كيف وقع «حزب الله» في فخ أجهزة «البيجر»؟

بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
TT

كيف وقع «حزب الله» في فخ أجهزة «البيجر»؟

بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)
بقايا جهاز اتصال «بيجر» بعد انفجاره في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ف.ب)

كانت بطاريات أجهزة الاتصال (بيجر) المفخخة التي وصلت إلى لبنان في بداية هذا العام جزءاً من مخطط إسرائيلي لتدمير «حزب الله» اللبناني، عبر سماتها الخادعة رغم نقطة ضعف واحدة، وفق ما أورده تقرير نشرته وكالة «رويترز».

ووفقاً لمصدر لبناني لديه معرفة مباشرة بأجهزة «البيجر» وصور لتحليل مفصل للبطاريات اطلعت عليه الوكالة، صمم العملاء الذين صنعوا الأجهزة غلافاً للبطارية يخفي كمية صغيرة، لكنها قوية من المتفجرات البلاستيكية وأداة تفجير جديدة لا تكشفها الأشعة السينية.

وللتغلب على نقطة الضعف التي تتمثل في عدم وجود معلومات متوفرة عن المنتج الجديد، فقد أنشأوا متاجر إلكترونية وصفحات وهمية وكتبوا منشورات مضللة على الإنترنت لخداع «حزب الله» عندما يحاول التحقق من الأجهزة، وفقاً لمراجعة أجرتها الوكالة لصفحات أرشيفية على الإنترنت.

ويكشف هذا التقرير للمرة الأولى عن التلاعب بتصميم أجهزة «البيجر» المفخخة والقصة التي تم نسجها بعناية للتمويه على خصائص البطارية؛ بغية تنفيذ عملية استغرق إعدادها سنوات وجهت ضربات غير مسبوقة للحزب اللبناني المدعوم من إيران ودفعت الشرق الأوسط نحو شفا حرب إقليمية.

ووفقاً للمصدر اللبناني والصور، تم زرع ورقة مربعة رقيقة تحتوي على ستة غرامات من مادة بلاستيكية متفجرة بيضاء بين خليتين مستطيلتين في البطارية.

وأضاف المصدر أن المساحة المتبقية بين خلايا البطارية لم تظهر في الصور، بل كانت مملوءة بشريط من مادة شديدة الاشتعال تؤدي دور المفجر.

وأظهرت الصور أن هذه الشطيرة ذات الطبقات الثلاث تم إدخالها في غلاف بلاستيكي أسود، وزرعها داخل غلاف معدني بحجم علبة الثقاب تقريباً.

وقال المصدر واثنان من خبراء المتفجرات إن عملية التجميع كانت غير عادية؛ لأنها لم تعتمد على جهاز التفجير الصغير المعتاد، والذي يكون عادة أسطوانة معدنية. وتحدث الثلاثة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم.

وبسبب عدم وجود أي مكونات معدنية، كانت المادة المستخدمة في إحداث التفجير ذات ميزة. فمثلها مثل المتفجرات البلاستيكية، لم يتم اكتشافها بالأشعة السينية.

وقال مصدران مطلعان إن «حزب الله» أجرى عمليات تفتيش لكشف أي متفجرات عند استلام أجهزة البيجر في فبراير (شباط)؛ إذ تم تمريرها عبر أجهزة المسح الأمني بالمطارات لرؤية ما إذا كانت ستطلق الإنذارات. ولم يتم تسجيل أي شيء مريب.

وقال خبيرا المتفجرات - اللذان أطلعتهما الوكالة على تصميم أجهزة «البيجر» المفخخة - إن الأجهزة كانت مُعدّة على الأرجح لتوليد شرارة داخل غلاف البطارية كافية لإشعال المادة المتفجرة.

وذكر خبيران في البطاريات أن المتفجرات والتغليف شكَّلا نحو ثلث الحجم، وبالتالي فإن البطارية كانت تحمل جزءاً ضئيلاً من الطاقة بما يتفق مع وزنها الذي يبلغ 35 غراماً.

وقال خبير بطاريات الليثيوم بجامعة نيوكاسل البريطانية بول كريستنسن: «هناك جزء كبير من الكتلة غير محسوب».

وذكر المصدر اللبناني أن «حزب الله» لاحظ في مرحلة ما أن البطارية تنفد بشكل أسرع من المتوقع. ومع ذلك، لم يثر هذا مخاوف أمنية كبيرة على ما يبدو، وظل الحزب يسلّم أعضاءه أجهزة البيجر حتى قبل ساعات من الانفجار.

وفي 17 سبتمبر (أيلول) انفجرت الآلاف من أجهزة «البيجر» في وقت واحد في الضاحية الجنوبية لبيروت ومعاقل أخرى للحزب، وسبق الانفجار في معظم الحالات صوت ينبه إلى رسالة واردة.

وكان كثير من المصابين الذين تم نقلهم إلى المستشفى يعانون إصابات في العين أو البطن أو بترت أصابعهم؛ مما يشير إلى أنهم كانوا قرب الأجهزة وقت التفجير، وفقاً لشهود من الوكالة.

وأدى الهجوم إلى جانب هجوم ثانٍ في اليوم التالي شمل تفجير أجهزة اتصال لاسلكية (ووكي توكي) إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3400.

وقال مصدران أمنيان غربيان إن جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) يقف وراء الهجومين.

ولم يتسن للوكالة تحديد مكان تصنيع هذه الأجهزة. ولم يرد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يشرف على «الموساد»، على طلب للتعليق.

وأحجمت وزارة الإعلام اللبنانية والمتحدث باسم «حزب الله» عن التعليق على هذا التقرير.

ولم تنفِ إسرائيل أو تؤكد وقوفها وراء الهجومين. وبعد وقوعهما بيوم واحد أشاد وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بالنتائج «المذهلة للغاية» التي حققها الموساد في تعليقات تم تفسيرها على نطاق واسع في إسرائيل على أنها اعتراف ضمني بضلوع الجهاز في الهجومين. وقال مسؤولون أميركيون إنه لم يتم إبلاغهم بالعملية مسبقاً.

الحلقة الضعيفة

ظاهرياً، بدا أن مصدر الطاقة لجهاز «البيجر» هو بطارية ليثيوم أيون عادية تستخدم في آلاف السلع الإلكترونية الاستهلاكية.

ومع ذلك، عانت البطارية، التي تحمل رمز «إل.آي-بي.تي783»، من مشكلة: مثل «البيجر»، لم تكن موجودة في السوق. لذا؛ اختلق عملاء إسرائيل معلومات عن المنتج من الصفر.

وقال ضابط مخابرات إسرائيلي سابق، لم يكن مشاركاً في عملية «البيجر»، إن «حزب الله» يتبع إجراءات صارمة للتحقق مما يشتريه.

وأوضح الضابط السابق، الذي طلب عدم نشر اسمه: «يجب التأكد من أنهم إذا بحثوا، فسيجدون شيئاً... عدم العثور على أي شيء (عن المنتج) ليس بالأمر الجيد».

واختلاق قصص التمويه أو «الأساطير»، مهارة أساسية يتمتع بها العملاء السريون لأجهزة المخابرات. لكن ما جعل مخطط «البيجر» أمراً غير عادي هو أن هذه المهارات يبدو أنها استخدمت مع منتجات إلكترونية واسعة الانتشار.

وبالنسبة لأجهزة البيجر، خدع العملاء «حزب الله» ببيع النموذج المصمم خصيصاً، «إيه.آر-924»، تحت علامة تجارية تايوانية موجودة ومشهورة هي «غولد أبوللو».

وقال رئيس شركة «غولد أبوللو»، هسو تشينغ كوانغ، للصحافيين بعد يوم من هجوم «البيجر» إنه جرى التواصل معه قبل نحو ثلاث سنوات من قبل تيريزا وو، وهي موظفة سابقة و«رئيسها الكبير واسمه توم» لمناقشة الحصول على ترخيص.

رئيس شركة «غولد أبوللو» هسو تشينغ كوانغ متحدثاً للصحافيين بعد يوم من هجوم «البيجر» (أ.ف.ب)

وذكر هسو أنه كان لديه معلومات ضئيلة عن رئيس وو، لكنه منحهم الحق في تصميم منتجاتهم الخاصة وتسويقها تحت العلامة التجارية «غولد أبوللو» واسعة الانتشار.

ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية المدير، ولا ما إذا كان هو أو وو يعمل أي منهما مع المخابرات الإسرائيلية.

وقال هسو إنه لم ينبهر بجهاز «إيه.آر-924» عندما رآه، لكنه أضاف صوراً ووصفاً للمنتج إلى موقع شركته على الإنترنت؛ مما ساعد في منحه مساحة للعرض ومصداقية. لم تكن هناك طريقة لشراء «إيه.آر-924» مباشرة من موقعه على الإنترنت.

وأضاف هسو أنه لا يعرف شيئاً عن القدرات القاتلة لـ«البيجر» أو العملية الأوسع لمهاجمة «حزب الله». ووصف شركته بأنها ضحية للمؤامرة.

وأحجمت شركة «غولد أبوللو» عن تقديم المزيد من التفاصيل. ولم تتلق «رويترز» رداً على المكالمات والرسائل المرسلة إلى وو. ولم تدل بتصريحات لوسائل الإعلام منذ الهجمات.

«أعرف هذا المنتج»

في سبتمبر 2023، تمت إضافة صفحات وصور على الإنترنت تظهر أجهزة البيجر «إيه آر-924» وبطاريتها إلى موقع «أبوللوسيستمز إتش.كيه دوت كوم»، وهو موقع إلكتروني قال إن لديه ترخيصاً لتوزيع منتجات شركة «غولد أبوللو»، إضافة إلى جهاز البيجر وجهاز شحنه الضخم، بحسب مراجعة الوكالة لسجلات الإنترنت وبيانات وصفية.

وذكر الموقع عنواناً في هونغ كونغ لشركة تسمى «أبوللو سيستمز إتش.كيه». ولا توجد شركة بهذا الاسم في العنوان أو في سجلات الشركات بهونغ كونغ.

ومع ذلك، أدرجت سيدة الأعمال التايوانية وو الموقع على صفحتها على «فيسبوك»، وكذلك في سجلات التأسيس عندما سجلت شركة تسمى «أبوللو سيستمز» في تايبيه في وقت سابق من هذا العام.

ويركز قسم من موقع «أبوللوسيستمز إتش.كيه دوت كوم» على الأداء المتميز للبطارية. فعلى عكس البطاريات التي تُستخدم في تشغيل أجهزة الجيل الأقدم، تباهت الشركة بأن بطاريتها تعمل 85 يوماً وتمكن إعادة شحنها عبر كابل «يو إس بي»، وفقاً لموقع الشركة وفيديو ترويجي مدته 90 ثانية على «يوتيوب».

ووجدت الوكالة أنه في أواخر عام 2023، ظهر متجران للبطاريات على الإنترنت يبيعان تلك البطاريات الجديدة. وفي منتديين عبر الإنترنت مخصصين للبطاريات، ناقش المشاركون مصدر الطاقة، وعلى الرغم من أنه غير متاح تجارياً، كتب مستخدم باسم لميكيفوج في أبريل (نيسان) 2023: «أعرف هذا المنتج... لديه قائمة بيانات رائعة وأداء رائع».

ولم تتمكن الوكالة من تحديد هوية لميكيفوج.

وقال ضابط المخابرات الإسرائيلي السابق وضابطا أمن غربيان للوكالة إن الموقع والمتجرين الإلكترونيين ومناقشات المنتديين تحمل السمة المميزة لمحاولات الخداع. وتم حذف المواقع من شبكة الإنترنت منذ تفجير أجهزة «البيجر» في لبنان، لكن لا يزال من الممكن مطالعة النسخ المحفوظة والمؤرشفة.

وقال قادة «حزب الله»، في أعقاب تفجير أجهزة «البيجر»، إنهم بدأوا تحقيقات داخلية لفهم كيف حدث الخرق الأمني وما إذا كان هناك جواسيس.

وكان الحزب قد تحول إلى استخدام أجهزة «البيجر» في بداية العام بعد أن أدرك أن اتصالات الهاتف المحمول عرضة للخطر بسبب التنصت الإسرائيلي، حسبما ذكرت الوكالة في وقت سابق.

وقال أحد المطلعين على الأمر إن تحقيقات «حزب الله» ساعدت في كشف كيف استخدم عملاء إسرائيليون تكتيكات مبيعات قوية للتأكد من اختيار مدير المشتريات في «حزب الله» لأجهزة «إيه.آر-924».

وأضاف الشخص المطلع أن مندوب المبيعات الذي نقل العرض قدَّم سعراً منخفضاً للغاية لأجهزة «البيجر»، «واستمر في خفض السعر حتى تم قبوله».

وأدانت السلطات اللبنانية الهجمات ووصفتها بأنها انتهاك خطير لسيادة لبنان. وفي 19 سبتمبر، في آخر خطاب علني له قبل أن تقتله إسرائيل، قال الأمين العام لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، إن تفجير الأجهزة «إعلان حرب» وتعهد بمعاقبة إسرائيل.

ويتبادل «حزب الله» وإسرائيل إطلاق النار منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عندما بدأت الجماعة المسلحة في إطلاق صواريخ على مواقع عسكرية إسرائيلية تضامناً مع حليفتها حركة «حماس».

وفي أعقاب هجمات أجهزة «البيجر»، شنَّت إسرائيل حرباً شاملة على «حزب الله»، بما في ذلك غزو بري لجنوب لبنان وضربات جوية قتلت معظم القيادات العليا للجماعة.

وتعرض التحقيق الداخلي لـ«حزب الله» في هجوم أجهزة «البيجر»، والذي لا يزال جارياً، لانتكاسة في 28 سبتمبر بعد 11 يوماً من انفجار الأجهزة؛ إذ قُتل المسؤول الكبير في الجماعة المكلف رئاسة تحقيق المشتريات، نبيل قاووق، في غارة جوية إسرائيلية.


مقالات ذات صلة

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

المشرق العربي عناصر من «حزب الله» خلال استعراض عسكري (أرشيفية - أ.ب)

تسليم سلاح «حزب الله»... تعقيدات تتوسّع من «الضمانات» إلى حسابات إيران

النائب ملحم الرياشي لـ«الشرق الأوسط»: تسييل السلاح بمراكز سلطة ونفوذ هو أمر مرفوض بالمبدأ

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي تصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قمم جبل الريحان في جنوب لبنان... 9 يناير 2026 (أ.ف.ب)

مقتل شخصين في غارتين إسرائيليتين بجنوب لبنان

قُتل شخصان في غارتين إسرائيليتين على جنوب لبنان ليل الخميس وصباح الجمعة، بحسب ما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري أعلام إيران و«حزب الله» خلال احتفال في طهران يوم 14 يونيو 2025 (أ.ب)

تحليل إخباري حوار «حزب الله» - عون لم يحقق نتائج

سأل مصدر وزاري: ما الذي تبدّل وأملى على الحزب تنظيم حملة إعلامية تستهدف عون؟

محمد شقير (بيروت)
العالم العربي مناطق جنوب لبنان تتعرض بشكل دائم لقصف إسرائيلي رغم اتفاق وقف إطلاق النار (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي: نقصف أهدافاً لـ«حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم الخميس، أنه بدأ قصف أهداف لجماعة «حزب الله» في مناطق مختلفة من لبنان. 

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي الضابط المتقاعد من «الأمن العام اللبناني» أحمد شكر الذي خُطف من شرق لبنان (أرشيف العائلة - الشرق الأوسط)

القضاء العسكري يثبّت خطف «الموساد» ضابطاً لبنانياً متقاعداً

وضع القضاء العسكري يده على ملفّ خطف وإخفاء النقيب المتقاعد من الأمن العام أحمد شكر، وقطع الشكّ باليقين، مثبتاً تورّط جهاز «الموساد» الإسرائيلي بخطفه.

يوسف دياب (بيروت)

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)
TT

مواكبة لبنانية ودبلوماسية لتأمين نجاح مؤتمر دعم الجيش

الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يترأس اجتماعاً أمنياً (الرئاسة اللبنانية)

يمضي لبنان في التحضير لمؤتمر باريس لدعم الجيش في 5 مارس (آذار) المقبل، على المسارين الدبلوماسي والأمني بمسعى لإنجاح المؤتمر وتلبية شروط الدول المانحة، ففي وقت أصدر فيه تعليمات للجيش وقوى الأمن بإعداد التقارير حول حاجاتها، واكب المطالب الدولية بالتحضير لاجتماع «الميكانيزم».

اجتماع أمني

وفي مؤشر إلى التحضيرات اللوجيستية لمؤتمر دعم الجيش، ترأس الرئيس اللبناني جوزيف عون اجتماعاً أمنياً، وأفادت الرئاسة اللبنانية بأن عون «شكر عون الأجهزة الأمنية على الجهود التي بذلتها خلال العام الماضي لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة وتأمين الاستقرار»، لافتاً إلى أن تحسن الوضع الاقتصادي يعود إلى الاستقرار الأمني الذي تحقق في الأشهر الماضية، منوهاً خصوصاً بالتدابير التي اتخذتها الأجهزة الأمنية خلال زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان، والتي كانت أحد العوامل الأساسية لنجاح الزيارة.

وتحدث عون عن المؤتمر الدولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي الذي تقرر أن يعقد في باريس في 5 آذار المقبل، فطلب من الأجهزة الأمنية إعداد تقارير دقيقة بحاجاتها ليكون المؤتمرون على بيّنة منها، ما يحقق أهداف هذا المؤتمر.

بعد ذلك، توالى قادة الأجهزة الأمنية على عرض ما تحقق خلال السنة الماضية وخطط العمل للسنة الجارية، فأشار قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى استمرار الجيش بالقيام بالمهام الموكولة إليه في الأراضي اللبنانية عموماً، وفي منطقة الجنوب خصوصاً، إضافة إلى المهمات الأمنية الأخرى مثل ضبط الحدود ومكافحة الجريمة على أنواعها والتهريب وحفظ الأمن في البلاد.

اجتماع «الميكانيزم»

وعلى صعيد المواكبة السياسية والدبلوماسية التي تعكس جدية لبنان بالوفاء بالتزاماته الدولية، وتعزز ثقة المانحين به، عرض الرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، مع رئيس الوفد اللبناني المفاوض، السفير السابق سيمون كرم، التحضيرات الجارية لعقد اجتماع لجنة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار «الميكانيزم»، والمواضيع التي ستُبحث خلاله، قبيل الاجتماع الذي يفترض أن يُعقد الأسبوع المقبل.

وجاء ذلك بعد أيام قليلة على الإعلان عن مؤتمر دعم الجيش، خلال اجتماع حضره ممثلون عن اللجنة الخماسية التي تضم الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة العربية السعودية ومصر وقطر.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، بحث خلاله الأوضاع اللبنانية والتطورات المرتبطة بالوضعين: السياسي والأمني.

وأعلن المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية، السفير تميم خلاف، أن الوزير عبد العاطي أكد خلال الاتصال موقف مصر الثابت والداعم للبنان، مشدداً على احترام سيادته ووحدة وسلامة أراضيه، وعلى ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها.

وأشار عبد العاطي إلى دعم مصر للمؤسسات الوطنية اللبنانية لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في حفظ أمن واستقرار لبنان، بما يصون مصالح الشعب اللبناني.

كما أعرب وزير الخارجية المصري عن تقديره للجهود التي تبذلها الدولة اللبنانية لبسط سلطاتها الكاملة على جميع الأراضي اللبنانية، مرحباً بإعلان إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح بيد الدولة جنوب نهر الليطاني، واصفاً هذه الخطوة بأنها تعكس التزاماً واضحاً بتعزيز سيادة الدولة وترسيخ دور مؤسساتها الشرعية.

وشدد عبد العاطي على رفض مصر الكامل لأي مساس بسيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه، مؤكداً ضرورة التنفيذ الكامل وغير الانتقائي لقرار مجلس الأمن رقم 1701، بما يضمن الانسحاب الفوري وغير المنقوص للقوات الإسرائيلية ووقف جميع الانتهاكات للسيادة اللبنانية.

المجلس الشيعي

هذا الدعم الدولي والعربي والتعهد اللبناني بالوفاء بالتزاماته، قابله تشكيك شيعي بالآلية التي توسع ممثلوها أخيراً من شخصيات عسكرية تمثل الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة وإسرائيل ولبنان، إلى شخصيات مدنية.

وبعد انتقاد رئيس البرلمان نبيه بري للآلية، شكك نائب «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، الشيخ علي الخطيب، بدورها. وأكد في تصريح «ضرورة انسحاب قوات العدو من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين إلى أرضهم وبلداتهم، وإطلاق مسيرة الإعمار والإفراج عن الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، بمن فيهم الأسير الأخير النقيب أحمد شكر الذي اختطف من الأراضي اللبنانية، وذلك قبل أي شيء آخر»، مضيفاً: «وإلا لا فائدة ولا رهان على أي مفاوضات عبر لجنة (الميكانيزم)».

وطالب الموفدين العرب والأجانب «بوضع هذه الثوابت نصب أعينهم، والقيام بكل ما يلزم على المستوى الدولي لإجبار العدو الصهيوني على التزام ما يمليه عليه اتفاق وقف النار»، وتابع: «الأحرى بالسلطة اللبنانية أولاً أن تلتزم هذه الثوابت وتعمل على تحقيقها قبل الحديث أو البحث في حصر السلاح في المناطق الواقعة خارج جنوب الليطاني، حتى لا يفقد لبنان ورقة القوة المتوفرة لديه، ويندم الجميع ساعة لا ينفع الندم؛ لأن هذا العدو لا يؤمن إلا بمنطق القوة».


لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)
جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)
TT

لبنان يحقق مع سوري بشبهة تحويل أموال لمقاتلين موالين للأسد

جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)
جنود لبنانيون في ضاحية بيروت (د.ب.أ)

أكد مصدر أمني لبناني رفيع لـ«الشرق الأوسط» أن الاستخبارات العسكرية اللبنانية تحقق مع السوري أحمد دنيا، وأنها «تدقق في مصادر أموال ضُبطت معه، وجهة تحويلها المفترضة، من دون الجزم بأنها تهدف إلى تمويل مقاتلين في إطار مؤامرة لزعزعة استقرار النظام الحاكم الجديد في سوريا».

وقال المصدر إن دنيا هو الوحيد الذي بقي قيد التوقيف من مجموعة أشخاص تم توقيفهم للاشتباه بقيامهم بأنشطة غير قانونية، وإن المحققين وجدوا ضرورة لإبقائه قيد التحقيق لتبيان حقيقة استعمال هذه الأموال، موضحاً أن المبالغ «كبيرة بما يكفي للاشتباه بها، لكنها قليلة لافتراض أنها تمويل واسع النطاق لتهديد الحكم الجديد في سوريا».

وإذ رفض المصدر «القفز نحو استنتاجات متسرعة»؛ قال إن التحقيق يسير في الاتجاه الصحيح، نافياً في الوقت نفسه تبلّغ لبنان من السلطات السورية بلائحة من 200 شخصية من مسؤولي النظام السابق متورطين في مؤامرة مماثلة.

وأوضح أن عشرات الآلاف من أنصار النظام السابق دخلوا إلى لبنان بعد انهيار النظام، لكن لم يتبين أن من بينهم مسؤولين كباراً في النظام السابق.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدرين أمنيين، ومصدرين من شركاء دنيا السابقين، قولهم إن دنيا اعتُقل في وقت سابق من هذا الأسبوع في لبنان.

لكن القضاء اللبناني نفى إبلاغه بذلك. وقال مصدران قضائيان معنيان بالتوقيفات والتنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأجهزة الأمنية لم تبلغهما بتاتاً بحادثة من هذا النوع.

ونقلت الوكالة عن مصدرين أمنيين لبنانيين، واثنين من شركائه السابقين، توقيف أحمد دنيا. ولم يذكر المصدران الأمنيان الاتهامات التي أوقف بسببها، أو ما إذا كان سيتم تسليمه إلى سوريا.

وكانت الوكالة نشرت قبل نحو شهر تحقيقاً تناول بالتفصيل «مخططات منفصلة، كان يعمل عليها معاونو الأسد السابقون لتمويل جماعات علوية مسلحة محتملة في ⁠لبنان وعلى طول الساحل السوري، من خلال وسطاء ماليين».

وأشار تحقيق «رويترز» إلى ‌أن دنيا «كان أحد هؤلاء الوسطاء، وحوّل أموالاً من الملياردير رامي مخلوف، ابن خال الأسد الذي يعيش الآن مع الديكتاتور السوري السابق في المنفى بموسكو، إلى مقاتلين محتملين في لبنان وسوريا».

وأكد شريك سابق لدنيا، وشخصية سورية مقربة من مخلوف، أن دنيا وسيط مالي رئيسي، وأنه احتُجز في لبنان.

وقال المصدران إنه كان ​يدير سجلات مالية كثيرة، بما في ذلك جداول رواتب وإيصالات مالية. وأضاف المصدران السوريان أن دنيا كان في ⁠الأشهر القليلة الماضية يقتطع لنفسه جزءاً من تحويلات مخلوف.


اتصال جعجع بعون يبدّد التقديرات عن خلافات بينهما

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)
TT

اتصال جعجع بعون يبدّد التقديرات عن خلافات بينهما

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع في القصر الرئاسي يونيو 2025 (أرشيفية-الرئاسة اللبنانية)

بدّد اتصال رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، بالرئيس اللبناني جوزيف عون، الجمعة، المعلومات عن خلافات جوهرية بين الطرفين، وصلت، خلال الأسابيع الماضية، إلى مستوى الحديث عن «علاقة مهتزة» بينهما، وهو ما نفته «القوات» التي أكدت أن العلاقة كانت متواصلة عبر أربع قنوات، رغم التباينات حول بعض القضايا.

بيان جعجع

وأعلن حزب «القوات اللبنانية»، الجمعة، أن رئيسه سمير جعجع أجرى اتصالاً بالرئيس اللبناني جوزيف عون، هنّأه فيه بمناسبة مرور سنة على انتخابه رئيساً للجمهورية، مؤكداً أن هذه السنة «شكّلت انطلاقة فعلية لمسار استعادة الدولة ووضعها على السكة الصحيحة، وصولاً إلى دولة فعلية وقادرة».

وأشاد جعجع بالمواقف التي أطلقها عون في الذكرى السنوية الأولى لانتخابه، «والتي تُشكّل امتداداً واضحاً لخطاب القَسَم، ولا سيما لجهة تأكيد حصرية السلاح بيدِ الدولة اللبنانية، وأن يكون قرار الحرب والسلم حصراً من صلاحياتها، بما يعيد الاعتبار للدستور ولمفهوم السيادة الوطنية».

ووفق بيان «القوات»، «شكّل الاتصال مناسبة للتداول في أوضاع المنطقة، حيث جرى التشديد على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، حفاظاً على استقراره وأمنه ومصالح شعبه».

كما تطرّق الطرفان «إلى جملة من الملفات الداخلية، وفي طليعتها الانتخابات النيابية وضرورة إتمامها في موعدها، وتمكين غير المقيمين من الاقتراع من أماكن إقامتهم لكامل أعضاء المجلس النيابي».

لا قطيعة ولا خلافات

وعكست التصريحات الإعلامية لمسؤولين في «القوات»، خلال الأسابيع الماضية، تباينات بين الطرفين، وحملت مؤشرات على علاقة غير مستقرة، بدأت تظهر إلى العلن، خلال زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى بيروت، مطلع ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حين لم توجه المراسم دعوات إلى رؤساء الأحزاب للمشاركة في حفل الاستقبال بالقصر الرئاسي في بعبدا، وهو ما عَدَّته النائبة ستريدا جعجع «مستغرباً»، في حين لم يشارك جعجع في القداس على واجهة بيروت البحرية «لأسباب أمنية». وبعدها، عكست تصريحات مسؤولي «القوات» تباينات سياسية بين الطرفين، زادت التقديرات عن توترات وقطيعة.

لكن مصادر «القوات اللبنانية» جزمت بأنه لم تكن هناك قطيعة، ولا خلافات أساساً، بل بعض التباينات التي تُعدّ «من الحقوق في السياسة»، مجددة تأكيد أنه «لا خلافات».

وأوضحت المصادر، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في المسار الاستراتيجي، نحن متفقون مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لكن هناك ملفات نعارضهما بها، وكان آخِرها مثلاً مع رئيس الحكومة، على خلفية ملف مشروع قانون الفجوة المالية»، مشددة على أن هذه التباينات «لا تتحول إلى مشكلة شخصية».

اتصالات متواصلة

وأشارت المصادر إلى أن العلاقة بين جعجع وعون «لم تنقطع مطلقاً، وكانت تجري وفق أربعة مستويات؛ أولها الاتصالات الشخصية المباشرة بين الطرفين، التي لم نكن نعلن عنها، ولكن أعلنّا عن هذا الاتصال لأنه مرتبط بتهنئته على مرور عام على انتخابه، وبعد المواقف الأخيرة للرئيس عون». أما القناة الثانية «فكانت تجري عبر الموفدين من قِبل جعجع إلى الرئاسة»، بينما يجري التواصل بين الطرفين في القناة الثالثة «عبر فريق عمل الطرفين، وهم على تنسيق دائم»، أما المستوى الرابع من التواصل «فيجري عبر وزراء القوات في الحكومة».

تطابق في هدف قيام الدولة

وأوضحت أن «القوات» تتفق، بالكامل، مع عون على الرؤية الاستراتيجية لناحية حصرية السلاح وبناء الدولة، «ونتشارك معه الأهداف الوطنية الكبرى، ونحن معه بموضوع مشروع الدولة، ولم نشكك لحظةً بمواقفه، وهو مستمر على الموقف نفسه منذ انتخابه»، لافتة إلى أن التباين «تمثَّل في أسلوب تنفيذ الرؤية الاستراتيجية، رغم إقرارنا بأن ذلك من حقه؛ كونه رئيساً للبلاد، بينما ترى (القوات) أنه يجب الإسراع أكثر فأكثر بتنفيذ قرارات الحكومة في 5 و7 أغسطس (آب) لناحية تنفيذ حصرية السلاح».

وقالت المصادر: «نرى أن هناك ملفاتٍ يجب أن تُحسم، مثل تنفيذ حصرية السلاح منعاً لأن تأخذ وقتاً طويلاً، بالنظر إلى أن هذا الملف هو من يعرقل قيام الدولة، علماً بأننا نتشارك الهدف نفسه بالوصول إلى دولة فعلية».

أما التباينات الأخرى فتنظر إليها مصادر «القوات» على أنها «موضعية»، وهي «تباينات باليوميات»، مثل دعوة «القوات» لأن «تمارس الحكومة ضغطاً إضافياً على رئيس مجلس النواب نبيه بري لوضع مشروعها لتعديل قانون الانتخابات على جدول الأعمال، وغيرها من الملفات اليومية».