«عطلة الغدير» تفجر سجالاً حول «حقوق الطوائف» في العراق

3 أعياد لـ«الموسوية اليهودية»... والقانون خلا من اليوم الوطني و«إسقاط الملكية»

جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (وكالة أنباء العالم العربي)
جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (وكالة أنباء العالم العربي)
TT

«عطلة الغدير» تفجر سجالاً حول «حقوق الطوائف» في العراق

جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (وكالة أنباء العالم العربي)
جانب من إحدى جلسات البرلمان العراقي (وكالة أنباء العالم العربي)

فجّر إقرار «عيد الغدير» عطلة رسمية في العراق سجالاً طائفياً، في حين فتح نقاشاً سياسياً حول شكل العلاقة بين زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وبين خصومه في الإطار التنسيقي.

وسبب ربط الصدر بعطلة الغدير يعود إلى أنه صاحب الدعوة لإقرار العطلة، وهو أيضاً من «شكر النواب الشيعة»، بمن فيهم أعضاء الإطار التنسيقي على التصويت لصالحها في البرلمان، في جلسة أمس الأربعاء.

وأقرّ البرلمان «عيد الغدير» عطلة رسمية في عموم البلاد، بعدما صوَّت، على قانون «العطل»، في حين لم يَرد أي ذكر ليوم تأسيس الجمهورية الذي يصادف 14 يوليو (تموز).

وأظهر نص القانون، الذي وزَّعه نواب على وسائل الإعلام، أن «العطل الرسمية ستكون: الجمعة والسبت من كل أسبوع، ورأس السنة الميلادية، ورأس السنة الهجرية، والمولد النبوي، والعاشر من شهر محرم، وعيد الغدير، وعيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد نوروز، وعيد الجيش، وعيد العمال»، وخوَّل القانون الجديد لـ«المدن المقدسة تعطيل الدوام الرسمي بحد أقصى ثلاثة أيام حسب الضرورة، ومنح «كل الديانات والطوائف العراقية كالمسيحية والصابئة والإيزيدية أعياداً محددة، وتكون العطل خاصة لهم».

وكان من اللافت إقرار ثلاثة أعياد خاصة بالطائفة الموسوية اليهودية التي لم يعد لأتباعها وجود قوي كما في السابق، وهي «يوم الكفارة، ويوما عيد الفصح، ويوما عيد المظلة».

أنصار لزعيم التيار الصدري يرفعون الرايات الخضراء احتفالاً بتشريع «عطلة الغدير» (فيسبوك)

سجال شيعي سني

وأصرّ نواب شيعة على إدراج العطلة، رغم الجدل الشعبي والسياسي حول المناسبة الدينية، والتحذير من ردود فعل تثير الانقسام.

وقال نواب، حضروا جلسة التصويت، إنها شهدت غياب النواب السنة والكرد؛ لاعتراضهم على «مناسبة تخص مكوناً بعينه».

وأعلنت أحزاب سنية رفضها الحراك الشيعي لتشريع «عيد الغدير» عطلة رسمية. وقال الحزب الإسلامي العراقي، في بيان صحافي، إن «مقترح اعتماد (عيد الغدير) عطلة رسمية لا يتوافق مع احتياجات العراق اليوم».

و«عيد الغدير»، الذي يصادف في التقويم الهجري 18 من ذي الحجة، يعود لإحدى خطب النبي محمد صلى الله عليه وسلم ألقاها عند منطقة «غدير خم»، في العام العاشر بعد الهجرة، ومضمونها محل خلاف بين المذاهب الإسلامية على مدار قرون، ولا سيما في العراق بين السنة والشيعة.

وقال مدونون إن إقرار مناسبة خلافية كعطلة وطنية بمثابة «فرض أمر واقع على أبناء معتقدات دينية مخالِفة».

ودافع ناشطون مُوالون للإطار عن القانون، على خلفية أن «الشيعة العراقيين يمثلون أغلبية سكانية في البلاد، ويحق لهم التمتع بحقوقهم الديمقراطية».

وقال قيس الخزعلي، زعيم حركة «عصائب أهل الحق»، في بيان مقتضب بعد جلسة التصويت: «لقد نال أغلبية الشعب حقوقهم الغائبة».

ونشر حساب على منصة «إكس» يمثل زعيم التيار الصدري باسم «صالح العراقي»، إنه «لأول مرة يشعر الشيعي العراقي بحريته الحقيقية"، في حين ظهر الصدر في مرقد الإمام علي بمدينة النجف؛ «احتفالاً بعطلة الغدير»، على حد تعبير بيان لمكتبه.

تأسيس الجمهورية

في السياق نفسه، احتج المدنيون على إلغاء عطلة 14 يوليو، التي صادفت إسقاط النظام الملكي في العراق وإعلان الجمهورية عام 1958.

كما لم يمنح القانون المسيحيين عطلة في مناسبة مولد السيد المسيح، ولم يخصص يوماً للعيد الوطني.

وقال عضو اللجنة القانونية في البرلمان، رائد المالكي، إن العيد الوطني سيُحدد، بموجب القانون الخاص بتحديد عَلَم وشعار الدولة العراقية ونشيدها الوطني، مضيفاً «ننتظر إرساله من الحكومة الاتحادية».

وأوضح المالكي أن «الدستور أوجب تحديد علم وشعار ونشيد العراق بقانون، ولأن العيد الوطني مرتبط بتلك الرموز، وهناك خلاف عليها، لذا ترك تحديده لهذا القانون الخاص ولم يدمج مع العطل الرسمية وننتظر إرساله من الحكومة».

مقتدى الصدر (رويترز)

هدنة مع الصدر أم مصالحة؟

وخارج السجال الذي يأخذ بعداً طائفياً إلى حد ما، ينشط نقاش حول سيناريوهات سياسية للعلاقة بين الصدر وقادة الإطار التنسيقي، وفيما إذا كان تشريع عطلة الغدير يمهد لهدنة أو صلح بين الطرفين.

وقبل أيام من جلسة التصويت، وجّه الصدر رسالة شديدة اللهجة للنواب الشيعة في البرلمان، قائلاً: «إذا صوّت أعضاء البرلمان على هذا، فسأقدم لهم الشكر، وإن لم يصوّتوا فسيكون النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والإمام علي خصميهم، بسنتهم وشيعتهم».

وتابع الصدر: «أرفض أن يزاودني أحد على نبذ الطائفية فنحن من أسهم في درء التأجيج الطائفي، والمطالبة بعطلة عيد الغدير جاءت تفعيلاً للتعايش السلمي».

واستجاب جميع النواب الشيعة لدعوة الصدر، وقد يعكس هذا مؤشراً على تفاهم بين الطرفين. وقال ناشطون إن التخادم بين الخصمين حول «عيد الغدير» قد يفتح الباب لمصالحة تاريخية، أو على الأقل هدنة طويلة الأمد.

ومع ذلك، استبعد مراقبون تحقق المصالحة بين الطرفين، ولا سيما أن الجميع بدأ يعد العدة للانتخابات المقبلة، لكنهم حددوا مستقبل العلاقة بين الصدر وخصومه بأمرين؛ الأول إذا عاد التيار الصدري مشاركاً في الانتخابات، وفي حال استخدم عطلة الغدير وسيلة للدعاية الانتخابية، فإن الخلافات ستنفجر مع الإطار التنسيقي، صاحب التأثير المباشر في التصويت على القانون.


مقالات ذات صلة

«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

المشرق العربي رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

رفضت منظمة «بدر»، التي يتزعمها هادي العامري، توجُّه الحكومة العراقية نحو استخدام القوة لنزع سلاح الفصائل، في موقف يعكس تصاعد الخلاف داخل التحالف الحاكم.

حمزة مصطفى (بغداد )
المشرق العربي الرئيس أحمد الشرع يستقبل اليوم الخميس في قصر الشعب بدمشق رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد المرافق له

الشرع يستقبل رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي

استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، في قصر الشعب بدمشق، رئيس مجلس القضاء الأعلى في جمهورية العراق القاضي فائق زيدان والوفد المرافق له، بحضور وزير الخارجية.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي واجهة «مطار بغداد الدولي» (أرشيفية - رويترز)

تضارب بشأن طائرة عراقية غيرت مسارها بسبب «بلاغ نائبة»

تضاربت أنباء بشأن طائرة كانت متجهة من العاصمة العراقية إلى إسطنبول أُجبرت على العودة إلى «مطار بغداد الدولي»...

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي نيجيرفان بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق في مبنى البرلمان يوم 14 مايو 2026 (د.ب.أ)

بارزاني يحذر من «عزلة العراق» بسبب سلاح الفصائل

حذر رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، مما سماها «عزلة دولية» سيتعرض لها العراق إذا لم يُحسم ملف الفصائل المسلحة التي لا تزال ترفض تسليم سلاحها...

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي محتجون يشعلون النار في أحد شوارع الكوت جنوب بغداد احتجاجاً على نقص الكهرباء (مواقع تواصل)

شح الكهرباء والمياه ينذر بأزمة في جنوب العراق

تُلقي أزمة الكهرباء المتفاقمة في العراق بظلالها على معظم السكان، في ظل ارتفاع الحرارة التي تجاوزت نصف درجة الغليان...

فاضل النشمي (بغداد)

«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
TT

«حصر السلاح» يقسم التحالف الحاكم في بغداد

رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)
رئيس الحكومة علي الزيدي وعضو «التنسيقي» هادي العامري ورئيس تحالف «التنمية» محمد شياع السوداني (الإطار التنسيقي)

رفضت منظمة «بدر»، التي يتزعمها هادي العامري، توجُّه الحكومة العراقية نحو استخدام القوة لنزع سلاح الفصائل، في موقف يعكس تصاعد الخلاف داخل القوى السياسية المنضوية في «الإطار التنسيقي» بشأن مستقبل سلاح الجماعات المسلحة وعلاقتها بالدولة.

وقال محمد ناجي، رئيس المكتب السياسي لمنظمة «بدر»، في بيان صدر الجمعة، إنَّ المنظمة ترفض التلويح باستخدام القوة لانتزاع سلاح الفصائل، محذِّراً من أن فتح ملف نزع السلاح بهذه الطريقة قد يقود إلى توترات وفتنة داخلية. واعتبر ناجي أنَّ حملة حصر السلاح بيد الدولة ترتبط، في نظر المنظمة، بضغوط أو اعتبارات تتصل بالعلاقة مع الولايات المتحدة.

وأضاف ناجي: «ما بلغنا من لهجة تلوِّح بفرض القوة - إن صح - فهو تجاوز كبير، ولا نسمح لرئيس الوزراء ولا لغيره بالوصول إلى هذا المستوى في التعامل مع الإخوة في المقاومة، لأنَّ ذلك يفتح الباب على فتنة داخلية، المستفيد منها أولاً وأخيراً هو الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ومَن يتربص بنا».

يأتي موقف «بدر» في وقت تسعى فيه الحكومة العراقية إلى تثبيت مبدأ حصر السلاح بيد مؤسسات الدولة، وسط نقاش متزايد داخل القوى السياسية والفصائل المسلحة حول آليات تنفيذ ذلك، والجدول الزمني المرتبط به.

رئيس الحكومة العراقي علي الزيدي خلال حضوره اجتماع «الإطار التنسيقي» في بغداد (واع)

تباين داخل «بدر»

ويكشف موقف «بدر» عن تباين داخل المنظمة نفسها، إذ أعلن زعيمها هادي العامري تأييده لخطوات رئيس الوزراء علي الزيدي وعدم اعتراضه على ما خلصت إليه الاجتماعات الأخيرة لـ«الإطار التنسيقي» و«ائتلاف إدارة الدولة»، بينما جاء موقف ناجي أكثر رفضاً للجدول الزمني المطروح لنزع سلاح الفصائل.

ويرى الكاتب والصحافي، منتظر ناصر، أنَّ ملف حصر السلاح بيد الدولة كشف عن تناقضات داخل القوى المُشكِّلة لـ«الإطار التنسيقي»، امتدت إلى داخل بعض الأحزاب والفصائل نفسها.

ويقول في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن التباين يعكس صعوبة استمرار النهج القائم على الموازنة بين النفوذين الأميركي والإيراني في ظلِّ التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة.

وبحسب هذا التقييم، فإنَّ الخلاف لا يقتصر على آلية التعامل مع السلاح، بل يرتبط أيضاً بتحديد طبيعة علاقة العراق بكل من الولايات المتحدة وإيران، وبمدى استقلال القرار الأمني والعسكري عن القوى المسلحة المرتبطة بأطراف خارجية.

إسماعيل قاآني قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني (أ.ب)

قاآني مرة أخرى

وتزامن التصعيد السياسي بشأن السلاح مع زيارة أخرى غير معلنة إلى بغداد أجراها إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، حيث التقى عدداً من قادة «الإطار التنسيقي». وأثارت الزيارة نقاشاً بشأن طبيعة اللقاءات التي عقدها قاآني، وما إذا كان قد التقى رئيس الوزراء علي الزيدي.

وبحسب مصادر عراقية متطابقة، فإنَّ طهران لا تزال تنظر إلى العلاقة مع بغداد في ضوء صراعها الأوسع مع الولايات المتحدة، في حين تسعى الحكومة العراقية، وفقاً للمصادر، إلى إعادة صياغة علاقاتها الخارجية على أساس التعاون الثنائي مع كل من واشنطن وطهران بعد انتهاء مهمة التحالف الدولي في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتقول المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، إن بغداد تريد إنهاء الذرائع التي استخدمتها جماعات لتبرير استمرار حمل السلاح، لا سيما تلك المرتبطة بوجود التحالف الدولي في العراق منذ عام 2014، مع الانتقال إلى علاقات ثنائية متكافئة مع الولايات المتحدة وإيران.

في المقابل، تشير المصادر إلى أنَّ طهران تفضِّل استمرار إبقاء ملف سلاح الفصائل مفتوحاً عملياً، مع إمكانية نقل السيطرة الشكلية على السلاح إلى الحكومة، وهو طرح قد يحظى بقبول بعض قيادات «الإطار التنسيقي»، لكنه لا يلقى قبولاً لدى الجهات الرسمية العراقية المعنية، وفقاً للمصادر نفسها.

ويضع هذا الخلاف الحكومة أمام اختبار سياسي وأمني حساس، إذ إن أي محاولة لفرض نزع السلاح بالقوة قد تفتح مواجهةً مع فصائل تتمتع بنفوذ سياسي وأمني، بينما قد يؤدي تأجيل الملف أو الاكتفاء بإجراءات شكلية إلى إضعاف مساعي الدولة لتعزيز احتكارها للقرار العسكري والأمني.

ويأتي ذلك في مرحلة تستعد فيها بغداد لإعادة تعريف علاقتها بالتحالف الدولي والولايات المتحدة، بالتزامن مع استمرار التوتر الإقليمي بين واشنطن وطهران. ويجعل هذا السياق ملف الفصائل المسلحة جزءاً من نقاش أوسع حول سيادة العراق وطبيعة تحالفاته الخارجية، ومستقبل التوازنات داخل النظام السياسي.

ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الخلافات الحالية ستفضي إلى تسوية سياسية بشأن آلية حصر السلاح بيد الدولة، أم ستتحوَّل إلى مواجهة أوسع داخل «الإطار التنسيقي»، وبين القوى الداعمة لسلطة الدولة والفصائل التي تتمسَّك باستمرار دورها المسلح.


إسرائيل تضغط على جناحي الجنوب اللبناني... من المنصوري إلى علي الطاهر

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تضغط على جناحي الجنوب اللبناني... من المنصوري إلى علي الطاهر

تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)
تصاعد الدخان من بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب هجوم إسرائيلي (د.ب.أ)

وسّعت إسرائيل ضغطها العسكري في جنوب لبنان الجمعة، بتكثيف الغارات على بلدة المنصوري في قضاء صور، بالتوازي مع استمرار التصعيد على محور النبطية - تلال علي الطاهر، في مشهد يضع منطقتين مختلفتين جغرافياً وعسكرياً تحت ضغط متزامن، ويفتح الأسئلة حول حدود العمليات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة، في ظل تعثر المسار التفاوضي.

وسُجلت منذ فجر الجمعة 8 غارات جوية استهدفت بلدة المنصوري ومشاعها، بعد ليلة شهدت تفجيرات وعمليات تمشيط في محيطها ومجدل زون، بالتزامن مع تحركات وقصف وتفجيرات إسرائيلية في مناطق أخرى من الجنوب، من قضاء بنت جبيل إلى مرجعيون.

ويطرح تزامن التصعيد على أكثر من محور سؤالاً حول طبيعة التحرك الإسرائيلي: هل يشكل الضغط على المنصوري وعلي الطاهر جزءاً من مسار واحد لتوسيع نطاق العمليات؟ أم أن لكل محور حساباته الميدانية المختلفة، وإن كانا يلتقيان ضمن مسار أوسع لزيادة الضغط العسكري قبل أي تقدم في المفاوضات؟

يتصاعد الدخان من موقع غارة جوية إسرائيلية على قريتي المنصوري ومجدلزون بالقرب من الحدود الجنوبية للبنان (أ.ف.ب)

المنصوري... تصعيد بدأ من مجدل زون

يربط الخبير العسكري والاستراتيجي رياض قهوجي، التصعيد الإسرائيلي المتواصل في بلدة المنصوري، في جزء أساسي منه، بالتطورات الميدانية التي شهدتها منطقة مجدل زون سابقاً، فيما يرى أن الوضع في تلال علي الطاهر مختلف، بعدما بات يأخذ بعداً عسكرياً وسياسياً داخلياً في إسرائيل. وقال قهوجي لـ«الشرق الأوسط»، إن «المنصوري يمكن اعتبارها اليوم جزءاً من خط التماس في المحور الغربي»، مشيراً إلى أنه «عند النظر إلى تسلسل الأحداث، نلاحظ أن التصعيد الإسرائيلي على المنصوري بدأ مباشرة بعد عملية مجدل زون السابقة، حيث فجّر (حزب الله) منزلاً كان بداخله مجموعة من الجنود الإسرائيليين».

وأضاف أن «التصعيد على المنصوري بدأ بصورة واضحة ومباشرة بعد تلك العملية، وكأن الجانب الإسرائيلي يعتبر، أو لديه معلومات بأن رصد ما جرى في مجدل زون أو التحضير له انطلق من منطقة المنصوري». وتابع: «من هنا، يظهر في تسلسل الأحداث وجود رابط بين النشاط العسكري في المحور الغربي باتجاه مجدل زون وبين الرد الإسرائيلي الذي بات يتركز بصورة أكبر على المنصوري».

وتضع هذه القراءة التصعيد في المنصوري ضمن سياق ميداني مباشر في القطاع الغربي، بدلاً من اعتباره بالضرورة جزءاً من العملية نفسها التي تتعرض لها المرتفعات الواقعة في محيط النبطية.

سيطرة بالنار في القطاع الغربي

يلفت قهوجي إلى دلالة طلب إسرائيل إخلاء المنصوري سابقاً، رغم عدم احتلالها برياً، ويرى أن ذلك يعكس محاولة لفرض شكل مختلف من السيطرة على المنطقة. وقال إن «طلب إسرائيل إخلاء البلدة في وقت سابق، رغم أنها ليست محتلة برياً، يندرج في هذا السياق»، موضحاً أنه «في ظل المفاوضات وعدم توسيع إسرائيل حتى الآن خريطة احتلالها البري، لجأت إلى فرض نوع من السيطرة بالنار، عبر تكثيف القصف بما يتيح لها التحكم بالحركة داخل المنطقة بالنيران».

صورة تظهر آثار القصف على مرتفعَي علي الطاهر والدبشة جنوب لبنان (الوكالة الوطنية للإعلام)

علي الطاهر تتحول إلى هدف إسرائيلي

في المقابل، يفصل قهوجي بين هذا المسار وما يجري في تلال علي الطاهر، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى إحدى أبرز نقاط الضغط الإسرائيلي في محيط النبطية.

ويقول إن «طبيعة العمل العسكري في تلال علي الطاهر مختلفة»، مضيفاً أن «علي الطاهر تحولت اليوم إلى ما يشبه العنوان الانتخابي في إسرائيل، في ظل تكرار ذكرها في تصريحات المسؤولين الإسرائيليين، من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وزرائه».

وتوقع قهوجي «تصعيداً أكبر وتحركاً إسرائيلياً أوسع باتجاه علي الطاهر»، مشدداً على أن «هذا المسار يختلف في طبيعته عن التصعيد في المنصوري، إلا إذا رأت إسرائيل أن من مصلحتها لاحقاً توسيع نطاق سيطرتها في القطاع الغربي أيضاً».

من الحدود إلى النبطية... أحزمة متتالية

في قراءة أوسع لمسار العمليات، يرى العميد الركن المتقاعد فادي داود أن التحركات الإسرائيلية، وإن اختلفت دوافعها المباشرة بين محور وآخر، تندرج ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على الانتقال بين أحزمة جغرافية متتالية. وقال داود لـ«الشرق الأوسط»، إن «التحركات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان لا يمكن قراءتها بوصفها عمليات منفصلة، بل تأتي ضمن مسار ميداني متدرج يقوم على محاور وأحزمة متتالية، بحيث تنتقل إسرائيل من شريط إلى آخر كلما أحكمت السيطرة على المرحلة السابقة».

وأوضح أن «المرحلة الأولى ترتبط بالمنطقة الأقرب إلى الحدود، حيث كان الهدف إبعاد مصادر التهديد المباشر، لا سيما القدرة على استخدام أسلحة مضادة للدروع ضد شمال إسرائيل»، مشيراً إلى أن «هذا الشريط يشكل، في القراءة العسكرية، خط الدفاع الأول الذي عملت إسرائيل على السيطرة عليه وتوسيع نطاق تحركها داخله».

وأضاف أن «التركيز الإسرائيلي ينتقل حالياً بصورة أكبر إلى خط ثانٍ يمتد على مستوى النبطية ومحيطها شرقاً وغرباً، وتندرج ضمنه المواقع والمرتفعات التي يجري التركيز عليها ميدانياً، وفي مقدمتها تلال علي الطاهر ومنطقة الشقيف»، لافتاً إلى أن «أهمية هذه المواقع تكمن في كونها نقاطاً حاكمة تتيح الانتقال إلى مرحلة أوسع من العمليات».

تصاعد الدخان من تلة قرب بلدة المنصوري في جنوب لبنان عقب غارات جوية إسرائيلية بعد إصدار إنذار بإخلاء البلدة يوم 5 أغسطس 2026 (رويترز)

وعن تكثيف الغارات على المنصوري، قال داود إن «ما يجري يندرج في إطار استئناف النشاط العسكري الذي كانت إسرائيل تنفذه قبل المفاوضات، وليس تحولاً منفصلاً عن المسار العام للعمليات».

وأضاف: «إسرائيل تعمل وفق ما يمكن وصفه بأشرطة أو أحزمة عريضة، تنتهي من الشريط الأول، ثم تنتقل إلى الثاني، وبعده إلى الثالث. ولذلك، فإن تكثيف النشاط الحالي يعكس عودة إلى نمط العمل الذي سبق مرحلة المفاوضات».

وأشار إلى أن «المنصوري تقع على مسافة قريبة نسبياً من الحدود، وبالتالي فإن تكثيف العمليات فيها يرتبط، من الناحية العسكرية، بالعمل الجاري في القطاع الغربي، وبمحاولة تثبيت السيطرة على المناطق التي تعدّها إسرائيل جزءاً من الحزام الأول، أو امتداداً له».

امتداد محتمل للعمليات

لا يستبعد داود امتداد العمليات إلى نطاق أعمق في حال استكملت إسرائيل أهدافها في محيط النبطية، قائلاً إن «الخط الثالث يرتبط بجبل الريحان وإقليم التفاح والمداخل الجنوبية إلى البقاع الغربي ومحيط جزين»، وهو ما من شأنه، وفق قراءته، أن يوسع نطاق السيطرة النارية والميدانية الإسرائيلية، ويتجاوز الطابع الحدودي للعمليات.

ورأى داود أنّ «المسار الإسرائيلي، وفق القراءة الميدانية الحالية، لا يوحي بأنها ستوقف عملياتها عند حدود الشريط الأول أو الثاني، بل إنها تسعى إلى تحسين موقعها العسكري إلى أقصى حد ممكن قبل الدخول في أي مفاوضات جدية»، معتبراً أن «إسرائيل تريد أن تدخل المفاوضات بعدما تكون قد أحكمت سيطرتها الميدانية على أكبر مساحة ممكنة ورفعت مستوى الضغط العسكري إلى أقصاه».

تحركات على محاور أخرى

امتد التصعيد إلى مناطق أخرى في الجنوب؛ فسُجل في قضاء بنت جبيل تقدم آليات ودبابات إسرائيلية باتجاه حداثا، تزامناً مع تمشيط بالرشاشات وسقوط قذيفة مدفعية، فيما دوّت تفجيرات في بيت ياحون وحداثا وكونين ووصل صداها إلى قرى الساحل، وألقت مسيّرة قنبلة على منزل في كفرا ليلاً. وفي قضاء مرجعيون، نفّذ الجيش الإسرائيلي تفجيراً كبيراً في مركبا، بينما اندلعت حرائق في بني حيان جراء القصف المدفعي المتواصل.


ضابط من عهد الأسد يعود «حراً» إلى سوريا بعد إدانته في النمسا

منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

ضابط من عهد الأسد يعود «حراً» إلى سوريا بعد إدانته في النمسا

منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)
منطقة مدمَّرة وسط مدينة الرقة (أرشيفية - أ.ف.ب)

أفادت أربعة مصادر ورسائل اطلعت عليها وكالة «رويترز» بأن ضابط أمن سوري سابقاً، صدرت بحقه عقوبة بالسجن في النمسا بتهمة إساءة معاملة معتقلين إبان حكم بشار الأسد، غادر النمسا في أثناء استئنافه للحكم وعاد إلى سوريا في وقت سابق من هذا الشهر.

وأصدرت محكمة في فيينا حكماً الشهر الماضي بحق المقدم السابق مصعب أبو ركبة بالسجن ثماني سنوات لإدانته ‌بتهم من بينها ‌«الإيذاء الجسدي والإكراه المشدد والاعتداء الجنسي بحق معارضين ​محتجزين ‌إبان حكم ⁠الأسد»، ​وذلك عندما ⁠كان الضابط السابق رئيساً لقسم التحقيقات الجنائية بشرطة محافظة الرقة قبل أكثر من عشر سنوات.

وقال «المركز السوري للعدالة والمساءلة»، وهو منظمة سورية لحقوق الإنسان، إن القضية «كشفت عن أوجه قصور في النظام القضائي النمساوي بعد أن سمحت السلطات لأبو ركبة بالبقاء طليقاً طوال فترة المحاكمة، وأثناء طعنه بالحكم الصادر ضده بالسجن».

وأنكر أبو ركبة التهم الموجهة إليه. وفي أوائل أغسطس (آب)، ⁠وصل إلى مسقط رأسه في بلدة نوى بمحافظة درعا ‌الواقعة في جنوب سوريا، حيث أقامت عائلته ‌حفل استقبال بمناسبة عودته، حسبما ذكرت المصادر الأربعة ​المطلعة بشأن القضية... وجاء في دعوة الحفل، ‌التي أرسلت إلى كبار الشخصيات المحلية واطلعت عليها «رويترز»، أنه أفرج ‌عنه من السجن.

وقال متحدث باسم المحكمة النمساوية التي أدانته، إنه «تبين قبل المحاكمة أن خطر هروبه غير قائم لأنه يعيش في النمسا منذ عام 2014 ‌وكان يطلب اللجوء هناك مع عائلته».

من داخل محكمة استجواب رجل الأمن السابق عاطف نجيب (أرشيفية - وزارة العدل السورية)

ولم يحتجز أبو ركبة على ذمة المحاكمة، كما لم يخضع لأي قيود أخرى.

⁠وقال المتحدث ⁠إن مغادرته النمسا إلى أن تنتهي إجراءات الاستئناف «لا تشكل مخالفة لأي قوانين أو أحكام نمساوية».

وقال المدير التنفيذي لـ«المركز السوري للعدالة والمساءلة»، محمد العبد الله، إن «هروب المقدم مصعب أبو ركبة بعد صدور الحكم بحقه وإدانته بجرائم التعذيب والإكراه الجنسي والإيذاء الجسدي الشديد، يظهر تقصير السلطات النمساوية بتقدير خطورة هذا المتهم وعدم إيداعه في الحبس الاحتياطي خلال المحاكمة».

وتعهدت السلطات السورية الجديدة بمحاسبة المسؤولين السابقين في نظام الأسد على الانتهاكات التي ارتكبت خلال حكمه. ​وأصدرت محكمة سورية يوم الثلاثاء حكماً ​غيابياً على الأسد بالإعدام بتهم القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية.