مسعود بارزاني يزور بغداد... والأكراد يدافعون عن رئيس مجلس القضاء

في ظل تطورات إيجابية تشهدها علاقات كردستان بالحكومة الاتحادية

أرشيفية تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني متوسطاً مسعود بارزاني (يسار) ونيجيرفان بارزاني (أ.ف.ب)
أرشيفية تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني متوسطاً مسعود بارزاني (يسار) ونيجيرفان بارزاني (أ.ف.ب)
TT

مسعود بارزاني يزور بغداد... والأكراد يدافعون عن رئيس مجلس القضاء

أرشيفية تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني متوسطاً مسعود بارزاني (يسار) ونيجيرفان بارزاني (أ.ف.ب)
أرشيفية تُظهر رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني متوسطاً مسعود بارزاني (يسار) ونيجيرفان بارزاني (أ.ف.ب)

حتى مطلع مايو (أيار) الماضي، كانت معظم التوقعات تشير إلى أن فجوة القطيعة بين بغداد وأربيل مركز حكم إقليم كردستان آخذة بالاتساع وتسير بوتيرة متصاعدة إلى مزيد من الانحسار والتصدع، بالنظر إلى مجموعة الخلافات السياسية والقانونية التي نشبت بين الجانبين وكان آخرها إصدار المحكمة الاتحادية العليا حكماً بإلغاء «كوتة» الأقليات في نهاية شهر فبراير (شباط). ومنذ تراجع المحكمة عن قرار «الكوتة» في مايو الماضي، تسير العلاقة بين بغداد وأربيل بوتيرة متصاعدة من الهدوء والإيجابية بطريقة غير مسبوقة، خصوصاً أن تصدع العلاقة بدأ بشكل أكثر حدة منذ إقدام كردستان على إجراء استفتاء الاستقلال عن العراق في 25 سبتمبر (أيلول) 2017.

ويبدو أن العلاقات بين بغداد وأربيل تتخذ هذه الأيام شكلاً مختلفاً يتسم بالإيجابية. ومن ملامح ذلك الأنباء المتعلقة بالزيارة التي يزمع رئيس الحزب الديمقراطي والشخصية الأكثر تأثيراً ونفوذاً في الإقليم مسعود بارزاني القيام بها إلى بغداد بعد نحو 6 سنوات من القطيعة.

وأبلغت مصادر كردية خاصة «الشرق الأوسط» أن «بارزاني سيصل إلى بغداد الأربعاء لإجراء سلسلة من النقاشات والمفاوضات مع معظم القادة السياسيين لوضع حل نهائي للمشكلات القائمة بين الجانبين».

وتضيف المصادر أن «أرضية الخلافات بين بغداد وأربيل تمتد لتشمل قضايا عديدة، وضمنها مخصصات الإقليم المالية ومرتبات الموظفين وقانون النفط والغاز وملف الانتخابات وحتى الموقف من محافظة كركوك التي لم ينجح حتى الآن مجلسها في انتخاب حكومتها المحلية رغم مرور أكثر من 6 أشهر على إجراء الانتخابات».

وترجح المصادر أن «تشمل مفاوضات بارزاني في بغداد الأوضاع في قضاء سنجار إلى جانب التوغل الأخير للجيش التركي في محافظة دهوك ومدن كردية أخرى، إلى جانب الاستهدافات التي يمكن أن تقوم بها الفصائل المسلحة لأربيل».

ووصل وفد من حكومة إقليم كردستان إلى بغداد، الاثنين، ويبدو أنه جاء تمهيداً لزيارة بارزاني وما يمكن أن تطرحه على طاولة المفاوضات. ويضم الوفد وزير الداخلية ريبر أحمد، ووزير المالية والاقتصاد آوات شيخ جناب، ومدير عام الجمارك والمعابر الحدودية.

عهد جديد مع القضاء

وإلى جانب ما قد تسفر عنه زيارة مسعود بارزاني من نتائج إيجابية تنعكس آثارها على الحزب الديمقراطي، تسارع أربيل إلى تمتين علاقاتها بالقضاء العراقي بشكل عام وبالمحكمة الاتحادية على وجه الخصوص، علماً بأن العلاقات تصدعت كثيراً خلال السنوات الماضية بعد سلسلة أحكام عدّها الإقليم «عدائية ومسيّسة». ومن أبرز مظاهر هذا التوجه الجديد الدعم الذي أظهره رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، حيال رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان الذي قد يواجه عقوبات أميركية بعد الأنباء التي تتحدث عن مقترح قرار مرفوع للكونغرس يستهدف قادة عراقيين مرتبطين بالمشروع الإيراني وفي مقدمهم فائق زيدان.

رئيس مجلس القضاء العراقي فائق زيدان

وقال بارزاني في تدوينة عبر منصة «إكس»: «نؤكد دعمنا ومساندتنا لسيادة القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى. نثمن جهوده الكبيرة وخدمته المخلصة للقضاء والوطن، ونرفض أي استهداف أو طعن أو تصريح يمس سمعته أو ينال من مكانته».

بدوره، رفض رئيس الجمهورية (الكردي) عبد اللطيف جمال رشيد، الاثنين، مقترح القانون الأميركي، وقال في بيان إن «تكرار تصريحات عضو الكونغرس مايك والتز غير المسؤولة بحق رئيس مجلس القضاء يؤثر على علاقة العراق بالولايات المتحدة». وأضاف: «نستنكر تصريحات النائب الجمهوري في الكونغرس الأميركي مايك والتز التي لا تمس فقط شخص رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي القاضي فائق زيدان بل هي مساس باستقلالية القضاء العراقي الذي هو ركن أساس من أركان الدولة».

وقدم زعيم حزب «الاتحاد الوطني» الكردستاني، بافل طالباني، دعمه لفائق زيدان، وذكر في بيان أن «المؤسسة القضائية العراقية مؤسسة وطنية مستقلة ومحترمة من جميع العراقيين والمساس بهذه المؤسسة ورئيسها القاضي فائق زيدان، أمر مرفوض ومدان أياً كانت الجهة أو الأطراف أو الأشخاص الذين يتجرأون على استهدافها».


مقالات ذات صلة

مسؤول: العراق لم يتقدم بطلب حتى الآن للاقتراض من صندوق النقد الدولي

الاقتصاد منصة عائمة لتصدير النفط في ميناء البصرة بالعراق (رويترز)

مسؤول: العراق لم يتقدم بطلب حتى الآن للاقتراض من صندوق النقد الدولي

أكد مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، السبت، أن العراق لم يتقدم حتى الآن بطلب رسمي للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي.

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي عناصر من «كتائب حزب الله» العراقي يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

واشنطن توقف «شحنة مالية» إلى بغداد

ذكرت مصادر أن الولايات المتحدة أوقفت «شحنة مالية» تُقدَّر قيمتها بنصف مليار دولار كانت متجهة إلى العراق، وأنها علّقت أجزاء من تعاونها الأمني مع بغداد، في خطوة.

فاضل النشمي (بغداد)
خاص موظفو سفارة الولايات المتحدة في بغداد يتفقدون الأضرار التي تسبب فيها تفجير ببغداد يوم 14 مارس 2026 (أ.ب)

خاص ضربات غامضة تطول قيادات فصائلية في بغداد

شهدت بغداد فجر السبت سلسلة تطورات أمنية متسارعة، بدأت بضربة استهدفت منزلاً يضم قيادياً بارزاً في «الحشد الشعبي».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
خاص رجل أمن عراقي مع مشتبهين بالانتماء إلى «داعش» في سجن الكرخ ببغداد (أ.ب)

خاص وزير العدل العراقي لـ«الشرق الأوسط»: سجناء «داعش» في موقع محصَّن... ومحال هروبهم

أكَّد وزير العدل العراقي خالد شواني أن بلاده لن تعيد سجناء «داعش» الأجانب المتورطين في جرائم ضد عراقيين، بينما تتواصل بغداد مع التحالف الدولي لإعادة الآخرين.

علي السراي (بغداد)
المشرق العربي قادة أحزاب «الإطار التنسيقي» خلال أحد اجتماعاتهم الدورية في بغداد (واع)

واشنطن تُصعّد ضغوطها على إيران في العراق

أكدت واشنطن استعدادها لاستخدام «كامل نطاق الأدوات المتاحة» لمواجهة ما تصفه بـ«الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار» في العراق.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

إسرائيل تختبر «حرية الحركة» بهجمات متفرقة… و«حزب الله» يندّد ولا يهدّد بالرد

مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)
مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تختبر «حرية الحركة» بهجمات متفرقة… و«حزب الله» يندّد ولا يهدّد بالرد

مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)
مشهد لدمار طال مبنى وسيارات استهدفتها غارة إسرائيلية في مدينة النبطية جنوب لبنان (إ.ب.أ)

تختبر إسرائيل وقف النار اللبناني من خلال تحركات عسكرية محدودة على تخوم انتشارها في جنوب لبنان الذي شهد حوادث إطلاق نار عدة، أبرزها قرب مدينة النبطية، وأدّت إلى مقتل شخصين على الأقل، في حين بقيت تلة علي الطاهر نقطة توتر مستمرة، حيث أعلنت إسرائيل أن قواتها أطلقت النار على عناصر من الحزب «اقتربوا منها»، وقد عدّها الحزب في بيان «انتهاكاً خطيراً لوقف النار» من دون أن يعلن نيته بالرد على هذه الخروق. من دون أن تستبعد مصادر لبنانية متابعة للمفاوضات قيامه برد ما «لمنع تكريس أمر واقع».

ويتجدّد الجدل حول مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع تمسك حكومة بنيامين نتنياهو بما تسميه «المنطقة الأمنية» واستمرار العمليات العسكرية، في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول ما إذا كانت إسرائيل تتجه إلى تكريس نسخة جديدة من الشريط الحدودي السابق، أم إلى فرض معادلة أكثر اتساعاً تقوم على حرية العمل العسكري والاستهداف داخل الأراضي اللبنانية؟

وبينما تتحدث تل أبيب عن ترتيبات أمنية دائمة، يرى خبراء لبنانيون أن جوهر الصراع بات يدور حول شكل الوجود الإسرائيلي وقواعد الاشتباك التي تسعى إسرائيل إلى فرضها في مرحلة ما بعد الحرب.

تل أبيب ترفع سقف التمسك بالجنوب

وجدَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير تمسكهم باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان. وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، في بيان مشترك صدر عقب اجتماع ضم نتنياهو وكاتس وزامير وقائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي اللواء رافي ميلو، إن «الجيش الإسرائيلي سيواصل العمل بحزم لإحباط أي تهديدات تستهدف الجنود والمواطنين الإسرائيليين، والحفاظ على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».

وفي مؤشر إضافي إلى تمسك إسرائيل بالترتيبات الأمنية التي تسعى إلى فرضها في جنوب لبنان، أفادت «القناة 12» الإسرائيلية بأن تل أبيب تعتزم طرح تجربة انسحاب محدود من إحدى المناطق الجنوبية، في خطوة توحي بمحاولة اختبار ترتيبات ميدانية جديدة من دون التخلي عن مفهوم «المنطقة الأمنية».

وفي موازاة ذلك، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن «حزب الله» أطلق منذ نهاية فبراير (شباط) الماضي ما لا يقل عن 7285 صاروخاً وطائرة مسيّرة باتجاه إسرائيل، في سياق تبرير استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان.

رجل يتفقد شقته المتضررة من خلال نافذة محطمة في مدينة النبطية جنوب لبنان (أ.ب)

النار تسبق السياسة في الجنوب

ترافقت المواقف الإسرائيلية مع تسجيل خروق إسرائيلية في جنوب لبنان، حيث استهدفت غارة إسرائيلية حفارة كانت تعمل على رفع أنقاض منزل سبق أن تعرض للقصف في بلدة النبطية الفوقا. كما أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه مواطنين في البلدة؛ ما أدى إلى سقوط قتيلين وعدد من الجرحى، في حين استهدفت مسيّرة إسرائيلية بلدة كفرتبنيت، وألقت محلّقات إسرائيلية قنابل صوتية في محيط كفرتبنيت وعيتا الجبل.

من جهته، أعلن «حزب الله» أن «جيش العدوّ الإسرائيلي أقدم على إطلاق النّار بالأسلحة الرشّاشة من بين المنازل باتجاه مجموعة من المدنيّين في حي الدّير بمدينة النبطية كانوا يعملون على فتح الطرقات وانتشال الجثامين من تحت الأنقاض». وأضاف أن «الاعتداء الغادر الذي نفّذه جيش العدوّ تسبّب باستشهاد مواطنَين مدنيَين، أحدهما موظف بلدي، وإصابة آخرين بجراح»، وفي حين لم يتحدث عن الرد حذّر من أن «ما أقدم عليه العدوّ يُعدّ انتهاكاً فاضحاً لوقف إطلاق النار الذي التزمت المقاومة به حتى الآن».

وفي بلدة حداثا، أطلقت القوات الإسرائيلية النار باتجاه عدد من الأهالي كانوا يتوجهون لإتمام عملية دفن في جبانة البلدة بمواكبة الجيش اللبناني.

وفي موازاة التصعيد الميداني، أفادت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن قواتها نفَّذت هجومين منفصلين قرب مرتفعات علي الطاهر استهدفا مسلحين كانوا يقتربون من مواقعها، مشيرة إلى مقتل اثنين منهم. كما أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن الجيش استهدف ما وصفها بـ«خلية مسلحة قرب القوات العاملة في المنطقة الأمنية لإزالة تهديد فوري». بالتزامن، واصل الطيران المسيّر والاستطلاعي الإسرائيلي تحليقه المكثف فوق جنوب لبنان، وسجّل تحليقاً منخفضاً للمسيّرات فوق بيروت والضاحية الجنوبية.

الخطر ليس المنطقة الأمنية... بل حرية الاستهداف

ويرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن النقاش الدائر لا يتعلق فقط بإنشاء منطقة عازلة أو إعادة إحياء الشريط الحدودي بصيغته القديمة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إن ما يجري في جنوب لبنان يتجاوز الحديث عن إقامة منطقة عازلة أو إعادة إنتاج الشريط الحدودي بصيغته السابقة»، موضحاً أن «المشاريع المطروحة تتصل أساساً بمفهوم الأمن الإسرائيلي وبالهامش الذي تمنحه الولايات المتحدة لإسرائيل للتحرك ميدانياً».

وأضاف: «بدأنا نسمع عن مشاريع تتعلق بتغيير ديموغرافي وبإنشاء مناطق أمنية، لكن هذه المشاريع لا يمكن فصلها عن الإرادة الأميركية؛ لأن أي ترتيبات مرتبطة بأمن شمال إسرائيل لا يمكن أن تتم من دون موافقة أميركية مباشرة، وليس فقط بالتنسيق مع واشنطن». مشيراً إلى أنه «رغم كل الطروحات المتطرفة الصادرة عن أوساط اليمين الإسرائيلي، لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستفرّط بأمن إسرائيل، لكنها في المقابل لن تمنح الحكومة الإسرائيلية حرية مطلقة لتنفيذ كل ما تريده».

امرأة تجمع ألعاب أطفالها وبعض مقتنيات العائلة من منزلها المدمّر في جنوب لبنان (أ.ب)

من الشريط الحدودي إلى حرية العمل

وعن الحديث المتزايد حول إعادة إنتاج الشريط الحدودي، قال داود: «الإسرائيليون يتحدثون كثيراً عن حرية العمل العسكري، لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هناك ترتيبات يجري العمل عليها. الانسحابات التي حصلت من بعض المناطق، ومنها كفرتبنيت، تدل على وجود تدابير أمنية وانتشار للجيش اللبناني، وبالتالي لا أرى أن الأمور تتجه إلى بقاء إسرائيلي دائم بالشكل الذي يُطرح أحياناً».

وأضاف: «قد تحتفظ إسرائيل ببعض النقاط أو المواقع المرتفعة ذات الأهمية الاستراتيجية، لكن في النهاية سيكون هناك نوع من التسوية أو الخليط الذي يراعي المطالب الأميركية والإسرائيلية ويمنح الدولة اللبنانية هامشاً يسمح لها بقبول أي اتفاق لاحق».

لكن داود يرى أن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر، قائلاً: «ما تحاول إسرائيل تكريسه اليوم هو حرية العمل الميداني وحرية الاستهداف. أي أنها تريد الاحتفاظ بحق ضرب أي هدف تعدّه تهديداً لأمنها، سواء عبر المسيّرات أو الطائرات أو أي وسيلة أخرى».

وأضاف: «هي تكرّس مبدأ حرية العمل العسكري أكثر مما تكرّس منطقة عازلة. فالمنطقة العازلة تبقى محددة جغرافياً، أما حرية العمل الميداني فتتجاوز الحدود والمسافات، ويمكن أن تمتد إلى أي منطقة داخل لبنان».

وختم بالقول: «حرية العمل الميداني تجعل الشريط الأمني متحركاً وغير ثابت. لذلك؛ أرى أن تكريس حرية الاستهداف وحرية الحركة العسكرية أخطر بكثير من إقامة منطقة عازلة تقليدية أو شريط أمني ثابت».

المنطقة الأمنية باقية ما دام نتنياهو في السلطة

من جهته، يرى العميد الركن المتقاعد ناجي ملاعب، أن إسرائيل تتجه إلى تكريس «المنطقة الأمنية» ما دام نتنياهو في السلطة. وقال ملاعب لـ«الشرق الأوسط»: «بعد نحو مائة يوم من القتال، تبيّن أن الخسائر الإسرائيلية تتصاعد بشكل مستمر، وأن الدفاع عن أي وجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية سيكون مكلفاً على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن نتنياهو يتمسك بفكرة المنطقة الأمنية بوصفها، من وجهة نظره، وسيلة لمنع أي تهديد مباشر لمنطقة الجليل الأعلى».

وأضاف: «نتنياهو يراهن على كسب الوقت من خلال المماطلة في المفاوضات الجارية، وينتظر تعثر المسار الأميركي - الإيراني أو أي تطورات إقليمية تعيد خلط الأوراق. كما يحاول توظيف آليات التنسيق القائمة بطريقة تمنحه أكبر قدر ممكن من الوقت لتأخير الانسحاب».

ورجّح أن ينتهي الوجود العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان مع انتهاء عهد نتنياهو السياسي، قائلاً: «أعتقد أن العامل الحاسم في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي سيكون خروج نتنياهو من السلطة».


القضاء العراقي يضبط ملايين الدولارات «تحت الأرض» في قضية اختلاس

صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي
صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي
TT

القضاء العراقي يضبط ملايين الدولارات «تحت الأرض» في قضية اختلاس

صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي
صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي

أعلنت السلطات القضائية في العراق ضبط أموال نقدية مخبأة تحت الأرض تعود لقضية اختلاس سرقت الأضواء، اتهم فيها نائب وزير النفط وعدة مسؤولين، فيما أظهرت صور وزعتها محكمة عراقية أن أجهزة إنفاذ القانون اضطرت إلى «حفر الأرض بعمق 4 أمتار للعثور على نحو 100 مليون دولار».

ونشطت السلطات القضائية في العراق بإصدار بيانات متلاحقة حول ملفات فساد سرقت الأضواء، بعد أن التزامها الصمت الأسبوع الماضي، لا سيما مع انتشار صور مشتبه بهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتداول روايات غير مؤكدة حول القضية.

أرقام صادمة

وتحدث قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، في بيان صحافي وزعه مجلس القضاء الأعلى، عن «تطورات في قضية وكيل وزارة النفط المتهم الموقوف عدنان الجميلي، أسفرت عن إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة فيها حالياً رائد الجبوري، بناءً على اعترافات أدلى بها الجميلي أثناء استجوابه».

وأضاف القاضي أن استمرار التحقيقات، ونتيجة للمتابعة الدقيقة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل بالمشاريع المنفذة من المتهم وأطراف القضية، فقد تم، يوم الثلاثاء، ضبط أكثر من 67 مليار دينار (نحو 65 مليون دولار) ومليون دولار كان جزء من ذلك مخبأ في منازل عدد من الأشخاص.

وقال القاضي، إن «الجزء الآخر من المبلغ كان مخبأ تحت الأرض بعمق أربعة أمتار تم العثور عليه بعد حفر الأرض بآليات متخصصة ليصبح مقدار المبالغ المالية التي تم ضبطها في القضية يتجاوز مبلغ 98 مليار دينار (نحو 95 مليون دولار) و11 مليون دولار».

وذكر مجلس القضاء، أن «الجهود المستمرة من قبل المحكمة أسفرت يوم الأحد الماضي عن ضبط ما يقارب (20) مليار دينار كانت مخبئة في إحدى المزارع، بالإضافة إلى إحباط تهريب (5) مليارات دينار عراقي في إحدى المحافظات».

وتابع أن «الإجراءات القانونية شملت أيضاً ضبط وحجز (70) عقاراً، و(21) عجلة حديثة، إلى جانب مصوغات ذهبية تقدر بنحو (3) كيلوغرامات، مؤكداً «استمرار التحقيقات وملاحقة المتورطين حتى استكمال الإجراءات القانونية كافة».

إلى ذلك، أعلن مجلس القضاء حجز أموال وعقارات مدير شركة «كهرباء الوسط» علاء سمير الجبوري، المتهم هو الآخر بملفات فساد كبيرة.

صورة وزعها القضاء العراقي لآلية ثقيلة للحفر قبل العثور على مبالغ على صلة بقضية اختلاس في محافظة صلاح الدين شمال بغداد

«لا زيارات للمتهم»

رغم التفاعل الواسع مع عمليات ملاحقة الفاسدين، يرتبط شعور عام بعدم الرضا من عدم ملاحقة الجهات والشخصيات السياسية المتنفذة التي تقف وراء المتورطين بالفساد.

وتواجه الحملة الحالية تساؤلات حول طبيعة الأشخاص المتورطين بالفساد وانتماءاتهم المناطقية والمذهبية، في مقابل التغاضي عن آخرين لا يقلون فساداً بالمال العام ينتمون إلى مناطق أخرى، وفق مراقبين.

ونفى مجلس القضاء الأعلى ما يتردد عن زيارة عشرات المسؤولين لنائب وزير النفط في زنزانته. وقال الثلاثاء، في بيان، إن «ما تم نشره حول رصد مجلس القضاء الأعلى 65 زيارة للمتهم الموقوف وكيل وزير النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي من قبل مسؤولين ووزراء ونواب وقادة فصائل ومديرين عامين ورجال أعمال، هي معلومات غير صحيحة ولا علاقة للقضاء بها».

ويشير مراقبون إلى ارتباط الجميلي بشبكة مصالح واسعة مكونة من شخصيات سياسية وميليشياوية وفرت الغطاء للشروع بعمليات فساد واسعة النطاق.

عناصر من «هيئة النزاهة» خلال ضبطهم مبالغ نقدية كانت مخبأة تحت الأرض في محافظة صلاح الدين (موقع القضاء)

حكم مع النفاذ

وفي إطار الملاحقات المتعلقة بملفات الفساد، أعلنت هيئة النزاهة، الثلاثاء، صدور حكم حضوري بالسجن 5 سنوات للسياسي يزن مشعان الجبوري، بتهمة النصب والاحتيال، بعد أن استولى على 41 مليار دينار عبر إيهام أحد الأشخاص بعمله بصفة مستشار لرئيس الوزراء (السابق محمد شياع السوداني)، وقدرته على ترتيب لقاء معه، وتوفير تسهيلات لمصلحته.

وأضافت الهيئة أن الحكم بـ«الحبس الشديد لمدة خمس سنواتٍ؛ صدر استناداً إلى أحكام المادة (456) من قانون العقوبات، وذلك في القضيّة المحالة من محكمة تحقيق جنايات مكافحة الفساد المركزيّة».

وأوضحت أن «المحكمة توصَّلت إلى القناعة الكافية بالإدانة بعد اطلاعها على الأدلة والإثباتات المتحصلة في القضيّة، التي بيَّنت قيام المدان في عام 2024 بإيهام المشتكي بإشغاله صفة مستشار لرئيس مجلس الوزراء، وقدرته على ترتيب لقاء معه، وتوفير تسهيلاتٍ لمصلحته».

وأضافت الهيئة أنه «قام بتكليف متهم هارب يعمل مديراً مفوضاً لإحدى الشركات العائدة للمشتكي بسحب مبلغ (41) مليار دينار وتسليمه إليه بطرق احتيالية، الأمر الذي دفع المحكمة إلى إصدار حكمها وفقاً لمقتضيات المادة الحكمية».

ويثير يزن الجبوري، ووالده البرلماني السابق مشعان الجبوري جدلاً واسعاً في العراق، بالنظر لحديثهما المتكرر عن صفقات فساد مالي وسياسي.

وكان يزن الجبوري قد زعم عشية الانتخابات البرلمانية الماضية أن تكلفة الحصول على مقعد برلماني تبلغ 5 مليارات دينار (نحو 3 ملايين دولار).


ماكرون يتحرك لتأمين قوة دولية جديدة بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بجنوب لبنان

الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الأخير إلى باريس في شهر مارس عام 2025 (أ.ب)
الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الأخير إلى باريس في شهر مارس عام 2025 (أ.ب)
TT

ماكرون يتحرك لتأمين قوة دولية جديدة بعد انتهاء ولاية «يونيفيل» بجنوب لبنان

الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الأخير إلى باريس في شهر مارس عام 2025 (أ.ب)
الرئيسان ماكرون وعون في مؤتمر صحافي مشترك خلال زيارة الأخير إلى باريس في شهر مارس عام 2025 (أ.ب)

واصل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مساعيه لبلورة قوة دولية جديدة تنتشر في جنوب لبنان، بعد انتهاء ولاية قوة الطوارئ الدولية «يونيفيل»، بنهاية العام الحالي.

واتصل ماكرون، الثلاثاء، بالرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، وبحث معهما «التطورات في لبنان والمنطقة في ضوء نتائج المفاوضات الأميركية الإيرانية، التي جرت في سويسرا، إضافة إلى الوضع في جنوب لبنان بعد وقف إطلاق النار، ومستقبل القوات الدولية العاملة في الجنوب، والجهود الدولية الداعمة للبنان».

وخلال الاتصال الذي أجراه مع الرئيس عون، «تطرّق البحث إلى الوضع في الجنوب والخطوات اللاحقة، بعد إعلان وقف إطلاق النار». كما بحث الرئيسان، وفق بيان الرئاسة اللبنانية، في نتائج قمة الدول السبع التي انعقدت، الأسبوع الماضي، في مدينة إيفيان الفرنسية، حيث أعرب الرئيس عون عن شكره للموقف الذي صدر عنها فيما يخص لبنان.

واستحوذ ملف القوات الدولية العاملة في الجنوب «يونيفيل» على جانب أساسي من المحادثات، إذ بحث الرئيسان مرحلة ما بعد انتهاء مهمتها، ولا سيما في ظل الرغبة التي أبدتها دول أوروبية عدة، ويدعمها لبنان، في الإبقاء على قوات لها ضمن منطقة العمليات الدولية. في هذا الإطار، أبلغ ماكرون الرئيس عون بأنه سيُجري اتصالات مع عدد من الدول لتحديد موقفها من هذه الخطوة، خصوصاً أن مهلة انسحاب «يونيفيل» من لبنان تبدأ مع مطلع عام 2027، ما يستدعي إيجاد إطار مناسب لأي مشاركة دولية مستقبلية.

كما تناول الاتصال العلاقات اللبنانية السورية والتنسيق القائم بين البلدين، حيث نوّه الرئيس عون بالمواقف التي أعلنها الرئيس السوري أحمد الشرع، في حديثه التلفزيوني الأخير، والتي أكد فيها حرص بلاده على سيادة لبنان واستقلاله وسلامة أراضيه، وأن سوريا لا تنوي التدخل عسكرياً في لبنان، وأن أي دور سوريّ يمر حصراً عبر الدولة اللبنانية وليس عبر أطراف أخرى، مع تأكيده رغبة دمشق في تعزيز استقرار لبنان وتقوية مؤسساته الرسمية.

واتفق الرئيسان عون وماكرون على إبقاء التواصل قائماً لمتابعة التطورات والاتصالات الجارية لتثبيت وقف إطلاق النار في لبنان، وبسط سُلطة الدولة على كامل أراضيها، في حين شكر الرئيس عون نظيره الفرنسي على الاهتمام الذي يُبديه دائماً تجاه لبنان.

وفي اتصاله مع رئيس الحكومة نواف سلام، جرى «استكمال البحث في نتائج زيارة سلام الأخيرة إلى باريس، إضافة إلى تقييم المفاوضات التي بدأت في سويسرا وانعكاساتها على المنطقة ولبنان». كما تناول الاتصال استكمال تأمين الظروف المناسبة لعقد مؤتمريْ دعم الجيش والقوى الأمنية وإعادة الإعمار.

ماكرون وسلام على مدخل قصر الإليزيه في باريس يوم 23 يناير 2026 (أ.ف.ب)

تأتي هذه الاتصالات في وقتٍ يبرز فيه ملف مستقبل الوجود الدولي بجنوب لبنان لوصفه أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة البحث الدولية. فخلال قمة الدول السبع في إيفيان، كان قد خصص القادة المشاركون جانباً مهماً من مداولاتهم للملف اللبناني، حيث تركَّز النقاش على الحاجة إلى إيجاد بديل لقوات «اليونيفيل» مع انتهاء انتدابها.

آليات تابعة لقوات «يونيفيل» تتجه نحو منطقة كفرشوبا بجنوب لبنان (أرشيفية-أ.ف.ب)

ووفق معطيات دبلوماسية، يتجه البحث نحو إنشاء قوة متعددة الجنسيات أبدت فرنسا ودول أوروبية أخرى؛ بينها ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا، استعدادها للمشاركة فيها، على أن تتمثل مهمتها الأساسية في دعم الجيش اللبناني وتدريبه وتزويده بالإمكانات اللازمة لتعزيز انتشاره وبسط سلطة الدولة، بما يسهم في تعزيز الاستقرار وتطبيق الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.