رئيس البرلمان الإيراني يُعطينا بصيص أمل بأن الدولة اللبنانية، ولو بعد خراب البصرة ويا للأسف، بدأت تتحمّل مسؤولياتها».

وأضاف: «إن ما أدلى به الرئيس ميقاتي يعبِّر عن وجهة نظر كل لبناني صميم، ونتمنى لو يُكمل الرئيس ميقاتي ويقول إن الحكومة اللبنانية تطلب وقفاً لإطلاق النار على أساس تطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي 1559، 1680 و1701، لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة لوقف المجازر المستمرة في لبنان منذ نحو شهرين».

كذلك أعلن تكتل «الاعتدال الوطني» وقوفه خلف ميقاتي «في موقفه الوطني المسؤول الرافض للتدخل الإيراني الفاضح في الشأن اللبناني».

وأكد في بيان أن «ما قاله رئيس الحكومة هو لسان حال كل لبناني ضاق ذرعاً من السياسات الإيرانية والخارجية التي لم تأتِ إلا بالويلات والخراب على لبنان، في إصرارها الدائم على محاولة الهيمنة والوصاية على القرار اللبناني، وتوريطه في أجندات تحقق مصالحها، ولا تكترث لمصلحة لبنان واللبنانيين»، مشدداً: «لبنان لن يقبل بعد اليوم أن يستمر كبش محرقة لأحد».

بيان مشترك

وفي بيان مشترك، رفض النواب إبراهيم منمينة، وبولا يعقوبيان، وملحم خلف، ونجاة صليبا، وياسين ياسين، وفراس حمدان «تصريح رئيس البرلمان الإيراني جملةً وتفصيلاً، ليس فقط لأنه قرر التفاوض عن لبنان حول تطبيق قرار دولي، بل لقيامه بالاستخفاف الواضح بالدولة ومؤسساتها. هذه الفوقية التي تستسهل التعدي على السيادة تفضح الكثير مما كان البعض يحاول إخفاءه طوال السنوات الماضية». ودعم النواب موقف الحكومة ورئيسها، ورأوا فيه خطوة إيجابية يجب البناء عليها.

خطوة جريئة

ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الأميركية عماد سلامة أن موقف ميقاتي يعكس تحدياً لنفوذ «حزب الله» في لبنان من جهة، فيما يعكس الموقف الإيراني تراجعاً استراتيجياً من قبل طهران، وهو ما قد يكون مقدمةً لتطبيق قرار مجلس الأمن 1595.

ويقول سلامة لـ«الشرق الأوسط» إن دعوة الرئيس نجيب ميقاتي للسفير الإيراني يمثل خطوة جريئة وغير مسبوقة في السياسة اللبنانية. هذا الاستدعاء يعكس تحدياً واضحاً لنفوذ «حزب الله» في لبنان، ويشير إلى تغيّرات محتملة في موازين القوى داخل البلاد، مشيراً إلى أن ذلك «يظهر تراجعاً نسبياً في سلطة الحزب، خصوصاً بعد أن أصبح الحزب موضع اتهام من قطاعات واسعة من اللبنانيين بسبب سياساته، خصوصاً التفرد بقرارات الحرب والسلم، وفتح جبهة الجنوب مع إسرائيل والنتائج الكارثية على لبنان، بالإضافة إلى تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، ما زاد من الضغط الشعبي والسياسي على الحزب، ومما جعل من ميقاتي يأخذ هذا الموقف الجريء».

رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (وسط الصورة) يلوح بيده بعد زيارة موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت حي البسطة في بيروت (أ.ف.ب)

وتوقف سلامة عند تصريح رئيس مجلس النواب الإيراني نفسه، معتبراً أنه «يكشف عن أزمة عميقة يعاني منها النظام الإيراني، خصوصاً بعد تراجعاته في عدة مناطق نفوذ مثل لبنان، وفلسطين، وسوريا، واليمن».

ويضيف: «لافت جداً هو التلميح الإيراني للمرة الأولى حول الاستعداد للتفاوض بشأن القرار الأممي 1701، الذي يملي على (حزب الله) التراجع عن الحدود الجنوبية، وبذلك يجرده من دوره كمقاومة في وجه إسرائيل، ويفصل الساحات في المنطقة، خاصة عما يحدث في غزة وفلسطين».

ويوضح أن «إيران كانت ترفض الالتزام بفصل ساحة جنوب لبنان عن صراعاتها الإقليمية، لكنها الآن قد تكون مضطرة للتنازل من أجل الحفاظ على مصالحها القومية. قبول إيران بإزالة سلاح (حزب الله) من الجنوب، وفقاً لقرار مجلس الأمن 1701، يشير إلى تراجع استراتيجي من قبل طهران، والتي قد تكون مقدمة لتطبيق قرار مجلس الأمن 1559 بتجريد (حزب الله) من سلاحه ويعكس تحولاً في سياساتها الإقليمية، مما قد يؤدي إلى تحييد دور (حزب الله) العسكري في المنطقة».


مقالات ذات صلة

أوروبا تدفع للتمديد لـ«اليونيفيل» وتنشئ بعثة لتدريب القوى المسلحة اللبنانية

المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون مستقبلاً الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس (الرئاسة اللبنانية)

أوروبا تدفع للتمديد لـ«اليونيفيل» وتنشئ بعثة لتدريب القوى المسلحة اللبنانية

شهدت بيروت، الخميس، حركة دبلوماسية أوروبية وأميركية، تمحورت حول مستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، ومصير القوات الدولية العاملة فيه، ومسار تنفيذ «اتفاق الإطار».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي 
دورية لقوات «يونيفيل» في الجنوب على الحدود مع إسرائيل (يونيفيل)

إطلاق النار على «اليونيفيل» يعيد سؤالاً لبنانياً عن «الشاهد الدولي»

يعيد إطلاق النار على موقع تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» قرب كفرشوبا، طرح سؤال يتجاوز سلامة الجنود إلى مستقبل الرقابة الدولية في الجنوب.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي فتية في كشافة «المهدي» التابعة لـ«حزب الله» يحملون صورة المرشد الإيراني مجتبى خامنئي وأمين عام الحزب نعيم قاسم في فعالية في ضاحية بيروت الجنوبية (أ.ب)

تشديد الضغوط على لبنان لكبح تمويل «حزب الله» ومؤسساته

يخوض لبنان سباقاً صعباً على مسارين متلازمين، وضمن مهل غير مفتوحة؛ سعياً لاستعادة الاعتراف الدولي بسلامة الأنظمة والإجراءات.

علي زين الدين (بيروت)
المشرق العربي نازح من قرية محتلة في الجنوب يحضر الطعام في مركز إيواء للنازحين في مدينة صور بجنوب لبنان (أ.ب)

مساعٍ حكومية لبنانية لتخفيف الأزمة المعيشية بإجراءات مالية وتقديمات اجتماعية

تتعامل الحكومة اللبنانية مع الضائقة الاقتصادية والمعيشية في لبنان بإجراءات مالية إضافة إلى تدابير قضائية وإدارية تتمثل في الرقابة وملاحقة المتورطين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر من قوات الجيش اللبناني حول آلية عسكرية (د.ب.أ)

الجيش اللبناني يحبط عملية تهريب على الحدود مع سوريا ويشتبك مع المتورطين فيها

أحبطت قوات من الجيش اللبناني، الأربعاء، عملية تهريب عند الحدود اللبنانية - السورية، في جرد بلدة عرسال بشرق لبنان...

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الجيش الإسرائيلي: مقتل ضابط وإصابة 3 جنود في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
TT

الجيش الإسرائيلي: مقتل ضابط وإصابة 3 جنود في جنوب لبنان

آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)
آليات عسكرية إسرائيلية تعبر شارعاً في قرية لبنانية بالجنوب (الجيش الإسرائيلي)

أعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، مقتل ضابط وإصابة 3 جنود آخرين في جنوب لبنان.

وأوضح الجيش الإسرائيلي، في بيان، أن حادثاً أدى لمقتل النقيب إلياف حاييم تسابالاموس (21 عاماً) من الكتيبة 603 التابعة للواء السابع، في جنوب لبنان.

وأضاف البيان أن ثلاثة جنود أصيبوا بجروح طفيفة في الحادث نفسه، ونقلوا لتلقي العلاج الطبي في أحد المستشفيات.


حصر القبول في بعض الاختصاصات بالذكور يثير انتقادات في سوريا

مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)
مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)
TT

حصر القبول في بعض الاختصاصات بالذكور يثير انتقادات في سوريا

مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)
مارة قرب مدخل جامعة حلب والعلم السوري يوم 14 مايو 2025 (رويترز)

أثارت شروط القبول الجامعي التي أعلنتها وزارة التعليم العالي في سوريا لجهة حصر عدد من الاختصاصات بالذكور، انتقادات ومخاوف من تضييق فرص النساء في التعليم والعمل في ظل السلطات الجديدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت الوزارة في 30 سبتمبر (أيلول) شروط القبول للعام الدراسي الحالي ضمن آلية تعرف بـ«المفاضلة»، لتوزيع الطلاب على الجامعات والمعاهد وفق درجاتهم في الثانوية العامة ورغباتهم.

وتشمل القيود برامج في جامعتين متخصصتين بالعلوم العسكرية والأمنية أحدثتهما السلطات في يوليو (تموز)، منها برنامج العلوم القانونية في الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية.

لكن الجامعتين تقبلان الطالبات في برامج أخرى. ولا تحول الشروط دون دراسة النساء القانون والهندسة والإعلام، التي تبقى متاحة لهن في مؤسسات، بينها جامعة دمشق.

وتشمل القيود أيضاً مؤسسات مدنية، بينها اختصاص الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في معهد الإعلام في إدلب. وخصصت الوزارة بعض معاهد النفط والغاز للذكور هذا العام، وبقيت الاختصاصات متاحة للطالبات في جامعة دمشق، الكبرى في البلاد.

ولم ترد الوزارة على أسئلة أرسلتها «وكالة الصحافة الفرنسية» بشأن أسباب حصر القبول في هذه الاختصاصات بالذكور.

لكن مسؤولاً سابقاً في الوزارة، أفاد «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن هذه القيود ليست جميعها جديدة.

إلا أن القيود تثير حفيظة كثيرين. واعتبرتها المربية أحلام عثمان «عثرة إضافية في وجه النساء في سوريا».

وقالت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «هذا تمييز إضافي ضد المرأة السورية التي تعاني أصلاً التمييز والاضطهاد، ويجب عدم السكوت عنه».

وقالت الطالبة إسراء سلوم، التي تستعد للتقدم للمفاضلة: «لا يحق لأحد أن يجبرني على اختيار اختصاص معين أو يستبعدني من اختصاص معين».

في المقابل، دافع مستخدمون لمنصات التواصل الاجتماعي عن الشروط، لافتين إلى وجود خيارات أخرى متاحة للإناث.

ويأتي الجدل بعد قرار مدرسة «معهد الحرية» العريقة في دمشق فصل الطلاب والطالبات في المرحلتين الإعدادية والثانوية الشهر الماضي. ونفت إدارتها وجود توجيه رسمي خلفه.

ومنذ إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، أثارت إجراءات اتخذتها السلطات الجديدة، بينها ضوابط اللباس على الشواطئ، مخاوف بشأن الحريات الشخصية.

وقالت أربع منظمات نسوية ومدنية سورية في أغسطس (آب) إن بعض قرارات السلطات «قيّدت الحريات الشخصية والعامة، وفرضت أنماطاً من الوصاية الاجتماعية، وانعكست بشكل خاص على النساء».


الجيش الإسرائيلي يشيّد تحصينات في جنوب سوريا تثير مخاوف السكان

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
TT

الجيش الإسرائيلي يشيّد تحصينات في جنوب سوريا تثير مخاوف السكان

قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)
قوات إسرائيلية تتوغل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة (رويترز)

من حقله في جنوب سوريا، يراقب حسن أحمد أعمال تحصين جديدة ينفذها الجيش الإسرائيلي، وتقترب يوماً بعد يوم من قريته جباتا الخشب الواقعة في محافظة القنيطرة والمحاذية للجولان المحتل.

يشير أحمد (46 عاماً) الذي سبق أن اعتقل الجيش الإسرائيلي ابنه وابن شقيقه خلال توغلاته المتكررة في المنطقة، بيده قائلاً: «يبعد هذا الساتر الترابي قرابة 300 متر، إنه موجود هناك خلف الأشجار».

ويضيف: «بدأت جرافات إسرائيلية حفر هذا الخط... على امتداد هضبة الجولان... توقف العمل لفترة ولكنه تجدد» مؤخراً.

بوابة حديدية نصبها الإسرائيليون على طريق الحميدية - الصمدانية الغربية في القنيطرة (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يتابع أحمد الذي يصرّ على مواصلة غرس أشجار زيتون رغم أن الوصول إلى أرضه بات محفوفاً بالمخاطر: «يعيقون عملي كوني مزارعاً أحياناً، لا سيما هذا الأسبوع الذي جرى فيه كثير من عمليات التوغل».

نصب الجيش الإسرائيلي بوابة حديدية صفراء عند أطراف القرية لمنع السكان من العبور باتجاه قواته، وفق مراسلي «وكالة الصحافة الفرنسية». وعلى المرتفعات المحاذية، تظهر بوضوح توربينات الرياح العملاقة التي أقامتها إسرائيل في الجزء الذي تحتله من هضبة الجولان الاستراتيجية.

ومنذ إطاحة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، توغّلت القوات الإسرائيلية خارج المنطقة العازلة المحاذية لهضبة الجولان التي تحتل معظمها منذ عام 1967، وصولاً إلى جبل الشيخ الفاصل بين لبنان وسوريا، وأعلنت عزمهاعلى إقامة منطقة منزوعة السلاح في جنوب سوريا.

يقول مسؤول الإعلام في محافظة القنيطرة محمد السعيد إن الجيش الإسرائيلي «عمد في الفترة الأخيرة إلى تصعيد العمليات الإنشائية والعسكرية» داخل المنطقة المنزوعة السلاح. وأضاف أن الجيش «استخدم الجرافات لحفر الخنادق وحفر السواتر الترابية وإقامة نقاط مراقبة».

ويشير إلى أن الخط الجديد الذي يشيّده الجيش الإسرائيلي يبعد «عن خط وقف إطلاق النار الذي حدد في اتفاقية 1974، من 200 متر إلى كيلومتر واحد».وندّدت سوريا الأحد بعمليات الإنشاء الإسرائيلية الجديدة، معتبرة أنها تشكّل «خرقاً فاضحاً» لاتفاقية فصل القوات لعام 1974.

41 سورياً معتقلاً

في محافظة القنيطرة التي تبعد نحو أربعين كيلومتراً إلى الجنوب من دمشق، تتوغل الدوريات الإسرائيلية داخل القرى مراراً. ومنذ أواخر عام 2024، احتجزت القوات الإسرائيلية 56 شخصاً، «ما زال 41 معتقلاً منهم قيد الاعتقال في ظروف مجهولة»، بحسب السعيد.

توغل إسرائيلي داخل بلدة جباتا الخشب في ريف القنيطرة خلال ديسمبر 2024 (أ.ف.ب)

وتوغّلت الأربعاء خمس آليات وسيارة إسعاف تابعة للجيش الإسرائيلي في قرية جباتا الخشب. وروى شهود عيان لصحافيي «وكالة الصحافة الفرنسية»، أن الجنود أطلقوا النار على شاب حاول الفرار عندما شاهدهم. ويقول المزارع محمد سامية (65 عاماً): «أصابوه في قدمه وأخذوه معهم».

وأفرج الجيش الإسرائيلي عن الرجل بعد ساعات، على غرار اثنين آخرين كان أعلن الاثنين اعتقالهما بعد اقترابهما من قواته. ويضيف محمد سامية بحسرة: «أمورنا هنا تعيسة ولا يوجد عمل، نخاف لأنهم يطلقون النار على الناس عشوائياً».

في بلدة خان أرنبة المجاورة، تمر آليات قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) بهدوء أمام الأطفال العائدين من مدارسهم.

وينظم عناصر الشرطة حركة السير، فيما ينتشر أفراد من قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية عند مفارق الطرق في المنطقة، من دون أن يظهر أي وجود للجيش السوري.

سامحيني يا أمي

تطالب إسرائيل التي شنّت مئات الغارات على سوريا منذ وصول السلطات الجديدة إلى الحكم بعد إطاحة الأسد، بنزع السلاح من جنوب البلاد، مؤكدة أن قواتها ستبقى في المنطقة.

وتندد السلطات السورية بـ«الاعتداءات» الإسرائيلية، لكنها في المقابل تخوض مفاوضات مباشرة مع إسرائيل هدفها التوصل إلى اتفاق أمني.

والاثنين، قال الجيش الإسرائيلي إنه قتل رجلاً حاول التسلل إلى أحد مواقعه العسكرية داخل «المنطقة الأمنية» التي يحتلها في جنوب سوريا. وفي قرية جبا، تحدّق خديجة شحادة في صورة ابنها محمد دبور وهي تنتحب، بعد تسلّم جثمانه.

وتقول الأرملة محاطة بنساء يرتدين السواد: «كان عمره 22 عاماً، وكان ابني الوحيد»، مضيفة: «كان يعمل في دمشق بما تيسر» لإعالة عائلته.

تشييع الشاب محمد دبور إلى مثواه الأخير في بلدة جبا بريف القنيطرة الذي قضى باستهداف إسرائيلي 5 أكتوبر (مركز القنيطرة الإعلامي)

وسلّم الصليب الأحمر جثمانه إلى عائلته الاثنين. ويقول خاله محمد شحادة بينما وقف أمام قبره: «شاهدت جثة الشهيد محمد دبور. شاهدت أربع رصاصات في جسمه، في كتفه وصدره وفخذه وقدمه».

ولا تزال ملابسات مقتل دبور، المولود لأب فلسطيني وأم سورية، غير واضحة. وتؤكد والدته أنه لم يكن مرتبطاً بأي جهة سياسية، وأنها كانت تسعى إلى تزويجه. لكنه قبل أن يختفي الأحد، ترك لها رسالة كتب فيها: «سامحيني يا أمي، لن تريني أو تسمعي صوتي بعد الآن».

وقفة لأهالي المعتقلين في سجون إسرائيل أمام مقر «الأندوف» بالقنيطرة يطالبونها بالتدخل للإفراج عن أبنائهم (تجمع أحرار حوران)

في شأن متصل، نشرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الخميس، توثيقاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية والانتهاكات المصاحبة لها داخل الأراضي السورية، منذ ما بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 حتى 6 أكتوبر 2026.

وسجلت الشبكة ما لا يقل عن 453 عملية توغل بري، تركزت في محافظتي القنيطرة ودرعا، وبدرجة أقل في ريف دمشق، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 69 شخصاً، وما لا يقل عن 162 حالة احتجاز تعسفي.

وتمثل هذه الأرقام، التي جرى التحقق منها وفق منهجية الشبكة بالاستناد إلى قاعدة بياناتها الخاصة بالانتهاكات، والرصد الميداني، وشهادات الشهود، والمصادر المفتوحة والرسمية، حداً أدنى موثقاً.