«القوات» و«الاشتراكي»: علاقة «تقاطع» بعيدة عن «التحالف» ولا تصل إلى القطيعة

لقاء سابق يجمع رئيس «القوات» سمير جعجع وعدداً من نواب كتلته مع وفد من نواب «الاشتراكي» برئاسة النائب تيمور جنبلاط (الوكالة الوطنية)
لقاء سابق يجمع رئيس «القوات» سمير جعجع وعدداً من نواب كتلته مع وفد من نواب «الاشتراكي» برئاسة النائب تيمور جنبلاط (الوكالة الوطنية)
TT

«القوات» و«الاشتراكي»: علاقة «تقاطع» بعيدة عن «التحالف» ولا تصل إلى القطيعة

لقاء سابق يجمع رئيس «القوات» سمير جعجع وعدداً من نواب كتلته مع وفد من نواب «الاشتراكي» برئاسة النائب تيمور جنبلاط (الوكالة الوطنية)
لقاء سابق يجمع رئيس «القوات» سمير جعجع وعدداً من نواب كتلته مع وفد من نواب «الاشتراكي» برئاسة النائب تيمور جنبلاط (الوكالة الوطنية)

عادت علاقة «التقاطع» التي تربط بين حزب «القوات اللبنانية» والحزب «التقدمي الاشتراكي» إلى الواجهة مجدداً إثر قرار الأخير بمقاطعة «لقاء معراب» الذي دعا إليه رئيس «القوات» سمير جعجع، ومن ثم اعتبار رئيس «الاشتراكي» السابق وليد جنبلاط أن جعجع يريد أن يثبت نفسه زعيماً للمعارضة؛ وهو ما استدعى رداً من «القوات».

وكتب النائب بيار بو عاصي على حسابه على منصة «إكس» متوجهاً إلى جنبلاط قائلاً: «وليد بك اعتقدناك (متشدداً) مثلنا (...)، واجهنا معاً (حزب الله) وحليفه» غير المتشدد! رئيس البرلمان نبيه بري...»، مضيفاً: «لم ولن تسعى (القوات اللبنانية) لاحتكار الخط السيادي... نحن (متشددون) بالدفاع عن المصلحة الوطنية العليا ضمن الثوابت الدستورية والقانونية وبفخر».

وتتسم العلاقة بين «القوات» و«الاشتراكي» بـ«عدم الاستقرار» بعدما كان الطرفان ضمن تحالف فريق 14 آذار المعارض بعد اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري عام 2005 ومن ثم إثر ما يعرف بـ«أحداث 7 أيار» عام 2008 بين «حزب الله» والمعارضة، وعلى رأسهم «الاشتراكي»، حيث سجل مواجهات عسكرية بين الطرفين.

وبينما لا يزال كل من «القوات» و«الاشتراكي» متمسكين بمصالحة الجبل التي أُنجزت عام 2001، بدأت العلاقة بينهما، خاصة بعد الانتخابات النيابية الأخيرة التي تحالفا خلالها، تأخذ طابع «القطعة» أو التقاطع في قضايا محددة، والاختلاف في أمور أخرى، كما حصل أخيراً في التقاطع على ترشيح الوزير السابق جهاد أزعور، ومن ثم التمديد لقادة الأجهزة الأمنية، لكن من دون أن يصل هذا «التقاطع» إلى مرحلة التحالف، لا سيما مع إعلان جنبلاط الصريح برفضه «سياسة المحاور».

ولا يبدو أن «التقاطع» في ملف الرئاسة سيبقى على ما هو عليه نتيجة الاختلاف في مقاربته، لا سيما بعدما كان جنبلاط قد أعلن سابقاً أنه قد يدعم مرشح «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل)، قائلاً: «إذا قدم سليمان فرنجية برنامجاً متكاملاً فقد نقبل به»؛ وهو ما استدعى عندها سجالاً محدوداً أيضاً، حيث دعته النائب ستريدا جعجع إلى «التقيد بالشراكة المسيحية – الدرزية واحترام خيارات أكثريّة المسيحيين والبطريركية المارونية في الانتخابات الرئاسية».

ويقرّ كل من الطرفين بأن العلاقة بينهما هي «علاقة تقاطع» تزيد حيناً وتتقلص أحياناً أخرى، وهو ما يتحدث عنه النائب بلال عبد الله، عضو كتلة «الاشتراكي»، مؤكداً عدم وجود قطيعة بين الطرفين إنما اختلاف في مقاربة بعض القضايا. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تمايز في مقاربة بعض الملفات في ما بيننا، أبرزها في الوقت الحالي مقاربة الوضع في جنوب لبنان والقرار 1701 والملفات الدستورية المرتبطة بعمل الحكومة ومجلس النواب، ولكن هناك تقاطعاً أيضاً بملفات أخرى». وذلك في إشارة إلى اعتبار «القوات» أن صلاحيات حكومة تصريف الأعمال محدودة في مرحلة الفراغ الرئاسي وتنتقد في بعض الأحيان قراراتها، كما رفض التشريع في مجلس النواب في مرحلة الشغور.

وفي حين يتوقف عبد الله عند رفض «القوات» الدعوة إلى الحوار للبحث في رئاسة الجمهورية، يؤكد: «هذا البلد محكوم بالحوار ولا يحتمل المواقف ذات السقوف العالية والتطرف في بعضها، وبالتالي فإن موقعنا في الموقع الوسطي يجعلنا حكماً متمايزين مع هذا التوجه».

وعن مصير التقاطع في ملف الانتخابات الرئاسية، الذي كان قد جمع «القوات» و«الاشتراكي» ومعظم المعارضة على ترشيح أزعور، يلفت عبد الله إلى أنه «لا تبدل في الموقف حتى الآن وهو يبقى مرهوناً بمسار الأمور وبدعوة رئيس البرلمان إلى جلسة لانتخاب رئيس.

ويبدو واضحاً أن الطرفين لا يسعيان إلى «تصعيد الخلاف» محاولين إبقاءه ضمن سياق التمايز؛ إذ وكما عبد الله، تتحدث مصادر «القوات» عن «علاقة التقاطع بين الطرفين» معتبرة بأن «جنبلاط هو من وضع نفسه خارج إطار أي تحالفات موجودة».

وتقول المصادر لـ«الشرق الأوسط»: «يرى جنبلاط أننا متشددون، لكن بالنسبة إلينا نحن متمسكون بالمواقف نفسها التي جمعتنا معه منذ مرحلة 2005 وأخيراً في التقاطع على ترشيح أزعور».

وتؤكد: «في السياسة ليس هناك ما يسمى تشدداً وليونة إنما ثوابت وطنية نتمسك بها ونلتقي في كثير منها مع جنبلاط الذي هو نفسه تحدث عن ضرورة تطبيق اتفاقية الهدنة التي تنص على أن تكون الحدود اللبنانية بيد الدولة وهو ما نطالب به من خلال الدعوة لتطبيق القرار 1701»، معتبرة أن «جوهر الموقف هو نفسه».


مقالات ذات صلة

نافذة أميركية للتواصل مع «حزب الله» مشروطة بتسليم سلاحه

المشرق العربي مناصرة لـ«حزب الله» تحمل صورة أمينه العام السابق حسن نصر الله خلال حراك في وسط بيروت ضد المفاوضات اللبنانية مع إسرائيل برعاية أميركية (إ.ب.أ)

نافذة أميركية للتواصل مع «حزب الله» مشروطة بتسليم سلاحه

فتح السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى نافذة مشروطة للتواصل مع «حزب الله»، تتمثل في مطالبته بتقديم شيء «في حال كان مستعداً للتفاوض»، في إشارة إلى تسليم سلاحه.

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي مواطن يدخن النرجيلة في مدينة النبطية بين الأبنية المتضررة والمدمَّرة نتيجة القصف الإسرائيلي (أ.ف.ب)

خطط فردية لنزوح استباقي من جنوب لبنان

يبدو أن الأهالي أعدّوا خططاً فردية للتعامل مع احتمال النزوح. فبعض العائلات تغادر قبل وصول القصف، فيما تُبعد أخرى أطفالها وتُبقي أحد أفرادها في المنزل.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي مدنيون من القرى المسيحية في جنوب لبنان يعبرون الطريق الساحلي جنوباً ضمن قافلة ويبدو العلم الإسرائيلي على مدخل بلدة الناقورة في يوليو 2026 (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تفرض قيوداً على حركة سكان 3 قرى مسيحية في جنوب لبنان

فَرَضَ الجيش الإسرائيلي قيوداً على حركة سكان ثلاث بلدات مسيحية محاصرة في جنوب لبنان، حيث حدد مساراً للتنقل من العمق اللبناني وإليه.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
خاص آليات للجيش اللبناني تفصل بين مواقع وجود الجيش الإسرائيلي في بلدة زوطر الشرقية والمدنيين العائدين إلى بلدة زوطر الغربية أولى المناطق النموذجية بجنوب لبنان (الشرق الأوسط)

خاص موعد «روما-3» مرتبط بقرار واشنطن تحقيق تقدم يُنهي المراوحة

كشف مصدر سياسي معنيّ بالمفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، في ضوء ما انتهت إليه الجولة السابعة، عن أن واشنطن تتريث في تحديد موعد لرعايتها الجولة الثامنة.

محمد شقير (بيروت)
المشرق العربي دورية لقوات «اليونيفيل» قرب بلدة بيوت السياد الساحلية في جنوب لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)

من «اليونيفيل» إلى لجان التحقق... هل تتغير وظيفة الرقابة في جنوب لبنان؟

ينتقل البحث في مرحلة ما بعد «اليونيفيل» من مصير القوة الدولية إلى هوية البديل وصلاحياته، مع تداول صيغة أوروبية ولجان تحقق قد تتولى مهامَّ موسّعة.

صبحي أمهز (بيروت)

الإعدام لمخبر في النظام السابق… وموسكو: قبلنا الأسد لأسباب إنسانية

محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)
محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)
TT

الإعدام لمخبر في النظام السابق… وموسكو: قبلنا الأسد لأسباب إنسانية

محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)
محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق، اليوم ‌‏الخميس، حكماً بإعدام المتهم المخبر الأمني عبد الناصر براقي، بعد ثبوت مسؤوليته عن جرائم ‌‏جسيمة خلال عهد النظام البائد، من بينها الإخفاء القسري، وسلب الحرية، والتدخل ‌‏في القتل العمد، والتعذيب المفضي إلى الموت، والسلب بالعنف، والافتراء الجنائي. ‏وأوضح مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، المحامي ‌‏رديف ‏مصطفى، لوكالة «سانا» الرسمية، أن المحكمة اعتمدت في توصيف الأفعال الجرمية على ‌‏القانون الدولي، باعتبارها جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، بما ينسجم مع نص ‌‏الإعلان الدستوري، وذلك لتحديد طبيعة الجرائم، وجسامتها، وأسبابها، فيما استندت في ‌‏تحديد العقوبة إلى أحكام القانون الوطني السوري. ‏

وأشار المحامي مصطفى إلى أن المحكمة قررت دغم العقوبات، والحكم بالعقوبة ‌‏الأشد، وهي الإعدام، إضافة إلى تثبيت الحجز الاحتياطي على أموال المحكوم عليه، ‌‏وتحويله إلى حجز تنفيذي، وحرمانه من الأسباب المخففة التقديرية، نظراً لضخامة ‌‏الجرائم المرتكبة، وجسامتها.‏

واعتبر مصطفى الحكم في تعليق على حسابه في «فيسبوك»: «أول سابقة قضائية في تاريخ سوريا بينما كان المخبرون محميين في زمن النظام البائد، الآن هم قيد العدالة، هؤلاء أكثر فئة آذت الناس».

الناطقة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا (تاس)

في شأن متصل، ‏أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أنه ليس هناك أي دافع سياسي وراء قرار قبول لجوء الرئيس السوري السابق بشار الأسد في روسيا؛ بل كان قراراً إنسانياً.

بشار الأسد الرئيس السابق الملتجئ إلى موسكو مع شقيقه ماهر«لأسباب إنسانية«

وقالت الدبلوماسية في مؤتمر صحافي، رداً على سؤال حول ما إذا كان بإمكان موسكو «تسليم» الأسد إلى السلطات السورية الجديدة بعد صدور حكم الإعدام غيابياً بحقه: «ليس هناك أي دافع سياسي وراء قبوله في بلادنا، لقد اتُخذ القرار بناءً على اعتبارات إنسانية بحتة، والظروف المأساوية لتغيير النظام في سوريا، حيث كان هو وأفراد أسرته يواجهون تهديدات بالقتل».

العدالة الانتقالية تنظم جلسة حوارية بدمشق لمناقشة آليات بناء سجل وطني للضحايا 19 أغسطس (سانا)

في الأثناء، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية اعتقال اللواءين هيثم بركات، ومروان بركات، وهما من ضباط النظام البائد، خلال عملية نوعية في مدينة القرداحة.

وتأتي هذه العملية بعد عدة عمليات مماثلة في مختلف المحافظات، حيث أعلنت قوى الأمن الداخلي في محافظة درعا في 15 الجاري إلقاء القبض على المدعو مصعب أبو ركبة، المقدم السابق في فرع الأمن السياسي بالرقة إبان حكم النظام البائد.

وأوضحت أن عملية التوقيف تأتي في إطار جهود مكافحة الإرهاب، وتعزيز الأمن، والاستقرار، وضمن عمليات مستمرة لملاحقة المتورطين في قضايا الإرهاب، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحقهم.

محكمة الجنايات الرابعة في دمشق تحكم بالإعدام على المخبر عبد الناصر البراقي (سانا)

وفي 14 أغسطس (آب)، ألقت قوى الأمن الداخلي بالتعاون مع فرع مكافحة الإرهاب في دير الزور القبض على أحد فلول النظام البائد الضالعين في قمع المظاهرات السلمية، المدعو خالد خلف العلي.

وبحسب وزارة الداخلية، فإن العلي شغل رتبة مساعد أول في فرع أمن الدولة بدير الزور، وتولى مهام استخباراتية، منها إدارة مكتب رئيس الفرع، ورئاسة قسم الأديان المسؤول عن مراقبة المساجد، والخطباء، ورفع التقارير الأمنية بحقهم.


مقتل ضابط ورجل أمن خلال «إزالة تجاوزات» في بغداد

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
TT

مقتل ضابط ورجل أمن خلال «إزالة تجاوزات» في بغداد

أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)
أحد أفراد قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ف.ب)

قال رئيس الوزراء علي الزيدي، الخميس، إن ضابطاً ومنتسباً أمنياً قُتلا وأصيب أربعة آخرون، بينهم موظفون في أمانة بغداد وعنصر أمني، خلال تنفيذ حملة لإزالة التجاوزات في منطقة الدورة جنوب بغداد.

ونعى الزيدي العميد هشام محمد طلاع، مدير قسم شرطة الأمانة في جانب الكرخ، والمنتسب خالد عباس لفتة، اللذين قُتلا أثناء مرافقة مفارز خدمية لإزالة التجاوزات في محيط مناطق الدورة وكرارة وحي دجلة.

وقال الزيدي في بيان إن الحكومة تتابع الوضع الصحي للمصابين من وزارة الداخلية وأمانة بغداد، مؤكداً أن الاعتداءات التي تستهدف المؤسسات الأمنية والخدمية أثناء أداء واجباتها لن توقف جهود فرض القانون.

وأضاف أن القوات الأمنية شُددت إجراءاتها في منطقة الحادث وفرضت طوقاً أمنياً لملاحقة المتورطين في الهجوم وتقديمهم إلى العدالة.

وكان مصدر أمني قد أفاد بمقتل مدير شرطة أمانة بغداد في الكرخ ومنتسب أمني وإصابة أربعة آخرين إثر تعرض مسلح استهدف القوة أثناء تنفيذ واجب لإزالة التجاوزات في الدورة، فيما أغلقت القوات الأمنية المنطقة وشددت إجراءاتها للقبض على المهاجمين.


«ضربة قبل الانتخابات»... اتهامات لنتنياهو بالتباحث المباشر مع «حماس» في 2014

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
TT

«ضربة قبل الانتخابات»... اتهامات لنتنياهو بالتباحث المباشر مع «حماس» في 2014

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (د.ب.أ)

تشهد الحلبة السياسية الإسرائيلية خضة كبرى على أثر الكشف، الخميس، عن أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، كان قد أجرى محادثات مباشرة مع حركة «حماس» في سنة 2014.

ويمثل ذلك الكشف «ضربة قوية» في موسم الانتخابات الإسرائيلية المقررة نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، وسرعان ما التقطها خصوم نتنياهو الكُثر من السياسيين والجنرالات.

وسعى نتنياهو إلى تخفيف الأضرار بالرد والنفي التام، لكن الأجواء العامة دلت على أن قلة قليلة تصدقه.

وتسود تقديرات بين المتابعين للانتخابات الإسرائيلية أن تلك الضربة الانتخابية لنتنياهو ومعسكر اليمين الذي يقوده، ستدفعه إلى التفتيش عن ضربة موازية لمنافسه، غادي آيزنكوت.

بنيامين نتنياهو يقدم العزاء لغادي آيزنكوت في مقتل ابنه خلال معارك غزة يوم 8 ديسمبر 2023 (أ.ب)

وفي التفاصيل، جاء النشر عبر موقع «واللا» وصحيفة «معاريف»، في تحقيق للكاتب بن كسبيت، قال فيه إن «نتنياهو أرسل رجل أعمال مقرباً منه لإجراء اتصالات مع قادة (حماس) في الأيام الأخيرة من الحرب على غزة» عام 2014، مضيفاً أن ما فعله نتنياهو قوبل بغضب في أوساط الجيش والمخابرات لأنه «فعل ذلك عبر قناة سرية» ومن دون إحاطتهم.

ما أجواء المحادثات؟

والحديث يجري عن الحرب التي أسمتها إسرائيل «عملية الجرف الصامد»، والتي أسمتها حركة «حماس» «العصف المأكول»، وأسمتها حركة الجهاد الإسلامي «البنيان المرصوص».

وشنَّت إسرائيل هجوماً على غزة، آنذاك بعد فترة من تبادل الضربات المحدودة؛ إذ قامت المخابرات الإسرائيلية بعملية اعتقال واسعة في الضفة الغربية والقدس شملت محرري صفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي سلمته «حماس» لإسرائيل عام 2010 مقابل تحرير 1027 أسيراً.

وبدأت الأزمة في 2 يوليو (تموز) 2014، عندما أقدم مستوطنون على خطف الفتى محمد أبو خضير في القدس الشرقية وعذبوه ثم أحرقوه حياً، وردَّت «حماس» بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل.

ورغم أنَّ الصواريخ في غالبيتها سقطت في مناطق مفتوحة ولم تصب أحداً، فإن إسرائيل ردت بعملية حربية، استمرَّت 50 يوماً من 8 يوليو وحتى 26 أغسطس (آب)، وقد شملت العملية اجتياحاً جزئياً للقطاع، وكانت حصيلتها مقتل 2251 فلسطينياً، بينهم قرابة 1462 مدنياً (منهم أطفال ونساء)، وجرح أكثر من 11 ألف، ومقتل 69 جندياً إسرائيلياً و5 مدنيين، بينهم عامل تايلاندي وإصابة 2270 بجراح. ودمَّرت إسرائيل فيها آلاف الوحدات السكنية كلياً أو جزئياً، ودفعت مئات الآلاف من السكان إلى النزوح داخل قطاع غزة.

مقاتلون من «حماس» خلال عرض لصاروخ «قسام» المصنوع محلياً خلال الاحتفال بالذكرى الـ27 لتأسيس الحركة في قطاع غزة 14 ديسمبر 2014 (رويترز)

وكان مسار المحادثات الرسمي لوقف الحرب في غزة، يجري في القاهرة، وتم الاتفاق على هدنة مرات عدة خلالها، لكن ما كشفه التقرير الصحافي الجديد أنه «بموازاة المفاوضات التي أجراها ممثلو الجيش الإسرائيلي والمخابرات في مصر، كان رجل الأعمال الإسرائيلي شلومي فوغل، صديق عائلة نتنياهو، يدير محادثات هاتفية مع غازي حمد»، الذي كان يومها نائب وزير في حكومة «حماس».

وفوغل يعمل في مجال مواد البناء والأسمنت، ولديه صفقات كثيرة مع غزة، وبحسب عضوة الكنيست يوليا ميلونفسكي، من حزب «إسرائيل بيتنا»، فإن فوغل كان على علاقة مع «حماس». وقد قدمت النائبة شكوى رسمية إلى الشرطة والمخابرات في سنة 2014، تتهم فوغل بـ«إقامة اتصالات مع العدو».

وبحسب الصحافي بن كسبيت امتنعت الشرطة عن التقدم في ملف التحقيق عندما اكتشفت أن فوغل يعمل تحت كنف رئيس الوزراء، نتنياهو، مشيراً إلى أن «فوغل عمل بإشراف مباشر من رئيس مجلس الأمن القومي في مكتب رئيس الوزراء، يوسي كوهن (الذي أصبح لاحقاً رئيس الموساد)، وغازي حمد عمل بإشراف يحيى السنوار».

نفي مقابل عاصفة هجوم

ومع أن نتنياهو وفوغل، أصدرا بياناً لكل منهما ينفيان هذه المعطيات ويعدّانها «أنباء كاذبة»، فإن ذلك لم يمنع عاصفة هجوم بدأت أولاً لدى قادة الجيش والمخابرات، الذين عدّوها «طعنة في الظهر» و«التفافاً على أجهزة الأمن» و«إدارة لعبة مزدوجة».

ثم ثانياً، ألهب الكشف معركة الانتخابات الإسرائيلية التي تشير الاستطلاعات بغالبيتها إلى أن نتنياهو مقبل على خسارة مدوية.

وقد دخل أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب «إسرائيل بيتنا» - الذي عُيِّن في سنة 2016 وزيراً للدفاع، واستقال في سنة 2018؛ احتجاجاً على ما قال إنه رفض نتنياهو تصفية قادة «حماس» - على خط الكشف الجديد قائلاً: «هكذا كانت سياسة نتنياهو طيلة الوقت. وفي الوقت الذي كنت فيه أسعى إلى تصفية (حماس) خلال عملية (الجرف الصامد) وغيرها كان رئيس الحكومة نتنياهو يدير محادثات سرية معها من وراء قادة الجيش والمخابرات».

أما منافس نتنياهو الرئيسي على رئاسة الحكومة، غادي آيزنكوت، فرأى أن «هذا الكشف الخطير يدل على أن نتنياهو لا يدير سياسة؛ بل لديه نهج تربوي خطير مبني على دق الأسافين بين كل مَن يعمل معه، خصوصاً بين القيادات الأمنية والقيادات السياسية، دينه وديدنه الكذب ويحيط نفسه بثلة من الانتهازيين الذين يتقنون فن التآمر والخداع، ولا توجد لديه محرمات».

وأضاف آيزنكوت أن «هذه الفضيحة تؤكد لماذا يدير نتنياهو حرباً ضد إقامة لجنة تحقيق رسمية في إخفاقات 7 أكتوبر. فهو يعرف الحقيقة جيداً وأنه المسؤول الأول عن هذه السياسة الخطيرة التي هدَّدت أمن إسرائيل».

وقال نفتالي بنيت، رئيس الحكومة الأسبق، والذي كان وزيراً للاقتصاد وعضواً في الكابينت خلال حرب 2014، إن «ما يكشفه بن كسبيت يثير لديه غليان دم؛ ففي الوقت الذي تجندت فيه إسرائيل كلها لمواجهة خطر (حماس) كان نتنياهو راكعاً أمامها. واليوم أفهم لماذا كان يصر على رفض أي اقتراح لتصفية (حماس). لقد رأى في هذا التنظيم الإرهابي دائماً كنزاً. رجل كهذا لا يستحق ولا يلائم منصب رئيس حكومة. بعد شهرين سنتخلص من حكمه ونقيم حكومة عاقلة ووطنية مخلصة».

وقال يورام كوهن، رئيس جهاز المخابرات في سنة 2014، إنه «متفاجئ ولكن ليس مصدوماً من هذه المعلومات؛ فقد عمل نتنياهو دائماً وفق سياسة الالتواء على قادة الأجهزة الأمنية، وحمل فكرة الإبقاء على (حماس) حتى يمتنع عن التفاوض مع السلطة الفلسطينية».