لماذا يُعد تفجير تل أبيب متغيراً مهماً؟

«حماس» و«الجهاد» تبنتا العملية... وتعهدتا باستئناف المسار

عناصر أمنية في مكان وقوع التفجير بتل أبيب الأحد (أ.ب)
عناصر أمنية في مكان وقوع التفجير بتل أبيب الأحد (أ.ب)
TT

لماذا يُعد تفجير تل أبيب متغيراً مهماً؟

عناصر أمنية في مكان وقوع التفجير بتل أبيب الأحد (أ.ب)
عناصر أمنية في مكان وقوع التفجير بتل أبيب الأحد (أ.ب)

أثار إعلان «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس»، بالتعاون مع «سرايا القدس» التابعة لحركة «الجهاد الإسلامي»، الاثنين، استئناف العمليات التفجيرية في إسرائيل اهتماماً كبيراً على مستويات عدة.

وتبنت «القسام» و«الجهاد» تفجير عبوة ناسفة في تل أبيب، وانفجرت، على ما يبدو، مُبكراً في حاملها وأصابت آخر، الأحد، ووصفت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن الداخلي (شين بيت) التفجير بأنه هجوم إرهابي.

وتوقظ العملية مع تلويح المسؤولين عنها بالمزيد، مخاوف من عودة فصل كاد الإسرائيليون ينسونه، ضمن سياق الصراع مع الفلسطينيين الذي بلغ ذروته في أجواء الانتفاضة الفلسطينية الثانية في غضون عام 2000، أي قبل ربع قرن تقريباً، عندما كثفت حركات فلسطينية في مقدمتها «حماس» من عمليات تجهيز مقاتلين بعبوات ناسفة ليفجروا أنفسهم في قلب المدن الإسرائيلية، ونجحوا في دب الرعب عبر سلسلة عمليات أوقعت قتلى إسرائيليين في الطرقات ووسائل النقل والأسواق والمطاعم والمتاجر الكبيرة.

وطالما شهدت الشهور القليلة الماضية محاولات لتنفيذ عمليات في داخل إسرائيل، لكنها كانت تدور في مجملها حول عمليات طعن يُقْدم عليها أشخاص غالباً من سكان القدس أو المدن الخاضعة لسيطرة الإسرائيليين مع استثناءات محدودة، غير أن منفذ هذه العملية الأخيرة جاء على ما تشير المعلومات من نابلس في الضفة الغربية، وهو ما تترجمه المستويات الأمنية والمحلية الإسرائيلية كاختراق أمني، رغم كل العمليات التي تنفذها إسرائيل في الضفة ضد عناصر مسلحة.

التوقيت

اهتمام إضافي آخر بتلك العملية يُعبّر عنه توقيتها؛ إذ دوى صدى الانفجار، الأحد، بعد نحو ساعة من وصول وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن إلى تل أبيب للدفع من أجل التوصل لاتفاق يوقف إطلاق النار في قطاع غزة؛ لإنهاء الحرب المستمرة منذ 10 أشهر بين إسرائيل و«حماس».

بلينكن لدى وصوله إلى مطار بن غوريون في تل أبيب الأحد (أ.ف.ب)

سياسياً، كانت تلك رسالة من «حماس» لواشنطن التي تتهمها بأنها تحاول فرض «إملاءات» في المفاوضات الرامية للهدنة، خصوصاً بعد إفادة أميركية نقلها بلينكن بأنها ربما تكون «فرصة أخيرة» للتوصل إلى اتفاق.

تبنٍّ وتلويح

وفي إطار التبني للعملية، لوحت «القسام» بالمزيد. وقالت «القسام»: «إن العمليات الاستشهادية بالداخل المحتل ستعود للواجهة ما دامت تتواصل مجازر الاحتلال وعمليات تهجير المدنيين واستمرار سياسة الاغتيالات».

ومنيت «حماس»، خلال فصول الحرب الحالية مع إسرائيل، باغتيالات لمستويات رفيعة، كان أبرزها قائدها إسماعيل هنية، الذي قُتل في طهران الشهر الماضي، وكذلك طالت الاغتيالات الإسرائيلية مستويات عسكرية في «القسام»، التي لم تؤكد كثيراً مما يعلنه الإسرائيليون.

الاختراق

حسب ما أظهرت لقطات، بشأن تفجير تل أبيب، فإن المنفذ ظهر وهو يسير مع حقيبة على ظهره تحمل العبوة بين الإسرائيليين في جنوب تل أبيب، وقال قائد منطقة أيالون في شرطة لواء تل أبيب، حاييم بوبليل، خلال مقابلة إذاعية: «لحسن الحظ لم يؤدِّ إلى كارثة». وكذلك عدّ المتحدث باسم الشرطة الإسرائيلية، إيلي ليفيأن، الحادث «صعباً للغاية، ويتم التحقيق فيه من قبل الشرطة والشاباك».

وكانت العبوة (تقدر بنحو 8 كيلوغرامات) يحملها شخص في الخمسينات من عمره انفجرت، كما يبدو، قبل موعدها، في مكان لا يوجد فيه الكثير من الإسرائيليين، وعلى الرغم من أن الانفجار كان شديداً، قُتل حامل العبوة وأصيب أحد المارة فقط.

عناصر أمنية في مكان وقوع الحادث بتل أبيب الأحد (رويترز)

وعقب بوبليل بأنه «من المحتمل أن يكون المهاجم خطط للوصول إلى الكنيس القريب أو ربما إلى مركز التسوق. ليس لدينا القدرة على فهم سبب انفجاره في هذا الوقت».

وأضاف: «الحادث كان من الممكن أن ينتهي بشكل مختلف تماماً لو انفجرت العبوة في أحد الأماكن المزدحمة القريبة».

ونقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» و«القناة 12» ووسائل إعلام عبرية أخرى أن الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) رفعا حالة التأهب وبدآ بعمليات بحث في أنحاء منطقة تل أبيب الكبرى، متجنبين على الفور تحميل «حماس» أو «الجهاد» مسؤولية الهجوم.

وتحاول الأجهزة الأمنية تتبع تاريخ وصول المهاجم إلى إسرائيل، وما إذا كان قد تصرف أم لا، بشكل مستقل، ومن يعرف نواياه، ومن أين اشترى الأمتعة، وجمع التفاصيل. وقال كبار مسؤولي الشرطة لصحيفة «معاريف» إن سكان تل أبيب كانوا محظوظين للغاية؛ لأنه بالنظر إلى حجم الشحنة، فإن وضعها في مكان مزدحم كان سيؤدي إلى كارثة كبيرة.

الضفة

وفق تحقيقات إسرائيلية، فإن العبوة المستخدمة في الهجوم «تشبه العبوات الشائعة في منطقة الضفة الغربية»، ويتم التحقيق في مسار دخول المهاجم ومن أرسله.

واعتقلت إسرائيل، منذ مساء الأحد وحتى صباح الاثنين، 14 فلسطينياً على الأقل من الضفة الغربية، حسب هيئات لشؤون الأسرى.

وقالت مصادر أمنية (قبل تبني «حماس» و«الجهاد» المسؤولية) إن التحقيق تقدم بشكل كبير، وتم فرض أمر حظر نشر حول التحقيق، لكن «الاتجاه غير مألوف» بما يتعلق بهوية المشتبه وهوية من أرسله. ومن بين أشياء أخرى دعت الشرطة «المواطنين إلى اليقظة والإبلاغ عن أي شخص أو جسم مشبوه».

فلسطينيات في الضفة الغربية يوم الأحد يتابعن تشييع ضحايا ضربة جوية إسرائيلية (أ.ف.ب)

ونوه تقرير لـ«يديعوت أحرونوت» بأن «الهجوم بعبوة ناسفة جاء في وقت تتزايد فيه مسألة العبوات الناسفة أهمية في السنوات الأخيرة؛ حيث أصبحت تُصنع بكل الطرق في الضفة الغربية»، مؤكداً أن «القلق الأكبر في أجهزة الأمن هو من إدخال عبوات ناسفة بمواد متفجرة قياسية إلى قلب المدن الكبرى في إسرائيل، قد تسبب أضراراً كبيرة».

العودة إلى الانتفاضة

وتتمثل أكبر مخاوف إسرائيل، بعد تفجير تل أبيب، في «العودة إلى أيام الانتفاضة الثانية؛ حيث انفجرت العبوات الناسفة على أجساد انتحاريين في قلب المدن الكبرى»، وفق ما تقدر «يديعوت أحرونوت».

ولقد عاشت إسرائيل أسوأ سنواتها في الانتفاضة الثانية، عندما أرهقتها «حماس» وفصائل أخرى بإرسال انتحاريين إلى قلب المدن الإسرائيلية.

ومنذ ذلك الوقت، تسعى أجهزة الأمن، خصوصاً الشاباك والجيش الإسرائيلي، بشكل دائم إلى إحباط الهجمات قبل تنفيذها، وفي حين يعمل الجيش الإسرائيلي مؤخراً ضد مصنعي العبوات الناسفة بشكل مباشر، يستثمر الشاباك جهوداً كبيرة في تحديد المهاجمين أنفسهم وطرق التهريب أو الإنتاج.

طفل فلسطيني يرشق ناقلة جند إسرائيلية بالحجارة في مخيم الدهيشة بالقرب من بيت لحم في 5 يوليو 2002 (أرشيفية - رويترز)

ويمكن القول إن إسرائيل نجحت في كبح الظاهرة بعد نهاية الانتفاضة الثانية، لكن أيضاً غيّر الفلسطينيون أساليبهم، وأصبحوا في الضفة الغربية يفضلون الهجمات الخاطفة، مثل إطلاق النار والدهس والطعن.

وسُجلت آخر عملية تفجيرية (نفذها شخص بنفسه) عام 2016 بواسطة أحد عناصر «حماس» خرج من مدينة بيت لحم إلى القدس، واستهدف حافلة ركاب، وجرح 21 إسرائيلياً.

لكن المرة الأخيرة التي وقع فيها انفجار غير مألوف وغير واضح في تل أبيب، حسب «القناة 12»، واشتبه حينها بأنها عملية فاشلة، كان في 15 سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، ووقع الانفجار حينها في متنزه اليركون، وتم فرض أمر حظر نشر بشأنه أيضاً.

وقبلها في 13 مارس (آذار) من العام نفسه، وقع انفجار عند مفترق مجدو، أسفر عن إصابة شخص بجروح خطيرة، وأعلنت أجهزة الأمن الإسرائيلية لاحقاً أن المنفذ ينتمي لـ«حزب الله»، وأنه تسلل من لبنان وقتل قرب الحدود اللبنانية.

وفي عام 2022 فجّر فلسطينيون عبوتين، عن بعد، بالقرب من مدخل لمدينة القدس؛ ما أدى إلى مقتل إسرائيلي وإصابة 18 على الأقل.


مقالات ذات صلة

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

خاص نازحون فلسطينيون يمشون إلى جانب خيامهم التي غمرتها مياه الأمطار في مدينة غزة يوم الخميس (د.ب.أ)

«الخارجية الأميركية»: عدم التزام «حماس» بنزع سلاحها سيواجه بتبعات صعبة

حذرت وزارة الخارجية الأميركية من عدم التزام حركة «حماس» بنزع سلاحها كما تنص خطة الرئيس دونالد ترمب لوقف إطلاق النار في غزة مشيرة إلى أن ذلك سيواجه بتبعات صعبة.

محمد الريس (القاهرة)
الخليج تأتي امتداداً للجهود الإغاثية والإنسانية التي تقدمها السعودية للمحتاجين والمتضررين داخل قطاع غزة (واس)

قافلة إغاثية سعودية جديدة تصل إلى غزة

وصلت إلى قطاع غزة، الأربعاء، قافلة إغاثية سعودية جديدة، محمّلة بكميات كبيرة من السلال الغذائية، مقدمة من «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية».

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص أعضاء من كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة «حماس» وكتائب القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي ينتشرون عند التقاطعات في غزة (أ.ف.ب) p-circle

خاص مصدر لـ«الشرق الأوسط»: القاهرة ستستقبل وتدرب آلاف المرشحين للعمل بشرطة غزة

ترتيبات جديدة تفرضها خطة الممثل السامي لقطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ملادينوف، بشأن مستقبل القطاع، وفق آليات تبادلية وتدريجية.

محمد محمود (القاهرة)
أوروبا وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر لدى وصولها إلى مقر رئاسة الوزراء في 10 داوننغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

وزيرة الخارجية البريطانية قلقة من صرف الحرب الدائرة مع إيران الأنظار عن غزة والضفة

أعربت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر، الثلاثاء، عن «قلق بالغ» إزاء صرف النزاع الدائر في الشرق الأوسط الأنظار عن خطة السلام في غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي فلسطينية تبكي لدى زيارة قبور أقاربها في خان يونس جنوب قطاع غزة... الجمعة (إ.ب.أ)

آثار الحرب تخيّم على أجواء عيدَي الفطر والأم في قطاع غزة

ظلَّت آثار الحرب حاضرةً وخيَّمت على أجواء العيد في قطاع غزة، خصوصاً بعد أن شدَّدت إسرائيل مجدداً من إجراءاتها على إدخال البضائع؛ بحجة الظروف الأمنية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
TT

لبنان يتبلّغ بمعلومات مصرية عن «حرب إسرائيلية طويلة»


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والسفير المصري علاء موسى (الرئاسة اللبنانية)

تبلّغ لبنان بمعلومات مصرية سلبية، تشير إلى أن الحرب الإسرائيلية مرشحة لأن تكون طويلة، في ظل غياب مؤشرات حاسمة على قرب التهدئة، وذلك في وقت استقدمت فيه إسرائيل فرقة عسكرية جديدة إلى جنوب لبنان، مؤكدةً اتجاهها نحو تصعيد ميداني متدرّج.

وبينما أعلن وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي الذي التقى مسؤولين في بيروت أن «بلاده تجري اتصالات مكثفة تشمل نقل رسائل بين إيران والولايات المتحدة، بالتوازي مع تواصلها مع الجانب الإسرائيلي، بهدف خفض التوتر ومنع توسع المواجهة في المنطقة»، وصفت مصادر مواكبة للقاءات عبد العاطي في بيروت الأجواء بـ«غير المشجعة».

وقالت المصادر لـ «الشرق الأوسط» إن المعطيات السياسية والعسكرية لا تعكس إيجابية في التعاطي مع الملف اللبناني، لا سيما من قبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي يرفض أن تكون الحرب على لبنان ضمن المفاوضات بين أميركا وإيران، ويتشدد في موقفه لجهة «القضاء على «حزب الله»، ما يؤشر إلى أن الحرب على لبنان ستكون طويلة الأمد.


«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
TT

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)
فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

بينما تواصل فرق الدفاع المدني السوري في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان، مثل الألغام ومخلفات الحرب التي كُشفت مع الفيضانات الأخيرة التي شهدتها المنطقة الشرقية في سوريا، خصوصاً بعد انجراف الألغام من مواقعها وظهورها على سطح التربة، ما وسّع نطاق تهديدها ووضعها في متناول السكان، وفرض واقعاً أكثر تعقيداً يتطلب استجابة عاجلة ومنظّمة.

فرق الدفاع المدني السوري تستجيب لفيضان نهر الخابور وروافده محافظة الحسكة لمنع وصول المياه لمنازل السكان (حساب فيسبوك)

وفي هذا السياق، أوضح مدير (إدارة الإزالة في المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلفات الحرب) رائد الحسون، أن الجهات المختصة تتابع من كثب تداعيات الفيضانات الأخيرة، مشيراً إلى أن السيول لم تقتصر على كشف الألغام المدفونة، بل أسهمت أيضاً في نقلها من مواقعها الأصلية، ما أدى إلى ظهور بؤر تلوث جديدة وانتشار غير متوقع لهذه المخلفات في مناطق مختلفة، بحسب «الإخبارية السورية».

وفي تعليق على المشاهد التي أظهرت أطفالاً يتعاملون مع الألغام بشكل مباشر، وصف الحسون هذه الحادثة بأنها «صادمة»، مشدداً على أن هذا الواقع يعكس حجم التحدي في مجال التوعية المجتمعية.

ودعا في هذا الإطار إلى تكاتف الجهود بين الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، بما في ذلك المدارس والأهالي، لنشر رسائل التحذير وتعزيز ثقافة الابتعاد عن الأجسام المشبوهة، ما يسهم في تقليل عدد الضحايا إلى الحد الأدنى.

جولة ميدانية للبحث في تجنب فيضانات في سبخة السيحة التي تشهد مخاطر متزايدة نتيجة ارتفاع منسوب المياه في إدلب (الدفاع المدني السوري)

وتعمل الوزارة بالتعاون مع المركز الوطني ضمن خطة استجابة شاملة للتعامل مع الألغام ومخلّفات الحرب على مستوى البلاد، ولفت الحسون، إلى أن المرحلة الحالية تشهد تنسيقاً مكثفاً مع الشركاء المحليين والدوليين، بهدف تعزيز الجهود الميدانية وتوجيه المنظمات المختصة نحو المناطق الأكثر تضرراً، مع السعي لتأمين الدعم اللازم لمواجهة هذا التحدي المتفاقم.

وأكد أن تحديد أولويات التدخل يتم وفق معايير واضحة تشمل الكثافة السكانية وطبيعة استخدام الأراضي، سواء كانت زراعية أو مخصّصة لإعادة تأهيل البنية التحتية، ما يسمح بتوجيه الجهود نحو المواقع الأكثر عرضة للخطر والأشد تأثيراً على حياة المدنيين.

أما على صعيد حماية المزارعين، مع اقتراب موسم الحراثة، فقد أكد مدير المركز الوطني لمكافحة الألغام ومخلّفات الحرب أن الإجراءات تتركز على تكثيف حملات التوعية في المناطق المتضررة، بالتوازي مع إرسال فرق المسح غير التقني لتحديد مواقع التلوث بدقة، تمهيداً للتعامل معها وفق الأولويات المعتمدة، بما يضمن تقليل المخاطر المرتبطة باستخدام الأراضي الزراعية.

جولة ميدانية للوزير السوري رائد الصالح في مركز Sinzig بمدينة بون للإطلاع على أبرز التقنيات في الاستجابة للطوارئ (سانا)

وضمن هذه الظروف الشديدة الحساسية في الكوارث الجوية التي تضرب سوريا هذه الأيام, بحث وزير الطوارئ وإدارة الكوارث السوري رائد الصالح والوفد المرافق له، في بون بألمانيا، سبل تعزيز التعاون المشترك في مجال إدارة الطوارئ والكوارث، مع الوكالة الفيدرالية الألمانية للإغاثة التقنية «THW».

واستعرض الجانبان خلال اللقاء، أمس الأربعاء، الإمكانيات والخبرات الألمانية في مجالات الاستجابة للطوارئ، وآليات التنسيق والعمل الميداني، إضافة إلى فرص تطوير التعاون الفني، وتبادل الخبرات بين الجانبين، ما يسهم في دعم قدرات الاستجابة في مواجهة الكوارث.

الصالح قال في تصريح لمراسل (سانا)، أن الزيارة شكّلت فرصة مهمة للاطلاع على التجربة الألمانية المتقدمة في إدارة الطوارئ والكوارث: «ناقشنا مع الجانب الألماني إمكانياتهم الفنية والتقنية، وسبل الاستفادة منها في تطوير عملنا، كما قمنا بزيارة ميدانية إلى مركز Sinzig التابع للوكالة الألمانية، واطلعنا على التجهيزات وآليات العمل المعتمدة لديهم».

وأشار الصالح إلى أن هذه الزيارة تمهد لمرحلة من التعاون المشترك وتبادل الخبرات بين الجانبين خلال الفترة المقبلة. واطلع الوفد المرافق لوزير الطوارئ وإدارة الكوارث خلال جولة ميدانية في مركز Sinzig بمدينة بون، على أبرز التقنيات المستخدمة في الاستجابة للطوارئ، وآليات العمل داخل المركز.


عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
TT

عسكريون في العراق تقتلهم نيران الحرب خارج ساحات القتال

أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)
أحد أقارب جندي عراقي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

فوق أنقاض مستوصف عسكري بغرب العراق صار ركاماً بعد غارة جوية، يقف أحمد مع اثنين من زملائه العاملين في الوحدة الطبية، غير مصدّقين أنهم نجوا من غارة خلّفت، الأربعاء، سبعة قتلى.

في قاعدة الحبّانية في محافظة الأنبار، يقول أحمد بصوت مثقل بالحزن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس: «نحن فقط من بقينا سالمين من وحدة الطبابة. الآخرون إمّا قُتلوا وإما أُصيبوا».

وأعلنت وزارة الدفاع العراقية، صباح الأربعاء، أن سبعة من عناصر الجيش قضوا في غارة على مستوصف الحبّانية العسكري وشعبة خدمات هندسية تابعة لآمرية الموقع، وذلك غداة ضربة على موقع لقوات «الحشد الشعبي» يبعد كيلومترين فقط قضى فيها 15 عنصراً من الحشد الذي اتهم واشنطن باستهدافه.

ويشير العسكري الثلاثيني إلى ما كان قبل 24 ساعة موقع عمله، قائلاً: «في ضربة أولى أُصيب عدد من زملائنا. حين هرعت الفرق لإنقاذهم من تحت الركام، استهدفهم الطيران مجدداً بشكل مباشر، ما أسفر عن مقتل المسعفين».

وأدّت الضربة إلى إصابة 23 عنصراً في الجيش بينهم ضباط، وفق ما قال مسؤول طبي في الموقع لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ بدء الحرب في الشرق الأوسط، تتعرّض مقار لـ«الحشد الشعبي» ولفصائل عراقية مسلحة موالية لطهران لغارات تنسب إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما تستهدف هجمات تتبناها فصائل عراقية المصالح الأميركية. وتنفّذ إيران ضربات ضد مجموعات كردية إيرانية معارضة موجودة في شمال العراق.

عراقيون يرفعون نعش جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية (أ.ف.ب)

واعتبرت الحكومة العراقية غارة، الأربعاء، «جريمة مكتملة الأركان تنتهك القانون الدولي»، وتسيء للعلاقة التي تجمع شعبي العراق والولايات المتحدة.

وأقرّ «البنتاغون»، الأسبوع الماضي، بأن مروحيات قتالية نفّذت غارات ضد فصائل موالية لطهران في العراق. لكن متحدثاً باسم وزارة الخارجية الأميركية نفى، ردّاً على سؤال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، الخميس، أن تكون القوات الأميركية استهدفت قوات الأمن العراقية.

وخلال جولة إعلامية نظمتها وزارة الدفاع العراقية، الخميس، قال مدير مديرية الإعلام والتوجيه المعنوي في الوزارة اللواء تحسين الخفاجي، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن مستوصف الحبّانية «معروف بأنه تابع لوزارة الدفاع (...) لذلك فوجئنا باستهدافه بضربة جوية».

ويروي الضابط العشريني محمّد مصطفى الذي كان على مقربة من المستوصف حين استُهدف، أنه تمكّن من إنقاذ صديقه الذي «علق بين الجدار والسقف»، قبل «الضربة الثانية التي قضت على ما تبقى».

ويقول زميله علي: «الأجساد تحوّلت إلى أشلاء خلال لحظات»، مضيفاً: «عثرنا كذلك صباح اليوم على ذراع أحد الجنود (...) ومسدّسات تحوّلت إلى كتل حديد مذاب».

«تاريخ طويل من التضحية»

في اليوم نفسه الذي قضى فيه 15 عنصراً من «الحشد الشعبي» في الأنبار، قضى ستة عناصر من قوات «البشمركة» المسلحة التابعة لحكومة كردستان العراق في هجومَين بصواريخ باليستية إيرانية على مقرّهم في مدينة سوران، في أول استهداف يخلّف قتلى في صفوف هذه القوات منذ اندلاع الحرب التي بدأت بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط).

وأعلن رئيس الإقليم نيجرفان بارزاني، الأربعاء، أن إيران «أقرّت» بأن الهجومَين كانا «عن طريق الخطأ».

في مجلس عزاء، نُظّم الأربعاء في سوران، وعُلّقت فيه صور القتلى على أكاليل زهور ناصعة البياض، توافد عشرات الرجال، وقد ارتدى بعضهم الزي الكردي التقليدي مع الكوفية، فيما كان آخرون ببزّات عسكرية. وخيّم الحزن على المكان. في قاعة أخرى، كانت نساء بالأسود يبكين الغائبين.

بينهم فاطمة مظفّر (24 عاماً) التي قُتل شقيقها كيوان عن عمر (21 عاماً)، وقد خدم في صفوف «البشمركة» مدة ثلاثة أعوام.

أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

وفيما أمسكت بها سيّدة لمؤاساتها، قالت الشابة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «قبل رحيله، ودّع أخي والدتي وشقيقتَيّ اللواتي كنّ هنا لتمضية أعياد الفطر والنوروز».

التقتها «وكالة الصحافة الفرنسية» في وقت سابق في منزل العائلة حيث كانت ترتّب بزّة شقيقها العسكرية وتضمّ أحذيته إلى صدرها وتعرض صور زفافه.

في الطابق الأرضي للمنزل، يلزم والدها مظفّر قادر (55 عاماً) الفراش، إذ يعاني شللاً جرّاء إصابة لحقت به في عام 2014 خلال محاربته تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من شمال وغرب العراق حتى دحره في عام 2017.

ويقول المقاتل السابق مع «البشمركة» إنه تحدث مع ابنه عبر الهاتف فور سقوط الصاروخ الأول قرابة الثانية من فجر الثلاثاء. ويضيف: «لكن بعد بضع ثوانٍ فقط، سقط الصاروخ الثاني، فحاولت الاتصال به مجدداً، لكن هاتفه كان قد خرج من الخدمة».

ويرى الرجل الذي حارب نظام صدام حسين قبل أن يطيح به الغزو الأميركي في 2003، أن «الأكراد اعتادوا المآسي». ويتابع: «لعائلتنا تاريخ طويل من التضحية من أجل هذه الأرض».