ميناء غزة المنتظر... أسئلة وشكوك

صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)
صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)
TT

ميناء غزة المنتظر... أسئلة وشكوك

صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)
صورة بالقمر الاصطناعي لميناء غزة (رويترز)

يثير الرصيف البحري الذي تعتزم الولايات المتحدة إنشاءه في نقطة ما على ساحل قطاع غزة الدهشة والفضول بقدر ما يثير من شكوك لمعرفة موقعه المحتمل، وكذا ما يخص الإجابة عن كثير من الأسئلة التي تبدأ من طريقة تشغيله وإدارته حتى الجهات التي ستتولى التسلم والتوزيع داخل القطاع المنكوب.

فبعد أكثر من 5 أشهر من الحرب التي اندلعت في قطاع غزة، وقتل فيها نحو 31 ألف فلسطيني وجرح ما يزيد على 70 ألفاً آخرين، تبدو حليفة إسرائيل، الولايات المتحدة، مهتمة بشكل خاص بإيصال المساعدات الإنسانية إلى مليونين و200 ألف شخص يسكنون القطاع، بعد أن بدأت تخرج للنور لقطات لوفاة عدد من الأطفال جوعاً، وفقاً لما ذكرته وكالة «أنباء العالم العربي».

وفي خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأميركي جو بايدن، أنه أصدر تعليماته للجيش بإنشاء «ميناء مؤقت» على ساحل غزة يمكنه استقبال شحنات من الغذاء والماء والدواء التي يحتاجها القطاع المحاصر بشدة.

ونقلت وسائل إعلام أميركية عن متحدث باسم «البنتاغون» القول إن تشييد ميناء عائم لتوصيل المساعدات إلى قطاع غزة قد يستغرق شهراً واحداً على الأقل أو اثنين حتى يدخل حيز التشغيل الكامل، وإن الميناء سيحتاج على الأرجح ألف جندي لإنشائه.

وحتى الآن، لم يصرّح أحد بالموقع المحتمل لإنشاء الميناء الذي حلمت به غزة لعقود، لكنها ستحصل الآن على رصيف منه، بينما يأمل أهلها ألا يكون ذلك بعد فوات الأوان.

يقول العميد السابق بالمخابرات الأردنية عمر الرداد لوكالة «أنباء العالم العربي»، إن هذا المشروع لإنشاء خط بحري من قبرص إلى قطاع غزة كان واحداً من خيارات طرحت قبل بضع سنوات دون أن يوضع موضع التنفيذ.

ويرى الرداد أن الولايات المتحدة التي أعلن مسؤولوها أن الأمر قد يستغرق نحو شهرين لإيصال أول شحنة مساعدات لمن تحاصرهم إسرائيل في قطاع غزة منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أن القوات الأميركية لن يكون لها وجود على الأرض. وقال لوكالة «أنباء العالم العربي» في رسالة نصية: «لن يكون هناك وجود للقوات الأميركية على الأرض، لكنها ستكون قريبة منه في البحر لتأمين الحماية له».

لكنه طرح أيضاً أسئلة مشروعة عمن سيتكفل بتسلم الشحنات في الميناء المنتظر، ثم توزيعها على مئات الآلاف من الجوعى الذين يطرق شهر رمضان بابهم خلال أيام، دون أي بادرة لهدنة تحترم صيامهم.

ويقول الرداد: «باختصار يبحثون إن كانت (حماس) ستلعب أي دور في تسلم الشحنات وتوزيعها... وهذا بالنسبة لي أمر مستبعد بالنظر لكون تدمير (حماس) يمثل الهدف الرئيسي لإسرائيل حتى الآن».

كثير من الأسئلة

استبق آدم أباظة نائب رئيس حزب المحافظين البريطاني في دائرة هامر سميث غرب لندن، إعلان بلاده الانضمام إلى الولايات المتحدة في فتح ممر بحري للمساعدات الطارئة قبالة سواحل غزة، بالتأكيد على أنه لا يجب الاعتماد على الميناء البحري بمفرده لإدخال المساعدات إلى قطاع غزة.

وأضاف لوكالة «أنباء العالم العربي»: «الأسابيع المقبلة ستظهر ما إذا كان هذا سيحدث فرقاً فعلياً في مستويات المساعدات التي يتم تقديمها في الوضع الإنساني في غزة أم لا».

لكن قبل أن تصل الشحنات إلى غزة، وقبل البحث عن حلول لتسلمها وتوزيعها، أبدى مخطط بحري عسكري أردني دهشته من اضطرار العالم للانتظار شهرين كاملين ينتهي الأميركيون من إنجاز الميناء المنتظر، وقال إن الولايات المتحدة أكثر من قادرة على تنفيذ عمليات إنزال في غزة من دون أي ميناء.

وأبلغ المخطط البحري الذي تحدث لوكالة «أنباء العالم العربي»، شريطة عدم الكشف عن هويته: «أتوقع أن الجهة المكلفة بهذا الموضوع (إنشاء الرصيف البحري) هي القاعدة الأميركية في ساردينيا بإيطاليا. أميركا قادرة على عمل إنزالات من دون أي ميناء... يعني تصل السفينة وترسو على الشاطئ مباشرة ثم تفتح بطنها لتنزل منها شاحنات تفرغها وتنطلق مغادرة».

وأضاف: «عندهم مركبات اسمها (إل سي يو)... هذه المركبات ترسو ثم تمشي على البر... كل واحدة تستوعب حمولة شاحنتين أو ثلاث... بمقدورها التنقل ذهاباً وعودة وحمل أي كميات يريدونها».

ويصف مسؤول بحري عراقي كبير إنشاء ميناء بحري محدود بالشكل الذي يطرحه الأميركيون، بأنها «عملية إن لم تكن مستحيلة فهي صعبة جداً، لأنها تحتاج إلى أشياء كثيرة».

وقال أسعد الراشد، مدير مشروع ميناء الفاو الكبير بالبصرة، لوكالة «أنباء العالم العربي» في رسالة نصية، إن هذه عملية تحتاج للتعامل مع البحر والبر، إضافة لضرورة توفير أعماق لرسو الباخرة.

وأضاف: «هذه الوظيفة تتطلب أن يكون هناك عمق بحري كافٍ لترسو السفينة... وتتطلب وجود واجهة بحرية متينة تتحمل رسو الباخرة وتتحمل في الوقت نفسه الأحمال التي ستفرغ على الرصيف، ولا تدفع الساحل أو التربة باتجاه البحر. هذه العملية تحتاج إلى حماية... يعني عادة تعتمد على نوع التربة بالمنطقة بإضافة طبقات معينة في التربة لمنع تسرب الرمل إلى البحر، وفي الوقت نفسه تحمي الساحل وتوفر مرسى للباخرة».

وتابع: «كل هذه الأشياء من الصعب أن تنجز خلال 60 يوماً، وبالتالي حتى هذا قد يؤثر على جودة العمل... إذا كنا نتحدث عن رصيف وقتي لإنجاز مهام إنسانية أو ما شابه، فإن هذا العمل صعب جداً يتحقق خلال 60 يوماً».

ويعتقد المخطط البحري العسكري أن الجيش الأميركي سيوكل مهمة إنشاء هذا الهيكل البحري، ميناء كان أو رصيفاً، إلى وحدات له تتمركز في جزيرة ساردينيا الإيطالية.

وأضاف عبر الهاتف من عمّان: «الجيش الأميركي يملك وحدة هندسة كاملة اسمها وحدة نحل البحار... هذه الوحدة مهمتها إنشاء مثل هذه الأرصفة... رغم أننا لم نسمع عن هذا الأمر منذ الحرب العالمية الثانية».

أين ترسو؟

اختار مصدر سياسي في قطاع غزة نهاية شارع صلاح الدين (نتساريم) بوسط قطاع غزة، ليكون الموقع الذي يعتقد أن الأميركيين سيشيدون فيه رصيفهم الموعود. ويقول الرجل الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن هذه المنطقة توفر أكثر من عامل للإسرائيليين «الذين ولا شك سيتحكمون في العملية من أولها لآخرها».

وأضاف: «تقع هذه النقطة بين دوّارين رئيسيين، لتوفر ما يشبه منطقة محكومة تسهل السيطرة عليها».

ويرسم لنا مصدرنا صورة مقربة للمنطقة التي يقول إنها لا تبعد كثيراً عن دوار النابلسي الذي قتل فيه أكثر من 100 فلسطيني تجمعوا للحصول على ما تيسر من شاحنة مساعدات، قبل أن يتعرضوا لإطلاق نار يتهمون إسرائيل بتنفيذه، بينما ينفي الإسرائيليون التهمة.

يقوم الجيش الإسرائيلي بهدم المباني المحيطة بممر نتساريم من أجل إنشاء منطقة عازلة (أ.ف.ب)

ويقول أيضاً: «هذه البقعة ترتفع بنحو 20 متراً عن سطح البحر وتقع بين الدوارين اللذين يسيطر عليهما الجيش الإسرائيلي تماماً. توفر لهم هذه التضاريس الآمنة، وتسهل لهم أيضاً عملية التوزيع بما أنها تقع في منتصف القطاع تماماً».

وإن عزفوا عن هذا الخيار، يقول المصدر الغزي، فإن شاطئ الزهراء سيكون الخيار الآخر الذي يمكنهم اللجوء إليه، وإن كان لا يبعد سوى كيلومتر واحد عن نهاية شارع صلاح الدين.

* قبل الرسو

يقول المخطط البحري الأردني إن الجهات المانحة اعتمدت قبرص لتكون مركزاً لوجيستياً لتجميع المساعدات وفرزها.

وأضاف: «الأهم من ذلك تفتيش الشحنات والتأكد من نوعية الحمولات وكمياتها، وهذا الواجب سيكون حصرياً بيد الجانب الإسرائيلي الذي سيقوم بالتأكد من كل ذرة طحين تدخل القطاع».

حتى الآن، تدخل قطاع غزة بضع عشرات من شاحنات مساعدات عبر معبر رفح الحدودي مع مصر. ولا تمر هذه الشاحنات إلى داخل قطاع غزة إلا بعد تفتيشها غير بعيد في معبر كرم أبي سالم على الحدود المصرية - الإسرائيلية مع قطاع غزة.

ودفعت قلة عدد الشاحنات وتحذيرات من مجاعة حقيقية توشك أن تحل بالقطاع، دولاً عربية وأخرى غير عربية إلى إسقاط المساعدات من الجو، خصوصاً إلى شمال قطاع غزة الذي تمنع عنه إسرائيل المساعدات، في خطوة يقول الفلسطينيون في غزة إنها لا توفر ما يكفي لإنقاذهم.

ومع المضي قدماً في مشروع إنشاء الرصيف البحري، فإن المخطط البحري العسكري يقول إن المهمة التي أعلنت بريطانيا المساهمة فيها، ستنقل المساعدات والمواد الإغاثية الأساسية من ميناء لارنكا القبرصي.

وأضاف أن البريطانيين سيتولون تأمين الشحنات وحراستها في الطريق البحرية، لحين وصولها وحراستها خلال الطريق، حتى وصولها إلى مواقع التجمع والتفريغ. وتوقع أن يصل حجم الشحنات إلى ما يعادل 200 شاحنة يومياً.

وتابع: «عملياً، إمكانية تنفيذ الميناء المؤقت موجودة والقدرات متوفرة لدى القوات الأميركية، في غضون 60 يوماً بجهد أكثر من 1000 عنصر أميركي، إلا أن هناك عقبة تواجه هذا الجهد؛ وهي الالتزام الأميركي بعدم إرسال عناصر وقوات عسكرية إلى غزة، لوجود مخاوف واعتبارات كثيرة؛ منها جر الولايات المتحدة إلى صراع ترغب ألا تكون طرفاً فيه».

ولا يقدم المخطط العسكري لنا إجابة عن الطرف الذي يعتقد أنه سيتولى مهمة تسلم المساعدات في غزة وتوزيعها على الجياع فيها.

لكن العميد الرداد يقول إن جهات فلسطينية، سياسية وغير سياسية، قد تلعب دوراً في هذه المرحلة.

وأضاف: «مؤكد أنه لن يكون لـ(حماس) أي دور... بدأت تسريبات حول تنسيق مع عائلات في القطاع وترتيبات يشرف عليها بعض السياسيين الفلسطينيين».

لكن المصدر السياسي الفلسطيني يثير شكوكاً حول النوايا الإسرائيلية والأميركية من وراء الإعلان عن مثل هذا المشروع في مثل هذا التوقيت، وبعد مقتل وإصابة نحو 100 ألف شخص منذ 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وأضاف: «لعلهم يرغبون في إعادة إغلاق معبر رفح لتكون تلك المساعدات التي تدخل عن طريق الرصيف البحري المؤقت هي كل ما يمكن لأهل غزة الحصول عليه. أعتقد أنها مجرد تمهيد للمرحلة الثالثة والكبرى من العملية العسكرية الإسرائيلية... دخول رفح».


مقالات ذات صلة

«رد إيجابي» من «حماس» في القاهرة قد يفضي لاتفاق قريباً

خاص فلسطينيون في خان يونس جنوب قطاع غزة يوم السبت (أ.ف.ب)

«رد إيجابي» من «حماس» في القاهرة قد يفضي لاتفاق قريباً

أكدت مصادر عدة من حركة «حماس» أن وفدها الموجود في القاهرة قدّم «رداً إيجابياً» على مقترح قدمه الوسطاء بشأن تنفيذ «اتفاق متزامن» ما بين المرحلتين الأولى والثانية

«الشرق الأوسط» (غزة)
تحليل إخباري أطفال فلسطينيون نازحون يتلقون الطعام من مطبخ خيري في مخيم النصيرات للاجئين (أ.ف.ب)

تحليل إخباري «اتفاق غزة»: الوسطاء يسعون لتفعيل «لجنة التكنوقراط»

تتجه الأنظار نحو «لجنة إدارة قطاع غزة» بعد 3 أشهر من تأسيسها دون بدء عملها الفعلي من القطاع، وذلك بعد حديث الممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» بقطاع غزة.

محمد محمود (القاهرة )
شؤون إقليمية صورة تذكارية للوزراء والمسؤولين المشاركين في الاجتماع حول غزة على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي في جنوب تركيا السبت (الخارجية التركية)

اجتماع تركي - عربي يطالب بوقف انتهاكات إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية

أكد وزراء ومسؤولون من تركيا، والسعودية، ومصر، والأردن، وقطر، والإمارات ضرورة وقف انتهاكات إسرائيل في غزة، والانتقال للمرحلة الثانية من خطة السلام

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
خاص مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

خاص ضغط قوي على «حماس» للموافقة على نزع سلاح غزة

تواجه حركة «حماس» أكبر حالة ضغط من الوسطاء وأطراف أخرى للموافقة على وثيقة «مجلس السلام» حتى ولو بشكل مبدئي، قبل التفاوض عليها بشأن خطة نزع سلاح الفصائل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مشيعون فلسطينيون يحملون جثمان شخص قُتل في غارة إسرائيلية على مدينة غزة (أ.ف.ب) p-circle

كوسوفو والبوسنة تعتزمان المشاركة في قوة إرساء الاستقرار بغزة

أعلنت كوسوفو والبوسنة، الجمعة، عزمهما على إرسال جنود إلى غزة في إطار قوة دولية مزمع تشكيلها لإرساء الاستقرار في القطاع، بإشراف «مجلس السلام» الذي أنشأه ترمب.

«الشرق الأوسط» (بريشتينا)

الخوف يدفع سكان جنوب لبنان إلى «نزوح معاكس»

سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)
سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)
TT

الخوف يدفع سكان جنوب لبنان إلى «نزوح معاكس»

سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)
سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)

لم تمض ساعات على سريان الهدنة بين إسرائيل و«حزب الله» والعودة السريعة لأبناء الجنوب اللبناني إلى قراهم، حتى برزت ظاهرة «النزوح المعاكس» من الجنوب نحو العاصمة بيروت، بما يعكس منسوب القلق الأمني من تجدد الحرب على نحوٍ مفاجئ، وفقدان الثقة الشعبية بالاستقرار.

وتؤشر هذه العودة إلى مخاوف من أن الجنوب لا يزال منطقة مفتوحة على الاحتمالات، دون إغفال حجم الدمار اللاحق بالمباني السكنية كلياً أو جزئياً، وغياب الخدمات التي يحتاجها المدنيون من ماء وكهرباء ووسائل اتصال للبقاء في قراهم.

سيارة تعبر على عبارة مؤقتة شُيّدت على نهر الليطاني في بلدة بدياس (أ.ف.ب)

تحذيرات «حزب الله»

وبخلاف ما حصل بعد حرب عام 2006 ما بين «حزب الله» وإسرائيل، وبعد اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي أوقف الحرب بين الطرفين في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فإن التوجيهات الصادرة عن قادة في الحزب والتي تحثّ جمهوره على عدم العودة إلى القرى، تضيف بعداً أمنياً وسياسياً بالغ الحساسية، وهذه الدعوات لا تُفهم فقط في إطار الحرص على سلامة المدنيين، بل تعكس أيضاً تقديراً داخلياً بأن الوضع الميداني لا يزال غير مستقر، وأن احتمالات التصعيد قائمة في أي لحظة.

نازحون عائدون إلى قراهم في جنوب لبنان في ثالث أيام الهدنة (أ.ب)

وكشف أحد العائدين من الجنوب إلى بيروت، أسباب نزوحهم المفاجئ والاستعجال في مغادرة المدنيين لقراهم، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «تلقينا تعليمات من قيادة الجبهة في (حزب الله) بأن الوضع الأمني غير ثابت، وأن هدنة الأيام العشرة قد لا تستمر»، مشيراً إلى أن «المعلومات المتداولة تفيد بأن الحزب قد ينفذ عمليات على مواقع إسرائيلية داخل البلدات المحتلّة، الواقعة داخل ما يسمى «الخط الأصفر» الذي أعلنت عنه إسرائيل، يوم السبت».

غياب الخدمات

وتعبّر عودة الجنوبيين من قراهم إلى مراكز الإيواء في بيروت والمنازل التي استأجروها مؤقتاً، عن إدراك لديهم بأن الحرب معلّقة لأيام وربما لساعات فقط، وأوضح المواطن الجنوبي الذي رفض ذكر اسمه أن «قوافل العائدين من الجنوب التي برزت بشكل كثيف، ليل السبت، تعكس خوف الناس من إمكانية تجدد القتال فجأة، وكي لا يواجهوا صعوبة كبيرة، بسبب قطع الجسور والطرق، وعندها سيكون الضغط السكاني هائلاً، وسيعوق العودة السريعة في حال اندلاع الحرب مجدداً، خصوصاً أن المعابر بين شمال الليطاني وجنوبه هي معابر مؤقتة، ولا يمكنها استيعاب أعداد كبيرة من العائدين».

ولا يخفي المواطن الجنوبي أن الأزمة المعيشية «لا تقلّ أهمية عن الخطر الأمني»، ويشير إلى أنه «حتى لو صمدت الهدنة وقتاً أطول، هناك غياب شبهة كامل لمقومات الحياة في القرى الجنوبية، بوجود آلاف المنازل المدمرة والخدمات شبه المعدومة، خصوصاً فقدان المياه والكهرباء والإنترنت، وتدمير البنى التحتية»، لافتاً إلى أنه «لا توجد في غالبية قرى الجنوب متاجر ليتمكن العائدون من شراء احتياجاتهم خصوصاً المواد الغذائية».

هدنة هشّة

ما يزيد من احتمال التصعيد، أن الهدنة التي دخلت حيّز التنفيذ، منتصف ليل الخميس ـ الجمعة، لم تأت نتيجة تفاهم أو اتفاق لبناني ـ إسرائيلي صرف، بقدر ما تعبّر عن إذعان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو للضغوط التي مارسها عليه الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ ما يجعلها قابلة للانهيار عند أول اختبار ميداني.

ويرى الخبير العسكري والأمني العميد سعيد القزح أن «هدنة الأيام العشرة غير ثابتة، وقد تسقط في أي وقت»، مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن إسرائيل «تهدد بأن أي اعتداء على جنودها يعني نسف الهدنة بالكامل». وقال إن الإسرائيليين «أجبروا من قبل دونالد ترمب على القبول بالهدنة، في وقت تشهد فيه الساحة الداخلية الإسرائيلية تظاهرات تطالب الحكومة بالعودة إلى الحرب، بذريعة أن هذه الحرب لم تحقق أهدافها، ومنها نزع سلاح (حزب الله)».

وتبقى هدنة الجبهة اللبنانية هشّة، ما لم تتبلور نتائج المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية في العاصمة الباكستانية، واعتبر العميد القزح أن «هناك احتمالاً كبيراً لتجدد الحرب في لبنان بأي لحظة»، لافتاً إلى «وجود مخاوف من عودة المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران بشكل مفاجئ، ما قد يدفع «حزب الله» إلى تحرك سريع ضد الإسرائيليين، خصوصاً أن الحزب يصرّ على وحدة الساحات، وربط مصير لبنان بإيران».


لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة لتفادي التفاوض تحت النار

دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لبنان يطلب تدخل واشنطن لتمديد الهدنة لتفادي التفاوض تحت النار

دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دورية تابعة للوحدة الفرنسية العاملة ضمن «اليونيفيل» تعبر جسر القاسمية المدمر في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

عودة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى ليل السبت إلى بيروت، تفتح الباب أمام اختبار مدى استعداد الإدارة الأميركية للتجاوب مع رغبة الرئيس اللبناني جوزيف عون بتمديد الهدنة، التي توصل إليها الرئيس دونالد ترمب، إفساحاً في المجال أمام تحصينها وتثبيتها، لئلا تبقى هشة في ضوء تبادل التهديدات بين إسرائيل و«حزب الله» الذي أعلن استعداده ميدانياً للرد على خروقها لوقف النار.

وهذا يفسر طلب نائب رئيس مجلسه السياسي الوزير السابق محمود قماطي من النازحين الذين جابوا البلدات الجنوبية لتفقد منازلهم بـ«إخلائها فوراً والعودة إلى الأماكن التي نزحوا إليها».

قلق الجنوبيين

تبادل التهديدات بين إسرائيل و«حزب الله» يُقلق الجنوبيين وعون الذي لا يزال مطمئناً للأجواء الإيجابية التي سادت اتصاله بترمب، وهو يأمل التجاوب مع رغبته في تمديد الهدنة؛ استعداداً للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، على أن تستضيفها واشنطن، شرط أن تقطع الطريق، كما يقول مصدر وزاري لـ«الشرق الأوسط»، على إقحام الجنوب في دورة جديدة من المواجهة لا تخدم التحضيرات لإعداد الورقة اللبنانية التي على أساسها ستنطلق المفاوضات في أجواء هادئة، لئلا تُعقد تحت ضغط النار في حال تجددت الحرب بين «حزب الله» وإسرائيل.

وكشف المصدر الوزاري أن طلب لبنان تمديد الهدنة تحضيراً لبدء المفاوضات تصدّر اجتماع عون برئيس الحكومة نواف سلام، إذ سمع منه كلاماً يطمئنه لاتصاله بترمب الذي ضغط على رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وانتزع منه موافقته على وقف النار لمدة 10 أيام من دون أن يعود إلى المجلس الوزاري المصغر (الكابينت).

الرئيس اللبناني جوزيف عون يستقبل رئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري (الرئاسة اللبنانية)

ولفت إلى أن عون وسلام توقفا أمام ردود الفعل على ما تضمنته كلمة عون في مخاطبته اللبنانيين مع بدء سريان الهدنة، واستغربا حملات التخوين والتهديد التي طاولته وانحصرت بقيادات «حزب الله». وقال المصدر: «إنهم أخطأوا بإصدارهم الأحكام المسبقة على النيات من دون أن يأخذوا في الاعتبار ما تضمّنته خريطة الطريق التي رسم عناوينها مع الاستعداد لبدء المفاوضات».

وأكد المصدر أن مصارحة عون للبنانيين باستعداده للذهاب إلى «حيثما كان لتحرير بلدهم وخلاص أهله» حضرت في لقاء الرئيسين، وتبين أن «حزب الله» استعجل في تصويبه على عون في حملات متسرعة من دون وقوفه على ما يقصده باستعداده لدق أبواب المجتمعَيْن العربي والدولي لتأكيد ثباتهما على موقفهما بدعم لبنان لتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي بوصف ذلك شرطاً لبسط سيادته على أراضيه كافة.

لقاء عون - نتنياهو غير مطروح قريباً

وتبين، حسب المصدر، أن «حزب الله» لم يكن مضطراً لتفسير ما قصده عون، في هذا الخصوص، وكأنه ذاهب للقاء نتنياهو مع بدء المفاوضات، بخلاف مضيّه في استنفار أصدقاء لبنان لدعم موقفه، مؤكداً أن الاجتماع (بين عون ونتنياهو) ليس مطروحاً في المدى المنظور، وهذا ما تم التوافق عليه، وبالتالي لم يكن الحزب مضطراً لحرق المراحل بإصداره الأحكام، وكأن اللقاء حاصل بين ليلة وضحاها.

ورأى المصدر أن هذا اللقاء ليس مطروحاً، وأن ترمب أبدى تفهماً لوجهة نظر عون، وقال إن حصوله يأتي تتويجاً للتوصل لاتفاق لا غبار عليه، بالمفهوم السياسي للكلمة، وأنه لا مانع من أن يرعاه ترمب شخصياً بصفته الضامن بإصرار عون على الثوابت اللبنانية التي لن يحيد عنها كون ذلك أساساً للتوصل إلى اتفاق بكفالة أميركية.

سيارات تعبر جسر القاسمية في رحلة العودة من مواقع النزوح إلى جنوب لبنان (رويترز)

وسأل المصدر الحزب ما إذا كان يعترض على الثوابت التي ركّز عليها عون في مخاطبته اللبنانيين؟ وهل لديه من بديل عن المفاوضات بعد أن جرب الحل العسكري الذي ترتب عليه إلحاق الويلات بالبلد على المستويين البشري والمادي؟ وبالتالي على أي أساس وافق الحزب على وقف النار؟ وهل يأتي في سياق استعداده في الميدان ظناً منه بأن كلمة الفصل تبقى له، مع أن إسناده لغزة وإيران أقحم البلد في مغامرة عسكرية غير محسوبة النتائج، وهذا ما يستدعي من لبنان تكثيف اتصالاته لمنع تجدد الحرب؟

لا تفريط بالثوابت الوطنية

ومع أن المصدر لم يستبعد احتمال تجدد اللقاء بين سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض ونظيرها الإسرائيلي يحيئيل ليتر، تحضيراً لبدء المفاوضات التي يبقى مصيرها معلقاً على ضوء أخضر أميركي يعود لترمب تحديده أو من ينتدبه لتمثيله في الجلسة الافتتاحية، أكد في المقابل أنه لا تفريط بالثوابت اللبنانية. وسأل ما المانع من إعطاء لبنان فرصة لعله يسترد حقوقه بدلاً من إقحامه في مغامرة عسكرية غير محسوبة؟

وأكد أن حملات التخوين والتهديد لعون التي يتزعمها عدد من مسؤولي «حزب الله» المصنفين على خانة «الصقور»، جاءت لعدم شكره إيران على جهودها لوقف النار. وقال إنهم أرادوا تسديد فاتورة سياسية من الجيب اللبناني للقيادة الإيرانية، بذريعة أنها كانت وراء التوصل للهدنة بربطها وقف النار بالتزامن على الجبهتين الإيرانية واللبنانية.

وكشف أن مسؤولي الحزب ممن استهدفوا عون لم يكونوا مرتاحين لمخاطبته اللبنانيين بقوله: «نحن من يفاوض عن أنفسنا ونقرر عن أنفسنا ماذا نريد، ولا مكان بعد الآن لحروب الآخرين على أرضنا»، وكانت هذه التصريحات وراء تصاعد وتيرة التهديد والتخوين بذريعة أن الوسيط الباكستاني كان أبلغ الوفد الأميركي المفاوض برفض الحكومة اللبنانية وحدة المسار والمصير مع إيران. وهذا ما دفع بقيادة «الحرس الثوري»، بعد أن أحيطت علماً بالتوجه اللبناني، إلى تنظيم حملة إعلامية وسياسية تولاها الحزب، وشارك فيها «جيشه الإلكتروني» عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

بري يعارض المفاوضات المباشرة

وتطرق المصدر إلى معارضة رئيس المجلس النيابي نبيه بري للمفاوضات المباشرة وتحفّظه على بدئها، وقال إن موقفه في هذا الخصوص ليس بجديد، لكنه لم يؤد لانقطاعه عن التواصل مع عون من موقع الاختلاف حيال المفاوضات، بخلاف الحزب الغائب عن أي تواصل مع الرئاسة الأولى التي أبدت في حينها انزعاجها من تفلُّت أمينه العام نعيم قاسم من تعهّده بعدم تدخله إسناداً لإيران.

نازح إلى مدينة صيدا في جنوب لبنان يعانق صديقاً له بعد العودة إلى مدينة النبطية (رويترز)

ولفت إلى أن معارضة بري للمفاوضات تبقى جائزة ولها أسبابها ودوافعها، من وجهة نظر مصدر نيابي بارز كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، لكنه ليس طرفاً في السجال الناري الدائر بين الحزب وعون في ضوء تهديده، على لسان مسؤول الموارد في الحزب، قبل أن يدلو قماطي بدلوه في هذا الخصوص.

بيان قاسم

وفي هذا السياق، فوجئ المصدر الوزاري بالبيان الذي أصدره قاسم ودعا فيه إلى «أقصى التعاون بفتح صفحة جديدة مع السلطة مبنية على تحقيق سيادة وطننا». وسأله لماذا تأخر في إصداره؟ وهل كان مضطراً لتصويب الحملات على عون من قبل أبرز قيادييه؟ ألم يكن في غنى عنها بدعوته لفتح صفحة جديدة جاءت مباشرة بعد القصف السياسي لقماطي على عون، وتهديده بالرد على الخروق بالطلب من النازحين عدم العودة إلى قراهم والبقاء في أماكن نزوحهم؟

كما سأل عن الأسباب التي استدعت قاسم للتوجه للسلطة بموقف يدعو للتعاون، ألا يدل ذلك عن تعدد الآراء داخل الحزب نتيجة للإرباك السياسي الذي يتخبط فيه، وإلا لماذا حرص على طي صفحة التخوين والإدانة واستعاض عنها بالتعاون بعد انقطاع بينهما؟

وهل جاءت دعوته بتدخل من بري، وإن كان نواب كتلته يرفضون التعليق ويكتفون بالصمت، مع أنه، أي بري، هو في عداد الرافضين للمفاوضات المباشرة لكنه يحرص على تبديد أجواء الاحتقان لئلا تنعكس سلباً على الداخل اللبناني، وأن يبقى التباين نقطة خلافية يُترك للوقت قول كلمته فيها، لعل المفاوضات تؤدي، بضمانة أميركية، إلى ما يرضي اللبنانيين بتحرير أرضهم وانسحاب إسرائيل منها؟

فبري اكتفى بتسجيل موقف اعتراضي على المفاوضات دون تصويبه على عون الذي انسحب على نواب كتلته ومسؤولي «أمل» الذين نأوا بأنفسهم عن الانخراط في حملات التخوين والتهديد وأبقوا على الباب مفتوحاً للتشاور بين الرئيسين لعلهما يتوصلان إلى قواسم مشتركة، من موقع الاختلاف، من شأنها أن تؤدي لتبديد ما لديهم من مخاوف يشاركه فيها السواد الأعظم من الشيعة.

كلمة سلام للأوروبيين

وإلى أن يحين موعد بدء المفاوضات، فإن الحكومة لم تستبعد أن تكون طويلة المدى ما لم يتدخل الراعي الأميركي بالضغط على إسرائيل لإخراجها من التجاذبات بالتوصل لاتفاق يستعيد فيه لبنان سيطرته بالكامل حتى حدوده الدولية معها.

وهذا ما سيركز عليه رئيسها نواف سلام في الخطاب الذي سيلقيه في مؤتمر رؤساء الوزراء الأوروبيين، في لوكسمبورغ، مشدداً على أهمية الدعم الأوروبي للبنان بإصراره على حصرية السلاح بيد الدولة وموقفه بالتفاوض المباشر مع إسرائيل، وتمسك لبنان ببقاء قوات الطوارئ الدولية «اليونيفيل» في جنوبه بمؤازرة الجيش اللبناني لتطبيق القرار «1701»، مستنكراً الاعتداء الذي أدى إلى مقتل جندي فرنسي وجرح 3 آخرين، خصوصاً أن الاتهامات تحمّل «حزب الله» مسؤولية مقتله ما يشكل إحراجاً له، إذ كيف يجمع بين مطالبته بانسحاب إسرائيل وتهديده لـ«اليونيفيل» وتحريضه على دورها؟


«الديمقراطي الكردستاني» يقاطع أعمال جلسات البرلمان الاتحادي

البرلمان العراقي مجتمعاً يوم السبت لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
البرلمان العراقي مجتمعاً يوم السبت لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
TT

«الديمقراطي الكردستاني» يقاطع أعمال جلسات البرلمان الاتحادي

البرلمان العراقي مجتمعاً يوم السبت لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)
البرلمان العراقي مجتمعاً يوم السبت لمناقشة الأوضاع الأمنية (إكس)

مع إعلان كتلة الحزب «الديمقراطي الكردستاني»، الذي يتزعمه مسعود بارزاني، مقاطعة جلسات البرلمان الاتحادي في بغداد حتى إشعار آخر، تثار أسئلة غير قليلة بشأن تراجع مستوى التأثير والنفوذ، الذي كان يتمتع به الحزب الكردي في رسم المسارات السياسية بالعاصمة العراقية خلال السنوات الأولى التي أعقبت إطاحة نظام الرئيس الراحل صدام حسين عام 2003. حيث كان وقيادتُه البارزانية مع الحلفاء من بقية القوى والأحزاب الكردية يمثلون «بيضة القبان» في العملية السياسية، والضامن لضبط مساراتها التوافقية.

من اجتماع سابق بين بارزاني (في الوسط) والسوداني (إلى اليسار) ورئيس «مجلس القضاء» فائق زيدان (أرشيفية - رئاسة الوزراء)

وفي حين يدافع قادة ومستشارون كرد عن «الدور المحوري للحزب (الديمقراطي) في الشأن السياسي العراقي»، تقلل شخصيات في «قوى الإطار التنسيقي» من ذلك، وترى أن «دوره وتأثيره قد تراجعا في السنوات الأخيرة».

وأعلنت كتلة الحزب «الديمقراطي»، السبت، مقاطعتها أعمال البرلمان، احتجاجاً على ما وصفته بـ«انتهاك الدستور والقانون» داخل المجلس.

وقالت، في بيان، إن القرار جاء بعد «تجاهل مبادئ الشراكة والتوازن والتوافق (...) وبناء على توجيهات وتوصيات قيادة الحزب» في أربيل.

وأكدت أن «حماية الحقوق الدستورية لشعب كردستان، وحماية شرعية العملية السياسية، تقعان فوق كافة المصالح».

وكان الحزب «الديمقراطي» أعلن الأسبوع الماضي أنه لن يتعامل مع انتخاب نزار آميدي رئيساً لجمهورية العراق، وطلب من ممثليه في مجلس النواب وفي الحكومة الاتحادية العودة إلى إقليم كردستان «للتشاور».

وعبّر الحزب عن رفضه أسلوب انتخاب الرئيس آميدي، وأعلن أن «الشخص (الرئيس) الذي يتم اختياره بهذه الطريقة لا يعتبر ممثلاً للأغلبية الكردستانية».

ضرب مرتكزات العملية السياسية

ويؤكد كفاح محمود، المستشار الإعلامي لزعيم الحزب «الديمقراطي» مسعود بارزاني، «مركزية دور (الديمقراطي) في الإقليم والسياسة العراقية بشكل عام، بوصفة الحزب الأكبر من حيث النتائج والمؤيدين».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث، خصوصاً ما يتعلق بانتخاب رئيس الجمهورية، يمثل ضرباً للمرتكزات الأساسية التي استند عليها النظام السياسي منذ عام 2005».

الرئيس العراقي الجديد يستعرض حرس الشرف في «قصر بغداد» (واع)

ويرى أن تلك المرتكزات كانت تستند إلى «الشراكة الحقيقية والتوافق بين المكونات الأساسية العراقية والفعاليات والأحزاب السياسية، لكن ما حدث في انتخابات رئاسة الجمهورية قطع كلياً مع هذه المرتكزات، وهو سابقة خطيرة جداً».

وأضاف أن «الرئيس بارزاني أكد مراراً أنه لا يتدخل في عملية انتخاب مرشح المكون الشيعي لرئاسة الوزراء أو السني للبرلمان؛ لأن هذا الموقع ممنوح أو اتفق على أن يكون للمكون، وليس لحركة أو فرد أو حزب سياسي، وهذه نقطة الخلاف الأساسية؛ لأنهم تدخلوا في مرشح المكون الكردي وانحازوا إلى أحد الأطراف».

ويشير محمود إلى أن سحب ممثلي الحزب «الديمقراطي» في مجلس النواب والحكومة الاتحادية والعودة إلى إقليم كردستان «ليس خروجاً من العملية السياسية؛ بل من أجل تقييم الوضع وإجراء مشاورات لازمة وضرورية، وهناك اجتماعات مكثفة بين المكتب السياسي وممثلي الحزب في بغداد».

من جلسة البرلمان العراقي لانتخاب رئيس الجمهورية (أ.ف.ب)

ويرى أن رئاسة البرلمان «تصرفت خلال جلسة انتخاب الرئيس بطريقة لم تراعِ الالتزام بالنظام الداخلي، وهذا يعدّ خرقاً واضحاً للقانون في العمل النيابي. كما أن المرشح الذي جرى تقديمه لمنصب رئيس الجمهورية كان خارج إطار الاستحقاق الكردستاني».

ويتوقع محمود أن يَصدر بعد اجتماعات قيادة «الديمقراطي» مع نوابها وممثليها في بغداد بيانٌ رسميٌ بشأن طبيعة التعامل مع أي حكومة وأي مرشح مقبل لرئاسة الوزراء، «خصوصاً أن الجميع يعلم أن (الإطار التنسيقي) لن ينجح في تمرير أي شخص إلا بموافقه (الديمقراطي الكردستاني)؛ لأنه الشريك الأساسي في العملية السياسية، ولديه علاقات طيبة مع معظم الكتل».

تراجع...

من جانبه، يقول مصدر قيادي في «قوى الإطار التنسيقي»: «رغم المكانة السياسية البارزة للحزب (الديمقراطي الكردستاني) وقيادته التاريخية في الإقليم والعراق بشكل عام، فإن دوره ونفوذه قد تراجعا كثيراً في بغداد خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد لاعباً سياسياً لا يمكن تجاوزه».

ويؤكد المصدر، الذي يفضل عدم الإشارة إلى اسمه، لـ«الشرق الأوسط»، أن «استفتاء الانفصال الذي أقدم عليه الحزب وقيادته عام 2017 أسهم بشكل كبير في تراجع دوره في بغداد التي نظرت آنذاك إلى ما جرى بطريقة غير مرتاحة تماماً».

رئيس الحكومة العراقية محمد السوداني يتوسط نوري المالكي وقيس الخزعلي خلال اجتماع في بغداد (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويعتقد المصدر أنه «لم يعد من الممكن اتكاء الحزب (الديمقراطي) وقيادته على تاريخ سابق من التحالف والعلاقات الجيدة مع الأحزاب الشيعية... لقد تغيرت الأمور كثيراً، وباتت القوى الشيعية ذاتها منقسمة، إلى جانب دخول جماعات الفصائل المعادية لأربيل في معادلة الحكم في بغداد».

من هنا، يستبعد المصدر «أن يكون لانسحاب أعضاء الحزب (الديمقراطي) وممثليه في البرلمان والحكومة دور في إعادة تموضعِ وقوةِ أربيل في المشهد السياسي الاتحادي، مثلما كان سابقاً».

ولا يستبعد كذلك «أن تتجاوز القوى الشيعية الحزب (الديمقراطي) خلال مرحلة انتخاب رئيس الوزراء مثلما حدث مع انتخاب رئيس الجمهورية».