مجدل شمس ترفض المتاجرة بمأساتها

أهاليها قالوا لـ«الشرق الأوسط» إنهم يريدون معرفة الحقيقة وليس الانتقام لمنع مآسٍ أخرى

صور الأطفال الذين قُتلوا قبل يومين معلقة على سياج ملعب كرة القدم حيث سقط صاروخ في مجدل شمس الدرزية (أ.ف.ب)
صور الأطفال الذين قُتلوا قبل يومين معلقة على سياج ملعب كرة القدم حيث سقط صاروخ في مجدل شمس الدرزية (أ.ف.ب)
TT

مجدل شمس ترفض المتاجرة بمأساتها

صور الأطفال الذين قُتلوا قبل يومين معلقة على سياج ملعب كرة القدم حيث سقط صاروخ في مجدل شمس الدرزية (أ.ف.ب)
صور الأطفال الذين قُتلوا قبل يومين معلقة على سياج ملعب كرة القدم حيث سقط صاروخ في مجدل شمس الدرزية (أ.ف.ب)

وجد أهالي قرية مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، أنفسهم في مأزق سياسي شديد بعد سقوط الصاروخ في ملعب كرة القدم بقلب منطقة مأهولة. فتلك مجزرة حقيقية، عدد المصابين فيها تجاوز الخمسين طفلاً، 12 منهم قُتلوا بأبشع الصور.

ولغياب بنية تحتية ملائمة، اضطر الأهالي مع طواقم الأطباء والممرضين من سكان القرية، إلى لملمة أشلاء أطفالهم بالقطعة، وملاءمة كل قطعة لجسد ممزق. أحدهم، وهو جيفارا إبراهيم (11 عاماً) اختفى أثره تماماً؛ لأن الصاروخ الذي أصابه، والذي حمل 50 كيلوغراماً من المتفجرات، سقط عليه مباشرة. واحتاج الأطباء والخبراء ليوم كامل حتى عثروا على دليل لجثته.

أحد أوائل الممرضين الذين وصلوا إلى المكان في سيارة إسعاف فوجئ بجثة ابنته. أب آخر أمسك ببقايا جثة حاسباً أنها لابنه، واكتشف بعد ساعتين أنها ليست له.

المشيعون يواسون بعضهم الاثنين خلال جنازة جيفارا إبراهيم (11 عاماً) الذي عُثر على أشلائه بعد يومين من مقتله في هجوم جوي على مجدل شمس الدرزية في الجولان المحتل (أ.ف.ب)

هذه المشاهد، التي يعرفها أهل غزة جيداً من خلال أكثر من 4 آلاف مذبحة منذ بداية الحرب، كانت جديدة على أهل مجدل شمس، والحدث مهول.

وزاد من حدة المأساة أن ماكينة الدعاية الإسرائيلية اشتغلت ليل نهار لإظهار هول الحدث والتحريض على «حزب الله»، وكأن إسرائيل هي حامي حمى الإنسانية، فنظمت في مكان الكارثة مركزاً إعلامياً يضم عشرات الضباط والجنود العاملين في مكتب الناطق بلسان الجيش، وبعدة لغات، واستقبلت مئات الصحافيين من كل أنحاء العالم تغذيهم بالرواية الإسرائيلية.

سكان من مجدل شمس بالجولان يعاينون موقع انفجار الصاروخ في ملعب لكرة القدم (أ.ف.ب)

تجدر الإشارة إلى أن الجيل الجديد من أبناء وبنات الجولان، لم يخض تجربة كهذه؛ إذ لم يكونوا قد وُلدوا عام 1981، عندما أعلن أهلهم الإضراب العام طيلة 6 شهور، احتجاجاً على القانون الذي سنه الكنيست ونص على ضم الجولان إلى إسرائيل. ففي حينه فرض الاحتلال عليهم حصاراً خانقاً بهدف تجويعهم، ونُفذت حملات اعتقال وتنكيل وتعذيب. وانفجرت أزمة شديدة في العلاقات بين الدروز في إسرائيل وحكومة مناحم بيغن، تضامناً مع أبناء طائفتهم وأقاربهم في قرى الجولان. لكن لاحقاً، وبعد تلك الأحداث، هدأت الأوضاع ونشأ جيل جديد يتكلم العبرية بطلاقة، يعمل ويتعلم في إسرائيل، ويرتبط مع المجتمع الإسرائيلي اقتصادياً وتجارياً. وصار شباب الجولان يمضون أوقاتهم في كريات شمونة وحيفا وتل أبيب، مثل «فلسطينيي 48» وسكان القدس الشرقية.

ومع نشوب الحرب في سوريا، بدأت تدب خلافات سياسية شديدة بين صفوف أهالي الجولان؛ تيار قوي يؤيد النظام، وتيار قوي آخر يؤيد المعارضة، وتيار قوي ثالث يعارض الطرفين ويتحيز للوطن السوري، ورابع ضعيف له حضور ويؤيد إسرائيل ويحمل الجنسية الإسرائيلية.

بيد أن الغالبية الساحقة من أهالي الجولان المحتل يرفضون الجنسية الإسرائيلية ويحافظون على الانتماء الوطني لسوريا الدولة والتاريخ والحضارة.

في بداية كارثة مجدل شمس، فتشت ماكينة الدعاية الإسرائيلية عمن يروج لروايتها؛ فظهر في الإعلام الإسرائيلي والعالمي بعض من هاجموا «حزب الله»، واعتبروا هجومه على مجدل شمس إرهابياً وطالبوا إسرائيل بالرد عليه وتدميره. وآخرون اتهموا «حزب الله» بقصف مجدل شمس بشكل متعمد كرسالة منه ومن دمشق تحذر سكان السويداء من الاستمرار في مظاهراتهم وتصريحاتهم ضد السيد وإيران و«حزب الله».

مشايخ دروز يقيمون الصلاة على جنازة أحد ضحايا الهجوم في مجدل شمس بهضبة الجولان (أ.ف.ب)

غير أن القيادات الوطنية والدينية من مختلف المشارب، بحسب مصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، انتبهت للعبة واستدركت الأمر بعقد اجتماع في «بيت الشعب» بمجدل شمس، وأصدرت تعليمات للشباب بألا يطلقوا تصريحات تخدم إسرائيل أو تخدم «حزب الله»، بحسب المصادر. وإنه حتى لو كان الصاروخ من «حزب الله»، فإن «الأشقاء في لبنان سيعالجونه، ونحن نثق أنهم لن يهضموا حقنا»، مضيفين: «نحن تحت الاحتلال الإسرائيلي ونرفض أن نكون أداة بيده، ولن نحرره من مسؤولية المذبحة؛ إذ قد يكون الصاروخ إسرائيلياً، أُطلق خطأً أو متعمداً. وقد يكون من (حزب الله) أُلقي بخطأ فاحش وإهمال على بلدتنا».

وقال المجتمعون: «نعيش حرباً جنونية كان يجب أن تتوقف منذ شهور طويلة. ونحن مع غزة قلباً وقالباً، وعدو غزة هو عدونا. فلا ننسى وقفتها ووقفة الشعب الفلسطيني كله معنا في إضرابنا التاريخي، من (فلسطينيي 48) إلى فلسطينيي الضفة الغربية إلى فلسطينيي غزة».

تظاهر أهالي مجدل شمس ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال زيارته لقرية مجدل شمس الدرزية في مرتفعات الجولان الاثنين (أ.ف.ب)

هذا الموقف تُرجم بشكل فعلي؛ فعندما توجه مكتب نتنياهو إلى بعض عائلات الضحايا بمجدل شمس، قائلاً إن رئيس الحكومة يطلب الاجتماع بهم للتعزية والتضامن، رفضوا لقاءه، بحسب صحيفة «هآرتس»، مساء الأحد.

وزار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، موقع سقوط الصاروخ في بلدة مجدل شمس في الجولان السوري، بعد يومين من الضربة التي اتهمت إسرائيل «حزب الله» اللبناني بشنها، وفق ما أفاد مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال نتنياهو خلال الزيارة إنه «لا يمكن أن تسمح دولة إسرائيل لما حدث أن يمر، وردنا قادم وسيكون قوياً».

متظاهرون ضد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الاثنين لمجدل شمس في الجولان المحتل (أ.ف.ب)

وعارض أهالٍ من مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، مشاركة أعضاء كنيست ووزراء في حكومة نتنياهو، في مراسم تشييع الضحايا وطالبوهم بالرحيل، كما رفضوا السماح لهم بإلقاء خطابات. وانتشرت مقاطع فيديو تظهر احتجاجاً على زيارة الوزراء، بمن فيهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الاقتصاد نير بركات، ووزير التعليم يوآف كيش، ووزيرة حماية البيئة عيديت سيلمان، ووزير الطاقة إيلي كوهين. وهتف أحد سكان مجدل شمس في وجه سموتريتش: «ارحل من هنا يا مجرم، لا نريدك في الجولان»، في حين قال آخر: «جئتم إلى هنا فقط للرقص على دماء أطفالنا».

تمثال سلطان الأطرش في مجدل شمس (متداولة)

وابتداء من الاثنين، يستقبل أهالي مجدل شمس المعزين في «بيت الشعب» على مقربة من التمثال الكبير المقام في ميدان سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى ضد الاستعمار الفرنسي عام 1925. وهم يتمنون على كل زائر أن ينعم النظر طويلاً فيه، وأن يقرأ ما كتبه عليه صانعه الفنان حسن خاطر؛ فقد نقش بيتين من شعر أبو القاسم الشابي: «إذا الشّعْبُ يَوْمَاً أرَادَ الْحَيَـاةَ فَلا بُدَّ أنْ يَسْتَجِيبَ القَـدَر... وَلا بُـدَّ لِلَّيـْلِ أنْ يَنْجَلِــي وَلا بُدَّ للقَيْدِ أَنْ يَنْكَسِـر».

يقول هايل أبو صالح، أحد أفراد عائلة فقدت أربعة أطفال في هذه المذبحة: «لا نبحث عن انتقام، بل عن الحقيقة. ولا نريد توسيع حرب غزة إلى الشمال، بل وقفها تماماً في الجنوب وفي الشمال؛ فهي أساس البلاء».


مقالات ذات صلة

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

المشرق العربي مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب) p-circle

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

حضّ وزير الخارجية الألماني، الثلاثاء، السلطات في لبنان على التصدي لـ«حزب الله» وإعادة بسط سيطرة الدولة على جنوب البلاد، حيث يخوض الحزب مواجهات مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (برلين)
المشرق العربي الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (الرئاسة اللبنانية)

عون: الاعتداءات الإسرائيلية تعرقل إنهاء الحرب ولن يفاوض أحد عن لبنان

أكد فيه الرئيس اللبناني جوزيف أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب تعرقل الجهود المبذولة لإنهاء الحرب

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لوحات إعلانية تحمل عبارة «لبنان يجمعنا» رفعت على الطريق المؤدي إلى المطار في بيروت وذلك بعد بدء وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» (إ.ب.أ)

صراع اللافتات والصور في لبنان… مرآة لموازين القوى

لم يعد انتشار اللافتات والصور والشعارات السياسية في لبنان، ولا سيما على طريق المطار، مجرد تعبير دعائي أو مناسبة احتفالية مرتبطة بمناسبة معينة.

بولا أسطيح (بيروت)
شؤون إقليمية العلمان اللبناني (يمين) والإسرايلي يظهران عند نصب تذكاري بالقرب من الحدود الإسرائيلية- اللبنانية خارج المطلة بإسرائيل (رويترز) p-circle

إسرائيل: الجولة التالية من المحادثات مع لبنان ستُعقد الأسبوع المقبل في روما

أعلن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر اليوم الثلاثاء أن الجولة التالية من المحادثات مع لبنان ستُعقد في روما الأسبوع المقبل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتفقد قواته في جنوب لبنان أبريل 2026 (د.ب.أ) p-circle

لماذا اخترع نتنياهو «طلباً مسيحياً» لضم قرى لبنانية؟

عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ترداد فرية «المسيحيون يريدون إسرائيل».

نظير مجلي (تل أبيب)

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
TT

الشرع وماكرون يطلقان شراكة تدعم الاستثمار والإعمار

الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)
الرئيسان السوري والفرنسي في الجامع الأموي بدمشق أمس (أ.ف.ب)

أطلق الرئيس السوري أحمد الشرع ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي اختتم زياره رسمية إلى سوريا، أمس، شراكة جديدة بين البلدين تدعم الاستثمار وإعادة الإعمار. كما أشرفا على تشكيل لجان مشتركة وتوقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات للاستثمار في مجالات حيوية عدة.

وأعلن الشرع خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ماكرون عن اتفاق البلدين على «بدء مسار تبادل السفراء المقيمين بين دمشق وباريس في أقرب وقت ممكن، إيذاناً بعودة العلاقات الدبلوماسية إلى طبيعتها الكاملة».

وكان الرئيس السوري قد استقبل نظيره الفرنسي في قصر الشعب الرئاسي، عقب سماع انفجارين قرب فندق «الفورسيزونز» حيث أمضى ماكرون ليلته.

وأكّدت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون «بخير ويواصل زيارته إلى سوريا».

أما وزارة الداخلية السورية فأوضحت أن الانفجارين نجما عن عبوتين ناسفتين، مشيرة إلى أنها باشرت تحليل تسجيلات الكاميرات لكشف ملابسات التفجيرين.

وتحدث وزير الداخلية أنس خطاب عن إغلاق بعض الطرق ريثما تنتهي أعمال التأمين في محيط موقع الانفجارين.


من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
TT

من المستفيد من تفجيرات «دمشق» في مكان حساس وتوقيت حرج؟

فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)
فرق الطوارئ تعمل فيما يتصاعد الدخان والنيران في موقع انفجار عبوات ناسفة في دمشق (رويترز)

في مكان وزمان بالغ الحساسية والحرج للسلطات السورية، وقع انفجاران متتاليان على بعد نحو 10 كيلومترات من مقر إقامة الرئيس الفرنسي خلال زيارته إلى سوريا.

وقالت مصادر مقربة من الحكومة لـ«الشرق الأوسط» إن هناك أطرافاً كثيرة قد تكون مستفيدة من هذه العملية، وفي مقدمتها «الفلول» والمتضررون من التقارب الفرنسي ـ السوري. إلا أن مصادر أخرى متابعة رجّحت مسؤولية تنظيم «داعش» عن التفجير كون التنظيم ما زال التحدي الأمني الأبرز في سوريا.

وأصيب 18 شخصاً على الأقل، بينهم معاون وزير السياحة و4 من عناصر الشرطة، في انفجارين متتاليين قرب وزارة السياحة، في محيط فندق «الفورسيزونز» مقر إقامة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وجاء ذلك بعد أقل من أسبوع على انفجار وقع في مقهى للمحامين في محيط القصر العدلي، راح ضحيته 10 مدنيين، وأصيب نحو 20 آخرين.

وبحسب الخبير الأمني عبد الله النجار، تحمل هذه التفجيرات بصمات «فلول» النظام السابق، بهدف «إجهاض عملية العدالة الانتقالية، التي سوف تطولهم بالتأكيد، ولإظهار أن سوريا غير آمنة».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «العبوات بدائية الصنع، ولا تستثني أحداً، سواء مدنيون أم عسكريون» وهي ترمي إلى إظهار غياب سيطرة أمنية جيدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن «المعيار الأمني» في هذه التفجيرات «لا يشير إلى هشاشة أمنية»، ذلك لأنه يمكن لأي مجرم وضع عبوة ناسفة بدائية في حاوية قمامة، وأخرى في مركبة مركونة على جانب الطريق، كما حصل في تفجير الثلاثاء.

أفراد الأمن السوريون يتفقدون سيارة محترقة بالقرب من فندق فورسيزونز بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القصر الرئاسي بدمشق الثلاثاء (أ.ب)

من جهته، قال المحلل السياسي والدبلوماسي السابق بسام بربندي، لـ«الشرق الأوسط»، إنه كلما ظهرت «إشارات جدية» على التعافي في سوريا، تظهر ردّات فعل من الأطراف المتضررة من تحسن الوضع في البلاد، وفي هذا تتلاقى مصالح الفلول وتنظيم «داعش» و«حزب الله» اللبناني وإيران وإسرائيل.

مع الأخذ بعين الاعتبار أن أعداداً كبيرة من العناصر الذين كانوا جزءاً من نظام القمع السابق ما زالوا يعيشون «بيننا وضمن طبقات عدة»، فإن الأمر الذي لا يمكن إغفاله، بحسب بربندي، أن مؤسسات الدولة ما تزال في طور التكوين، وعناصر الأجهزة الأمنية جدد، لم يكتسبوا بعد الخبرات والقدرة الكاملة على ضبط الأمن.

ولفت المحلل السياسي إلى أن حجم التفجيرات يشير إلى أمرين، إما أن المنفذ أفراد أو مجموعات متضررة، أو أنها «جهة قادرة على القيام بعمليات كبيرة، لكن هدفها ليس التدمير في بلد هو أساساً مدمر، وإنما إشاعة عدم استقرار في كل مكان في سوريا».

بربندي شدّد على وجود رغبة دولية في توطيد الاستقرار في سوريا، وعلى الأرجح سيزداد الدعم لبناء المؤسسات الأمنية، وعلى الصعيد الاقتصادي والاستثمارات الكبيرة، غالباً لن تتأثر كونها تستند إلى حسابات سياسية، في حين ستتأثر الاقتصادات المحلية والمشاريع الصغيرة.

أشخاص يلوحون بالعلم الفرنسي أمام الفندق الذي يقيم فيه الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى دمشق (أ.ف.ب)

مصادر مقربة من الحكومة قالت لـ«الشرق الأوسط» إن هذا النوع من العبوات البدائية غالباً لا تلاحظها عمليات مسح المتفجرات، واستخدامها سياسياً أكثر منه أمنياً، لافتة إلى أن المعطيات الأولية تشير الى «الفلول» أكثر من تنظيم «داعش»، الذي يستهدف بالدرجة الأولى عناصر الأمن والعسكريين في الدولة، ومن يعتبرهم «مرتدين». كما أن ضربات التنظيم «لئيمة» جداً من حيث حجم الأضرار التي تحدثها، «إلا إذا غيّر التنظيم نهجه في العمليات بين ليلة وضحاها».

من جانبه، اعتبر الخبير الأمني ضياء قدور تلك الآراء تكهنات بسبب الأطراف المستفيدة من التفجيرات في هذا التوقيت الحساس والمحرج لسوريا إلى أبعد الحدود، إلا أنه «لا يمكن تغطية الشمس بغربال» من حيث إن تنظيم «داعش» ما زال هو «التحدي الأمني الأكبر والأبرز في سوريا».

وزير الداخلية السوري أنس خطاب يتفقد منطقة بالقرب من فندق فورسيزونز بعد انفجارين في دمشق بالقرب من فندق كان يقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن التفجير المركب الذي حصل الثلاثاء يشبه الانفجار الذي وقع في منطقة باب شرقي بدمشق في مايو (أيار) الماضي، قرب أحد المباني التابعة لوزارة الدفاع، وأسفر عن مقتل عسكري وإصابة عدد من المدنيين، وقد تبناه تنظيم «داعش».

ورأى قدور أن الخطورة «لا تكمن بوجود خلية نشطة لتنظيم (داعش) متمرسة تعمل في قلب العاصمة وفي أكثر المناطق حساسية، وإنما أيضاً في أن هذه الخلية تعمل في الوقت الذي تريده وتستطيع أن تضرب وقتما تشاء»، رغم الجهود الكبيرة التي تبذلها وزارة الداخلية لمكافحة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما (داعش) الذي ينفذ عمليات نوعية، وأحياناً استباقية».

تصاعد العمليات مؤخراً أعطى صورة سلبية عن الاستقرار النسبي الذي عاشته سوريا خلال الفترة الماضية، وهذا ما يريده من يقف خلف هذه التفجيرات، بحسب قدور الذي دعا وزارة الداخلية والاستخبارات إلى «القيام بمراجعات مؤلمة وقاسية في أسلوب التعاطي مع التهديدات الأمنية، ووضع استراتيجية شاملة للقضاء على هذه التهديدات والحدّ منها».

وأعلنت وزارة الداخلية السورية أن «انفجارين وقعا قرب وزارة السياحة بدمشق، الأمر الذي أسفر عن إصابة 18 شخصاً، من بينهم 4 من عناصر الشرطة». وقالت الوزارة إن موقع الانفجار كان خارج النطاق الأمني لمقرّ إقامة الرئيس الفرنسي.

وشهدت شوارع العاصمة السورية إجراءات أمنية مشددة، شملت العديد من الأحياء، وتم إغلاق كثير من الطرق، بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق.


برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
TT

برلين: على لبنان التصدي لـ«حزب الله» وضمان الأمن لإسرائيل

مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)
مؤتمر صحافي لوزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول ونظيره الإسرائيلي جدعون ساعر (أ.ب)

حضّ وزير الخارجية الألماني، الثلاثاء، السلطات في لبنان على التصدي لـ«حزب الله» وإعادة بسط سيطرة الدولة على جنوب البلاد، حيث يخوض الحزب مواجهات مع القوات الإسرائيلية.

وخلال زيارة إلى القدس، أشاد يوهان فاديفول الذي سبق أن أبدى هذا العام تأييده للغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان، بالاتفاق الإطاري الذي تم التوصّل إليه بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، وأكّد دعم ألمانيا للخطوة التي وصفها بأنها مبادرة «تاريخية».

وشدّد فاديفول في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر على وجوب «تحلي لبنان بالعزم لبسط سلطته، وضمان عدم وجود أي سيطرة لـ(حزب الله) في جنوب لبنان».

ولفت إلى أنه يتعيّن على لبنان أن «يضمن خصوصاً ألا تتعرض إسرائيل لأي مخاطر انطلاقاً من الأراضي اللبنانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ودخل لبنان الحرب في الثاني من مارس (آذار)، بعدما أطلق الحزب صواريخ على إسرائيل، قال إنها رداً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في أولى الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية واجتياح بري وأصدرت إنذارات إخلاء متكررة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، ما أسفر عن مقتل نحو 4300 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص، خصوصاً من جنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، وفق السلطات.

وقُتل في الجانب الإسرائيلي 38 جندياً ومتعاقد مدني.

ترحيب وتعهّد

ورحّب فاديفول بالمحادثات الجارية بوساطة أميركية بين إسرائيل ولبنان، والمقرّر أن تُستأنف في روما الأسبوع المقبل، وتعهّد توفير الدعم الأوروبي والألماني لهذا الحوار.

وقال: «إن الاتفاق الذي توصّلت إليه إسرائيل ولبنان يشكّل بارقة أمل للسكان على جانبي الحدود، الذين يعانون معاً من إرهاب (حزب الله)».

واعتبر أن المفاوضات التي يجريها لبنان وإسرائيل حالياً «خطوة تاريخية جرى التقليل من شأنها».

وتابع: «أعتقد أنه إذا أمكن دعم هذا المسار من جانب الأوروبيين، فإن إسرائيل ولبنان يمكنهما أن يعوّلا على الدعم الألماني في أي وقت».

وتطرّق فاديفول أيضاً إلى الوضع في الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل. وقال: «في الضفة الغربية، يحتاج الفلسطينيون إلى أفق لمستقبل سياسي واقتصادي».

وحضّ وزير الخارجية الألماني إسرائيل على تحويل عائدات الضرائب والجمارك التي تحجبها عن السلطة الفلسطينية في رام الله، للحؤول دون انهيارها.

وقال: «إن السلطة الفلسطينية ليست مثالية، وهي بحاجة ماسة إلى الإصلاح. لكن إضعاف السلطة الفلسطينية لا يخدم أمن إسرائيل، بل يمكن أن يخلق فراغاً قد تملؤه قوى أخرى أكثر تطرفاً».

وحذّر فاديفول من أن استمرار التوسع الاستيطاني الإسرائيلي يقوّض آفاق السلام. وقال: «لهذا السبب ننظر بقلق كبير إلى مواصلة بناء المستوطنات». وأضاف: «لا يمكن القبول دولياً بضم فعلي لأجزاء من الضفة الغربية، ولا ترى ألمانيا كيف يمكن أن يكون ذلك قانونياً».