اللبنانيون يعيشون على حافة الحرب... سباق بين التهدئة والتصعيد

المغتربون يتوافدون... والرئاسة تتحوّل ورقة مقايضة

المغني المصري أمير عيد يُحيي حفلة في مهرجان بيبلوس الدولي في جبيل الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
المغني المصري أمير عيد يُحيي حفلة في مهرجان بيبلوس الدولي في جبيل الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
TT

اللبنانيون يعيشون على حافة الحرب... سباق بين التهدئة والتصعيد

المغني المصري أمير عيد يُحيي حفلة في مهرجان بيبلوس الدولي في جبيل الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)
المغني المصري أمير عيد يُحيي حفلة في مهرجان بيبلوس الدولي في جبيل الأسبوع الماضي (أ.ف.ب)

منذ 10 أشهر دخل لبنان في دوامة الحرب، ففي 8 أكتوبر أعلن «حزب الله» عن إطلاق جبهة المساندة من جنوب لبنان، وتوسّعت لتتحوّل إلى جبهة مواجهة مع توسُّع المعركة، التي أدّت إلى تدمير معظم القرى الحدودية. ومنذ ذلك الحين يعيش لبنان على حافة الحرب، مرّ خلال هذه الأشهر بمراحل مختلفة؛ من التصعيد حيناً والتهدئة حيناً آخر، وذلك على وقع التهديدات التي يُطلقها طرفا النزاع، ومسار المفاوضات المرتبطة بغزة، انطلاقاً من أن «حزب الله» يربط وقف إطلاق النار في الجنوب بمصير جبهة غزة.

ونتج عن هذا الوضع واقع جديد في لبنان، الذي يرى البعض أنه تحوّل إلى «لبنانَين»؛ «لبنان الحرب» و«لبنان الحياة المستمرة»، وما بينهما السياسيون الذين يتقاذفون الاتهامات بالمسؤولية عن الانهيار الحاصل سياسياً واقتصادياً، وعن العجز عن انتخاب رئيس للجمهورية بعد الفراغ المستمر منذ 21 شهراً.

السفارات تحذّر رعاياها... والمغتربون يتوافدون

منذ اليوم الأول لبدء المواجهات في الجنوب بدأت السفارات الأجنبية والعربية تطلق تحذيراتها، داعيةً رعاياها إلى عدم السفر إلى لبنان، بسبب خطر التصعيد عند الحدود الجنوبية، لتعود وتجدّد دعوتها في شهر يونيو (حزيران) الماضي إثر تصاعد حِدة العمليات العسكرية، وارتفاع مستوى التهديدات التي وصلت إلى حدّ تهديد المسؤولين في إسرائيل بإعادة لبنان إلى «العصر الحجري».

وهذا الأمر أدى في المرحلة الأولى إلى تقليص عدد الرحلات، وتوقّف مؤقت لبعض شركات الطيران العالمية لأيام معدودة قبل أن تعاود رحلاتها كالمعتاد. كذلك عمدت شركة «طيران الشرق الأوسط» إلى سحب عدد من طائراتها إلى إسطنبول وقبرص بوصفها خطوة احترازية، وبعد قرار شركات التأمين بتقليص تغطيتها كونَ لبنان بات في حالة حرب، لتعيدها بعد أسابيع إلى لبنان، حيث تعمل اليوم بـ20 طائرة من أصل 22، فيما لا تزال طائرة واحدة فقط في قبرص وأخرى في عمان.

وبعدما كانت التوقعات بانعكاس الحرب سلباً على موسم الأعياد، وهو ما أظهر خوفاً في صفوف المغتربين من المجيء إلى بلدهم في بادئ الأمر، عادوا «وقاوموا» كل التحذيرات، وأتوا إلى لبنان، فسُجّل وصول 13 ألف شخص إلى مطار بيروت قُبيل عيد الميلاد، وازدحمت بهم قاعات المطار، والأمر نفسه كان في فترة الأعياد في شهر أبريل (نيسان)، حيث اختار المغتربون تمضية إجازاتهم في لبنان، ما انعكس إيجاباً على الاقتصاد.

ورغم أن التصعيد المتجدّد الذي شهدته جبهة الجنوب أتى في شهر يونيو، أي في بداية الصيف، ما أدى إلى تردّد بعض المغتربين في زيارة لبنان، فإنه بمجرد أن تراجعت التهديدات عادوا وقرّروا تمضية عطلتهم إلى جانب عائلاتهم، وسجّل وصول نحو 400 ألف زائر خلال شهر يونيو، مع تقديرات بارتفاع الرقم في يوليو (تموز) وأغسطس (آب).

وهذه الأرقام المرتفعة تبدو واضحة من الزحمة التي تشهدها المطاعم والمقاهي، كذلك الحفلات الفنية التي يُحييها أشهر الفنانين اللبنانيين والعرب، لكن هذه الحركة لم تنسحب على الفنادق، التي تعتمد على زبائنها من الأجانب والسياح العرب، الذين التزموا بتعليمات سفاراتهم، وتجنّبوا المجيء إلى لبنان، وهو ما أدى إلى إقفال عدد كبير من فنادق بيروت وجبل لبنان، وفق ما يؤكد نقيب الفنادق بيار الأشقر.

لكن في المقابل فإن مجيء المغتربين انعكس إيجاباً على السياحة الداخلية، وعلى حركة المطاعم والمقاهي التي تكتظّ برُوّادها طوال أيام الأسبوع.

لبنان واحد في شعبه وتطلعاته للخلاص عبر الدولة

ورغم ذلك، يرفض المحلّل السياسي، علي الأمين، الحديث عن «لبنانَين»، قائلاً: «لا أرى لبنانَين، بل هناك لبنان واحد في شعبه، وفي تطلعاته للخلاص من خلال الدولة، والدولة وحدها». ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «اللبنانيون مُصادَرون بقوة السلاح غير الشرعي من جهة، وبخطاب طائفي يذهب إلى تمجيد العزلة، وهي أسلحة تستخدم من جانب أطراف المنظومة الحاكمة التي يديرها (حزب الله)، ويحافظ على قواعدها برموش العين، وبعض خصومه يستسيغونها ولا ينقلبون عليها».

من هنا، يؤكد الأمين، الذي ينحدر من الجنوب، أن «القول إن الجنوب يعيش الحرب، وبقية اللبنانيين يعيشون السلام، فيه من التجنّي على اللبنانيين الموحَّدين في الألم والمتعلّقين بالأمل»، موضحاً: «لأن الحياة في المناطق التي تتعرض للعدوان هي نفسها في المناطق التي لا تطولها الاعتداءات، ويمكن أن ينطبق ذلك على الجنوب نفسه، فهناك مناطق آمنة الحياة فيها مستمرة، ومناطق غير آمنة دُمّرت وهجرها سكانها، وبالتالي لا يمكن القول: إن مَن يعيش بسلام من العدوان المباشر لا يتأثر أو يتفاعل مع مَن دُمّر بيته أو قُتل أو هُجّر...».

ويَعدّ الأمين أن «الانقسام فوقي ومفتعَل، وصناعة تجار الأزمات والحروب ومافيات الطوائف، وهذا واقع ملموس؛ لأن ما يُستثمر في الشرخ والتقسيم وفرز الشعب اللبناني إلى فئات متناحرة، لم يُستثمر جزء قليل منه في بناء الدولة وإصلاحها، وفي سبيل صلاح مؤسّساتها، تدمير الدولة هو منهج جلِيّ وواضح، ولا يقوم به المواطن، بل أحزاب ترى في وجودها فوق القانون فرصة حياتها، وفي خطاب الكراهية والعصبية مساحة وجودها وبقائها».

الانتخابات الرئاسية تتحوّل إلى ورقة مقايضة مع معادلة «الجنوب - غزة»

بدأت الحرب في جنوب لبنان بعد سنة كاملة من الفراغ الرئاسي، وعدم قدرة الأفرقاء اللبنانيين على الاتفاق أو إنجاز الاستحقاق نتيجة الانقسام العمودي فيما بينهم، هذا الانقسام كرّسته بشكل أكبر الحرب في الجنوب، بين داعم لـ«حزب الله» و«حرب المساندة»، وبين رافضٍ زجَّ لبنان بالحرب رغم التأييد للقضية الفلسطينية وللفلسطينيين، وهو انعكس سلباً على الأزمة الرئاسية؛ إذ لم يدعُ رئيس البرلمان إلى جلسة لانتخاب رئيس منذ شهر يونيو 2013 بعدما كانت قد عُقدت 12 جلسة، وانتهت من دون نتيجة.

وما زاد الأمر تعقيداً هو ربط الاستحقاق بنتائج الحرب، التي يربطها «حزب الله» بالحرب في غزة، ويؤكد مسؤولوه أن وقف إطلاق النار في الجنوب مرتبط بالهدنة في غزة، وقد باءت كل المبادرات الرئاسية التي تطلقها أطراف داخلية وخارجية بالفشل، وبات الجميع مقتنعاً بأن الانتخابات الرئاسية لن تُنجَز قبل إنهاء الحرب، رغم إعلان «حزب الله» عكس ذلك.

وهذا الأمر يتحدث عنه رئيس جهاز الإعلام في حزب «القوات اللبنانية» شارل جبور، مشيراً إلى اختلاف في مقاربة «حزب الله» للاستحقاق الرئاسي بين ما قبل الحرب وما بعدها، ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «قبل الحرب كان الحزب يعمل على قاعدة تعطيل الانتخاب؛ كي يرضخ الطرف الآخر وينتخب مرشحه، منطلقاً في ذلك من محطات سابقة، أما بعد الحرب فقد دخل عاملان؛ الأول خطير، وهو مخالِف للدستور؛ عبر محاولة الحزب وحليفه رئيس البرلمان نبيه بري فرضَ إلزامية الحوار قبل الانتخاب، كما ذهب رئيس كتلة (حزب الله) النائب محمد رعد للقول: (العرف أقوى من الدستور)، في إشارة إلى الحوارات التي سبقت انتخابات رئاسية سابقة».

ويرى جبور أن «حزب الله» يعطّل الانتخابات الرئاسية؛ لأنه يريد أن يكون المفاوض من فريقه السياسي، أي إما رئيس البرلمان في مرحلة الفراغ، أو رئيس محسوب عليه، متحدثاً كذلك عن تحوّل الحرب إلى ورقة مقايضة في يد «حزب الله»، يستعملها في الانتخابات الرئاسية، وبالتالي هم لن ينتخبوا رئيساً إلا على قاعدة بيع هذه الورقة، أو تكريس مفهوم الحوار قبل الانتخاب، وبالتالي تكريس المرجعية الشيعية السياسية.


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

شؤون إقليمية جندي إسرائيلي يقف بجوار حاجز على جبل الشيخ 8 يناير 2025 (أ.ف.ب)

الجيش الإسرائيلي يعارض انسحاب قواته من سوريا لأنه يقيد حرية عملياته

أعربت مصادر في قيادة الجيش الإسرائيلي عن معارضتها لمضمون المحادثات الجارية بين دمشق وتل أبيب للتوصل إلى اتفاق «تفاهمات أمنية»

«الشرق الأوسط» (تل ابيب)
المشرق العربي عناصر الجيش اللبناني يُنشئون نقطة ميدانية عند الحدود الجنوبية (قيادة الجيش)

استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية

سُجّل استنفار للجيش اللبناني عند الحدود الجنوبية إثر استفزازات إسرائيلية للضغط عليه للانسحاب من نقاط تموضع فيها.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي آلية للجيش اللبناني في بلدة ميس الجبل جنوب لبنان تعبر قرب أبنية متضررة جراء الحرب (أرشيفية - رويترز)

بعد أكثر من عام على الحرب... نازحون لبنانيون مهددون بخسارة سكنهم المؤقت

مرّ أكثر من عام على انتهاء الحرب التي شنتها إسرائيل على لبنان، ولا يزال عدد كبير من اللبنانيين نازحين؛ يعيشون ظروفاً حياتية صعبة للغاية.

حنان حمدان (بيروت)
المشرق العربي قائد الجيش العماد رودولف هيكل (قيادة الجيش)

زيارة «مفصلية» لقائد الجيش اللبناني إلى واشنطن بداية فبراير

يستعد قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، لزيارة واشنطن بين 3 و5 فبراير (شباط) المقبل، بعد تأجيل الزيارة التي كانت مقررة نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم يتحدث في خطاب متلفز الأحد (إعلام حزب الله)

السلاح لا يطمئن بيئة «حزب الله» بلا إعمار بلدات جنوب لبنان

يخطئ الأمين العام لـ«حزب الله» إذا ظن أن إكثاره من إطلالاته المتلفزة سيؤدي إلى شد عصب بيئته بتأييدها احتفاظه بسلاحه بلا تعهدات بإعمار البلدات المدمّرة.

محمد شقير (بيروت)

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
TT

عون: الجيش «نظّف» جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي

رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)
رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون (د.ب.أ)

أكد رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون، اليوم (الثلاثاء)، أن «ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس (آب) و5 سبتمبر (أيلول) بشأن حصر السلاح بيد الدولة ليس قليلاً».

وأضاف عون، خلال استقباله السلك الدبلوماسي: «منذ أكثر من 10 أشهر تمكّن الجيش من السيطرة على جنوب الليطاني ونظّف المنطقة من السلاح غير الشرعي».

وقال: «رغم كل الاستفزازات والتخوين والتجريح والتجني سنواصل أداء واجبنا تجاه الدولة».

وتابع: «نؤكد تطلعنا إلى استمرار مسارنا حتى تعود الدولة كاملة تحت سلطة واحدة، وسنوقف نهائياً أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا».

وختم: «سنعمل كي يكون جنوب لبنان كما كل حدودنا الدولية في عهدة قواتنا المسلحة حصراً».

وتواصل إسرائيل شن غارات على لبنان رغم وقف إطلاق النار الذي تمّ التوصل إليه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 بعد حرب استمرّت أكثر من عام. وتقول إسرائيل بشكل أساسيّ إن هذه الضربات تستهدف «حزب الله،» وأحياناً حركة «حماس» الفلسطينية.

وكان الجيش اللبناني أعلن قبل أسبوعين إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع سلاح «حزب الله»، التي أقرتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن إسرائيل شككت في الخطوة وعدّتها «غير كافية بتاتاً»، مجددة مطلبها بنزع سلاح الحزب في كل لبنان.


السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
TT

السيسي وترمب لبحث المستجدات الإقليمية على هامش منتدى دافوس

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والمصري عبد الفتاح السيسي (أرشيفية - رويترز)

يتوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الثلاثاء)، إلى مدينة دافوس السويسرية، للمشاركة في أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي الذي يُعقد خلال الفترة من 19 إلى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، تحت شعار «روح الحوار».

وصرح المتحدث الرسمي باسم «الرئاسة المصرية»، محمد الشناوي، في بيان صحافي اليوم، بأن جدول أعمال المنتدى يتضمّن سلسلة من الفعاليات يشارك فيها قادة دول ورؤساء منظمات دولية وإقليمية، إلى جانب ممثلين عن كبرى مؤسسات القطاع الخاص.

وأشار الشناوي إلى أن جلسات المنتدى سوف تتناول موضوعات تتعلق بتعزيز التعاون الدولي، ودعم مسارات الازدهار العالمي، وتوسيع الاعتماد على التكنولوجيا والابتكار بوصفها قاطرة للنمو، فضلاً عن الاستثمار في رأس المال البشري.

ولفت المتحدث إلى أن الرئيس المصري سوف يلتقي على هامش أعمال المنتدى، نظيره الأميركي دونالد ترمب، وذلك للتباحث حول آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزّز الاستقرار الإقليمي والدولي.


ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
TT

ترمب يُدشّن «مجلس السلام» في دافوس الخميس ويتوعّد المترددين

الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)
الرئيس دونالد ترمب دعا إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» الخميس في دافوس (أ.ب)

دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى عقد أول اجتماع لـ«مجلس السلام» يوم الخميس في دافوس، في خطوة استنفرت القادة الغربيين المجتمعين في بلدة التزلج السويسرية، وسط تصاعد الضغوط الأميركية لحسم المواقف من المبادرة الجديدة.

ويدرك حلفاء واشنطن، وكذلك بعض خصومها وفي مقدّمهم الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جينبينغ، أن عامل الوقت لا يعمل لصالحهم، مع تكثيف البيت الأبيض ضغوطه على قادة الدول الـ65 المدعوة لتأكيد موقفها من المجلس، وتوقيع الميثاق التأسيسي بحلول الساعة 10:30 صباح الخميس في دافوس. ويتوقّع أن يعرض ترمب ملامح المبادرة التي يروّج لها باعتبارها «إطاراً دولياً جديداً» لإدارة النزاعات، في خطاب أمام قادة الأعمال المشاركين في المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الأربعاء.

ومع اتساع دائرة الدعوات لتشمل دولاً لا تجمعها علاقات ودية، تتزايد التساؤلات حول طبيعة تفويض «مجلس السلام» وآليات اتخاذ القرار داخله. ويرى دبلوماسيون مجتمعون في دافوس أن المبادرة، التي يُفترض أن تبدأ بملف غزة قبل أن تمتد لاحقاً إلى بؤر ساخنة أخرى حول العالم، قد تُشكّل تحدياً مباشراً لدور الأمم المتحدة، وتعيد رسم قواعد إدارة الصراعات الدولية خارج الأطر التقليدية.

ميثاق المجلس: من غزة إلى النزاعات العالمية

بعد إعلانه المرحلة الثانية من خطة السلام في قطاع غزة في 17 يناير (كانون الثاني)، وجّه البيت الأبيض دعوة إلى أكثر من 60 دولة للانضمام إلى «مجلس السلام»، الذي يشكّل ركناً أساسياً في برنامج أُقرّ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 عقب وقف إطلاق النار في القطاع. وكان الهدف الأصلي من المجلس هو دعم الإدارة الفلسطينية عبر تنسيق جهود إعادة الإعمار وتحفيز التنمية الاقتصادية، بعد عامين من الحرب بين إسرائيل و«حماس».

دافوس تشهد الخميس تدشين «مجلس السلام» (رويترز)

وحظي المجلس حينها بموافقة رسمية بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على أن يقتصر دوره جغرافياً على غزة وينتهي تفويضه في عام 2027. غير أن وثيقة الميثاق التي تسرّبت إلى وسائل الإعلام تكشف عن مراجعة جوهرية في طموحات الرئيس الأميركي، إذ توسّع نطاق المهمة ليشمل «تعزيز الاستقرار، واستعادة الحكم الرشيد والقانوني، وضمان سلام دائم في المناطق المتأثرة أو المهددة بالنزاعات»، من دون أي إشارة مباشرة إلى غزة.

رئاسة دائمة... وعضوية مشروطة

وتشير الوثائق الأولية إلى أن الرئيس ترمب سيحظى برئاسة دائمة للمجلس، فيما تُمنح الدول عضوية لمدة ثلاث سنوات، قابلة للتحوّل إلى عضوية دائمة مقابل مساهمة مالية قدرها مليار دولار. وفيما لم تتضح بعد الجهة المستفيدة من هذه المساهمات، لمّح مسؤولون أميركيون في تسريبات صحافية إلى أنها ستُخصّص لصندوق إعادة إعمار القطاع الفلسطيني.

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إعادة إعمار غزة ستتطلب نحو 53 مليار دولار، ما يضيف بعداً مالياً بالغ الحساسية إلى المبادرة.

«استبدال» الأمم المتحدة

يرى ترمب نفسه على نحو متزايد كمهندس عالمي لـ«السلام بالقوة»، ويسعى إلى تكريس هذا الدور عبر طرح إطار دولي جديد يتجاوز، بحسب رؤيته، «بطء آليات العمل داخل الأمم المتحدة» وما يعتبره حالة من «الشلل المؤسسي» التي تعوق الاستجابة للأزمات الدولية.

وعبّر مسؤولون أوروبيون، ولا سيما في أروقة دافوس، عن مخاوفهم من سعي ساكن البيت الأبيض إلى تحجيم دور الأمم المتحدة، أو حتى «استبدالها»، عبر توسيع صلاحيات «مجلس السلام» خارج إطار غزة. وتزداد هذه الهواجس في ظل انعقاد اجتماعات المجلس في غياب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي اعتذر عن المشاركة في أعمال دافوس بسبب إصابته بالزكام، وفق نائب المتحدث باسمه فرحان حق.

«مجلس السلام» لن يكون محصوراً بغزة فقط (أ.ف.ب)

ويشير ميثاق المجلس، الذي نُشرت نسخة منه في وسائل إعلام عدة، إلى أن «العديد من مقاربات بناء السلام تُضفي طابعاً مؤسسياً على الأزمات، بدلاً من قيادة المجتمعات إلى تجاوزها»، داعياً إلى «التحلّي بالشجاعة للابتعاد عن أساليب ومؤسسات أخفقت مراراً في تحقيق أهدافها».

حذر أوروبي وتهديدات مبطّنة

يعمل حلفاء أوروبيون على تنسيق موقف مشترك والسعي لتعديل بنود الميثاق المقترح، بحسب مصادر مطّلعة، في وقت تتكثف فيه المشاورات خلف الكواليس، سواء عبر القنوات الدبلوماسية المعتادة أو في أروقة دافوس المتوتّرة.

ويدرك الأوروبيون أن الوقت ليس في صالحهم مع اقتراب موعد الخميس، ولا سيما في ظل تزامن هذه الجهود مع مرحلة دقيقة من المفاوضات المرتبطة بالحرب الروسية المستمرة على أوكرانيا، ومع تهديدات ترمب بـ«شراء» غرينلاند الدنماركية.

وكان الموقف الفرنسي الأشد حدّة داخل القارة الأوروبية، إذ استبعد الرئيس إيمانويل ماكرون انضمام باريس إلى المجلس «في هذه المرحلة»، مشيراً إلى تساؤلات جوهرية تتعلق باحترام مبادئ وهيكلية الأمم المتحدة. وردّ ترمب لاحقاً بلهجة ساخرة، ملوّحاً في منشور على منصة «تروث سوشال» بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على صادرات فرنسية، قبل أن يستدرك بأن باريس «ليست ملزمة بالمشاركة».

مواقف دولية متباينة

من جانبها، عبّرت إسرائيل عن «تحفّظات» على المجلس. فرغم دعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو «مبدأ» «مجلس السلام»، اعتبر مكتبه أن اللجنة المنفصلة المعنية بغزة، والتي يُفترض أن تعمل تحت مظلة المجلس، «لم يتم التنسيق بشأنها مع إسرائيل وتتعارض مع سياستها»، ولا سيما بعد إدراج مسؤولين من قطر وتركيا ضمنها.

في المقابل، أبدت دول أخرى انفتاحاً مشروطاً. وقال رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إنه منفتح «من حيث المبدأ» على الانضمام، مع التشديد على ضرورة مناقشة الشروط. فيما امتنع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن تأييد المبادرة، مكتفياً بالإشارة إلى مشاورات مع الحلفاء.

وفي أميركا اللاتينية، أكّد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أنه سيصبح عضواً مؤسساً في المجلس، فيما عرضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني نفسها «وسيطاً محتملاً». عربياً، قبل ملك المغرب محمد السادس الانضمام إلى المجلس، ليصبح أول زعيم عربي يؤكد مشاركته، إلى جانب دول مثل فيتنام وكازاخستان والمجر (هنغاريا).

وأبدت موسكو وبكين حذراً لافتاً. فقد أعلن الكرملين أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تلقى دعوة رسمية، وأن موسكو تدرس تفاصيلها. أما الصين، فأكدت تسلّمها الدعوة من دون الإفصاح عمّا إذا كانت ستقبلها، في ظل هدنة تجارية هشّة مع واشنطن.