المعارضة اللبنانية تلجأ مجدداً إلى «المجلس الدستوري»… رغم الخيبات السابقة

طريقة تعيين أعضائه ونظامه الداخلي يسهلان تسلل السياسة إليه

المجلس الدستوري (صورة أرشيفية)
المجلس الدستوري (صورة أرشيفية)
TT

المعارضة اللبنانية تلجأ مجدداً إلى «المجلس الدستوري»… رغم الخيبات السابقة

المجلس الدستوري (صورة أرشيفية)
المجلس الدستوري (صورة أرشيفية)

يتقدّم تكتل «الجمهورية القوية»، الخميس، باستدعاء أمام «المجلس الدستوري» يطعن فيه بقانون التمديد للمجالس البلدية والاختيارية الذي أقرّه المجلس النيابي الأسبوع الماضي، بحجة تعذر إجراء انتخابات لهذه المجالس، في ظل الحرب الدائرة جنوب البلاد.

وكان التكتل قد تقدم العام الماضي بطعن مماثل، إلى جانب كتل ونواب آخرين رفضوا التمديد السابق للبلديات بحجة عدم توافر الاعتمادات المالية اللازمة لإجراء الانتخابات. وهو لم ييأس، على ما يبدو، أو يستسلم لاحتمال أن يكون رأي المجلس القانوني مماثلاً لرأيه العام الماضي، والذي استند حينئذ إلى أسباب عدة لرد الطعون، وأهمها الحرص على استمرارية المرفق العام.

أيوب: نتطلع ليكون المجلس منصفاً

وتشير عضو تكتل «الجمهورية القوية»، غادة أيوب، إلى أن «الإصرار من قِبل التكتل على الطعن مجدداً هذا العام بقانون التمديد هو إصرار على الطعن بكل قانون غير دستوري، وهو حق مشروع وواجب وطني»، معتبرة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «ما هو مفاجئ دائماً أنه، وبمتن قرارات المجلس الدستوري، يتم إيراد كل الأسباب التي تؤدي إلى إبطال القوانين، لكن التبرير يكون بالحديث عن ظروف استثنائية يتم التذرع بها».

وتلفت أيوب إلى أن «هناك نواة من القانونيين والدستوريين والقضاة الذين يوافقون معنا أن هذا النوع من القوانين يضرب صورة وجوهر الدستور والمبادئ الدستورية كافة التي أقرّها المجلس الدستوري، من هنا التركيز على دورية الانتخابات وحق الاقتراع والعودة إلى الناس لانتخاب السلطات المحلية التي تمثلهم، لا تلك التي تمثل السلطة»، مضيفة: «يبقى لدينا دائماً أمل بالقضاة والقضاء، ونتمنى أن ينصفنا المجلس الدستوري. وهو إذا وجد أن هناك ظروفاً استثنائية تحتم التأجيل في منطقة معينة، فعليه إنصاف باقي المناطق اللبنانية».

طريقة التعيين والنظام الداخلي

ويتم دائماً التشكيك باستقلالية وحيادية «المجلس الدستوري» وأعضائه، وإن كانت معظم الكتل النيابية لا تزال تلجأ إليه. ويشير المشككون إلى أن طريقة تعيين أعضائه ونظامه الداخلي يتيحان للسياسة التسلل إليه رغم محاولاته المستمرة لإثبات العكس؛ إذ إن المجلس الدستوري الذي أُنشئ بموجب القانون رقم 250 بتاريخ 14/7/1993، نصت المادة 2 منه على أن يتألف من عشرة أعضاء. يعيّن مجلس النواب نصفهم بالغالبية المُطلقة، ويعيّن مجلس الوزراء النصف الآخر بأكثرية ثلثي عدد أعضاء الحكومة. وقد حدد القانون مهمته بمراقبة دستورية القوانين وسائر النصوص التي لها قوة القانون والبت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية.

3 انتكاسات

ويوضح الخبير الدستوري الدكتور عادل يمين، أن «إنشاء المجلس الدستوري عملاً بتوصيات اتفاق الطائف شكّل خطوة إصلاحية جدية لضمان سمو الدستور وحمايته، لكن هذه الخطوة تعرضت لأكثر من انتكاسة: أولاً، عند تعديل الدستور عام 1990، من دون الأخذ بكامل ما أوصى به اتفاق الطائف، وبالتحديد لجهة إعطاء المجلس الدستوري صلاحية تفسير الدستور، معتبراً أن عدم القيام بذلك كان يهدف إلى أن تبقى السلطات السياسية متحررة من قرارات المجلس (الدستوري) التفسيرية، ويبقى هناك هامش للمسؤولين السياسيين بتفسير الدستور، كل منهم بحسب ما يراه خلال ممارسته للحكم».

ويشير يمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الانتكاسة الثانية كانت في طريقة تعيين أعضاء المجلس، بحيث إن العملية ظلت بيد السلطات السياسية، وتحديداً السلطتين التشريعية والتنفيذية، أي أن القوى السياسية هي التي تتحكم بعملية التعيين؛ الأمر الذي يؤدي إلى جعل الاختيار مصبوغاً بالسياسة. وللأسف، في بعض الأحيان نلاحظ تأثير ذلك على بعض الأداء في عمله». ويضيف: «أما الانتكاسة الثالثة فتتمثل بالنصاب الذي حدد في نظام المجلس الداخلي، لجهة وجوب حضور 8 أعضاء من أصل 10؛ الأمر الذي أفسح المجال للسياسيين بأن يحاولوا التأثير على 3 أعضاء في المجلس، بحيث إذا غاب هؤلاء تعطل النصاب. أضف إلى ذلك أن الأغلبية المطلوبة للبت بالقرارات، وهي 7 من أصل 10، تعتبر أغلبية عالية. ففي حال لم تتوافر في الاتجاه ذاته يكون قد عجز عن اتخاذ القرار».

ويرى يمين أن «تجربة المجلس انطوت على إخفاقات ونجاحات في آن، ولكن يفترض العمل على تفعيله وتحصينه وتعديل نظامه الداخلي لناحية طريقة تعيين الأعضاء وتوسيع أصحاب الصفة في تقديم الطعن، والنصاب المطلوب لانعقاد اجتماعاته، والأغلبية المطلوبة للبت بقراراته، كما منحه صلاحية تفسير الدستور».

ميل إلى الاستقلالية

من جهته، يعتبر رئيس مؤسسة «جوستيسيا» الحقوقية، المحامي بول مرقص، أن «المجلس الدستوري في ولايته الراهنة سعى أعضاؤه إلى إظهار ميل إلى الاستقلالية عن طريق تأمين نِصاب الحضور حيال طعون صعبة دقيقة قدّمت لهم، رغم أنهم أخفقوا في تأمين الأكثرية للتصويت في اتجاه معيّن. كما أنهم، حيال الطعون في التمديد للبلديات والمخاتير، أعطوا فرصة للسلطة السياسية للتمديد مرة أخرى، وكانوا يعللون قراراتهم بعدم الدستورية، ثم لا يلبثون أن ينصاعوا في النتيجة التي يؤولون إليها في عدم الإبطال، للأمر الواقع الذي تحشرهم فيه السلطة السياسية، التي تلعب على ربع الساعة الأخير، فيخشون تفريغ المؤسسات إن هم أبطلوا قوانينها غير الدستورية»، لافتاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المجلس الدستوري، وفي معرض النظر في الطعن بقانون تمديد ولاية البلديات السنة الماضية، شرّع للمجلس النيابي التشريع في ظل الامتناع عن انتخاب رئيس للجمهورية، مقابل إعطاء نفسه حق تفسير القوانين بما لم يمنحه إياه قانون إنشاء المجلس الدستوري».

ويرى مرقص أن «قرارات المجلس الدستوري، الملزمة للسلطات كافة، لم تأتِ عموماً على قدر الانتظار، ولم تفاجئ السلطة السياسية التي استفحلت في تجاوز الدستور، ولم تحرجها؛ ولذلك نراها لا تحسب حساباً كبيراً لقراراته قبل ذهابها إلى التشريع الهجين. هذا دون أن نلقي اللوم على المجلس القاصر في أدواته وإمكاناته المتواضعة عن جبه وحش السلطة».

أبرز الطعون التي أخذ بها المجلس

ولعل أبرز الطعون التي أخذ بها المجلس في السنوات الماضية كانت الطعون النيابية. ففي عام 2022 أبطل نيابة رامي فنج وفراس السلوم (مجتمع مدني) عن دائرة طرابلس، وأُعلن فوز كل من فيصل كرامي (حليف «حزب الله») عن المقعد السني بدلاً من فنج، وحيدر آصف ناصر بدلاً من السلوم عن المقعد العلوي. وفي عام 2019 أبطل المجلس أيضاً عضوية ديما جمالي، النائبة عن تيار «المستقبل». ومؤخراً، أوقف المجلس مفعول عدد من المواد في قانون موازنة 2024، بعد خمسة طعون تقدم بها عدد من النواب. لكن المجلس فشل في وقت سابق في الاجتماع للنظر في تمديد ولاية البرلمان اللبناني عندما غاب ثلاثة أعضاء، هما شيعيان ودرزي عن جلساته ما أفقده النصاب القانوني اللازم، وهو ما يشتبه بأنه تم بإيحاء من المرجعية السياسية للطائفتين آنذاك.


مقالات ذات صلة

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

المشرق العربي الرئيس جوزيف عون مستقبلاً وفداً من الهيئات الاقتصادية (الرئاسة اللبنانية)

سجال المفاوضات مع إسرائيل يهز علاقة بري وعون

شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أنه على إسرائيل أن تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الجمهورية جوزيف عون مستقبلاً رئيس البرلمان نبيه بري (أرشيفية - رئاسة الجمهورية)

بري وعون... تواصل مستمر ولقاء مؤجل

على وقع الضغوط والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحة اللبنانية، تبرز العلاقة بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس البرلمان نبيه بري

كارولين عاكوم (بيروت)
المشرق العربي البطريرك الراعي مستقبلاً السفير بخاري في بكركي (الوكالة الوطنية للإعلام)

تأكيد سعودي على ترسيخ مناخات الأمان والاستقرار في لبنان

شدّدَ اللقاء الذي جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي في الصرح البطريركي مع سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد بخاري على أولوية تثبيت الاستقرار في لبنان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تحليل إخباري قافلة تضم آليات لقوات «اليونيفيل» في المنطقة الحدودية في إسرائيل في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إسرائيل تحدّد «منطقة حمراء» شمال «الخط الأصفر» في جنوب لبنان

استحدث الجيش الإسرائيلي «منطقة حمراء» غير معلنة في جنوب لبنان، تحاذي منطقة الخط الأصفر التي أعلن عنها قبل أسابيع

نذير رضا (بيروت)
خاص الرئيس اللبناني جوزيف عون يتوسط رئيس البرلمان نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

خاص «حزب الله» يسلم أوراقه لإيران لأن عون «لا يملك ما يعطيه»

الحرب الإعلامية التي اتسمت بسقوف سياسية عالية لن تحجب الأنظار عما حمله البيانان الأخيران للحزب، وتحديداً الذي أصدره أمينه العام نعيم قاسم

محمد شقير (بيروت)

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
TT

اختبار قوة لعزل الفصائل عن الحكومة الجديدة في العراق


أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)
أرشيفية تجمع نوري المالكي ومحمد السوداني وقيس الخزعلي ولطيف رشيد خلال اجتماع في بغداد (أ.ف.ب)

تحشد واشنطن مع أطراف في بغداد ضغوطها لعزل الفصائل المسلحة الموالية لإيران عن الحكومة العراقية الجديدة، حسبما أفادت مصادر موثوقة.

ورحبت البعثة الأميركية في بغداد، أمس (الأربعاء)، بتكليف علي الزيدي تشكيل الوزارة الجديدة، ودعت إلى «تشكيلها بما ينسجم مع تطلعات العراقيين».

وقالت المصادر، إن «الزيدي أبلغ قادة أحزاب بأن برنامجه يستند إلى إبعاد الجماعات المسلحة»، لكنها أشارت إلى أن «تمرير تشكيلة وزارية بعيدة عن المسلحين يشكل اختبار قوة حاسم».

ويخشى خبراء أن تلجأ فصائل مسلحة إلى خيار المراوغة بشأن وجودها في المؤسسات الحكومية، أو التصعيد مجدداً ضد الأميركيين.

إلى ذلك، قالت شركة محاماة أميركية إن تحقيقاً مستقلاً أجرته أخيراً، لم يُظهر أي أدلة تربط رئيس الوزراء العراقي المكلّف علي الزيدي بأنشطة مالية مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني.


سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
TT

سجال بين عون وبري على خلفية التفاوض

آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)
آليات عسكرية إسرائيلية في جنوب لبنان كما بدت من شمال إسرائيل أمس (أ.ب)

أشعلت المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، سجالاً كلامياً بين الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، بعد أن قال عون إنه نسَّق كل خطواته في هذا المجال مع بري ورئيس الحكومة نواف سلام، ليأتي رد بري قاسياً بأن كلامه «غير دقيق، إن لم نَقُلْ غير ذلك».

وكان عون قد قال إنه على إسرائيل أن «تدرك أنه عليها أولاً تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل كامل للانتقال بعدها إلى المفاوضات»، مؤكداً أن كل خطوة اتخذها فيما يتعلق بالمفاوضات «كانت بتنسيق وتشاور مع بري وسلام». ورد بري على ذلك، سريعاً، إذ قال في بيان، إن الكلام الذي ورد على لسان عون «غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة إلى اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024 وموضوع المفاوضات».

ميدانياً، فرضت إسرائيل بالنار «خطاً أحمر»، يهدد عشرات القرى اللبنانية، ويحاذي منطقة الخط الأصفر التي أُعلن عنها قبل أسابيع، وهي عبارة عن منطقة جغرافية واسعة تتعرض للقصف المتواصل ولإنذارات إخلاء وتمتد إلى مسافة تبعد 25 كيلومتراً عن الحدود إلى العمق.


بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
TT

بري: حديث رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق

رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)
رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري (رويترز)

أعلن المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، في بيان مساء اليوم الأربعاء، أن حديث الرئيس جوزيف عون أمام الهيئات الاقتصادية حول موضوع اتفاق نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2024، وموضوع المفاوضات، غير دقيق، بحسب «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال بيان المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب إنه «مع الاحترام لمقام الرئاسة وما يصدر عن فخامة الرئيس، فإن الكلام الذي ورد على لسان فخامة رئيس الجمهورية أمام الهيئات الاقتصادية غير دقيق، إن لم نقل غير ذلك، وكذلك بالنسبة لاتفاق نوفمبر عام 2024 وموضوع المفاوضات».

وكان الرئيس اللبناني قد التقى بعد ظهر اليوم في القصر الجمهوري، وفداً من الهيئات الاقتصادية برئاسة رئيسها الوزير السابق محمد شقير.

وأفاد عون خلال اللقاء: «في كل خطوة اتخذتها كنت على تنسيق وتشاور مع رئيسي مجلس النواب والحكومة، على عكس ما يحكى في الإعلام».

رئيس الجمهورية اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وعن الانتقادات بأن لبنان وافق في البيان الأميركي الذي صدر إثر المحادثات الثلاثية في واشنطن، على منح إسرائيل حرية استكمال اعتداءاتها على لبنان، قال الرئيس عون: «إن هذا الكلام ورد في بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية، وهو النص نفسه الذي اعتمد في نوفمبر 2024، والذي وافق عليه جميع الأطراف. وهو بيان وليس اتفاقاً؛ لأن الاتفاق يتم بعد انتهاء المفاوضات».