«مخيمات صيفية» في شمال الضفة ترتد على إسرائيل من الجنوب

«مخيمات صيفية» في شمال الضفة ترتد على إسرائيل من الجنوب
TT

«مخيمات صيفية» في شمال الضفة ترتد على إسرائيل من الجنوب

«مخيمات صيفية» في شمال الضفة ترتد على إسرائيل من الجنوب

ارتدت عملية «مخيمات صيفية» الواسعة في شمال الضفة الغربية، على إسرائيل، من جنوب الضفة، الجهة التي لم تتوقعها ولم تكن ترغب بالدخول في مواجهة معها، لتجنب مضاعفة أعباء الجيش وقوات الأمن، من جهة، ومواجهة شاملة من جهة أخرى.

وبينما استبقت إسرائيل العملية الواسعة في الشمال بتحريض كبير على مخيمات جنين وطولكرم وطوباس ونابلس، بِعدِّها «مركز الإرهاب» و«بؤرة إيرانية»، على «خط التماس» يجب إحباطها فوراً قبل أن تمتد، جاء الرد من جنوب الضفة الغربية، من الخليل، من مدن وبلدات فلسطينية، وليس من مخيمات.

وقتل مسلح فلسطيني في عملية بالقرب من مدينة ترقوميا (قضاء الخليل) 3 شرطيين إسرائيليين في هجوم مسلح، قبل أن ينسحب من المكان، في ضربة ثانية تلقتها إسرائيل من جنوب الضفة خلال 24 ساعة.

جندي إسرائيلي في منطقة هجوم على إسرائيليين قرب معبر ترقوميا شمال الخليل في الضفة الغربية الأحد (أ.ف.ب)

وأكدت الشرطة الإسرائيلية مقتل كل من أريك بن إلياهو (37 عاماً)، وهداس برانتس (53 عاماً)، وروني شاكوري (61 عاماً) في إطلاق نار استهدف مركبة للشرطة على الطريق 35 بالقرب من مفرق ترقوميا. وقالت خدمة الإسعاف «نجمة داود الحمراء» إنه تم الإعلان عن وفاة بن إلياهو وبرانتس في موقع الهجوم، في حين توفي شاكوري متأثراً بجراحه وهو في طريقه إلى المستشفى.

وحسب الشرطة «يُعتقد أن المسلحين فتحوا النار من مركبة عابرة على سيارة الشرطة، قبل أن يفروا من المكان سيراً على الأقدام».

وقال الجيش الإسرائيلي بداية، إنه تم نشر «عدد كبير من القوات لمطاردة» المنفذين، وفوراً طوقت إسرائيل الخليل واقتحمت قوة من الجيش مناطق واسعة في المدينة ترافقها مسيّرات في محاولة لتعقب المهاجمين، قبل أن تشتبك مع أحد الفلسطينيين وسط المدينة ثم تقتله.

قوات الأمن الإسرائيلية تحاصر مبنى قديماً أثناء مداهمة في مدينة الخليل زاعمة أنها قتلت منفذ عملية معبر ترقوميا الأحد (إ.ف.ب)

وأظهرت لقطات مصورة تبادلاً لإطلاق النار بين الجيش وفلسطيني محاصر في منزل قديم وسط الخليل.

وقالت القناة الـ12 الإسرائيلية بعد ساعات طويلة على الهجوم إن الجيش قتل منفذ الهجوم على الشرطة الإسرائيلية، صباح الأحد، ثم أعلن الجيش أنه بالتعاون مع الشاباك قام «بتصفية منفذ عملية ترقوميا التي قتل فيها 3 من أفراد الشرطة»، موضحاً: «تم إطلاق صاروخ مضاد تجاه المنزل الذي تحصن فيه وقتل بداخله وعُثر على بندقية إم 16 بحوزته».

وقالت القناة الـ12 لاحقاً، إن منفذ عملية الخليل عضو سابق في حرس الرئاسة (الفلسطينية)، وكان فُصل من الحرس الرئاسي قبل 9 سنوات، وبعد تنفيذه العملية توجّه للأجهزة الأمنية لتسليم نفسه وطلب الحماية ورفضوا استقباله.

قوات إسرائيلية في موقع إطلاق النار على سيارة قرب مدينة ترقوميا بالخليل (أ.ب)

وكانت القوات الإسرائيلية نفذت مطاردة واسعة شملت اقتحام منازل ومحال ومصادرة عدد من كاميرات المراقبة في المنطقة، بعد العثور على سيارة فارغة يُعتقد أنها استخدمت في الهجوم.

وجاء الهجوم الجديد بعد انفجار سيارتين مفخختين، السبت، في منطقة كتلة غوش عتصيون الاستيطانية، على بعد نحو 15 كيلومتراً شمال شرقي ترقوميا، في عملية أربكت حسابات أجهزة الأمن وأشعلت المخاوف من توسيع وتمدد المواجهة. وهاجم فلسطينيان في مجمع مستوطنات غوش عتصيون القريبة من الخليل، بسيارتين مفخختين محطة وقود ومستوطنة قريبة في عملية منسقة، كانت لو نجحت من شأنها أن تغير المعادلة.

قوات إسرائيلية تقف حراسة بالقرب من موقع إطلاق نار قرب الخليل في الضفة الغربية المحتلة الأحد (رويترز)

التفجيرات في الخليل تمت بعد نحو أسبوعين من تفجير عبوة ناسفة في تل أبيب، ما حوّل كل جهد الأمن الإسرائيلي ضد مشغلي ومصنعي العبوات الناسفة، خشية تجدد العمليات التفجيرية.

وجاء الهجوم المسلح ليزيد من تعقيد المشهد، باعتباره أيضاً أحد أنجح الهجمات، ولم يتم عبر عبوات ناسفة.

والهجمات التي بدأت من الخليل جاءت أياماً بعد تهديد حماس لإسرائيل بتلقي ضربات من جنوب ووسط الضفة، رداً على هجومها على شمال الضفة.

وتخشى إسرائيل اليوم أن ما كانت تعمل على تجنبه لفترة طويلة منذ بداية الحرب على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدأ يتحقق، وهو تصعيد شامل على جبهة الضفة.

وحذرت الاستخبارات الإسرائيلية قبل فترة وجيزة من تصعيد متوقع في الضفة الغربية، لدرجة أن الأمر قد يتطور إلى انتفاضة. ونقلت دائرة الاستخبارات تقديراً ينذر الأجهزة الأمنية بأن التصعيد في الضفة متوقع، وقد يكون حتى بحجم انتفاضة، ويشمل هجمات بالمتفجرات وعمليات انتحارية في إسرائيل.

وقال متحدث باسم الشرطة الإسرائيلية، بعد عملية الخليل، إن لديهم العشرات من التحذيرات من وقوع عمليات امتداداً من إيلات حتى تل أبيب. وصرح مسؤول أمني إسرائيلي لوسائل إعلام إسرائيلية: «هناك محاولة واضحة من قبل (حماس) لإشعال المنطقة».

جنود إسرائيليون خلال العملية العسكرية في جنين بالضفة الغربية (رويترز)

وفي محاولة لتجنب ذلك، واصل الجيش الإسرائيلي إغلاق منطقة الجنوب في الضفة، ونفّذ عمليات اعتقال واسعة في الخليل. وقالت إذاعة الجيش الإسرائيلي إن قوات الجيش دمرت المعمل الذي تم فيه تجميع العبوات الناسفة المستخدمة في السيارات المفخخة، بعد اعتراف معتقلين خلال التحقيق معهم، ولا تزال التحقيقات مستمرة وتحرز تقدماً مهماً. وحسب الإذاعة، يتوقع مزيد من الاعتقالات في الساعات والأيام المقبلة.

لكن قتل منفذ الهجوم وإغلاق الخليل والاعتقالات، لم تقنع اليمين الإسرائيلي. واستغل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الهجوم ووصل إلى مكان العملية، مطالباً بمنع تحرك الفلسطينيين عبر الضفة. وقال بن غفير إن «حق الإسرائيليين في الحياة أهم من حق الفلسطينيين في التنقل». وأضاف مهاجماً وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت: «يجب عليه زيادة نشر الحواجز في الضفة الغربية وتقييد حركة الفلسطينيين».

وجدّد بن غفير دعوته لقتل المعتقلين الفلسطينيين، وقال: «الأسرى الفلسطينيون يجب إطلاق الرصاص على رؤوسهم وإقرار قانون الإعدام بحقهم وليس تحريرهم. إنهم قتلة». وأضاف: «حان الوقت لإعادة الحواجز في كل الشوارع وسحق المنظمات الإرهابية».

جانب من الدمار جراء القصف الإسرائيلي في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

وتصاعد التوتر في الضفة خلال الحرب في غزة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر. وقتلت إسرائيل نحو 660 فلسطينياً خلال الفترة واعتقلت أكثر من 10 آلاف، فيما قتل نحو 23 إسرائيلياً.

في المقابل، قالت وزارة الخارجية الفلسطينية إن التحريض الإسرائيلي على تفجير الأوضاع في الضفة امتداد لجرائم الإبادة والتهجير بحق شعبنا. وحذرت الوزارة في بيان، صدر الأحد، من دعوات بن غفير لتوزيع المزيد من الأسلحة على المستوطنين، والتحريض على السيطرة على المزيد من الأراضي الفلسطينية، وفرض النزوح القسري، وتهجير السكان تحت شعار «حسم الصراع»، ووأد فرصة تجسيد الدولة الفلسطينية على الأرض، كما يروج لذلك وزير المالية الإسرائيلي المتطرف سموتريتش.

وقالت الوزارة إن هذين الوزيرين يواصلان تحريضهما بطريقة ستؤدي إلى إشعال المزيد من الحرائق في ساحة الصراع، وتخريب الجهود المبذولة لوقف حرب الإبادة والتهجير على شعبنا واستعادة الهدوء في ساحة الصراع. وطالبت الخارجية دول العالم بردعهما.


مقالات ذات صلة

مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية واحتجاز جثمانه في الضفة الغربية

المشرق العربي قوات إسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب) p-circle

مقتل فلسطيني بنيران إسرائيلية واحتجاز جثمانه في الضفة الغربية

قُتل فلسطيني، الأربعاء، برصاص القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وفق وزارة الصحة الفلسطينية، التي قالت إنه جرى «احتجاز» جثمان القتيل.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي الرئيس عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الفلسطينية في رام الله السبت (الرئاسة الفلسطينية)

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

الفلسطينيون ينتخبون في أول انتخابات منذ الحرب وتكتسب أهميتها في أنها شملت جزئياً قطاع غزة وتستجيب لمطالب إصلاح وتؤسس لنظام سياسي جديد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي ابنتا الشاب الفلسطيني عودة عواودة (25 عاماً) الذي قُتل في هجوم استيطاني إسرائيلي خلال جنازته قرب رام الله في الضفة الغربية الخميس (رويترز) p-circle

حكومة نتنياهو صادقت على إقامة 103 مستوطنات منذ توليها السلطة

رفعت حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدد المستوطنات التي صادقت عليها منذ توليها السلطة قبل أكثر من 3 سنوات إلى 103 مستوطنات.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي أفراد من الدفاع المدني يزيلون آثار غارة إسرائيلية في وسط قطاع غزة (رويترز)

نيران إسرائيلية تقتل 5 فلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية

أفاد مسؤولون فلسطينيون بأن غارات جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل 4 فلسطينيين على الأقل في قطاع غزة، فيما قتل جنود بالرصاص فتى في الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة - نابلس)

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

«حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)
مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

كشفت 3 مصادر من حركة «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في قطاع غزة، والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في كتائب «القسام» (الذراع العسكرية للحركة).

وبحسب المصادر الثلاثة التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن «(حماس) اعتبرت هذه الخروقات واغتيال قيادات أمنية بشكل خاص، ضربةً لجهود الوسطاء في محاولة إرساء اتفاق واضح يلزم إسرائيل بتنفيذ ما عليها، داعية إياهم للتدخل «الجاد والحازم» لوقف هذه العمليات التي أدت لقتل نحو ألف فلسطيني منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) 2025. ووفقاً للمصادر، فإن الوسطاء أكدوا أنهم يواصلون جهودهم من أجل وضع حد للخروقات الإسرائيلية.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصدر فلسطيني على تواصل مع «لجنة إدارة غزة» أن الممثل الأعلى لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف كان قد «طلب يوم الاثنين من إسرائيل وقف الهجمات الجوية في قطاع غزة لمدة 48 ساعة لمنح مفاوضات القاهرة فرصة للنجاح؛ إلا أنه لم يتلقَّ رداً منها». وقالت المصادر من «حماس» إنها لا علم لديها بهذا الطلب.

عناصر من الدفاع المدني الفلسطيني يفحصون مركبة استهدفتها غارة جوية إسرائيلية غرب مدينة غزة (إ.ب.أ)

وبعد يوم من مقترح جديد قدمه الوسطاء و«مجلس السلام» بشأن غزة والمضي في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، قالت المصادر من «حماس» إن الحركة تجهز رداً يحمل ملاحظات وطلبات تعديلات سيقدمها الوفد المفاوض لملادينوف والوسطاء.

وكانت «الشرق الأوسط» قد حصلت على تفاصيل المقترح الذي صاغه ممثلون لـ«مجلس السلام»، والوسطاء من الدول الثلاث؛ مصر وقطر وتركيا، إلى جانب الولايات المتحدة، بشأن قطاع غزة، خاصةً نزع السلاح منه. وأظهرت الوثيقة المعنونة بـ«خريطة طريق» لإتمام تنفيذ خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشاملة للسلام بغزة، 15 بنداً للتعامل مع تنفيذ بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس».

وسيركز الرد، وفق المصادر، على مطالبات بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي، وإيجاد مقاربات وضمانات دولية واضحة لإلزام إسرائيل، وعدم ربط قضية إعادة الإعمار، بحصر ونزع السلاح، والتأكيد على حق الفصائل بممارسة دورها السياسي بشكل كامل دون قيود.

وتشير الورقة الجديدة إلى تشكيل لجنة سُميت «التحقق من التنفيذ»، سيتم إنشاؤها من قبل الممثل الأعلى لغزة، تتألف من الدول الضامنة، وقوة الاستقرار الدولية و«مجلس السلام»، لضمان تنفيذ الأطراف ما يقع على عاتقها، على أن يتم تدعيم هذه اللجنة من خلال آلية مراقبة معززة.

وتؤكد الوثيقة في أول بنودها أهمية التزام الأطراف كافة بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803 بشكل كامل، وخطة ترمب الشاملة، بعدّهما يشكلان إطاراً دولياً متفقاً عليه وسيتم الاسترشاد بهما لتنفيذ هذه العملية، بما يضمن تحقيق الهدف الأهم باستعادة الحياة المدنية، وتمكين الحكم الفلسطيني، وإعادة الإعمار والأمن والتعافي الاقتصادي، وتوفير الظروف للوصول إلى مسار موثوق به لتحقيق تقرير المصير والدولة الفلسطينية بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن.


مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
TT

مدققون أميركيون: لا أدلة تربط المكلف تشكيل الحكومة العراقية بتمويل «الحرس الثوري»

رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)
رئيس الوزراء العراقي المكلَّف علي الزيدي يحضر اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد 27 أبريل الحالي (أ.ب)

قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مؤكدة أن القيود التي فُرضت عليه عام 2024 جاءت على خلفية «أخطار تتعلق بالسمعة»، لا بسبب «تورط مثبت في عمليات غسل أموال».

يأتي هذا التوضيح في وقت يواجه فيه التكليف المفاجئ للزيدي تشكيل الحكومة في بغداد خلفاً لمحمد شياع السوداني تدقيقاً سياسياً في خلفيته، بعد إدراج مصرف يملكه ضمن قيود فرضها البنك المركزي العراقي على التعامل بالدولار، في إطار ما قيل حينها إنها «حملة لمكافحة التدفقات المالية غير المشروعة».

وقال ممثلون عن شركة «K2 Integrity»، طلبوا عدم الإفصاح عن هوياتهم لأنهم غير مخولين بالتصريح، إن تحقيقاً مستقلاً أجرته الشركة لم يجد «أي أدلة موثوقة» تربط الزيدي أو «مصرف الجنوب» بـ«فيلق القدس»، كما لم يرصد تدفقات مالية مباشرة من المصرف إلى جهات إقليمية مصنفة عالية المخاطر.

وأوضح أحد الممثلين، لـ«الشرق الأوسط»، أن الحظر الذي أوصت به وزارة الخزانة الأميركية و«الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك على «مصرف الجنوب» اقتصر على التعامل بالدولار الأميركي، وكان مدفوعاً بمخاطر تتعلق بالسمعة وملكية المصرف، وليس بسبب ثبوت مخالفات تتعلق بغسل الأموال أو تمويل كيانات مرتبطة بإيران.

يُعدّ الزيدي، وهو رجل أعمال يمتلك مع شقيقه وشركائه شركات، من بينها «الأويس» و«الجنوب» و«قناة دجلة»، شخصية غامضة في المشهد السياسي، وجاء تكليفه في ظل رفض أميركي علني أدى إلى استبعاد نوري المالكي من السباق، في حين أفيد بأن رفضاً غير معلن استبعد السوداني أيضاً.

رئيس الحكومة المنتهية ولايتها محمد السوداني مستقبلاً المكلف علي الزيدي (إعلام حكومي)

قيود على إيران

وكان العراق قد فرض في فبراير (شباط) 2024 قيوداً على 8 بنوك محلية، من بينها «مصرف الجنوب الإسلامي»، مانعاً إياها من الوصول إلى الدولار عبر نافذة البنك المركزي. وجاءت تلك الخطوة ضمن جهود تقودها واشنطن للحد من تحويل الأموال إلى إيران.

وقال متحدث باسم وزارة الخزانة آنذاك إن الإجراءات تهدف إلى «حماية النظام المالي العراقي من إساءة الاستخدام»، في إشارة إلى مخاوف من توظيف العملة الأميركية في أنشطة غير قانونية.

وتسلط هذه القضية الضوء على التحدي المستمر الذي تواجهه بغداد في تحقيق توازن بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة وإيران، في ظل اعتمادها الكبير على الدولار الأميركي، حيث يتلقى العراق نحو 10 مليارات دولار نقداً سنوياً من «الاحتياطي الفيدرالي»، وفق تقديرات رسمية.

ورحبت السفارة الأميركية في بغداد بتكليف الزيدي، مؤكدة دعمها جهود تشكيل حكومة «تعكس تطلعات العراقيين». ويأتي ذلك بعد أشهر من الجمود السياسي، وفي ظل ضغوط مارستها إدارة دونالد ترمب هددت خلالها بقطع الدعم عن العراق إذا عاد المالكي إلى السلطة.

ويواجه الزيدي مهلة 30 يوماً لتشكيل حكومته، وسط انقسامات حادة داخل «الإطار التنسيقي»، وفي وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية منذ الضربات العسكرية على إيران في فبراير 2026، وما تبعها من استهداف جماعات مسلحة للمصالح الأميركية في العراق.


«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
TT

«حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)
الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

الحرب الكلامية المشتعلة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون و«حزب الله» حول من يفاوض باسم لبنان، وتصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية، أديا إلى تعليق اجتماع رئيس الجمهورية مع رئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، وتأجيله ريثما تؤدي الاتصالات إلى تنفيس أجواء الاحتقان، وخلق المناخ المريح لاجتماعهم، واستعيض عنه باتصالات مفتوحة بينهم ريثما تنجح الولايات المتحدة الأميركية في وقف الاعتداءات بما يسمح بمعاودة اللقاء في أقرب فرصة.

لكن هذه الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيان الذي أصدره أمين عام الحزب نعيم قاسم في تبريره للأسباب الكامنة وراء رفضه الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.

فالجديد في موقف قاسم الذي قال فيه: «ليعلم أصحاب السلطة أن أداءهم لن ينفع لبنان، ولن ينفعهم، فما يريده العدو الإسرائيلي-الأميركي منهم ليس بيدهم، وما تريدونه منه لن يمنحكم إياه»، قوبل باستغراب من قبل أكثرية القوى السياسية التي تقف خلف عون في خياره الدبلوماسي التفاوض المباشر مع إسرائيل برعاية أميركية.

رسالة إيرانية

وقالت مصادر لبنانية مطلعة على مجريات الاتصالات لـ«الشرق الأوسط» إن ما لم يقله قاسم هو الأهم بإيحائه بأن حزبه هو وحده من يملك في الميدان ما يعطيه، وليس في مقدور السلطة أن تعطي ما لا تملك. وأكدت أنه أراد تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر أن إيران هي الأقدر على التفاوض بالإنابة عن لبنان، وهذا ما يكمن وراء شكره لها على توصلها مع الولايات المتحدة لوقف إطلاق النار في محادثات باكستان.

ولفتت المصادر إلى أن قاسم أغفل عن قصد تسمية الجهة التي سيوكل إليها المفاوضات غير المباشرة، رغم قوله إنه «لو أتى وقف النار من أي وسيط علينا أن نقبل به».

دورية لقوات «اليونيفيل» في جنوب لبنان قرب المنطقة الحدودية مع إسرائيل (أ.ب)

وسألت المصادر عن صحة ما يتردد على نطاق واسع في بيروت أن «حزب الله» انتدب مستشارين عنه لتمثيله بالوفد الإيراني في مفاوضاته مع الولايات المتحدة في باكستان يعود إليهم عند الضرورة للوقوف على رأيهم حيال ما تطرحه إيران من نقاط يعتبرها أساساً لإنهاء الحرب في الجنوب اللبناني، مع أنهم لا يجلسون على الطاولة، ويوجدون في غرفة محاذية للقاعة التي تستضيف المفاوضات؟

وقالت إنه إذا صح ما يقال في هذا الخصوص، كمل نقل عن مصدر دبلوماسي وثيق الصلة بإحدى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي، فإن إصرار الحزب على إيداع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية سيصطدم بموقف أميركي لا عودة عنه، ليس لرفضه ربط لبنان بإيران فحسب، وإنما لأنه من غير الجائز مصادرة القرار اللبناني بالتفاوض المباشر مع إسرائيل الذي هو من صلاحية عون، بحسب المادة 52 من الدستور، وبالتالي لا يحق لحزب مصنف أميركياً على لائحة الإرهاب أن ينوب عن الدولة بعد أن رتب على بلده أكلافاً بشرية ومادية لا تقدّر بتفرُّده بقرار السلم والحرب عندما قرر إسناد غزة، وإيران.

لماذا يرفض «حزب الله» التفاوض المباشر؟

كما سألت «حزب الله»: هل يرفض المفاوضات المباشرة بذريعة أن كلمة الفصل تبقى له على خلفية حضوره العسكري في الميدان، ويعود له تسمية الجهة التي ترعاها؟ وماذا سيقول للبنانيين في ظل الاختلال في ميزان القوى بينه وبين إسرائيل التي تستمر في تجريف البلدات، وتدميرها الممنهج للمنازل، وارتكابها للمجازر بذريعة القضاء على ما تبقى من بنيته العسكرية؟ وقالت إن إصرار الحزب على شراء الوقت برفضه المفاوضات المباشرة يعني حكماً أنه يوفّر الذرائع لإسرائيل، وإن كانت ليست في حاجة إليها للتمادي في تدمير البلدات التي لا تقتصر على تلك الواقعة في المنطقة المعروفة بالخط الأصفر، وإنما تمتد إلى بلدات الخط الأمامي في شمال نهر الليطاني، وتطل على جنوبه.

الدخان يتصاعد جراء قذائف مدفعية إسرائيلية تستهدف جنوب لبنان (إ.ب.أ)

وقالت إن عامل الوقت ليس في مصلحة لبنان، وهذا ما يتطلب من الحزب مراجعة حساباته باتخاذه قراراً جريئاً يقضي بوضع سلاحه بعهدة الدولة لتحسين شروطها في المفاوضات المباشرة، لإنقاذ ما تبقى من البلدات الواقعة في جنوب نهر الليطاني، وضفته الشمالية.

غطاء سياسي لعون

ودعت المصادر لإخراج الوضع من التأزّم بتوفير الغطاء السياسي لعون الذي كان قال كلمته، ولن يتراجع عن دعوته للتفاوض المباشر برعاية أميركية، خصوصاً أنه يشترط لبدئها إلزام إسرائيل بوقف أعمالها العدائية على قاعدة تمسكه بالثوابت الوطنية، وعدم التفريط بها تحت أي ضغط خارجي، وهو يلتقي في هذا السياق مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري من موقع الاختلاف معه برفضه المفاوضات المباشرة.

وشددت على ضرورة تنفيس الاحتقان المسيطر على البلد من جراء تصاعد الاشتباك بين عون، الذي يحظى موقفه بتأييد غالبية اللبنانيين، و«حزب الله» الذي يكاد يغرّد وحيداً في موقفه، وإن كان بري يحرص على مراعاته لاستيعابه، واحتضانه. وقالت إن الضرورة الوطنية تقضي باعتماد لغة الاعتدال في الخطاب السياسي للحفاظ على الاستقرار، وعدم تعريض السلم الأهلي لأي انتكاسة.

استحالة عودة سكان الجنوب

وأبدت المصادر مخاوفها من أن يتحوّل النزوح المؤقت للجنوبيين من بلداتهم، في حال استمرت الحرب بين إسرائيل و«حزب الله» التي تصاعدت وتيرتها مع تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع، إلى لجوء دائم لاستحالة عودتهم إلى قراهم التي سوّتها إسرائيل بالأرض، وحوّلت القسم الأكبر من جنوب الليطاني إلى منطقة محروقة يصعب العيش فيها. ولفتت إلى أن الخيار الدبلوماسي يبقى الوحيد لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي بعد أن جرّب «حزب الله» الحرب بإسناده لغزة وإيران، ورتّب على البلد أثماناً غالية، وأن إصراره على رفع سقوفه السياسية سيواجه رفضاً بما يشبه الإجماع إذا ما اعتقد أنه يريد ثمناً سياسياً بادعائه، بخلاف ما هو حاصل في الميدان، أنه حقق انتصاراً على إسرائيل، وإذا كان هناك من ثمن فهو يقتصر أولاً وأخيراً على تسهيل عودة الجنوبيين إلى قراهم التي لن تكون ميسّرة ما لم تضع الحكومة خطة مدعومة عربياً ودولياً لإعادة إعمارها، وهذا ما يشكل إحراجاً للحزب إذا ما استمر على عناده بتمسكه بسلاحه الذي يصر المجتمع الدولي على وضعه بيد الدولة لبسط سلطتها على كافة أراضيها.