إسرائيل تتجه نحو أزمة دستورية

المحكمة العليا تحذِّر وزير القضاء من المماطلة في جمع لجنة تعيين القضاة

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قاعدة رامات الجوية في حيفا يوم 21 أغسطس الحالي (مكتب الإعلام الحكومي- د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قاعدة رامات الجوية في حيفا يوم 21 أغسطس الحالي (مكتب الإعلام الحكومي- د.ب.أ)
TT

إسرائيل تتجه نحو أزمة دستورية

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قاعدة رامات الجوية في حيفا يوم 21 أغسطس الحالي (مكتب الإعلام الحكومي- د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قاعدة رامات الجوية في حيفا يوم 21 أغسطس الحالي (مكتب الإعلام الحكومي- د.ب.أ)

في إطار محاولات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التهرب من إقامة لجنة تحقيق رسمية في الإخفاقات التي رافقت هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خوفاً من إدانته بالتقصير، ومحاولات وزير القضاء، ياريف لفين، إخضاع المحكمة العليا لإرادته وامتناعه عن تعيين رئيس لها، حذّرت شخصيات قانونية بارزة من العودة إلى خطة الحكومة لإدخال تغييرات في منظومة الحكم تؤدي إلى إضعاف القضاء، ما يعني التدهور سريعاً إلى أزمة دستورية في البلاد.

وقالت المحامية دفنا هولتس لخنر التي تمثّل كثيراً من الأطراف أمام المحكمة العليا، إن نتنياهو يتحمل شخصياً وإدارياً المسؤولية عن هذا التدهور. فهو منذ أن تم توجيه لوائح اتهام ضده بتهم فساد خطيرة، يدير حرباً ضد الجهاز القضائي، من المحكمة العليا إلى النيابة وحتى المستشارة القضائية للحكومة، حسبما قالت. وأضافت أن هذه الحرب بلغت حد الامتناع عن تطبيق قرارات المحكمة وبث حملة مسمومة ضدها، يتم فيها تحقيرها.

وأكد مراسل الشؤون القانونية في صحيفة «هآرتس»، حين معنيت، أن الحكومات الإسرائيلية احترمت قرارات المحكمة طيلة 60 سنة، باستثناء القرار الذي صدر في مطلع خمسينات القرن الماضي، والذي أمر بإعادة سكان قريتي أقرث وكفر برعم الفلسطينيين إلى بيوتهم. فحتى اليوم لم ينفذ هذا القرار، والمحكمة لا تفعل شيئاً لتنفيذه. لكن القرارات التالية كانت تنفذ، إلا في السنوات الأخيرة التي جاء فيها نتنياهو إلى الحكم، وبشكل خاص بعد توجيه لائحة الاتهام ضده.

وقد بلغت الأزمة أوجها بين الحكومة والمحكمة، في الشهور الأخيرة؛ حيث امتنع وزير القضاء، ياريف لفين، عن تعيين رئيس للمحكمة العليا. فقد جرت العادة أن يتم انتخاب القاضي الأكبر سناً رئيساً لهذه المحكمة، بشرط تأييد أغلبية 5 أعضاء في لجنة تعيين القضاة المؤلفة من 9 أعضاء، بينما يحتاج تعيين قاضٍ في المحكمة العليا إلى أغلبية من 7 أعضاء. ويريد لفين ومعه نتنياهو تغيير نظام هذا التعيين، ليصبح بمسؤولية الحكومة المطلقة أو بالتوافق معها. لكن المحكمة تعد إبقاء هذا القرار بأيديها جزءاً أساسياً من استقلالية القضاء. ولذلك، تعرقل الحكومة مسار تعيين رئيس و3 قضاة آخرين للمحكمة.

وقد أصدرت المحكمة العليا قراراً اليوم (الثلاثاء) يحذّر وزير القضاء، ياريف لفين، من أنه في حال لم يعمل في الأيام القريبة المقبلة من أجل عقد اجتماع للجنة تعيين القضاة، بهدف تعيين القضاة الثلاثة ورئيس للمحكمة العليا، فإنها ستصدر في بداية الشهر المقبل حكماً يُلزمه بالقيام بذلك بموجب قانون المحاكم.

وأشار القضاة: ياعيل فيلنر، وعوفر غروسكوبف، وألكس شتاين، إلى أنهم أرجأوا -بناء على طلب لفين- إصدار قرار في الدعاوى المقدمة ضده، من أجل تمكينه من تطبيق «رؤيته المباركة» بشأن تعيين قضاة، بالاتفاق بين جميع أعضاء لجنة تعيين القضاة. وأضاف القضاة أنه في حال لم ينفذ لفين ذلك، فإن المحكمة ستصدر قراراً «في بداية السنة القضائية المقبلة»، أي في بداية شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.

ونقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مقربين من لفين، قوله إن قرار المحكمة «متوقع في ظل تناقض المصالح بيننا»؛ لكنه عدَّه قراراً ينطوي على تجاوز الصلاحية.

ويسعى لفين إلى وضع آلية تتيح للحكومة أن تعيِّن رئيساً للمحكمة يكون مريحاً لها. والغرض من ذلك هو ضمان عدة أمور تتعلق بنتنياهو المتهم. فهو يحاول منع إقامة لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر. ولكن، في حال اضطراره إلى ذلك، فإن رئيس المحكمة العليا هو الذي سيعيّن رئيس لجنة التحقيق. ولأن نتنياهو يخشى تعيين قاضٍ من تيار ليبرالي معادٍ له، يريد أن يضمن من الآن تعيين قاضٍ يحقق رغباته هو ولفين، حسبما يقول منتقدون لرئيس الحكومة. وأضاف هؤلاء أن نتنياهو يتوقع أن يصدر بحقه حكم قاسٍ في قضايا فساد، ولذلك فإنه سيستأنف أمام المحكمة العليا، ولذلك يريد «قاضياً مريحاً» يهاب الحكومة.

لكن الطريقة التي يستخدمها لفين ونتنياهو تدفع بإسرائيل إلى أزمة دستورية. فإذا امتنعت الحكومة عن تنفيذ قرارات المحكمة، فسيمتنع الناس أيضاً عن ذلك. وإذا ما أُخذ في الاعتبار أن الشرطة، المخولة بتطبيق القانون، فقدت هي أيضاً استقلاليتها وأصبحت خاضعة اليوم للحكومة، فإنها ستكون انتقائية في إجراءاتها، الأمر الذي سيُحدث فوضى عارمة، ستنسحب على مرافق ودوائر أخرى. وستكون لذلك تبعات على مكانة إسرائيل الدولية؛ خصوصاً أنها تواجه قضايا أمام محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية في لاهاي.


مقالات ذات صلة

نتنياهو يتحدى القضاء: بن غفير سيبقى في منصبه

شؤون إقليمية بن غفير خلال زيارته منطقة تعرضت لهجوم إيراني في تل أبيب (أ.ف.ب)

نتنياهو يتحدى القضاء: بن غفير سيبقى في منصبه

طلبت المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهاراف ميارا، من المحكمة العليا إصدار أمر يُلزم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بإقالة وزير الأمن القومي.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية نتنياهو وبن غفير في جلسة خاصة بمناسبة الذكرى الـ77 لتأسيس الكنيست 2 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

«العليا الإسرائيلية» تسأل نتنياهو: لماذا لا تقيل بن غفير؟

المحكمة العليا تجبر نتنياهو على الرد على سؤال: لماذا لا يقيل بن غفير؟... والوزير المتطرف يعدّ ذلك انقلاباً، ووزراء يتحدون المحكمة، ويحذرون من «أزمة دستورية»

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية إسرائيليون من اليهود المتشددين بعد مواجهة مع الشرطة في القدس يوم الأحد خلال احتجاج ضد التجنيد (إ.ب.أ) p-circle 02:04

نتنياهو لا يستبعد انتخابات مبكرة بعد تعقُّد أزمة تجنيد المتدينين

تواجه خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، حول قانون الإعفاء من التجنيد العسكري لليهود المتدينين عقبات متصاعدة، إلى حد أن حلفاءه يهددون برفض الموازنة.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية متظاهر يرتدي قناعاً يصور الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ (يمين) إلى جانب آخر يرتدي قناعاً يصور نتنياهو خلال احتجاج في تل أبيب الاثنين (إ.ب.أ) p-circle 01:56

طلب نتنياهو العفو يثير جدلاً سياسياً وقانونياً... ويعمّق الانقسام

خلق طلب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بالحصول على عفو في اتهامات الفساد التي تلاحقه، حالة انقسام واستقطاب سياسي وقانوني وجماهيري حاد.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية نتنياهو قبل الإدلاء بشهادته في محاكمته بتهمة الفساد بالمحكمة المركزية بتل أبيب - ديسمبر 2024 (إ.ب.أ)

نتنياهو يريد عفواً يبيّض صحيفته الانتخابية

فاجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الساحتين السياسية والقانونية، أمس، بطلب العفو من الرئيس إسحاق هرتسوغ، بعد نحو 5 سنوات على بدء محاكمته.

كفاح زبون (رام الله)

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
TT

جنوب لبنان... من السيطرة العسكرية إلى الهندسة الأمنية للحدود

رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)
رجلان على دراجة نارية يمران أمام أنقاض مبنى دمّرته غارة إسرائيلية (رويترز)

لم تعد المواجهة الدائرة في جنوب لبنان تُختزل في مشهد الدبابات أو خطوط التماس، بل تتخذ شكلاً أكثر تعقيداً وعمقاً. فإسرائيل، وفق المسار الذي ترسمه عملياتها وتصريحات قادتها، لا تبدو في وارد إعادة إنتاج نموذج الاحتلال التقليدي، بل تتجه نحو صياغة معادلة مختلفة: السيطرة الأمنية من دون احتلال كل الأرض.

هذا التحول لا يعكس مجرد تبدل في التكتيك، بل يُشير إلى انتقال في فلسفة إدارة الصراع، من السيطرة العسكرية التي تقوم على التقدم والتمركز، إلى الهيمنة الأمنية التي تقوم على المنع والتحكم وإعادة تشكيل الجغرافيا والسكان.

الحزام الأمني... نسخة محدثة

في قلب هذا التحول، يبرز مفهوم الحزام الأمني الذي عاد إلى الواجهة بصيغة مختلفة عن تلك التي سادت قبل عام 2000، وهو ما تحدّث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن إسرائيل «تواصل توسيع الحزام الأمني في جنوب لبنان».

بدوره، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على أن هدف إسرائيل هو «نزع سلاح (حزب الله)»، مؤكداً استمرار استهداف قادته وعناصره في «كل أنحاء لبنان». وأضاف أن المنازل التي تُستخدم مواقع للحزب «سيتم تدميرها وفق نموذج رفح وخان يونس»، مع السعي إلى السيطرة حتى نهر الليطاني ومنع عودة مئات آلاف السكان قبل تحقيق الأمن.

ورغم هذا التصعيد، لا تزال إسرائيل تُعلن أنها لا تسعى إلى احتلال كامل للبنان، إذ نقلت «هآرتس» عن الجيش الإسرائيلي أن هذا الخيار ليس هدفاً للحرب، رغم إقراره بأن نزع سلاح «حزب الله» قد يتطلب ذلك نظرياً.

هذا التناقض يعكس جوهر الاستراتيجية: تجنب تكلفة الاحتلال مقابل تحقيق نتيجته عبر وسائل أخرى، قوامها التحكم بالنار وإفراغ الجغرافيا.

تحركات إسرائيلية على الحدود (إ.ب.أ)

إشراف ناري وإعادة رسم الجغرافيا

في السياق، يكشف مصدر مطلع على الواقع الميداني لـ«الشرق الأوسط»: «أن إسرائيل تسعى إلى إعادة احتلال 18 موقعاً استراتيجياً كانت تُسيطر عليها قبل عام 2000، من بينها البياضة وشمع وبيت ليف وتلة العويضة وتلال الطيبة وقلعة الشقيف ومرتفعات إقليم التفاح المشرفة على البقاع الغربي».

ويؤكد أن «الهدف لا يتمثل في الانتشار العسكري الواسع، بل في فرض إشراف ناري شامل على كامل قضاء النبطية، يمتد إلى الزهراني وصيدا والبقاع الغربي وجزين، بما يسمح بالتحكم في الميدان من دون الحاجة إلى تمركز دائم».

ويضيف أن «ما تسعى إليه إسرائيل هو القدرة على إدارة الجنوب من المرتفعات والنقاط الاستراتيجية، بحيث تُصبح السيطرة بالنار بديلاً عن السيطرة المباشرة على الأرض».

كما يُشير إلى أن الحديث الإسرائيلي «عن منع عودة نحو 600 ألف لبناني لا يقتصر على الشريط الحدودي، بل يشمل نطاقاً جغرافياً أوسع يمتد إلى إقليم التفاح وقرى قضاء النبطية وأجزاء من البقاع الغربي، ما يعكس توجهاً لإعادة تشكيل الخريطة السكانية، وليس فقط العسكرية».

الهيمنة الأمنية... السيطرة من خارج الأرض

في قراءة أوسع، يوضح العميد المتقاعد ناجي ملاعب أن «ما يجري لا يمكن فهمه ضمن إطار السيطرة العسكرية التقليدية، بل في سياق الهيمنة الأمنية، التي لا تعني احتلالاً برياً دائماً، بل القدرة على التحكم في الميدان عبر النار أو الجو أو حتى عبر قوى بديلة».

ويشرح لـ«الشرق الأوسط»: أن «هذا المفهوم يقوم على سيناريوهين متوازيين، إما عبر وجود عسكري مباشر يدير المنطقة، وإما إقامة منطقة عازلة قائمة على الأرض المحروقة، تُمنع فيها أي قدرة على التمركز العسكري أو العودة السكانية».

ويؤكد أن الطروحات الإسرائيلية، رغم تباينها، تلتقي عند هدف واحد متمثل في فرض تحكم أمني مستمر، سواء من داخل الأرض أو من خارجها.

أنقاض منزل دمّرته غارة إسرائيلية في ظل تصاعد المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» (رويترز)

الجغرافيا بوصفها منصة للسيطرة

ويضيف ملاعب أن السيطرة العسكرية التقليدية تظهر في تركيز إسرائيل على «الهضاب الخمس» المحاذية للحدود، التي تؤمّن إشرافاً نارياً واسعاً على الجليل والجنوب اللبناني. ويلفت أنه «قد جرى ربط هذه النقاط بنحو 18 موقعاً عسكرياً لتشكيل ما يُشبه خط بدء الهجوم، يُستخدم نقاط ارتكاز لأي توغل بري، ضمن محاور مدروسة تتلاءم مع حركة الدبابات».

ويشير إلى أن «التوغل الفعلي لا يتجاوز 8 كيلومترات، ما يُعزز فرضية أن الهدف ليس احتلالاً شاملاً، بل تثبيت واقع ميداني يمكن التحكم فيه».

الأرض المحروقة وخط الدبابات

ويشرح ملاعب أن «الفارق الجوهري بين السيطرة العسكرية والسيطرة الأمنية يتمثل في أن الأولى تمسك بالأرض، في حين الثانية تمنع الخصم من استخدامها».

وفي هذا السياق، يُشير إلى أن «تهديد صواريخ (كورنيت) يدفع إسرائيل إلى إنشاء نطاق خالٍ بعمق يتراوح بين 6 و8 كيلومترات، يُسوّى بالكامل ويُحوّل إلى أرض محروقة، ويرتبط ذلك بما يُعرف بـ(خط الدبابات)، أي الحد الذي يمكن أن تصل إليه الآليات ضمن نطاق آمن، مرجحاً امتداده نحو مرتفعات استراتيجية مثل قلعة الشقيف، بما يتيح مراقبة نهر الليطاني والتحكم في الميدان».

ويعدّ أن «استهداف الجسور، ولا سيما على نهر الليطاني، لا يهدف فقط إلى قطع الإمداد، بل إلى التحكم في عودة السكان لاحقاً، بحيث تبقى المنطقة العازلة خالية أو محدودة الاستخدام».


حرب إسناد «حزب الله» لإيران: ساحة ضغط موازية وأثمان داخلية متصاعدة

أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
TT

حرب إسناد «حزب الله» لإيران: ساحة ضغط موازية وأثمان داخلية متصاعدة

أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)
أطفال نازحون يلعبون في مدرسة تحولت إلى مركز للنزوح ومن خلفهم العلم اللبناني (رويترز)

بعد أكثر من شهر على بدء حرب «إسناد إيران» التي أطلقها «حزب الله» عبر 6 صواريخ باتجاه إسرائيل، بدأ يُطرح السؤال حول مدى نجاح هذا الإسناد عسكرياً وسياسياً، وهو الذي تحوّلت تداعياته إلى عبء مكلف على الداخل اللبناني في المرحلتين الحالية والمقبلة، مع توقعات بلجوء الحزب إلى توظيف نتائج الحرب في موازين القوى المحلية.

«حزب الله» رابح بانتظار الحسم

وفي حين يرى البعض أن «حزب الله» نجح في مساندة إيران عبر تشتيت إسرائيل وفتح جبهة ضغط، ولكنه لم يصل إلى مستوى الحسم الاستراتيجي ولا تغيير ميزان المعركة بشكل جذري بانتظار تطور أكبر قد يحدد الاتجاه النهائي للصراع، يعتبر اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي أنّ «(حزب الله) رابح حتى الآن» رغم أن الخسائر التي منيت بها بيئته كبيرة جداً، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أنّ «إسرائيل لم تتمكن من تحقيق هدفها الأساسي بالقضاء على الحزب أو إنهاء قدراته؛ إذ إنّ (حزب الله) لا يزال موجوداً ويحتفظ بسلاحه، بينما «إسرائيل نفسها تقرّ بعدم حسم المعركة حتى الآن».

ويلفت شحيتلي إلى أن إيران استفادت من فتح جبهة الجنوب، مضيفاً: «انخراط (حزب الله) أدى إلى تشتيت القدرات العسكرية الإسرائيلية، بحيث إنّ القوة التي كان يمكن أن تكون إسرائيل قد جهّزتها كاحتياط لدعم الولايات المتحدة في حال تنفيذ إنزالات عسكرية في إيران، أصبحت منشغلة في لبنان»، ما يعني أنّ «لبنان تحوّل إلى ساحة ضغط موازية تخفف العبء عن إيران».

الدخان يتصاعد من بلدة الخيام عند الحدود مع إسرائيل نتيجة قصف إسرائيلي استهدفها (إ.ب.أ)

مع العلم بأنه إضافة إلى سياسة التدمير الممنهجة التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، وأدت إلى محو قرى حدودية ومنازلها بشكل كامل، أدت حرب «إسناد إيران» إلى نزوح أكثر من مليون شخص من منازلهم، وفق أرقام رسمية؛ خصوصاً من معاقل «حزب الله» في الجنوب وضاحية بيروت الجنوبية.

حرب استنزاف طويلة ومكلفة

من هنا، يرى رئيس دائرة الدراسات السياسية والدولية في الجامعة اللبنانية– الأميركية، الدكتور عماد سلامة، أن «الرابح والخاسر في هذه الحرب لا يُقاسان فقط بالخسائر المباشرة؛ بل بقدرة كل طرف على الاستمرار». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إيران و(حزب الله) تكبّدا خسائر عسكرية وبنيوية يصعب تعويضها، ما قد يهدد بتفكك تدريجي لمحور (المقاومة)، رغم التكلفة العالية التي دفعتها الولايات المتحدة ودول الخليج. في المقابل، إسرائيل حققت تقدماً استراتيجياً في إضعاف هذا المحور، ولكنها لا تزال تواجه حرب استنزاف طويلة ومكلفة».

ومع إقراره بنجاح «حزب الله» في تشتيت الجهد الإسرائيلي ورفع تكلفة الحرب، يؤكد سلامة أن «(حزب الله) استنزف قدراته، وعرّض بيئته لضغوط غير مسبوقة»، مضيفاً: «داخلياً، سينعكس ذلك بتراجع هامش نفوذه وتصاعد التوترات؛ خصوصاً مع تحميله مسؤولية الانخراط في حرب مفتوحة. ويظل من الصعب جداً فصل الحزب عن إيران؛ إذ إنهما جزء من بنية واحدة عقائدياً وعسكرياً ضمن منظومة (ولاية الفقيه) و(الحرس الثوري)».

عناصر في قوى الأمن الداخلي ينتشرون في بيروت (أ.ب)

إيران ودور «حزب الله» في المفاوضات

وبينما لم يبدأ مسار المفاوضات بشكل جدي بين أميركا وإيران التي تطالب بأن يشمل الاتفاق الجبهة اللبنانية، وهو ما ترفضه إسرائيل على غرار ما فعلت في الحرب على غزة، شدّد شحيتلي على «ضرورة فصل المسار اللبناني عن المسار الإقليمي»، معتبراً أنّ «قرار وقف الحرب على لبنان اليوم ليس بيد (حزب الله)؛ بل بيد إيران. وربط الجبهات يعني عملياً أنّ المفاوضات لن تكون بيد الدولة اللبنانية»، لذلك يؤكد أن «المصلحة اللبنانية تقتضي أن تقوم الدولة نفسها بإدارة المفاوضات، والسعي إلى وقف إطلاق النار بما يخدم المصلحة اللبنانية»، مؤكداً: «أي وقف لإطلاق النار من دون انسحاب إسرائيلي وعودة النازحين سيبقى مجرد هدنة، وليس نهاية للحرب وعودة إلى ما قبل عام 2000»، بعدما احتلت إسرائيل جنوب لبنان لمدة عقدين.

وهذا الأمر يتحدث عنه أيضاً سلامة الذي يؤكد أنه «في حال استمرار الحرب دون تسوية، قد يكون الخاسر الأكبر هو الدولة اللبنانية نفسها التي تواجه خطر الانهيار الكامل، تحت وطأة الحرب مع إسرائيل».

احتلال جديد وأثمان داخلية

وبينما تؤكد مصادر وزارية غياب أي مؤشرات لفتح باب التفاوض مع إسرائيل التي لم تتجاوب مع مبادرة رئيس الجمهورية جوزيف عون حول «التفاوض المباشر»، تتوقف «عند التصريحات الصادرة عن المسؤولين الإسرائيليين التي لا تعكس أي نية للحل القريب؛ بحيث هناك الخوف من تنفيذ الوعود بتوسيع الاحتلال وتكون تكلفة (إسناد إيران) أكبر حتى من تكلفة (إسناد غزة) التي انتهت باحتلال إسرائيل لخمس نقاط كنا نسعى لتحريرها وتأمين تكلفة إعادة الإعمار، ونصبح اليوم نريد التفاوض على كامل جنوب الليطاني، والتعويض عن خسائر مضاعفة».

مواطن نازح أمام خيمة يقيم فيها مع عائلته في بيروت (رويترز)

في المقابل، لا تنفي المصادر قلق البعض في لبنان من محاولة «حزب الله» توظيف نتائج هذه الحرب داخلياً، وتقول: «في حالتي الربح والخسارة ستكون هناك ردّة فعل من قبل (حزب الله) على الداخل اللبناني. لذا، الأهم هو المحافظة على الوحدة الداخلية، والتعويل يبقى على الفريق العاقل في (الثنائي الشيعي)، أي رئيس البرلمان نبيه بري الذي نعتقد أنه لن يسمح بذلك».


الخارجية السورية تؤكد رفضها أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
TT

الخارجية السورية تؤكد رفضها أي اعتداء على البعثات الدبلوماسية

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)
عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

أكدت وزارة الخارجية والمغتربين السورية، في بيان السبت، «موقفها الثابت والراسخ رفض أي اعتداء أو محاولة اقتراب من السفارات والمقار الدبلوماسية المعتمدة في سوريا»، مشددةً على أن هذه المقرات «محمية بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الدبلوماسية، وتعد رمزاً للعلاقات بين الدول والشعوب».

وأعربت الوزارة أيضاً عن «رفضها القاطع واستنكارها لأي شعارات أو أفعال مسيئة للدول أو المساس برموزها»، مؤكدةً أن هذا التصرف يتناقض مع مبادئ الاحترام المتبادل والتعاون الدولي، حسبما أوردت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا).

وتابع البيان: «في إطار احترام حقوق المواطنين في التعبير عن آرائهم، تؤكد الوزارة أهمية ممارسة هذا الحق ضمن إطار القوانين والأنظمة المعمول بها، مع التزام كامل بالحفاظ على الأمن العام، بعيداً عن أي ممارسات قد تُخلّ بالاستقرار أو تمس وتقترب من السفارات والمقرات الدبلوماسية المعتمدة».

صدر هذا البيان غداة احتجاج نظَّمه مناصرون لفصيل إسلامي أمام سفارة دولة الإمارات في دمشقح احتجاجاً على توقيف قيادي سوري كان يقود فصيلاً مسلحاً خلال الثورة ضد النظام السابق. وتخلل الاحتجاج رشق مبنى السفارة بالحجارة.