إسرائيل توسّع حربها على الشرطة ولجان الطوارئ في غزة… والهدف «نفوذ حماس»

قدرة الحركة على تنظيم إدخال المساعدات أحد أهم أسباب «معركة الشفاء»

الدخان يتصاعد عقب غارات إسرائيلية على رفح اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد عقب غارات إسرائيلية على رفح اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل توسّع حربها على الشرطة ولجان الطوارئ في غزة… والهدف «نفوذ حماس»

الدخان يتصاعد عقب غارات إسرائيلية على رفح اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)
الدخان يتصاعد عقب غارات إسرائيلية على رفح اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)

اغتالت إسرائيل مسؤولين في لجان الطوارئ في قطاع غزة، في خضم مرحلة جديدة من الحرب بدأتها على حكم «حماس» المدني في القطاع بموازاة الحرب المستمرة ضد الجناح المسلح للحركة.

وقتل الجيش الإسرائيلي في هجوم من الجو، مدير لجنة الطوارئ في غرب غزة أمجد هتهت، عند دوار الكويت في مدينة غزة، من بين عشرات آخرين قتلهم في الهجوم المباغت والمستمر على مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة ومحيطه.

واغتالت إسرائيل هتهت بعد ساعات من اغتيال 3 من قادة الشرطة الفلسطينية في قطاع غزة، وهم محمود البيومي، مدير مركز شرطة النصيرات، والمقدم رائد البنا، مدير جهاز المباحث في شمال غزة، ومدير العمليات المركزية للشرطة في غزة العميد فائق المبحوح.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن إسرائيل بدأت حرباً حقيقية على جهاز الشرطة الفلسطينية وجميع من يتعاون معه، بما في ذلك الناشطون في لجان الطوارئ والعشائر.

وأضافت: «الهدف تقويض حكم حماس نهائياً ومنعها من لعب أي دور في موضوع المساعدات».

دمار عقب غارات إسرائيلية على مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة ليلة الثلاثاء (أ.ف.ب)

ولا تتركز الحرب الإسرائيلية على مسؤولي المساعدات في منطقة شمال القطاع التي استؤنف فيها القتال على نحو واسع بعد هجوم إسرائيل على مستشفى الشفاء الطبي، بل طالت أيضاً مسؤولي طوارئ في رفح بأقصى جنوب القطاع.

وأعلن الجيش الإسرائيلي و«الشاباك» في بيان مشترك عن اغتيال أربعة مسؤولين في لجنة الطوارئ التابعة لـ«حماس» في رفح، وذكر البيان أن الأربعة مسؤولون عن نشاطات «حماس» والتواصل مع نشطاء في الميدان.

وذكر البيان أنه بناء على معلومات استخباراتية من جانب الجيش الإسرائيلي والاستخبارات العسكرية، هاجمت مقاتلات سلاح الجو الإسرائيلي مسؤولين ساعدوا «حماس» على مواصلة السيطرة والعمل في الميدان، وقتلت سيد قطب الحشاش، وأسامة حمد ظاهر، وعوض الملاحي، وهادي أبو الروس، والذي كان ضابط عمليات في لجان الطوارئ.

وبدأت إسرائيل حربها على الشرطة ولجان الطوارئ بعدما فشلت في تأمين المساعدات عبر عشائر وعائلات فلسطينية في منطقة شمال قطاع غزة، فضّلت التعاون مع «حماس» على إسرائيل.

جثامين ضحايا القصف الإسرائيلي أمام مستشفى الأقصى بدير البلح اليوم (إ.ب.أ)

وعمل مسلحون وملثمون من العشائر وفصائل فلسطينية على تأمين قوافل المساعدات، بتنسيق كامل مع «حماس».

وأظهرت لقطات مصورة حصلت عليها «رويترز» قافلة من الشاحنات تدخل مدينة غزة محملة بمساعدات من الخارج خلال الليل بينما يراقبها عدد من الرجال المسلحين ببنادق وآخرون يحملون العصي.

ومع تعهد القوات الإسرائيلية بالقضاء على «حماس» منذ الهجوم الذي شنته على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، فقد صار ظهور أي شخص مرتبط بالحركة، لتوفير الأمن بهدف توصيل المساعدات إلى من يحتاج إليها من المدنيين، أمراً محفوفاً بالمخاطر.

وقال مسؤولون فلسطينيون ومصادر في «حماس» إنه لهذا السبب تدخلت كثير من العشائر وجماعات المجتمع المدني والفصائل، ومنها «فتح»، للمساعدة في توفير الأمن لقوافل المساعدات.

طائرة تلقي مساعدات غذائية فوق مدينة غزة اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)

ولم يذكر المسؤولون والمصادر أسماء العشائر والفصائل، لكنهم قالوا إن قدرة «حماس» على حشد مثل هذه الجماعات وراءها في ما يتعلق بالأمن تظهر أن الحركة لا تزال تحتفظ بنفوذها، وأن جهود إسرائيل لبناء نظام إداري خاص بها للحفاظ على النظام في غزة تواجه مقاومة. وقال مسؤول فلسطيني طلب عدم ذكر اسمه: «الخطة الإسرائيلية الرامية إلى إيجاد بعض العشائر للتعاون في مشروعاتها التجريبية لإيجاد بديل لحماس لم تنجح، بل أظهرت أن فصائل المقاومة الفلسطينية هي الوحيدة القادرة على إدارة الأمر بطريقة أو بأخرى». ورفض متحدث باسم الجيش الإسرائيلي التعليق، قائلا إن قواعد الاشتباك الخاصة بمنطقة حرب نشطة لا يمكن مناقشتها علنا.

ولم يكن لدى جولييت توما مديرة التواصل والإعلام في وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) أي معلومات عن وجود رجال ملثمين يقومون بتأمين القوافل. وقال جيمي ماكغولدريك، المنسق المقيم للأمم المتحدة ومنسق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن الأمم المتحدة لا تعمل مع العشائر. وأضاف: «كنا نحاول إعادة الشرطة الزرقاء (الشرطة المدنية الفلسطينية) إلى المسار الصحيح مرة أخرى. استهدفت إسرائيل الشرطة الزرقاء في عدة وقائع، لأنها تعدها جزءاً من البنية التحتية لحماس».

وكانت القوات الإسرائيلية اقتحمت «الشفاء»، وهو أكبر مستشفى في قطاع غزة، فجر الاثنين، في عملية قالت إنها تستهدف مسؤولين في «حماس»، قبل أن تقتل العميد المبحوح، مسؤول العمليات في جهاز الأمن الداخلي التابع لحكومة «حماس»، والذي كان مسؤولاً عن عمليات الشرطة في قطاع غزة، بما في ذلك تأمين وصول شاحنات المساعدات وتوزيعها. وكان على اتصال مع «أونروا» ومع العشائر.

وقال الجيش الإسرائيلي الأربعاء إنه قتل 90 مقاتلاً خلال اشتباكات بمحيط مستشفى الشفاء، لكن الفلسطينيين تحدثوا عن اغتيال وإعدام مسؤولين عن تأمين المساعدات.

وقال إسماعيل ثوابته، مسؤول المكتب الإعلامي الحكومي، إن الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من 100 فلسطيني خلال أسبوع واحد يعملون في مجال تقديم المساعدات. وأضاف: «الاحتلال يهدف من وراء عمليات القتل والمجازر بحق الباحثين والعاملين في مجال المساعدات الإنسانية إلى تكريس سياسة التجويع وتعميق المجاعة بشكل أوسع، رغم تحذيرات المنظمات والمؤسسات الدولية من التداعيات الخطيرة لذلك، وكذلك يهدف إلى محاولات لنشر الفوضى والفلتان الأمني والفراغ الإداري في قطاع غزة، غير أن ذلك فشل فشلاً ذريعاً بالتزامن مع حالة الإدراك والوعي الشعبي لمخططات الاحتلال». وأكد ثوابته أن معظم الذين قتلتهم إسرائيل في «الشفاء» كانوا من النازحين.

كما قال «المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان»، إنه وثق شهادات تفيد بأن الجيش الإسرائيلي نفذ «إعدامات ميدانية» بحق مدنيين فلسطينيين نازحين داخل مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، في إطار عمليته العسكرية المستمرة بالمجمع.

فلسطيني وسط ركام منزل قصفته إسرائيل في مخيم النصيرات اليوم الأربعاء (أ.ف.ب)

وإضافة إلى قتل نحو 100 فلسطيني، اعتقلت إسرائيل 300 قالت إنهم يخضعون لتحقيق من قبل محققين ميدانيين من الوحدة 504 التابعة لمديرية المخابرات العسكرية وجهاز الأمن العام (الشاباك).

وبحسب الجيش الإسرائيلي فإن أكثر من 160 منهم تم نقلهم إلى إسرائيل لمزيد من الاستجواب.

ولم يعلن الجيش أسماء معتقلين لكن مصادر فلسطينية وتقارير إسرائيلية تحدثت عن اعتقال المسؤول الكبير في «الجهاد الإسلامي» خالد البطش. وإذا تأكد اعتقال البطش، فسيكون أهم شخص تعتقله إسرائيل من قطاع غزة.

والبطش (64 عاماً) هو أحد أعضاء المكتب السياسي لحركة «الجهاد الإسلامي»، وكان على قائمة المطلوب قتلهم أو اعتقالهم.

ومع استمرار العملية الإسرائيلية في مجمع الشفاء الطبي في مدينة غزة، احتدمت الاشتباكات الأربعاء وتوسعت لتطول مناطق أخرى في المدينة. وقال فلسطيني يعيش في مدينة غزة لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب وكأنها بدأت من جديد».

المجاعة

إلى ذلك، حذّر نائب المنسق الطبي لمنظمة «أطباء بلا حدود» في قطاع غزة، محمد أبو مغيصيب، اليوم الأربعاء، من أن الفلسطينيين في شمال القطاع يعيشون أوضاعاً غير مسبوقة، في ظل شبح المجاعة الذي يُخيم على المنطقة بعد أكثر من خمسة أشهر على اندلاع الحرب. وقال أبو مغيصيب، في تصريحات، لـ«وكالة أنباء العالم العربي»: «الأوضاع الصحية والإنسانية والاجتماعية شبه منهارة، والمساعدات التي تدخل، كما أكدنا منذ بداية الحرب، لا تكفي لسدّ احتياجات المستشفيات والنازحين في مناطق قطاع غزة المختلفة». وأضاف: «لم يشهد التاريخ الوضع الذي يعيشه المواطنون في شمال قطاع غزة ومدينة غزة، وسط خطورة حدوث مجاعة في هذه المنطقة بسبب الحصار وعدم دخول المساعدات وصعوبة وصولها».

طائرة لسلاح الجو الأردني خلال إلقاء مساعدات فوق قطاع غزة اليوم الأربعاء (الجيش الأردني - أ.ف.ب)

وأشار أبو مغيصيب إلى أن التقارير الطبية، التي تصل إلى المنظمة من المستشفيات التي تعمل بشكل جزئي في الشمال، تفيد بأن هناك أطفالاً ومُسنين «يعانون مجاعة حقيقية، وهناك وفيات نتيجة سوء التغذية». وأردف قائلاً: «هناك صعوبة في عمل طواقمنا بجميع مناطق قطاع غزة، حيث أُجبرنا على إخلاء مستشفى الشفاء وعيادة (أطباء بلا حدود) في غزة، كما أخلينا مستشفيي الأقصى وناصر». كما أوضح نائب المنسق الطبي أنه لم يتبق في غزة مستشفيات عاملة سوى في رفح بجنوب القطاع، وفي المنطقة الوسطى، لكنها ليست كافية لاستيعاب النازحين. وتابع: «الآن، نعمل فقط في رفح بجنوب القطاع، ونحاول العودة للمناطق التي تراجع فيها القتال، مثل مستشفى الأقصى بالمنطقة الوسطى، وإلى مدينة غزة، لكن الوضع الأمني صعب، وفِرقنا الطبية تعاني هذه المخاطر». وأكد أن غالبية المستشفيات تضررت بشكل كامل، وقال: «هناك مستشفيات توقفت عن العمل، ومستشفيات تعمل بشكل جزئي، وفي خان يونس المستشفيات لا تعمل، وما تبقّى من مستشفيات فقط في المنطقة الوسطى ومستشفيات رفح، والتي لا تكفي للأعداد الكبيرة من النازحين». واختتم أبو مغيصيب حديثه بالدعوة إلى وقف الحرب، الدائرة منذ السابع من أكتوبر الماضي، قائلاً: «بصفتنا مؤسسة دولية عاملة في قطاع غزة، نطالب بوقف الحرب؛ للوصول لجميع المرضى والجرحى، ومساعدة المستشفيات والعيادات العاملة بالقطاع، والتي أصبح وضعها كارثياً».


مقالات ذات صلة

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

المشرق العربي تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز) p-circle

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

أعلن منظّمو «أسطول الصمود» العالمي الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية سفن ضمن «أسطول الصمود العالمي» تعتزم التوجه إلى غزة تقف في ميناء برشلونة الإسباني منتصف الشهر الجاري (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل اعترضت «175 ناشطاً على متن 20 قارباً» ضمن أسطول المساعدات لغزة

أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية، الخميس، أنّ سلاح البحرية الإسرائيلي اعترض نحو 175 ناشطاً من أسطول المساعدات لغزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية قطعة عسكرية تابعة للبحرية الإسرائيلية ترافق إحدى سفن «أسطول الصمود» إلى ميناء أشدود بعد اعتراضها أكتوبر الماضي (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يحاصر سفن مساعدات متّجهة إلى غزة

ذكرت إذاعة ​الجيش الإسرائيلي نقلا عن مصدر إسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن ‌إسرائيل بدأت ‌السيطرة ​على سفن ‌مساعدات ⁠متجهة ​إلى غزة، ⁠بعيدا عن سواحلها.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص قياديون في «حماس»... من اليمين: روحي مشتهى وصالح العاروري وإسماعيل هنية (اغتيلوا جميعاً) وخالد مشعل وخليل الحية (أرشيفية - إعلام تابع لـ«حماس») p-circle

خاص «حماس» تعيد زخم انتخاب رئيس مكتبها السياسي

أفاد مصدران في حركة «حماس» داخل وخارج قطاع غزة، الأربعاء، بأن الحركة استأنفت مسار انتخاب رئيس جديد لمكتبها السياسي، إلى حين انتخاب أعضاء المكتب بشكل كامل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مشيعون يبكون بجوار جثة طفل في مستشفى بمدينة غزة (أ.ف.ب)

خاص «حماس» غاضبة من تواصل الخروقات... وتجهز تعديلات على خطة الوسطاء الجديدة

كشفت 3 مصادر من «حماس» عن أن الحركة أبدت غضبها للوسطاء من استمرار الخروقات الإسرائيلية في غزة والتي كان آخرها اغتيال إياد الشنباري، القيادي البارز في «القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
TT

«حزب الله» يلوّح بالعودة إلى «تكتيكات» الثمانينات ضد الجيش الإسرائيلي

آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)
آليات عسكرية إسرائيلية تتحرك داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

تفتح تسريبات إعلامية متقاطعة من داخل «حزب الله» حول تفعيل قتال «الاستشهاديين» (الانتحاريين) باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة على الجبهة الجنوبية، مع بروز حديث عن خيارات قتالية غير تقليدية تعيد إلى الواجهة مفردات الحرب في ثمانينات القرن الماضي.

وكشفت تسريبات إعلامية من مصادر عسكرية في «حزب الله» عن أنّ الحزب يدرس العودة إلى «تكتيكات الثمانينات»، بما في ذلك تفعيل ما وصفته بـ«مجموعات الاستشهاديين».

ويكتسب هذا الطرح بعداً إضافياً في ضوء سوابق خطابية داخل الحزب، إذ كان الأمين العام السابق لـ«حزب الله»، حسن نصر الله، قد وصف خلال «حرب الإسناد» عام 2024 المقاتلين في الجنوب بـ«الاستشهاديين»، في توصيف عكس طبيعة القتال وظروفه الميدانية. ويعيد استحضار المصطلح اليوم طرح تساؤلات حول دلالاته، بين كونه تعبيراً تعبويّاً أو مؤشراً إلى خيارات عملياتية محتملة.

قيود البيئة والتحول التكنولوجي

قال العميد المتقاعد يعرب صخر لـ«الشرق الأوسط» إن «الواقع الميداني في جنوب لبنان يجعل الحديث عن عودة العمليات الانتحارية أقرب إلى الطرح النظري منه إلى الخيار العملي».

وأضاف: «الجنوب اليوم شبه خالٍ من السكان بفعل النزوح والدمار، وهو ما يفقد هذا النوع من العمليات أحد أهم عناصره، أي القدرة على التخفي داخل البيئة المدنية».

وتابع: «التطور التكنولوجي في مجالات الرصد والاستطلاع، إلى جانب امتلاك إسرائيل بنك أهداف واسعاً، يجعل تنفيذ مثل هذه العمليات شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، في ظل المراقبة المستمرة والتتبع الدقيق، فضلاً عن صعوبة الحركة والوصول الميداني».

جنديان إسرائيليان يعبران بين الركام في جنوب لبنان (أ.ب)

وأوضح أن «التلويح بوجود عمليات مثل هذه على الحدود مع إسرائيل يُستخدم في سياق دعائي»، معتبراً أن «الرسالة الفعلية تتجاوز البعد العسكري لتطال الداخل اللبناني، حيث يجري توظيف هذا الخطاب بوصفه أداة ضغط على المسؤولين والقوى السياسية، لدفعهم نحو خيارات معينة في السياسة الخارجية».

وأضاف: «استحضار أسلوب الثمانينات لا يقتصر على العمليات الانتحارية، بل يستدعي أيضاً نمطاً كاملاً شمل الخطف والاغتيالات».

وخلص إلى أن «المقارنة بين واقع الجنوب اليوم وما كان عليه في ثمانينات القرن الماضي ليست دقيقة»، مؤكداً أن «الحديث عن عودة هذا النمط القتالي يبقى في إطار الشعارات والضغط السياسي، أكثر منه خياراً عسكرياً قابلاً للتنفيذ في ظل المعطيات الحالية».

بين النظرية والتطبيق

في المقابل، قال العميد المتقاعد فادي داوود لـ«الشرق الأوسط»: «الكلام عن استعادة أساليب ثمانينات القرن الماضي ليس مجرد طرح إعلامي، بل يعكس وجود هذا الخيار ضمن بنك القدرات المتاحة لدى الحزب».

وأضاف أن الحديث عن الانتحاريين الجاهزين للتنفيذ «يندرج في إطار القدرات البشرية التي لطالما شكّلت أحد عناصر قوة الحزب/». وتابع: «هذه العمليات، رغم التطور التكنولوجي الكبير في وسائل الرصد والمراقبة، لا تزال قادرة على إحداث تأثير ميداني، لأن التكنولوجيا تبقى محدودة الفعالية في مواجهة عنصر بشري مصمّم على الوصول إلى هدفه».

وأوضح أن «فعالية هذا النوع من العمليات تبقى مرتبطة بطبيعة الهدف ومستوى الحماية الأمنية المحيطة به، والإجراءات الميدانية التي تحيط بالمقار والمنشآت»، مشيراً إلى أن «إمكانية النجاح تختلف من حالة إلى أخرى تبعاً لهذه المعايير».

ولفت إلى أن «أي استخدام محتمل لهذه القدرات سيبقى موجهاً نحو أهداف إسرائيلية»، مضيفاً أن «تنفيذ عمليات من هذا النوع في الداخل الإسرائيلي يتطلب قدرة على التسلل والوصول المباشر إلى الهدف، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة ميدانياً، ما يجعل نسبة النجاح متفاوتة».

ورأى أن «مجرد التلويح بهذا الخيار يحمل بُعداً نفسياً واستراتيجياً، إذ يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية تجارب سابقة، ويوجه رسالة بأن أي تسوية لا تراعي التوازنات قد تقود إلى تصعيد خارج الأطر التقليدية».

أنقاض مبانٍ مدمّرة في بلدة كفركيلا الحدودية جنوب لبنان (رويترز)

دلالات المصطلح ميدانياً

في موازاة ذلك، نقل مصدر مواكب لعمليات «حزب الله» لـ«الشرق الأوسط» أن «استخدام مصطلح الاستشهاديين لا يُقصد به بالضرورة العودة إلى نمط العمليات الانتحارية التقليدية، بل يعكس طبيعة المرحلة الميدانية في ظل الحصار المفروض على مناطق في جنوب لبنان».

وأضاف: «المقاتلون يدركون تماماً حجم المخاطر التي تحيط بهم، ويتعاملون معها على أساس القتال حتى أقصى الحدود».

وتابع: «المقصود بالمصطلح هو الجهوزية للالتحام في أصعب الظروف الميدانية، والاستمرار في المواجهة حتى الموت إذا فُرض ذلك، لا بوصفه خياراً تكتيكياً منفصلاً بل بوصفه جزءاً من طبيعة المعركة نفسها».


وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
TT

وزير الدفاع اللبناني: ذهبنا إلى المفاوضات للسلام مع إسرائيل وليس للاستسلام والمقايضة

وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)
وزير الدفاع اللبناني ميشال منسى (الوكالة الوطنية للإعلام)

أكد وزير الدفاع الوطني اللبناني اللواء ميشال منسى، الخميس، أن بلاده ذهبت إلى المفاوضات للسلام وليس للاستسلام والمقايضة.

ونقلت «الوكالة الوطنية للإعلام» عن اللواء منسي قوله، خلال لقائه شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز، الشيخ الدكتور سامي أبي المنى، في دار الطائفة بفردان، الخميس: «ناقشت وشيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز في العدوان الإسرائيلي على وطننا، والسعي المتواصل لوقفه. التأكيد على صون الوحدة الوطنية، والالتفاف حول الشرعية اللبنانية، وحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية كان قاسمنا المشترك، ومساعدة شعبنا على تجاوز المحنة كان هاجسنا، والترفع عن الحسابات الصغيرة لمصلحة الأهداف الوطنية الكبيرة سيبقى مبتغانا وهدفنا».

وأضاف: «إذا كنا ذاهبين إلى مفاوضات؛ فهي للسلام وليس للاستسلام. نحن نذهب للمفاوضة وليس للمقايضة. نريد وقف أنهار الدماء إكراماً للشهداء، ونرفض كلبنانيين، مسلمين ومسيحيين، إلا أن نبقى موحدين ومتحدين».

وأعرب عن أمله أن «تنتهي هذه المحنة وتعبر هذه الغيمة ويطلع نور الخلاص على لبنان وشعبه».

بدوره، شدد شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز على «واجب الالتفاف حول الدولة ومؤسساتها الشرعية. وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية؛ خصوصاً في الظروف الراهنة، دعماً لتنفيذ المهام المنوطة بها في حماية لبنان وسيادته»، محذراً من كل «محاولات العبث بالسلم الأهلي، فلبنان القوي هو لبنان الموحَّد».


مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
TT

مقتل 9 أشخاص وإصابة 13 وفقدان 3 في غارات إسرائيلية على جنوب لبنان

يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)
يحمل المشيعون نعوش ثلاثة من عناصر الدفاع المدني اللبناني الذين استشهدوا في غارة جوية إسرائيلية على بلدة مجدل زون خلال جنازتهم في مدينة صور الجنوبية (رويترز)

قتل 9 أشخاص وأصيب 13 وفقد 3 آخرون في غارات إسرائيلية اليوم الخميس على جنوب لبنان.

ووفقاً لما ذكرته «الوكالة الوطنية للإعلام» في بيان لها: «أدى العدوان الجوي الذي نفذته الطائرات الحربية الإسرائيلية اليوم إلى استشهاد ثلاثة مواطنين في بلدة جبشيت وجرح سبعة آخرين وتدمير مبنى سكني».

وأشارت الوكالة إلى «استشهاد أربعة مواطنين في بلدة تول أيضاً وجرح ستة آخرين وتدمير مبنى سكني»، لافتة إلى «استشهاد مواطنين اثنين في بلدة حاروف وتدمير منزل».

وطبقاً للوكالة، «تعرض منزل عائلة موظف في مجلس الجنوب في بلدة الحنية - قضاء صور، لغارة صهيونية غادرة، ما أدى إلى انهياره بشكل كامل على رؤوس قاطنيه».

وقال مجلس الجنوب، في بيان صحافي، إن مصير الموظف وابنه ووالدته لا يزال مجهولاً في ظل منع فرق الإسعاف من الوصول إلى موقع الغارة، مناشداً الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» ولجنة المكانيزم تسريع الاتصالات لوصول فرق الإسعاف إلى معرفة مصير الموظف وعائلته والقيام بما يلزم.

يذكر أن اتفاقاً لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل قد دخل حيز التنفيذ اعتباراً من منتصف ليل يوم الخميس قبل الماضي، بعد أسابيع من الغارات الجوية الإسرائيلية التي بدأت فجر الثاني من مارس (آذار) الماضي، رداً على هجمات لـ«حزب الله».