إيران لا تزال صاحبة النفوذ الأكبر على الأرض السورية

التحديث السنوي وثق «انخفاضاً محدوداً» للوجود العسكري الأجنبي

جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)
جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)
TT

إيران لا تزال صاحبة النفوذ الأكبر على الأرض السورية

جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)
جنود قافلة روسية ونظراؤهم الأمريكيون يتبادلون التحية عند تقاطع دورياتهم في حقل نفط قرب القحطانية بمحافظة الحسكة شمال شرقي سوريا 8 أكتوبر 2022 (أ.ف.ب)

شهد التحديث السنوي لخريطة انتشار الوجود العسكري الأجنبي في سوريا، «انخفاضاً محدوداً» خلال الفترة بين منتصف عامَي 2023 و2024؛ بتراجع عدد القواعد والنقاط العسكرية الأجنبية من 830 إلى 801 موقع، حسب «مركز جسور للدراسات».

وبينما ينوّه التقرير إلى مساهمة الوجود العسكري الأجنبي في سوريا واتفاق وَقْف إطلاق النار بين تركيا وروسيا في 5 مارس (آذار) 2020، بفرض أطول فترة تهدئة وتجميد لحدود السيطرة وخطوط التماسّ بين القوى المحلية، يلفت إلى أن هذه العوامل أدت في الوقت ذاته إلى «وصول النزاع في سوريا إلى طريق مسدود»، فقد حالت دون قدرة أي طرف على الحسم الميداني رغم استمرار النشاط العسكري «الذي يعكس إصراراً على عدم التخلّي عن الحل العسكري»، وما قد ينجم عن ذلك من زيادة احتمال وقوع صدام مباشر بين القوات الأجنبية في سوريا.

يلفت التقرير أيضاً إلى تراجع المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا من 570 إلى 529، مما يفسر أن «إيران لا تزال الدولة صاحبة الانتشار العسكري الأكبر، مقارنةً مع بقية القُوَى الأجنبية».

عناصر من «الحرس الثوري» الإيراني في سوريا (أرشيفية - متداولة)

يتقاطع تقرير أخير للمرصد السوري لحقوق الإنسان، مع نتائج خريطة مركز «جسور»، إذ يفيد بأن إيران تتغلغل في عمق البلاد وتواصل عبر ميليشياتها الهيمنة المطلقة على معظم المناطق التي تشهد تحركات يومية للإيرانيين والميليشيات التابعة، عبر سعي متواصل لترسيخ وجودها بأساليب عدة، وخطة ممنهجة لتغيير ديمغرافية المناطق.

ولدى إيران 52 قاعدة عسكرية، إلى جانب 477 نقطة، متوزعة على 117 موقعاً في حلب، و109 بريف دمشق، و77 في دير الزور، و67 في حمص، و28 في حماة، و27 في إدلب، و20 في القنيطرة، و17 في اللاذقية، و16 في درعا، و14 في الرقة، و13 في السويداء، و9 في طرطوس، و8 في الحسكة، و7 في دمشق.

خريطة انتشار القوات الخارجية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

اقتصر تحديث الخريطة على المواقع العسكريّة الثابتة والمستقرّة؛ ولم تشمل النقاط والحواجز ونقاط التفتيش المتحرّكة والمؤقتة التي يستخدمها بعض القوات خلال عملها العسكري، خصوصاً الميليشيات الإيرانيّة التي تعتمد على هذا الشكل من المواقع بشكل واسع.

ويميز الباحثون القائمون على تحديث الخريطة الحالية، بين صنفين من المواقع العسكرية هما: القواعد والنقاط.

القاعدة العسكرية تكون مجهَّزة بمُعَدّات وتجهيزات عسكرية وعملياتية، سواءً لمهامّ الدفاع أم الهجوم، كمهابط الطيران والأنظمة الصاروخية الأرضية والجوية، مع وجود وحدات على الأرض.

جنديان تركيان في دورية بمنطقة الجدار الحدودي بين تركيا وسوريا (وزارة الدفاع التركية)

من الملحوظات اللافتة أيضاً أن الخريطة «ترصد فقط النقاط التي تمتلك فيها القُوَى الأجنبية كامل الصلاحية والقيادة والتمويل»، وبذلك فإنّها لا ترصد انتشار الخبراء أو الفنيين أو العسكريين، قادة أو مستشارين أو عناصر ضِمن مواقع أو منشآت أو حواجز القوات المحلية المختلفة أو ضِمن مؤسسات الحكم والإدارة المدنية.

في رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عن تأثير القصف الأميركي (شرق سوريا) والإسرائيلي في الداخل السوري في قيادات ومواقع «الحرس الثوري»، أو حرب غزة، وفي تراجع الوجود العسكري الإيراني على محدوديته؟ يقول عبد الوهاب عاصي، باحث رئيسي في مركز «جسور للدراسات»، إن «تراجع المواقع الإيرانية جزء من عملية إعادة انتشار قامت بها ميليشياتها تحت ضغط روسي، حيث تركّز الانسحاب في المنطقة الجنوبية، أي إنه مرتبط بتداعيات الحرب على غزة».

ويتوقع الباحث في حال استمرار التصعيد الإسرائيلي ضد الميليشيات الإيرانية في سوريا «حصول مزيد من الانسحاب، أو إعادة الانتشار للمواقع الإيرانية من الجنوب السوري»، لا سيما أنّ الضربات الإسرائيلية «زادت وتيرتها بشكل كبير بعد حرب غزة مقارنةً مع السنوات السابقة».

منطقة البوكمال نقطة استراتيجية للمسلّحين الموالين لإيران شرق سوريا (أ.ف.ب)

غير أن انسحاب الميليشيات الإيرانية وعمليات إعادة التموضع المذكورة، حسب التقرير الجديد لـ«جسور»، لم يؤثرا في الأهداف والقيمة الاستراتيجية للانتشار العسكري في سوريا، الذي لا يزال يحافظ على الطريق الدولي الذي يقطع سوريا عرضاً، من معبر البوكمال في محافظة دير الزور مروراً بالبادية السورية ومنها إلى محافظات حمص ودمشق، وصولاً إلى الحدود اللبنانية.

هذا إضافة إلى انتشار ثابت في خطوط التماسّ مع مناطق سيطرة المعارضة المسلحة، وفي الجنوب السوري وخطوط تهريب المخدرات المتعددة ضِمن الجغرافيا السورية.

تمركز قرب الحاضرتين

يُظهر تحديث الخريطة أن حلب حصدت النسبة الأكبر، تليها دمشق (من خلال ريفها الملاصق). فهل من تفسير لتركز القوى العسكرية الأجنبية في الحاضرتين الأهم في سوريا؟

قوات تركية في الشمال السوري خلال ديسمبر الماضي (موقع «تي 24» التركي)

يقول الباحث عبد الوهاب عاصي إن التركيز في هاتين المنطقتين مرتبط بجوانب عديدة، فمثلاً، تعد حلب بالنسبة لإيران «منطقة في العمق، بعيدة عن الضربات الإسرائيلية والأميركية، وتستخدمها لتخزين الأسلحة. من جهة أخرى، هي منطقة استراتيجية لحماية النظام السوري من هجمات المعارضة المسلّحة التي تتجمع شمال وغرب حلب».

أما بالنسبة لروسيا وتركيا، فهما تسعيان لحماية اتفاق خفض التصعيد (في الشمال السوري)، الذي جرى توقيعه بعد استعادة النظام سلطته على حلب في ديسمبر (كانون الأول) 2016.

عن دمشق، يقول عاصي، إنها العاصمة السياسية وطريق الإمداد الرئيسي بالنسبة لإيران، «ولكونها تسعى لإقامة ضاحية جنوبية جديدة في العاصمة»، (على نموذج الضاحية التي يسيطر عليها «حزب الله» في بيروت).

مجاورة الأميركيين

وبينما يتوقع المهتم أن تظهر دير الزور شرق سوريا صاحبة العدد الأكبر لقواعد والنقاط العسكرية الإيرانية في سوريا، إلا أنها جاءت في المرتبة الثالثة بعد حلب ودمشق، لحدودها المشتركة مع العراق حيث امتداد نفوذ إيران.

خريطة المواقع العسكرية الإيرانية في سوريا منتصف 2023 - 2024 (مركز «جسور»)

يعلق الباحث في مركز «جسور» بقوله إن دير الزور «فعلياً» أهم منطقة بالنسبة لإيران بعد ريف دمشق وحلب؛ فعدد المواقع الإيرانية فيها أكثر من مجموع مواقعها في دمشق والحسكة وطرطوس والسويداء والرقة ودرعا. وتنبع أهمية هذه المحافظة، من كونها أول نقطة على مشروع إيران الاستراتيجي الذي يبحث عن فتح «طريق طهران - بغداد - دمشق - بيروت». كذلك لكونها مطلّة على القواعد الأميركية في سوريا؛ حيث تمنحها القدرة على الضغط على الولايات المتحدة والدخول معها في مفاوضات بشأن المشروع الإيراني في المنطقة.

مقاتلون من «قسد» على طريق في دير الزور (أ.ف.ب)

من جهة أخرى، يقول عاصي إنّ الانتشار في المحافظة يتيح لإيران الضغط على مشروع حزب الاتحاد الديمقراطي (الكردي)، عبر استهداف «قسد» بشكل مباشر (تسيطر على محافظة الحسكة المجاورة وبعض دير الزور)، وإحداث الاختراق الأمني ودعم مجموعات مسلحة في مناطق شرق الفرات.

الخلاصة

يخلص التقرير إلى أن روسيا لا تزال تحتفظ بجميع مواقعها، كما أنّها انتشرت خلال الأشهر الأولى من عام 2024 في نقاط جديدة لأول مرة، في محافظة القنيطرة المُطِلّة على منطقة الجولان، مما يمنح روسيا أداة قوة وضغط في أي مفاوضات مع إسرائيل. وهي لا تزال تمتلك توزُّعاً عسكرياً ذا قيمة استراتيجية عالية، يركز بشكل كبير على الساحل السوري المُطِلّ على البحر المتوسط وفي معظم المنشآت والمراكز الاستراتيجية التابعة للنظام.

هذا بالإضافة إلى شمال شرقي البلاد الذي يتركز فيه معظم حقول النفط والغاز السورية، وتتمركز ضِمن جزء منه مواقع قوات التحالف الدولي، مما يمنح روسيا أداة ضغط على الولايات المتحدة متاحة للاستخدام في أي وقت.

وجود أميركي نوعي

أما قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، بدورها، متمسكة بانتشارها العسكري في سوريا، ويلاحظ التقرير قلة مواقعها مقارَنةً مع بقية الفاعلين، وما يفسر ذلك أنها تعتمد على القواعد العسكرية لا على النقاط الصغيرة.

جندي عراقي يراقب الأوضاع بالقرب من الحدود العراقية - السورية عند معبر البوكمال - القائم الحدودي (رويترز)

وبالتالي، فإن «وجودها العسكري نوعي وليس كمّيّاً»، يركز على منطقة تُحقِّق لها أهدافاً استراتيجية، مثل مراقبة أنشطة خلايا تنظيم «داعش» والميليشيات الإيرانية بين العراق وسوريا، وضمان المشاركة في تطبيق حصار اقتصادي على النظام السوري عَبْر حرمانه من استخراج النفط وبيعه في مناطقه.

لاحَظ التقرير زيادة التحالف موقعين له في محافظة الرقة، بعد انسحاب من المحافظة في أكتوبر (تشرين الأول) 2019، مما يعكس الرغبة في إعادة حضوره في هذه المنطقة وموازنته مع الوجود الروسي فيها.

وبالنسبة إلى تركيا، فهي تركز على الانتشار العسكري في المناطق القريبة من الشريط الحدودي من إدلب حتى الحسكة، مروراً بريفَي حلب والرقة، وتغلب عليه الطبيعة الأمنية بما يعكس أهداف تركيا في سوريا، المتمثلة في الدفاع عن أمنها القومي ضد نشوء كيان انفصالي كردي على حدودها الجنوبية.


مقالات ذات صلة

المؤبد لـ7 فرنسيين في العراق بتهمة الانتماء إلى «داعش»

المشرق العربي رجل أمن عراقي مع مشتبه فيه بالانتماء إلى «داعش» في سجن الكرخ ببغداد (أ.ب)

المؤبد لـ7 فرنسيين في العراق بتهمة الانتماء إلى «داعش»

أصدرت محكمة جنايات الكرخ في بغداد، الثلاثاء، أحكاماً بالسجن المؤبد بحق 6 مُدانين، و15 سنة بحق مُدان سابع، جميعهم يحمل الجنسية الفرنسية.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي مجلس القضاء الأعلى العراقي (أرشيفية - وسائل إعلام محلية)

القضاء العراقي: السجن لـ7 فرنسيين أُدينوا بالانتماء إلى «داعش»

قضت محكمة عراقية، اليوم (الثلاثاء)، بالسجن بحق 7 فرنسيين، 6 منهم بالمؤبد، لإدانتهم بالانتماء إلى تنظيم «داعش» وبث الرعب بين المدنيين.

«الشرق الأوسط» (بغداد )
المشرق العربي وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين (إعلام حكومي)

وزير الخارجية: العراق يدعم مسارات السلام

أكد وزير الخارجية فؤاد حسين، الجمعة، أن العراق لا يسعى إلى الحرب، ويدعم مسارات السلام، بينما حذر من تعثر الجهود الرامية لخفض التوتر بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي المبعوث الأميركي إلى العراق توم براك يتحدث إلى وسائل الإعلام في مقر الأمم المتحدة بنيويورك يوم 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

براك والزيدي يبحثان «الطريق الصعب نحو الاستقرار»

رجحت مصادر عراقية أن يكون سلاح الفصائل ضمن نقاشات أجريت في بغداد بين المبعوث الأميركي توم براك ورئيسي الحكومة والقضاء العراقيين.

فاضل النشمي (بغداد)
المشرق العربي أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

تحذيرات من عودة «داعش» بعد هجمات شمال بغداد

حذر مسؤولون عراقيون، الأربعاء، من استئناف تنظيم «داعش» نشاطه بعد هجمات استهدفت الأمن في مناطق ريفية شمال بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

البطريرك الراعي قلق من توسع المواجهات الإقليمية نحو لبنان

البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)
البطريرك الماروني بشارة الراعي مستقبلاً سفير فرنسا باتريك دوريل (الوكالة الوطنية للإعلام)

تتصاعد التحذيرات اللبنانية من مخاطر جرّ البلاد مجدداً إلى مواجهة عسكرية، في ظل المخاوف من تجدد الحرب. وفي وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية تواجه تحديات كبيرة في تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، تتلاقى مواقف سياسية وروحية وشعبية على ضرورة تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، ووضع قرار الحرب والسلم في يد الدولة ومؤسساتها الدستورية.

الراعي: الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر

وفي هذا السياق، أعرب البطريرك الماروني بشارة الراعي عن قلقه من احتمال توسُّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، خلال استقباله السفير الفرنسي باتريك دوريل في بكركي، حيث تناول البحث الأوضاع اللبنانية والإقليمية والجهود الدبلوماسية المبذولة للمحافظة على الاستقرار. وشدد الراعي على أن «الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الدبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات».

البطريرك الراعي مستقبلاً السفير الفرنسي والوفد المرافق (الوكالة الوطنية للإعلام)

من جهته، أكد السفير الفرنسي ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية واحترام القانون وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره. كما تناول اللقاء الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات «اليونيفيل»، والجهود الفرنسية بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية لتجنب أي فراغ أمني.

دخان يتصاعد من المنصوري جنوب لبنان بعد تفجيرات إسرائيلية يوم 28 سبتمبر الماضي (رويترز)

نداء من النخب الشيعية الجنوبية: الجنوب ليس جغرافياً للآخرين

أما على المستوى الشعبي، فجاء «نداء جبل عامل والجنوب»، الذي أطلقته مجموعة تضم نحو 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية. ووجه الموقعون رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين، محذرين من أن يتحول النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى الحدودية، ورافضين أن يكون الجنوب «احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي».

جرافات إسرائيلية تهدم منازل في بلدة زوطر الشرقية بجنوب لبنان أمس (أ.ف.ب)

ودعا النداء إلى تحرُّك وطني عاجل لحماية الجنوب من خلال الدولة ومؤسساتها، ووضع حد لازدواجية القرار في القضايا المصيرية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم. وحدد الموقعون ثلاثة مطالب أساسية: الانسحاب الإسرائيلي الكامل ووقف الاعتداءات، وحصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة وانتشار الجيش اللبناني، وإطلاق خطة وطنية لإعادة الإعمار تضمن عودة المهجرين إلى بلداتهم.


خبراء لـ«الشرق الأوسط»: «امتعاض إيراني» يرفع درجة الخطر القادم إلى سوريا عبر الحدود

صور نشرتها وسائل الإعلام السورية للمخدرات التي تمت مصادرتها في سرغايا
صور نشرتها وسائل الإعلام السورية للمخدرات التي تمت مصادرتها في سرغايا
TT

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: «امتعاض إيراني» يرفع درجة الخطر القادم إلى سوريا عبر الحدود

صور نشرتها وسائل الإعلام السورية للمخدرات التي تمت مصادرتها في سرغايا
صور نشرتها وسائل الإعلام السورية للمخدرات التي تمت مصادرتها في سرغايا

كان لافتاً، في إعلان دمشق، ليل الجمعة - السبت، إحباط عملية كبيرة لتهريب مخدرات في منطقة سرغايا بريف دمشق، قادمة من لبنان، أن من تصدى للعملية هي قوات وزارة الدفاع، وليس قوى الأمن الداخلي، وفق ما قاله خبير أمني لـ«الشرق الأوسط»، في حين ربط خبير عسكري آخر ما يجري على الحدود السورية مع لبنان والعراق «بامتعاض» إيراني من سوريا.

وكانت إدارة الإعلام والاتصال في وزارة الدفاع قد أفادت بأن قوات «حرس الحدود أحبطت في منطقة سرغايا بريف دمشق، على الحدود مع لبنان، محاولة تهريب مخدرات من لبنان.

وقالت إن «المهربين بادروا خلال العملية إلى إطلاق النار باتجاه القوة التي ردّت على مصدر النيران، ما دفع مطلقي النار إلى الفرار باتجاه الأراضي اللبنانية». وحسب بيان قوى الأمن الداخلي، تمت مصادرة 280 كيلوغراماً من الحشيش و28 ألف حبة كبتاغون.

وكان الجيش اللبناني قد نفذ في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، عمليات مداهمة واسعة في جرود بلدة عرسال أسفرت عن توقيف مهربين وإحباط تسلل آليات غير شرعية.

صورة نشرتها وكالة «سانا» لعناصر من قوات «حرس الحدود» خلال إحباط محاولة تهريب المخدرات

وجاء ذلك بعد أيام من القبض على خلية كانت تخطط لاستهداف مصفاة حمص النفطية، وقالت السلطات السورية إن الخلية مرتبطة بـ«حزب الله» اللبناني، فيما نفى الأخير علاقته بها.

ولاحظ الخبير الأمني ضياء قدور في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «حزب الله» يوسع تدخلاته الإرهابية في سوريا من خلال رفع مستوى التفجيرات الإرهابية في مواقع حساسة «محذراً من أن منطقة الحدود خطيرة للغاية، ومن المرجح أن نشهد في أي لحظة تصاعداً في التوترات ما يتطلب يقظة أمنية سورية دائمة».

وتسعى دمشق إلى تعزيز التعاون والتنسيق الأمني مع دول الجوار، في محاولة لإنهاء ظاهرة المعابر غير النظامية، والحد من أنشطة شبكات التهريب العابرة للحدود. وتصدر ملف التعاون والتنسيق الأمني المباحثات خلال زيارة رئيس الوزراء العراقي دمشق، على رأس وفد وزاري رفيع المستوى، في 28 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كما كان ضبط الحدود في مقدمة الأولويات التي ناقشتها الحكومة السورية مع الوفد الحكومي اللبناني برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري، الذي زار دمشق في الثاني من الشهر الحالي.

وحاولت سوريا منذ بداية التحرير إرسال رسائل ودية إلى دول الجوار من خلال ضبط المعابر وافتتاحها بشكل يعود بالنفع الاقتصادي المتبادل... ويطلق الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني على ذلك وصف «دبلوماسية المعابر».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن دمشق «حاولت تصفير مشكلاتها مع دول الجوار من خلال ضبط الحدود كي لا تشكل تهديداً أمنياً لها وللدول المجاورة، ولكن ما يجري على الحدود السورية - اللبنانية، والسورية - العراقية، يشير إلى أن إيران ممتعضة من الحكومة السورية بسبب نجاحها في ضبط الحدود أولاً، ولأنه بدأ، في الآونة الأخيرة، الحديث عن مشاركتها وانضمامها إلى اتفاق مكة، والإعلان عن دعمها للمملكة العربية السعودية بالخبرات العسكرية لمواجهة الحوثيين ذراع إيران في اليمن».

الرئيس السوري أحمد الشرع مستقبلاً رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي بمطار دمشق الأربعاء يوم 28 أكتوبر الماضي (الرئاسة السورية)

وتابع حوراني: «لذلك أرادت إيران إزعاج الجانب السوري، وأوعزت لـ(حزب الله)، الذي تقلص دوره في الإقليم، لإحداث تحركات على الحدود السورية».

وينطبق الأمر نفسه على العراق نظراً إلى تحكم الميليشيات الإيرانية في جزء غير قليل من قرار المؤسستين العسكرية والأمنية فيه.

ويعد ملف ضبط الحدود أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجه دمشق، ويقدر حجم الخطر الذي يأتي عبرها بأنه «متوسط إلى مرتفع على المدى القريب»، لكنه يبقى قابلاً للاحتواء إذا استمرت الجهود الحالية، وفق الخبير الأمني ضياء قدور، الذي قال إن الحدود مع لبنان تظهر أكثر حساسية بسبب التضاريس الوعرة ووجود معابر غير شرعية متعددة، بينما تشهد الحدود مع العراق تحصيناً مادياً ملحوظاً من خلال الجدران والخنادق، وتتميز الحدود مع الأردن بتنسيق عملياتي نشط أدى إلى إحباط شحنات كبيرة.

من جانبه، لفت الحوراني إلى أن انضواء الجانبين السوري والأردني «تحت لواء تحالف ضد (داعش) الذي أسس بين كل من سوريا وتركيا والعراق ولبنان والأردن منذ مارس (آذار) 2025، يجعل من المرجح تجاوز الجانبين الخطأ الميداني الذي حصل خلال العملية العسكرية الأردنية في محافظة درعا، وأدى إلى سقوط ضحايا مدنيين».

وفي الوقت نفسه، تشير التطورات الأخيرة إلى تصاعد الخطر على الحدود السورية - اللبنانية بصورة واضحة، «إذ تكشف العمليات الأمنية المتتالية عن محاولات منظمة لإرباك الوضع الداخلي».

من لقاء وزير الخارجية أسعد حسن الشيباني في دمشق مع وفد لبناني برئاسة نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري (الخارجية السورية)

ويرى الخبير قدور أن الخطر الأكبر هناك يرتبط بتجارة المخدرات، التي تشير المؤشرات إلى استمرار ارتباطها بشبكات النظام السابق و«حزب الله» في مراحل سابقة. كما تبرز ظاهرة جديدة تتمثل في «المقاومة المسلحة لكارتيلات التهريب»، مثل العملية الأخيرة التي أطلق خلالها المهربون النار ثم فروا إلى الأراضي اللبنانية.

ويقول قدور إن هذا الواقع «يفرض الحاجة إلى حل جذري يتجاوز التنسيق الروتيني، عبر تعزيز السيطرة الحكومية المشتركة على المعابر غير الشرعية، وتكثيف التبادل الاستخباراتي، وملاحقة الشبكات العابرة للحدود بصورة منهجية، وربما اتخاذ إجراءات ميدانية عاجلة في بعض النقاط الخطيرة على الحدود اللبنانية حتى لا تتحول هذه الثغرات إلى مصدر دائم لزعزعة الاستقرار في الجانبين».


السلطة الفلسطينية تعتقل سماسرة «باعوا» منازل لمستوطنين في أريحا

مستوطنون يستولون على 8 منازل في أريحا بالضفة الغربية الخميس الماضي (د.ب.أ)
مستوطنون يستولون على 8 منازل في أريحا بالضفة الغربية الخميس الماضي (د.ب.أ)
TT

السلطة الفلسطينية تعتقل سماسرة «باعوا» منازل لمستوطنين في أريحا

مستوطنون يستولون على 8 منازل في أريحا بالضفة الغربية الخميس الماضي (د.ب.أ)
مستوطنون يستولون على 8 منازل في أريحا بالضفة الغربية الخميس الماضي (د.ب.أ)

اعتقلت السلطة الفلسطينية عدداً من سماسرة الأراضي والعقارات، للاشتباه في تورطهم في تسريب منازل بمدينة أريحا إلى مستوطنين، في قضية أثارت أزمة في إسرائيل والأراضي الفلسطينية، وسط مخاوف من أن تُمثل بداية ما وُصف بـ«الغزو اليهودي» للمدينة، التي يُعتقد أنها أقدم مدينة مأهولة بالسكان في العالم.

وصرح الناطق الرسمي باسم قوى الأمن، اللواء أنور رجب، بأن الأجهزة الأمنية ألقت القبض على عدد من المتورطين في قضية المنازل التي سيطر عليها مستوطنون في منطقة الديوك التحتا، غرب أريحا.

وأكدت مصادر أمنية لـ«الشرق الأوسط» اعتقال عدد من السماسرة الذين عملوا على تسريب المنازل، وكانوا يخططون لتمكين المستوطنين من السيطرة على حي كامل في المدينة.

ووفق المصادر، تم التحفظ عليهم لمدة 15 يوماً على ذمة التحقيق.

مستوطنون عند مدخل أحد المنازل الثمانية التي قالوا إنهم اشتروها في أريحا الخميس الماضي (أ.ب)

وكُشفت القضية، الأربعاء، عندما اقتحمت 20 عائلة يهودية 8 منازل، قالت إنها اشترتها بصورة قانونية عبر حركة «نحالا»، وبمرافقة مجلس بنيامين الإقليمي، في عملية وصفت بأنها «سرية».

وتقع المنازل في المنطقة المصنفة (ج)، بالقرب من الموقع الأثري «قصور الحشمونائيم».

مستوطنون يتحركون إلى داخل أحد المنازل الثمانية التي قالوا إنهم اشتروها في أريحا الخميس الماضي (د.ب.أ)

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن العملية نفّذت بسرية، إذ ضم فريق الشراء عدداً محدوداً من المشاركين، حتى إن زوجات بعضهم فوجئن بهذه الخطوة.

وقال مستوطنون وصلوا إلى المكان إنهم يعيدون الاستيطان اليهودي في أريحا، التي يعدّها اليهود بوابة دخولهم إلى فلسطين.

وأثار دخول المستوطنين إلى المنازل، التي قالوا إنهم اشتروها، عاصفةً في الأراضي الفلسطينية، وسط تساؤلات عن كيفية تسريب هذه المنازل، وما إذا كانت قد سُرّبت بطرق غير قانونية، خصوصاً أن بعضها يقع على أراضٍ حكومية، وأين كانت السلطة الفلسطينية؟

مستوطنون على سطح أحد المنازل الثمانية التي قالوا إنهم اشتروها في أريحا الخميس الماضي (أ.ب)

ويقع الموقع غرب أريحا، في منطقة الديوك التحتا، ضمن المنطقة (ج)، لكنه قريب جداً من مناطق (أ) الخاضعة للإدارة الفلسطينية، ما يجعل إقامة بؤرة استيطانية هناك خطوة خطيرة ذات دلالات جغرافية وسياسية.

وتدخلت السلطة الفلسطينية فوراً، وشكّلت خلية أزمة، وبدأت حملة اعتقالات.

وأصدرت قوى الأمن الفلسطينية بياناً قالت فيه إن التحقيقات في قضية استيلاء مستوطنين على عدد من المنازل في منطقة الديوك بمحافظة أريحا ما زالت جارية، وتخضع لمتابعة حثيثة من الجهات المختصة والنيابة العامة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق كل من يثبت تورطه، وفقاً للأصول والإجراءات المعمول بها.

مستوطنون يتجمعون قرب المنازل الثمانية التي قالوا إنهم اشتروها في أريحا الخميس الماضي (أ.ب)

وحذّرت قوى الأمن المواطنين من التعامل مع أي أوراق أو مستندات أو معلومات تُنشر أو تُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي بشأن هذه القضية أو غيرها، بهدف إثارة البلبلة والتشويش على سير التحقيقات.

ودعت المواطنين ووسائل الإعلام إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية فقط، وعدم الانجرار وراء الشائعات أو المصادر غير الموثوقة التي يهدف بعضها إلى إثارة الفتن والنزاعات المجتمعية.

وأكّدت أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية ماضية في أداء واجبها الوطني في حماية المواطنين وممتلكاتهم، وحفظ الأمن والنظام العام، مشيرةً إلى أنها ستُعلن عن أي مستجدات رسمية بشأن القضية في حينها، عبر القنوات المعتمدة.

وشددت قوى الأمن على أنها لن تسمح بأن تكون القضية ساحة للشائعات، ولن تتهاون مع أي محاولة للمساس بأمن المواطنين وممتلكاتهم أو تضليل الرأي العام، وستتعامل بحزم مع كل مَن يحاول استغلالها لبث الفوضى أو التشويش على عمل الجهات المختصة.

وجاء البيان بعد تداول وثائق مزورة على نطاق واسع، حاولت إلصاق التهمة بشخصية فلسطينية في السلطة، ما فجّر نقاشات حادة على وسائل التواصل الاجتماعي.

مستوطنون في حديقة أحد المنازل الثمانية التي قالوا إنهم اشتروها في أريحا الخميس الماضي (أ.ب)

وقبل بيان قوى الأمن، أصدرت «هيئة الأراضي» بياناً رفضت فيه مزاعم وجود معاملات بيع أولية أو وثائق أو توكيلات رسمية، مؤكدة أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسات الاحتلال وخططه للاستيلاء على مزيد من الأراضي وتهجير السكان قسراً.

وقالت الهيئة إن أي إجراء يتخذه طرف ثالث بشأن ممتلكات الدولة يشكل انتهاكاً لها، موضحة أنه لم يُتخذ أي إجراء، سواء بالتخصيص أو الإيجار أو غير ذلك، يتعلق بالقطعة رقم «14».

وأوضحت أن إحدى القطعتين المقامة عليهما هذه المباني مملوكة للدولة، فيما تعود الأخرى إلى أصحابها التاريخيين، وفقاً لسجلات الأراضي قبل عام 1967.

وأكدت سلطة الأراضي أن الاحتلال لا يمنح أي حقوق، وأن أي إجراء يصدر عنه باطل ولاغٍ، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني.

وفيما تواصل السلطة حملة الاعتقالات والتحقيقات مع سماسرة الأراضي، أُثير جدل آخر في إسرائيل نفسها.

وبعدما أعلن الجيش الإسرائيلي أن العملية لم تكن منسقة معه، قالت مصادر أمنية إسرائيلية مطلعة لصحيفة «هآرتس» إن قائد المنطقة الوسطى في الجيش، آفي بلوط، علم مسبقاً بنية المستوطنين وحركة «نحالا» الاستيطانية الاستيلاء على منازل فلسطينية غرب أريحا، والتقاهم قبل يوم من اقتحامها، وطلب منهم التكتم على الأمر، وعدم إبلاغ الضباط الميدانيين إلى حين إتمام الاستيلاء عليها.

وأشارت المصادر إلى أن بلوط تحدّث مع كبار قادة المستوطنين المشاركين في العملية، وطلب منهم عدم كشف علمه المسبق بالاقتحام، و«تمنى لهم التوفيق».

وتعززت هذه الاتهامات بتصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت، اتهم فيها بلوط أيضاً بمساعدة المستوطنين الذين ينفذون اعتداءات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، فيما وصف الجيش الاتهامات بأنها «مسيئة ولا أساس لها».

ومنذ دخول المستوطنين إلى المنازل، اضطر الجيش إلى تحويل 3 فصائل قتالية لحمايتهم، بعدما هاجموا بعض البدو في منطقة قريبة، وأجبروهم على المغادرة.

وقال موقع «والا» الإسرائيلي، السبت، إن دخول إسرائيليين إلى منازل قرب أريحا دفع عائلتين من المجتمع البدوي في المنطقة إلى مغادرة مساكنهما المؤقتة، مشيراً إلى أن الجيش تواصل معهما، وعرض مساعدته لمنعهما من الرحيل، لكن العائلتين قررتا المغادرة.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه حاول ثني العائلتين عن المغادرة دون جدوى؛ ولذلك سيعمل على منع استيلاء يهود على المنزلين اللذين أُخليا.

وحذّر مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي من مخاوف بشأن تصعيد محتمل.