الضفة الغربية... الحرب المسكوت عنها

«الشرق الأوسط» ترصد تداعيات عمليات إسرائيل وهجمات المستوطنين

TT

الضفة الغربية... الحرب المسكوت عنها

عشرات المستوطنين يهاجمون قرية المغير شرق رام الله أبريل الماضي (الشرق الأوسط)
عشرات المستوطنين يهاجمون قرية المغير شرق رام الله أبريل الماضي (الشرق الأوسط)

مع اندلاع شرارة الحرب في غزة، شرعت إسرائيل في شنّ حرب موازية أخرى ميدانها الضفة الغربية. فمنذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أطلقت إسرائيل حملةً عسكريةً واسعةً على المدن الفلسطينية، خلّفت مئات القتلى وآلاف الجرحى والأسرى، وألحقت دماراً واسعاً بالأحياء والبنى التحتية.

كما أطلقت إسرائيل يد ميليشيات المستوطنين الذي شرعوا في شنِّ هجمات على القرى والبلدات الفلسطينية، التي ارتفعت حدتها لأعلى مستوى على الإطلاق تحت غطاء من الحكومة الإسرائيلية على وقع تسارع وتيرة ضم الأراضي وتوسيع الاستيطان في الضفة.

حرائق وترهيب

«الشرق الأوسط» رصدت الأوضاع على الأرض، وعاينت ما ألحقته العمليات العسكرية من دمار منذ أكتوبر الماضي، وما خلّفته هجمات المستوطنين من حرائق وترهيب في القرى والبلدات، وكذلك استمعت لشهادات من أسرى فلسطينيين خرجوا مؤخراً من السجون الإسرائيلية ووثّقوا فصولاً من التعذيب والتنكيل والاعتداءات الجنسية.

العمليات العسكرية... مشاهد من غزة بالضفة

خلال الشهور الماضية، أضحت شوارع مدن شمال الضفة الغربية مسرحاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية، إذ صعّد الجيش من وتيرة الاقتحامات التي باتت تتمدد لأيام، ويفرض فيها الجيش حصاراً على المدن والبلدات.

ودفع الجيش بآلاف الجنود لشوارع الضفة الغربية بهدف ملاحقة الكتائب الفلسطينية المسلحة وضرب بنيتها التحتية.

وفي استدعاء لسيناريو الانتفاضة الثانية عام 2000، أدخل الجيش سلاح الطيران لمعركته في الضفة، إذ نفّذ عشرات الغارات وعمليات الاغتيال التي شاركت فيها طائرات مقاتلة ومروحيات، وكذلك الطائرات المسيّرة. ودفع الجيش بالجرافات لميدان حربه بالضفة، التي شرعت في عمليات هدم وتجريف واسعة طالت البنى التحتية الرئيسية بالمدن، وسوّت أحياءً سكنية كاملة بالأرض ما دفع سكانها للنزوح.

حقائق

6266 قتيلاً وجريحاً

في الضفة الغربية منذ 7 أكتوبر 2023

وتشير الأرقام الرسمية الفلسطينية إلى سقوط أكثر من 766 قتيلاً وإصابة أكثر من 5500 شخص منذ بدء التصعيد في أكتوبر الماضي.

وارتفعت حدة هجمات المستوطنين بالضفة الغربية إلى أعلى مستوى على الإطلاق منذ اندلاع الحرب في غزة، التي طالت قرى ومناطق فلسطينية عدة من شمال الضفة الغربية إلى جنوبها. ويتعرّض السكان لموجات مستمرة من العنف والترهيب على يد المستوطنين المسلحين الذين يهاجمون القرى ويطلقون النار على سكانها ويشعلون الحرائق في البيوت والممتلكات.

يترافق ذلك مع غطاء من الحكومة الإسرائيلية التي أقرّت بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة في الضفة الغربية في أكبر عملية استيلاء على أراضي الضفة منذ عقود، وفقاً لمنظمات حقوقية. وقُتل أكثر من 20 فلسطينياً برصاص المستوطنين، وأُصيب المئات في اعتداءات مختلفة.

«الشرق الأوسط» زارت قرية المغيّر شرق مدينة رام الله، التي كانت مسرحاً لإحدى كبرى هجمات المستوطنين، منتصف أبريل (نيسان) الماضي، إذ شنّ أكثرُ من 1000 مستوطن مسلّح هجوماً على القرية أسفر عن وقوع عشرات الضحايا وخلّف دماراً واسعاً.

تغطية هجمات المستوطنين

يستذكر أمين أبو عليا، رئيس المجلس المحلي لقرية المغيّر، تفاصيل ذلك الهجوم الدامي: «تجمّع أكثر من 1500 مستوطن في محيط القرية، غالبيتهم؛ أي أكثر من ألف مستوطن كانوا مسلحين. ثم بدأوا بالهجوم على المنازل، وشرعوا بالحرق وإطلاق النار بشكل مباشر على المواطنين وعلى النساء والأطفال والممتلكات».

أسفر الهجوم عن مقتل أحد السكان وإصابة أكثر من 72 شخصاً بالرصاص الحي. ويلفت أبو عليا إلى أن قوات الجيش الإسرائيلي وفّرت غطاءً للمستوطنين قبل وأثناء الهجوم على القرية: «قوات الاحتلال كانت شريكة في الجريمة يوم 12 من أبريل. نصف الإصابات كانت برصاص قوات الاحتلال».

شهادات «صادمة»

نفّذت إسرائيل منذ أكتوبر الماضي حملات اعتقال غير مسبوقة طالت آلاف الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ حيث نقلتهم لسجونها التي باتت مكتظة للغاية ويكابد فيها الأسرى الفلسطينيون فصولاً من التنكيل. يروي أسرى فلسطينيون لـ«الشرق الأوسط» اعتُقلوا بعد السابع من أكتوبر، وأُفرج عنهم مؤخراً، شهادات صادمة عن فصول من التعذيب والتنكيل والاعتداءات الجنسية التي تمارسها السلطات الإسرائيلية بحق المعتقلين في سجونها.

يسرد عمر عساف، في العقد السابع من عمره، فصولاً من تجربته الأخيرة داخل المعتقلات الإسرائيلية: «رأيت العجب العجاب. التقيت مع ناس محطمة، ممزقة ملابسها، عيونها منتفخة وأضلاعها مكسرة وأرجلها منتفخة، لا يقدر أصحابها على السير».

وكان عساف تعرّض للاعتقال مرات عدة خلال العقود الماضية، وأمضى سنوات داخل السجون، بيد أنه يلفت إلى أن تجربته الأخيرة كانت مغايرة لكل المرات السابقة، إذ يرسم مقاربات بين ما عاشه وشهده داخل السجون الإسرائيلية، وما كان يجري داخل معتقلَي «أبو غريب» و«غوانتانامو» الأميركيَّين: «كان الأميركيون يكدسون السجناء العراقيين فوق بعضهم بعضاً، وهذا المشهد تكرر في سجن النقب. كذلك تكرر في النقب استخدام الكلاب، وهي ظاهرة جديدة في السجون».  

رحلة العذاب

أما الأسير السابق منذر عميرة فيستذكر تفاصيل «رحلة العذاب» التي بدأت منتصف أكتوبر الماضي حين اقتحم الجنود بيته وشرعوا في الاعتداء على من فيه قبل اقتياده للتحقيق. يوثّق الناشط في هيئة «مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية» في شهادته فصولاً من الاعتداءات الجنسية التي تعرّض لها داخل مركز التحقيق: «تم إجباري على خلع كل ملابسي ثم قال الجنود بالعبرية: (بونا دحيل هاتسيغاه)، يعني هيا بنا لنبدأ الحفلة. الأمر بالنسبة لهم حفلة. ثم شرعوا بالتقاط الصور. لم أستوعب ذلك وبقيت ملقى على الأرض قبل أن يأتي جنديان ويشرعا في رفع قدميّ. هذه اللحظة، لا توازيها لحظة في حياتك».

غياهب قسم 23

ومنذ بداية الحرب، قامت إسرائيل بنقل عدد من أسرى قطاع غزة إلى أقسام خاصة في سجونها، وفصلتهم عن أسرى الضفة الغربية. أحد هذه الأقسام المخصصة لأسرى غزة، قسم (23) في سجن عوفر، الوقع غرب مدينة رام الله بالضفة الغربية. كان عميرة في القسم (24) الذي يقابله. يوّثق عميرة شهادة على ممارسات «مروعة» تعرض لها أسرى غزة في القسم المجاور، «كنّا نسمعهم يُجبرون على العواء مثل الكلاب. كنا نسمع بكاءً وصياحاً وضرباً طيلة اليوم دون توقّف. العذاب الذي طالهم كان عذاباً شديداً، وكان هذا جزءاً من التعذيب النفسي الذي تعرضنا له. كنا نراهم يعبرون من أمام باب القسم أشباه أجساد».


مقالات ذات صلة

«رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

خاص إسرائيليون يهود يؤدون طقوساً في البلدة القديمة بالقدس في 5 أبريل الحالي (رويترز) p-circle

«رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

ينطلق المستوطنون الإسرائيليون في مهاجمة فلسطينيي الضفة الغربية من ذرائع يروجون أنها «دينية»؛ لكن منطقة «حمامات المالح» بدت جديدة ضمن أهدافهم... فلماذا الآن؟

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي سيارة أحرقها المستوطنون الإسرائيليون في هجوم على بلدة اللبن قرب نابلس بالضفة الغربية يوم الاثنين (إ.ب.أ)

المستوطنون يكثفون هجماتهم على الضفة غداة توقيف 8 منهم

بعد يوم من إعلان الشرطة الإسرائيلية توقيف ثمانية منهم، هاجم المستوطنون مناطق متعددة في الضفة الغربية، يوم الاثنين، وأحرقوا منزلاً، وخيمتين، و3 مركبات.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جنديان إسرائيليان يشاركان في حراسة جولة أسبوعية للمستوطنين الإسرائيليين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة 14 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

توقيف 8 مستوطنين إسرائيليين بعد تحذير أميركي من العنف في الضفة

أعلنت الشرطة الإسرائيلية توقيف 8 مستوطنين للاشتباه في هجومهم على قرية فلسطينية شمال الضفة الغربية المحتلة، بعد إفادات عن بدء «الكابينت» إجراءات للحد من عنفهم.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

السعودية ودول عربية وإسلامية تدين قرار «إعدام الفلسطينيين»

دان وزراء خارجية السعودية، وتركيا، ومصر، وإندونيسيا، والأردن، وباكستان، وقطر، والإمارات، بأشد العبارات سنَّ سلطات الاحتلال الإسرائيلي قانون «إعدام الفلسطينيين».

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)

لبنان ساحة لأذرع إيران العسكرية

أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)
أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)
TT

لبنان ساحة لأذرع إيران العسكرية

أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)
أشخاص يقفون أمام فندق متضرّر جرّاء غارة جوية إسرائيلية استهدفته في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ب)

حوّل «الحرس الثوري» الإيراني، لبنان، إلى ساحة جديدة لأذرعه، بعد خسارته الساحة السورية إثر سقوط نظام بشار الأسد.

وكشفت إعلانات إسرائيلية عن ملاحقة شخصيات تعمل ضمن «فرع لبنان» أو «فرع فلسطين» التابعين لـ«فيلق القدس»، وعن بنية تنظيمية تديرها إيران، تتوزّع بين أذرع لبنانية وفلسطينية، وتشبه ما كان الأمر عليه في سوريا في المرحلة السابقة.

في غضون ذلك، عزلت إسرائيل جزئياً بيروت عن دمشق، بعد إقفال معبر المصنع الحدودي على أثر إنذار باستهدافه، مما قوَّض حركة التجارة وتنقُّل الأفراد بين لبنان وسوريا.


الأمم المتحدة: جنود اليونيفيل في جنوب لبنان قُتلوا بنيران إسرائيلية وعبوة لـ«حزب الله»

جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: جنود اليونيفيل في جنوب لبنان قُتلوا بنيران إسرائيلية وعبوة لـ«حزب الله»

جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)
جنود يحملون نعش جندي حفظ السلام الإندونيسي التابع للأمم المتحدة فريزال رومادون الذي قتل في لبنان (أ.ف.ب)

أفادت النتائج الأولية لتحقيق أممي بأن 3 عناصر إندونيسيين في قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان (يونيفيل) قُتلوا بنيران إسرائيلية وعبوة زرعها «حزب الله»، وذلك في واقعتين منفصلتين سُجّلتا في أواخر مارس (آذار)، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.

وقال ستيفان دوجاريك، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الثلاثاء، لدى عرضه هذه الاستنتاجات على الإعلام «لقد طلبنا من الأطراف المعنية إخضاع هذه القضايا لتحقيقات وملاحقات تجريها السلطات الوطنية، من أجل تقديم الجناة إلى العدالة وضمان مساءلتهم جنائياً على الجرائم المرتكبة ضد قوات حفظ السلام».

وأعربت قوة الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في جنوب لبنان، الأحد، عن «قلق بالغ» إزاء الهجمات التي يشنها «حزب الله» وإسرائيل قرب مواقعها، والتي قالت إنها «قد تستدعي رداً نارياً»، داعية الطرفين إلى «وضع سلاحهما جانباً».

وقالت المتحدثة باسم القوة، كانديس أرديل، في بيان: «نشعر بقلق بالغ إزاء الهجمات التي يشنها كل من مقاتلي (حزب الله) والجنود الإسرائيليين قرب مواقعنا، والتي قد تستدعي رداً نارياً».

وذكّرت: «جميع الأطراف الفاعلة على الأرض بالتزامها بضمان سلامة وأمن موظفي الأمم المتحدة»، مضيفة: «نحثهم على وضع سلاحهم جانباً والعمل بجدية من أجل وقف إطلاق النار؛ إذ لا يوجد حل عسكري لهذا النزاع، وإطالة أمده لن يؤدي إلا إلى مزيد من الموت والدمار لكلا الجانبين».


«مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

«مهلة» ملادينوف لتسليم «سلاح غزة» تعقّد الملف

فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
فلسطينيون يبكون خلال تشييع أحد أقاربهم من مستشفى «شهداء الأقصى» في دير البلح يوم الثلاثاء بعد مقتله في غارة إسرائيلية وسط غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

تزداد التطورات المحيطة بملف تسليم سلاح فصائل قطاع غزة، مع الحديث الإسرائيلي عن «مهلة» من جانب الممثل السامي للقطاع في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، لتقديم «حماس» رداً على إطاره المطروح حالياً للنقاش بين الوسطاء والحركة.

تلك المهلة التي تحدثت عنها وسائل إعلام إسرائيلية، تزيد العقبات التي تواجه اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتنتظر الجولة الجديدة المرتقبة في القاهرة بين الوسطاء و«حماس» للبحث عن تفاهمات لحلحلة أزمة تسليم السلاح والبحث عن مخرج يدفع الاتفاق للأمام بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، وسط توقعات أن تنتظر «حماس» الردّ لحين اتضاح نتائج حرب إيران، وبناء سيناريوهات المستقبل.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ونقلت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلة حتى نهاية الأسبوع لقبول اقتراح نزع السلاح، فيما يصرّ المبعوث الدولي على المضي قدماً لتنفيذ اقتراحه، على الرغم من استمرار الحرب في إيران».

وبحسب الصحيفة، فإن ملادينوف أبلغ وفداً من كبار مسؤولي «حماس»، يوم الجمعة الماضي، أن «مجلس السلام» يريد إبرام اتفاقية نزع السلاح بحلول نهاية الأسبوع.

جدول زمني

ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأن «مجلس السلام» أصدر إنذاراً رسمياً وحاسماً لحركة «حماس» يحدد جدولاً زمنياً صارماً لنزع سلاحها بالكامل، لافتة إلى أن الخطة المقترحة تتضمن مساراً زمنياً، يبدأ بتسليم الأسلحة الثقيلة والصواريخ وخرائط المواقع العسكرية خلال 90 يوماً، تليها مرحلة ثانية تشمل جمع الأسلحة الخفيفة عبر برنامج تعويضات مالية ممولة دولياً.

وتلتزم الخطة، وفق المصادر، بتمكين إدارة فلسطينية تكنوقراطية جديدة لتولي شؤون القطاع، مع ربط الانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من المراكز الحضرية بمدى الالتزام الفعلي والميداني بجدول نزع السلاح المتفق عليه تحت إشراف دولي مباشر.

وأشارت المصادر ذاتها، وفق الصحيفة الأميركية، إلى وجود ضغوط إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خاصة في ظل تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

فتاة تقف في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

والأحد، قال أبو عبيدة، المتحدث باسم «القسام»، في بيان متلفز: «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجّة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحقّ شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الإسرائيلي «بمركز الأهرام للدراسات»، سعيد عكاشة، أن «المهلة متوقعة من ملادينوف لحصار مماطلة (حماس) في إبداء موقف نهائي وحاسم بشأن تسليم السلاح، بينما الحركة ليست في عجلة من أمرها، وتنتظر نتائج حرب إيران، لتنبي السيناريوهات في ضوء ذلك».

وأكّد عكاشة أن «إسرائيل لن تقبل بأقل من تفكيك سلاح الحركة، ولن تنفذ أي انسحابات إلا مع نهاية آخر مراحل تسليم السلاح، وهو ما ترفضه الحركة أيضاً، وبالتالي ستزداد العقبات أمام اتفاق غزة».

محادثات جديدة مرتقبة

وتأتي هذه التطورات، مع ترقب جميع الأطراف استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأيام المقبلة، بحسب ما ذكرته حركة «حماس» وفضائية «القاهرة الإخبارية»، يومي الجمعة والسبت، بعد مباحثات بمصر، بمشاركة الوسطاء وملادينوف.

وتناول لقاء وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الثلاثاء، مع الممثل الأوروبي الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط كريستوف بيجو، «الترتيبات الجارية لتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة مهامها من داخل القطاع خلال المرحلة المقبلة». وشدّد وزير الخارجية المصري على أهمية دعم المجتمع الدولي لهذه اللجنة، بما يمكنها من الاضطلاع بمسؤولياتها التنفيذية بكفاءة، وكذلك دعم سرعة نشر قوة الاستقرار الدولية.

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف في القاهرة (الخارجية المصرية)

ويعتقد عكاشة أن الجولة المرتقبة بالقاهرة ستكون محاولة لإيجاد تفاهمات بشأن عقبات نزع السلاح المستمرة وإيجاد مخرج حتى يتحرك الاتفاق للأمام مجدداً، ولو بالتعجيل بنشر قوات الاستقرار الدولية.

وينبه المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أن هناك عقبات عديدة لتنفيذ مقترح تسليم السلاح مرتبطة بعدم وضوح لمن سيُسلم السلاح، ويقدر أن «المهلة لن تكون الأخيرة».

ويعتقد الرقب أن «رفض (كتائب القسام) للمقترح يتماشى مع المشهد المتدهور في المنطقة، سواء مع إيران أو (حزب الله) اللبناني، ويعني الامتناع علناً عن تنفيذ أي مسار، في ظل عدم الالتزام الإسرائيلي بالاتفاق».

ويعتقد الرقب أن «الحلّ قد يكون في تأجيل مسار ملف تسليم السلاح لحين تشكيل الشرطة ونشر القوات الدولية»، مشيراً إلى أن «اللقاءات المتوقعة في القاهرة ستعيد النقاشات للوصول لتفاهمات، خاصة أن باب المناقشات لم يغلق بشكل نهائي».