تركيا تسعى لتشكيل محور إقليمي ضد المسلحين الأكراد في سوريا

تصعيد ضد «قسد»... ومحاولات للتأثير في سياسة ترمب

تدريبات مشتركة بين القوات الأميركية و«قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
تدريبات مشتركة بين القوات الأميركية و«قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
TT

تركيا تسعى لتشكيل محور إقليمي ضد المسلحين الأكراد في سوريا

تدريبات مشتركة بين القوات الأميركية و«قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)
تدريبات مشتركة بين القوات الأميركية و«قسد» في شمال شرقي سوريا (أ.ف.ب)

تشهد الاشتباكات على محاور ريف حلب الشرقي بين فصائل الجيش الوطني السوري الموالي لتركيا و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) تصعيداً جديداً، في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن صعوبات تعترض مساعي أنقرة لتشكيل محور جديد في المنطقة للقضاء على وجود المسلحين الأكراد في سوريا.

وتسعى تركيا إلى إنهاء وجود «وحدات حماية الشعب الكردية» التي تقود قوات «قسد»، والتي تحظى بدعم أميركي، بوصفها حليفاً وثيقاً في الحرب ضد «داعش»، وطرحت في الفترة الأخيرة، أكثر من مرة، نقل السيطرة على السجون التي تحوي آلافاً من عناصر «داعش» وأسرهم في شمال شرقي سوريا، إلى الإدارة السورية الجديدة، بدلاً من «قسد»، واستعدادها لدعم الإدارة السورية في هذه المهمة.

محور إقليمي

وأطلق وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال زيارته لبغداد الأحد الماضي، دعوة إلى بذل جهود إقليمية مشتركة لمواجهة «حزب العمال الكردستاني» في العراق، و«وحدات حماية الشعب الكردية» في سوريا، بالإضافة إلى «داعش». وكرر أن «حزب العمال الكردستاني» يشكّل تهديداً لكل من تركيا والعراق وسوريا.

وزير الخارجية العراقي ونظيره التركي خلال مؤتمر صحافي عقب مباحثاتهما في بغداد الأحد الماضي (رويترز)

وتُرجمت التصريحات على أنها محاولة من تركيا لتشكيل محور إقليمي ضد المسلحين الأكراد والتخلّص من وجودهم على حدودها الجنوبية، لكن خبراء ومحللين رأوا أنه من الصعب أن تتحقّق شراكة بين بغداد والإدارة السورية الجديدة فيما يتعلّق بمواجهة «وحدات حماية الشعب الكردية».

وكان وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، استبق زيارة فيدان لبغداد، وحذّر -في تصريح خلال مشاركته في «منتدى دافوس»- من أن مهاجمة تركيا لـ«وحدات حماية الشعب الكردية» في شمال سوريا ستكون خطيرة، وستؤدي إلى مزيد من اللاجئين، وهو مؤشر واضح على موقف العراق من دعوة تركيا إلى جهود مشتركة للقضاء على تهديدات «العمال الكردستاني» و«الوحدات الكردية» و«داعش».

وعلى الرغم من ذلك، رأى المحلل التركي، أويتون أورهان، أن هناك إمكانية كبيرة للتعاون بين الدول الثلاث في مكافحة الإرهاب، وأن تأمين الحدود المشتركة وتتبع أنشطة «حزب العمال الكردستاني» و«داعش»، وتبادل المعلومات الاستخبارية بشكل منسق؛ سيكون في مصلحة هذه الدول والأمن الإقليمي معاً.

تركيا وسياسة ترمب في سوريا

بدوره، لفت الكاتب في صحيفة «حرييت» القريبة من الحكومة التركية، سادات أرغين، إلى أن فيدان طرح في بغداد صيغة للتعاون متعدد الأطراف ضد «داعش»، تشارك فيها أيضاً دول إقليمية أخرى، وعلى وجه الخصوص تشكيل «تحالف رباعي» من تركيا والعراق والأردن وسوريا، ضد «داعش»، وذلك بهدف نزع الحجة التي تستند إليها أميركا في مواصلة دعمها لـ«قسد» التي تقودها «الوحدات الكردية» والتي تشكل امتداداً لـ«حزب العمال الكردستاني» في سوريا.

سجن الصناعة الذي يضم عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا الخاضع لحراسة «قسد» (رويترز)

وقال إن الاقتراح التركي يهدف إلى إبطال الفرضية القائلة إن «قسد» لا غنى عنها في الحرب ضد تنظيم «داعش»، وفي سبيل ذلك تدعم تركيا توجه الإدارة الجديدة في دمشق برئاسة أحمد الشرع لدعوة «الوحدات الكردية - قسد» إلى حل نفسها، وانضمام أعضائها إلى الجيش السوري الموحد.

وأضاف أرغين: «لكن السلطات الأميركية ردت على مثل هذه الدعوات من دمشق في الأسابيع التي تزامنت مع الفترة الانتقالية في واشنطن بالرد نفسه الذي استخدمته في كل مرة، وهو الاستمرار في دعم (قسد)، وأن حلها سيُضعف القتال ضد (داعش) بشكل يؤدي إلى عودة نشاطه مرة أخرى».

وقال إنه من الممكن افتراض أن فيدان نسّق المسألة مسبقاً مع أحمد الشرع، قبل طرح اقتراح التحالف ضد «العمال الكردستاني» و«الوحدات الكردية» و«داعش»، على محاوريه في بغداد، كما أن موضوع التحالف لا بد أن يكون قد نُوقش خلال المشاورات التي جرت بشكل مكثف بين السلطات التركية والأردنية مؤخراً، والتي كانت قضية الإرهاب في صدارتها.

ترمب مستقبلاً إردوغان في واشنطن خلال ولايته الأولى (أرشيفية)

ورأى أنه من الواضح أن الاقتراح التركي يهدف إلى التأثير في القرار الأميركي في وقت حرج؛ حيث تقوم الإدارة الجديدة في واشنطن بمراجعة السياسة المستقبلية تجاه سوريا، وسيكون للرئيس ترمب الكلمة الأخيرة، وليس من الصعب التنبؤ بأن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سيطرح هذا المقترح على الطاولة في أول لقاء له مع ترمب.

وأوضح أرغين أن هناك بُعداً آخر لخطوة فيدان يتعلّق بخطاب «الملكية الإقليمية» الذي أكده مراراً في الفترة الأخيرة، حيث يدافع فيدان عن أطروحة مفادها بأن دول المنطقة يجب أن تأخذ المشكلات في جغرافيتها بأيديها وتحلها بنفسها، وبالتالي منع الجهات الفاعلة من خارج المنطقة من التدخل فيها.

تصعيد في شرق حلب

في غضون ذلك، قُتل 5 عناصر من الفصائل وأُصيب 8 آخرون بجروح متفاوتة، في استهداف مسيّرات تابعة لـ«قسد» تجمعاتها في جنوب مدينة منبج، كما قتل 8 من عناصر الفصائل، وأُصيب آخرون في استهدافات لـ«قسد»، على محور دير حافر بريف حلب الشرقي، وردت المسيرات التركية بـ4 غارات على المنطقة، ما أسفر عن مقتل أحد عناصر «قسد» وإصابة 3 آخرين، ومقتل مدني واحد، بحسب ما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان»، الجمعة.

كما تعرّض محيط سد تشرين بريف منبج الشرقي لقصف جوي من الطيران الحربي التركي، في حين استهدفت «قسد» بالطيران المسيّر سيارتين تابعتين لفصائل الجيش الوطني الموالي لتركيا في محيط تلة سيرتل بريف منبج، وسط معلومات عن سقوط قتلى وجرحى.

قصف تركي مكثّف على محور سد تشرين شرق حلب (أ.ف.ب)

ونفّذت وحدات خاصة تابعة لـ«قسد» عملية انتقامية في محور جسر قره قوزاق، رداً على القصف التركي على صرين في ريف عين العرب (كوباني) الذي أسفر عن عشرات القتلى والجرحى، استهدفت خلالها قاعدة تركية في «الهوشرية»، ما أدى إلى وقوع إصابات، وتدمير عربات عدة. وتواصل القوات التركية قصفها المدفعي والجوي على مواقع سيطرة «قسد» في أنحاء مختلفة من عين العرب، في تصعيد عسكري واسع النطاق.

وفي الوقت ذاته، استهدفت القوات التركية والفصائل الموالية لها، بالمدفعية الثقيلة والمسيّرات، قرى في الريف الشرقي لمدينة عين عيسى شمال محافظة الرقة. وقُتل عنصر من «قسد» وأُصيب آخر بجروح، في استهداف مسيّرة تركية نقطة عسكرية لـ«قسد» على محور في بلدة أبو راسين بريف محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا، بالتزامن مع قصف مدفعي تركي، استهدف قرى بريف تل تمر شمال غربي الحسكة.

تعزيزات للتحالف الدولي

في الوقت ذاته، استقدمت قوات «التحالف الدولي ضد داعش» تعزيزات عسكرية ولوجستية وطبية وأسلحة على متن طائرة شحن أميركية بحماية طائرة حربية وأخرى مروحية إلى قاعدة خراب الجير بريف رميلان شمال الحسكة.

سجن الصناعة الذي يضم عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا الخاضع لحراسة «قسد» (رويترز)

كما دفعت قوات التحالف برتل من 60 شاحنة تحمل على متنها مدرعات وأسلحة ثقيلة ومدافع وعربات عسكرية وصناديق مغلقة وصهاريج وقود قادمة من إقليم كردستان العراق.

ودخلت إلى قاعدة قسرك، في الحسكة، 20 شاحنة تحمل معدات عسكرية ولوجستية وصهاريج وقود، في إطار تعزيز القواعد العسكرية في ظل الهجوم على مواقع «قسد» من جانب القوات التركية والفصائل.


مقالات ذات صلة

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال كلمته في دبي الثلاثاء (الشرق الأوسط)

الشرع: التحولات الاقتصادية تتطلب قرارات «صادمة»

في تعليق ضمني على احتجاجات الوقود في سوريا، قال الشرع إن إدارة المرحلة تتطلب قدراً من التدرج واتخاذ قرارات قد تكون «صادمة» في بعض الأحيان.

«الشرق الأوسط» (دبي)
المشرق العربي عناصر من الجيش السوري في ريف دمشق (أ.ف.ب) p-circle

سوريا: 10 جرحى بصفوف قوى الأمن بعد اشتباكات في السويداء

أصيب عشرة عناصر من قوى الأمن الداخلي السورية في اشتباكات، ليل الاثنين، مع مجموعات محلية مسلحة في السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي جنود من الجيش السوري (أ.ف.ب) p-circle

قتيلان مدنيان في اشتباكات بغرب مدينة السويداء السورية

قُتل مدنيان في اشتباكات دارت، الأحد، بين مجموعات مسلحة محلية وقوات حكومية غرب مدينة السويداء ذات الغالبية الدرزية في جنوب سوريا.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون خلال جلسة محاكمته اليوم في دمشق (سانا)

الحكم بالمؤبد على «مفتي البراميل» في سوريا

أصدر القضاء السوري حكماً حضورياً بالسجن المؤبد بحقّ مفتي الجمهورية السابق أحمد بدر الدين حسون، بعد إدانته بجرائم عدة؛ بينها إثارة النعرات الطائفية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

إدارة إيرانية لـ«حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
TT

إدارة إيرانية لـ«حزب الله» بعد الضربات الإسرائيلية

«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)
«حزب الله» يشكر إيران ويهاجم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة (الشرق الأوسط)

أنتجت الحرب الإسرائيلية الموسّعة على لبنان التي تحل ذكراها الثامنة، غداً الأربعاء، تغييراً كبيراً في وضعية «حزب الله» السياسية والعسكرية، وانتهت بإدارة إيرانية مباشرة للحزب.

وقال الخبير في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي لـ«الشرق الأوسط» إن قدرات «حزب الله» شهدت تراجعاً كبيراً بين عام 2024 واليوم، سواء على مستوى القيادة والبنية العسكرية، أو النفوذ السياسي وخطوط الإمداد، مقدّراً أن حجم هذا التراجع «تجاوز النصف تقريباً»، وأضاف أن «الإدارة كانت في عام 2024 محلية بتوجيه إيراني، أما اليوم فأصبحت الإدارة والتوجيه إيرانيين بصورة مباشرة».

في غضون ذلك، أشاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، بقيادة الرئيس اللبناني جوزيف عون للبنان في هذه المرحلة، مقدِّراً «التزامنا المشترك السلام والأمن والازدهار حول العالم».

وجاءت إشادة ترمب خلال رسالة أرسلها لعون، عبَّر فيها عن سعادته باستقباله في البيت الأبيض يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، وعن إعجابه بقيادته لبنان في هذه المرحلة؛ حسبما أفادت الرئاسة اللبنانية.

ووصف ترمب زيارة عون إلى البيت الأبيض بـ«التاريخية بكل معنى الكلمة، وهي الأولى لرئيس دولة لبناني منذ ما يقارب عقدين من الزمن». وتابع: «في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط صراعاً، أُعجب بقيادتكم الحاسمة نيابة عن لبنان وشعبه».


كردستان العراق يعلن توحيد «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
TT

كردستان العراق يعلن توحيد «البيشمركة»

رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)
رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني خلال كلمة في مراسم توحيد «البيشمركة» (رئاسة الإقليم)

بعد أكثر من 3 عقود على انفصالها خلال «حرب الإخوة» بين الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، وحزب «الاتحاد الوطني»، أعلن إقليم كردستان شمال العراق، أمس (الاثنين)، توحيد قوات «البيشمركة»، في خطوة قد تسهم في توحيد الصف الكردي المنقسم أمنياً وسياسياً.

وجرت مراسم توحيد «البيشمركة» في أربيل، بإشراف رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني بصفته القائد العام لقوات «البيشمركة»، وبمشاركة رئيس الحكومة، مسرور بارزاني. كما حضر مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة العراقية، عبد الأمير الشمري.

وعبّر رئيس الحكومة العراقية علي فالح الزيدي، عن مباركته لاكتمال توحيد التشكيلات تحت مظلة وزارة شؤون (البيشمركة).

ويعود الانقسام في صفوف «البيشمركة» إلى منتصف تسعينات القرن الماضي، حينما انقسمت إلى قوتين؛ واحدة تابعة لـ«الديمقراطي» وأخرى لـ«الاتحاد الوطني».


باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

باريس تريد لاحقاً مؤتمراً شاملاً للبنان لا ينحصر بدعم الجيش

الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيسان الفرنسي واللبناني إيمانويل ماكرون وجوزيف عون وملك الأردن عبد الله الثاني يتوسطون المشاركين في اجتماع دعم الجيش اللبناني في قصر الأنفاليد يوم 17 سبتمبر (أ.ف.ب)

تعتبر باريس أن الخلاصات التي أفضى إليها اجتماع الأسبوع الماضي الخاص بدعم الجيش اللبناني، والذي شهد مشاورات سياسية وأخرى عسكرية على مستوى رفيع للغاية، دافعاً يجب أن يمهد الطريق من أجل التحضير للمؤتمر الدولي الموعود لدعم لبنان.

وتؤكد باريس أن دعمها للجيش اللبناني ليس مشروطاً. بيد أن الجديد الذي يصر عليه الجانب الفرنسي، يتمثل في أن هدف المؤتمر الموعود لن ينحصر فقط بتوفير الدعم المالي والتجهيزي والتسليحي للجيش اللبناني بل يجب أن يتناول الإصلاحات الاقتصادية والمالية مع هدف واضح هو تعزيز السيادة اللبنانية في كل المجالات.

وبكلام آخر، لا تريد باريس «تجزئة» الدعم للبنان بل معالجة وضعه بكليته، علماً بأن الرئيس ماكرون كان يدفع بداية من أجل مؤتمرين: الأول، مخصص لدعم الجيش، والثاني لدعم الاقتصاد اللبناني.

التصور الجديد

لكن التصور الجديد يدمج الأمرين معاً ويربط بهما ضرورة أن تعمل الدولة اللبنانية على إقرار الإصلاحات المطلوبة منها منذ سنوات وبما فيها الإصلاحات المالية، مشيرة تحديداً إلى ما يسمى قانون الفجوة المالية المتنقل ما بين مجلسي الوزراء والنواب وصندوق النقد الدولي.

الرئيس ماكرون يتوسط العاهل الأردني «يمين» عبد الله الثاني والرئيس اللبناني جوزيف عوف في قصر الأنفاليد بمناسبة الاجتماع المخصص لدعم الجيش اللبناني (د.ب.أ)

وتنبه باريس من أنه إذا كان اللبنانيون غير قادرين أو غير راغبين في القيام بهذه الإصلاحات، فإن الآخرين (الأطراف الخارجية) لن تحل مكانهم لا في توفير الأمن ولا في نزع سلاح «حزب الله» ولا في إعادة إيقاف المؤسسات اللبنانية على رجليها. وبنظرها، فإنه كلما تأخرت الإصلاحات، أصبح القيام بها أكثر صعوبة. وتساءلت باريس عما إذا كان لبنان يود أن يكون فقط «غسالة» للمال «الوسخ» أم أنه يطمح إلى العودة للانتظام المالي العادي المعمول به.

عرض مقنع ولكن...

ينظر الجانب الفرنسي إلى العرض الذي قدمه الرئيس جوزيف عون وقائد الجيش عن الوضع اللبناني وحاجات لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بالجيش والقوى الأمنية، على أنه جاء «مقنعاً» وأن الأطراف المشاركة في الاجتماع أكدت استعدادها لتقديم الدعم والانخراط في مساعدته، بما في ذلك الطرف الأميركي الذي تمثل في الاجتماع بوفد عسكري - دبلوماسي رفيع المستوى.

بيد أن الطرف الفرنسي ما زال يرى أن الخطة اللبنانية بحاجة «لمزيد من العمل» والبلورة، كما أنه يحث لبنان على أن يكشف «بوضوح ودقة» عن توقعاته وعما يريده تحديداً من فرنسا ومن الدول الشريكة.

وبالتوازي تدعو باريس السلطات اللبنانية إلى الإفصاح عما تنوي القيام به إن على الصعيد الأمني أو بالنسبة لانتشار الجيش بموجب القرار 1701، وأخيراً بالنسبة لما تريده وتقبل به «بديلاً» عن قوة «اليونيفيل».

والمعروف أن لبنان يرغب بأن يتم التمديد للقوة الدولية الحالية لفترة تتراوح ما بين ستة أشهر وسنة، علماً بأن انتدابها ينتهي نهاية العام الجاري. إلا أن واشنطن، بدفع من تل أبيب، ترفض التمديد كما أنها ترفض، حتى اليوم، مشروع حلول قوة متعددة الجنسيات أو قوة «يونيفيل 2»، أي تحت علم الأمم المتحدة، وبانتداب من قبلها محل القوة الحالية، وتدفع لأن تقوم اللجنة العسكرية الثلاثية المشكلة من الولايات المتحدة ولبنان وبإسرائيل بمهمات «اليونيفيل». وهذا الأمر يرفضه لبنان حتى اليوم.

ملف «اليونيفيل»

سيكون ملف «اليونيفيل» موضع تشاور إن في نيويورك، في إطار الأمم المتحدة، أو في إطار الاجتماعات التي سيعقدها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام في واشنطن، وعلى رأسها مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.

وقالت باريس إن الوفد الفرنسي برئاسة إيمانويل ماكرون الذي وصل إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة سيكون سنداً للبنان في موضوع القوة البديلة. وتعمل فرنسا، منذ عدة أشهر، مع روما على فكرة تشكيل قوة متعددة الجنسيات في حال استحالة تشكيل قوة «يونيفيل 2».

وبالتوازي، يقوم الاتحاد الأوروبي بمشاورات داخلية لـ«مهمة» غرضها توفير الدعم للجيش اللبناني تدريباً وتجهيزاً وتمويلاً ومواكبة واستخبارياً، وهي منفصلة عن ملف بديل «اليونيفيل».

وقالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي، عقب اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد مؤخراً، إن عشر دول أوروبية مستعدة للمساهمة في «المهمة» المذكورة.

الجنرال الإيطالي ديوداتو أبنيارا يتفقد ثلة من قوة الأمم المتحدة المؤقتة «اليونيفيل» في جنوب لبنان يوم 21 سبتمبر (رويترز)

وبحسب الخارجية الفرنسية، فإن الاتحاد يدرس إمكانية استفادة لبنان، بالتوازي، من «الصندوق من أجل السلام» الذي منه تذهب المساعدات الأوروبية المالية إلى أوكرانيا. وما يهم لبنان وأيضاً أصدقاؤه وشركاؤه عدم قيام فراغ أمني في الجنوب بعد رحيل القوة الدولية، ما يعني غياب أي جهة يمكن أن تراقب الحدود وتسعى لمنع التعديات. وحجة واشنطن وتل أبيب أن القوة الدولية «لم تقم بمهماتها»، وبالتالي يتعين النظر في شيء آخر للحلول مكانها.

سلاح «حزب الله»

تعي فرنسا أن المطلوب من الجيش اللبناني أن يقوم بجمع السلاح من «حزب الله»، وتعي أيضاً أن هذا الجيش لن يعمد إلى الدخول في معارك معه، وهو ما أشار إليه وشدد عليه الرئيس جوزيف عون في كلمته أمام المؤتمرين. وفي هذه النقطة بالذات وكذلك بالنسبة لانتشار الجيش، تدعو باريس إلى التحلي بـ«الواقعية» لتحقيق هذين الهدفين.

وبالنظر للضغوط الشديدة التي تمارس على لبنان أميركياً وإسرائيلياً، بخصوص نزع السلاح، فإن باريس ترى أنه يتعين العمل على أمرين: الأول، «تليين» المطالب الأميركية - الإسرائيلية. والثاني، أن يعرض لبنان خطة لإعادة الانتشار ولنزع سلاح «حزب الله» تتميز بالصدقية، وأن يكون جاهزاً للعمل بموجبها. كذلك تعي باريس الصعوبة التي يعاني منها لبنان بشأن «المناطق التجريبية» التي ترفض إسرائيل السير بها بحجة أنها «غير مقتنعة» بأداء الجيش اللبناني، وأنه نجح في «تنظيفها» من سلاح «حزب الله». فضلاً عن ذلك، فإنها تعرف أن واشنطن وتل أبيب تريدان من لبنان أن يقوم بمبادرات وخطوات غير قادر على القيام بها، علماً بأن إسرائيل تتذرع بعدم نزع سلاح «حزب الله» لتبرير رفض انسحابها من الأراضي اللبنانية التي تحتلها.

وبالمقابل، فإن «حزب الله» يرفض تسليم سلاحه طالما أن إسرائيل تحتل أراضي لبنانية، ما يجعل الأمور تدور في فراغ. وبأي حال، فإن الرسالة التي تريد باريس إيصالها إلى المسؤولين اللبنانيين مفادها أنه ليس بمقدورهم المراهنة على دور خارجي لقوات أوروبية أو غير أوروبية لنزع سلاح «حزب الله»، بل عليهم القيام بذلك بأنفسهم.