وسط مخاوف على النازحين في رفح... مجمع «ناصر» يواجه مصير «الشفاء»

رجل يتفقد الأضرار في إحدى الغرف بعد القصف الإسرائيلي على مستشفى ناصر بخان يونس (أ.ف.ب)
رجل يتفقد الأضرار في إحدى الغرف بعد القصف الإسرائيلي على مستشفى ناصر بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

وسط مخاوف على النازحين في رفح... مجمع «ناصر» يواجه مصير «الشفاء»

رجل يتفقد الأضرار في إحدى الغرف بعد القصف الإسرائيلي على مستشفى ناصر بخان يونس (أ.ف.ب)
رجل يتفقد الأضرار في إحدى الغرف بعد القصف الإسرائيلي على مستشفى ناصر بخان يونس (أ.ف.ب)

يواجه أكبر مستشفيات خان يونس مصيراً مظلماً عرفه قبله مستشفى آخر كبير في شمال قطاع غزة، بعد أن اقتحمت قوات إسرائيلية ساحته الخارجية وأمرت الطواقم الطبية والجرحى بالخروج، وفقاً لـ«وكالة أنباء العالم العربي».

وبعد نحو شهرين من عصف الجيش الإسرائيلي بمستشفى الشفاء، أكبر مستشفيات قطاع غزة، دخلت قواته، اليوم (الخميس)، إلى مجمع ناصر الطبي في محافظة خان يونس، بعد قليل من قصفه واستهداف قسم العظام، حيث قتل شخص وأصيب 14.

أعقبت تطورات الساعات الأولى اليوم إعلان مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن المنظمة فقدت التواصل مع مجمع ناصر الطبي، معبّراً عن قلقه إزاء ما يجري داخله.

كما عبّرت منظمة «أطباء بلا حدود» عن إدانتها الشديدة لقرار إسرائيل إجلاء آلاف النازحين من مجمع ناصر الطبي في خان يونس، وهو أكبر مستشفى في جنوب قطاع غزة. وذكرت المنظمة، في بيان، أن طاقمها لا يزال موجوداً في المجمع ويواصل علاج المرضى في ظل «ظروف شبه مستحيلة».

مواطنون يتفقدون الأضرار في إحدى الغرف بعد القصف الإسرائيلي على مستشفى ناصر في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأعلنت إدارة الصحة في قطاع غزة أن شخصاً واحداً قُتل وأصيب 14 آخرون في قصف إسرائيلي استهدف المجمع الطبي العملاق الذي أجبرت إسرائيل الآلاف على إخلائه في وقت سابق هذا الأسبوع. وذكرت صحة غزة أن القصف استهدف قسم العظام في مجمع ناصر الطبي.

وأظهرت لقطات عرضها تلفزيون فلسطين، أسرة طبية يعلوها التراب، بينما عمل أطباء وممرضون على نقل مريض رفع سبابته اليمنى بينما تساقط الغبار من سقف الغرفة.

وقالت الوكالة إن طائرات حربية إسرائيلية نفذت غارات على مناطق في جنوب مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. وذكرت الوكالة أيضاً أن الطائرات الحربية الإسرائيلية شنت كذلك غارات على المناطق الغربية لشمال القطاع.

امرأة تتفاعل وسط نقل جرحى فلسطينيين إلى مستشفى ناصر في خان يونس (أ.ف.ب)

دخلت إسرائيل المستشفى الكبير إذاً رغم التحذيرات، ويقول متحدث باسم صحة غزة إن أكثر من 1500 نازح لا يزالون داخل المجمع الطبي إلى جانب 190 من كوادره الطبية و299 من أفراد عائلاتهم.

وأضاف المتحدث أشرف القدرة أن 273 مريضاً لا يستطيعون الحركة و327 مرافقاً لا يزالون موجودين في أقسام المجمع.

ونشر الجيش الإسرائيلي مروحياته في الأحياء الغربية لمدينة خان يونس، حيث أطلقت نيرانها بكثافة، بينما لم تكف المدفعية عن ضرب الأحياء الغربية في شمال القطاع.

مستشفى آخر حان دوره

تنفذ إسرائيل الآن في مجمع ناصر الطبي ما أرادت طيلة أشهر بإجبار النازحين عن الرحيل عن مستشفيات لاذوا بها منذ اندلاع الحرب في القطاع في 7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وبعد أيام من انهيار هدنة عاشها القطاع أسبوعاً واحداً قبل أن تدور عجلة القتال مرة أخرى بوتيرة أشد، نجح الجيش الإسرائيلي في دخول مستشفى الشفاء التي روج لأسابيع أن أسفلها أنفاق ومراكز قيادة عملياتية لحركة «حماس».

رجل يحمل شخصاً مصاباً جراء القصف الإسرائيلي يصل إلى مستشفى ناصر في خان يونس (أ.ف.ب)

واليوم، وبعد أكثر من شهرين على استهداف خان يونس، المحافظة التي تقع في جنوب القطاع، دخلت القوات الإسرائيلية المجمع الطبي الذي يحمل اسم الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، والذي آوى عشرات الآلاف منذ بداية الحرب بعد أن أجبر مئات الآلاف على الرحيل جنوباً نزولاً على أوامر الجيش الإسرائيلي المتقدمة قواته من الشمال.

في تدوينة على حسابه بمنصة «إكس»، أشار مدير منظمة الصحة العالمية إلى تقارير عن تدمير منشآت تخزين الأجهزة والمستلزمات الطبية، وقال إن الوصول للمستشفى ما زال متعذراً إذ لا يوجد ممر آمن يمكن سلكه.

وأضاف: «مستشفى ناصر هو عمود النظام الصحي في جنوب غزة ولا بد من حمايته، ولا بد من السماح بوصول المساعدات الإنسانية. لا بد من حماية المستشفيات حتى تتمكن من أداء مهمتها في إنقاذ الحياة».

وقالت «أطباء بلا حدود» إن فرقها الطبية اضطرت منذ بدء الحرب في غزة إلى إخلاء 9 منشآت مختلفة للرعاية الصحية في قطاع غزة، بعد تعرضها لنيران الدبابات والمدفعية والطائرات المقاتلة والقناصة والقوات البرية أو بعد تلقيهم أمر إخلاء.

وأشار البيان إلى أن توفير الرعاية الصحية وتعزيز المساعدات المنقذة للحياة «أصبح مستحيلاً بسبب شدة القصف الإسرائيلي».

وحذرت «حماس»، في بيان، من أن الموجودين في مجمع ناصر «يفتقدون أدنى مقومات الحياة من الأدوية والمواد الغذائية، ناهيك عن إطلاق النار المباشر على المستشفى، وانتشار القناصة حوله، ما أدّى إلى استشهاد عدد من المواطنين داخله».

ودعت «حماس» الأمم المتحدة وكل الجهات ذات الصلة إلى التحرك الفوري والعاجل لمنع القوات الإسرائيلية من اقتحام المستشفى «تفادياً لمجزرة مروّعة وجريمة ترتكب بحق الأطقم الطبية والنازحين فيه، الذين لا يجدون مكاناً يلتجئون إليه».

المحطة التالية: رفح

تضيق الدائرة أكثر فأكثر على مجمع ناصر الطبي في خان يونس، بينما يتكدس أكثر من مليون ونصف المليون غير بعيد في أقصى جنوب قطاع غزة يتهددهم وعيد إسرائيلي بمرحلة جديدة من العملية العسكرية الإسرائيلية التي يحذر العالم من أنها قد تأتي بكارثة.

لم تحرك إسرائيل قواتها القريبة أصلاً من حدود رفح، لكن رئيس وزرائها ووزير دفاعه ورئيس أركانه أمضوا الساعات الأربع والعشرين الماضية في الوعيد بعملية عسكرية لتنفيذ هدف إسرائيل المعلن في القضاء على حركة «حماس» التي باغتت إسرائيل في هجوم غير مسبوق في 7 أكتوبر الماضي في يوم انتهى بمقتل 1200 شخص وأسر أكثر من 200.

وبعد حديث واضح من الرئيس الأميركي جو بايدن عن خطورة عملية عسكرية قد تقوم بها إسرائيل في رفح ومطالبته بضمان سلامة المدنيين، قال البنتاغون، في بيان اليوم، إن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن بحث مع نظيره الإسرائيلي يوآف غالانت في اتصال هاتفي أهمية حماية المدنيين وضمان حركة المساعدات الإنسانية قبل تنفيذ أي عملية في رفح.

وأضاف البيان أن أوستن استمع من غالانت لمعلومات عن تطور العمليات العسكرية التي تنفذها إسرائيل في خان يونس وسط قطاع غزة.

وفي كندا، بحث رئيس وزرائها جاستن ترودو مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني تطورات الأوضاع في قطاع غزة، حيث حذرا من مغبة ما تسعى له إسرائيل في رفح.

سبقهما الرئيسان المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب إردوغان، اللذان التقيا في القاهرة واتفقا على «ضرورة وقف إطلاق النار في القطاع بشكل فوري وتحقيق التهدئة بالضفة الغربية، حتى يتسنى استئناف عملية السلام في أقرب فرصة وصولاً إلى إعلان الدولة الفلسطينية ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية».

وقال بيان للرئاسة المصرية إن الجانبين بحثا الأزمة في قطاع غزة، ونقل عن السيسي القول إن ما تمارسه السلطات الإسرائيلية من «تضييق» على دخول المساعدات إلى القطاع يتسبب في دخول الشاحنات بوتيرة بطيئة لا تتناسب مع احتياجات سكانه.


مقالات ذات صلة

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

المشرق العربي أقارب الأسرى الفلسطينيين يحملون لافتات ويهتفون بشعارات خلال مسيرة في مدينة نابلس بالضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

بعد إقرار إسرائيل قانون الإعدام... خوف وغضب يتجاذبان أهالي المعتقلين الفلسطينيين

في رام الله وسط الضفة الغربية، اعتصم أهالي معتقلين فلسطينيين وممثلون للفصائل الفلسطينية ورجال دين ونشطاء أمام مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

«الشرق الأوسط» (الضفة الغربية)
شمال افريقيا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره المصري خلال لقائهما بموسكو في مايو الماضي (أ.ب)

السيسي وبوتين يشددان على ضرورة احتواء التصعيد الراهن

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «روسيا بما لها من وزن وقدرات على المستوى الدولي قادرة على التأثير في اتجاه وقف الحرب».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (في الوسط) وعدد من النواب يحتفلون بعد أن أقر البرلمان الإسرائيلي قانوناً يُجيز عقوبة الإعدام للفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين - في الكنيست بالقدس (أ.ب) p-circle

إدانات فلسطينية وعربية ودولية لإقرار الكنيست «قانون إعدام الأسرى»

أدانت فصائل فلسطينية ومسؤولون في السلطة الفلسطينية ودولية عربية وألمانيا والاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إقرار الكنيست قانوناً يجيز إعدام الأسرى.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جلسة للكنيست الإسرائيلي (أرشيفية - د.ب.أ) p-circle

واشنطن تثق في عدالة تطبيق تل أبيب لـ«قانون إعدام الفلسطينيين»

قالت الولايات المتحدة، الاثنين، إنها تحترم حق إسرائيل في تحديد قوانينها الخاصة بعدما أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يتيح إعدام فلسطينيين مُدانين بتهم «الإرهاب».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي الطفل جواد أبو ناصر بعد تعرضه للتعذيب (عائلة الطفل - وسائل إعلام محلية)

موجة تعاطف مع رضيع فلسطيني اتهمت أسرته الجيش الإسرائيلي بتعذيبه

10 ساعات قضاها الرضيع جواد أبو نصار مع قوات الاحتلال الإسرائيلي تحت التعذيب، وفقاً لعائلته، وأثار تعاطفاً عالمياً معه.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

سوريا تُعيد الوصل البري مع لبنان والجوي مع العالم

جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)
جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)
TT

سوريا تُعيد الوصل البري مع لبنان والجوي مع العالم

جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)
جانب من مركز جديدة يابوس الحدودي (سانا)

أعلنت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية» عن إعادة افتتاح منفذ جديدة يابوس الحدودي مع لبنان، واستئناف حركة العبور فيه بشكل طبيعي، وذلك بدايةً من صباح الخميس، بعد زوال المخاطر التي استدعت إيقاف العمل مؤقتاً خلال الأيام الماضية.

ونقلت وكالة «سانا» الرسمية عن الهيئة، في منشور عبر قناتها على «تلغرام»، أن حركة المسافرين شهدت عودة تدريجية إلى طبيعتها، في ظل استئناف العمل وزيادة أعداد القادمين والمغادرين، «وسط جاهزية تشغيلية عالية، وإجراءات منظمة تضمن انسيابية العبور وسلامة المسافرين على مدار الساعة، بما يعكس الحرص على تأمين أفضل الخدمات وتعزيز استقرار الحركة الحدودية».

ؤ

ودعت الهيئة «جميع المسافرين إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة عن إدارة المنفذ، بما يُسهم في تسهيل الإجراءات وضمان حسن سير العمل».

وكانت رئاسة مجلس الوزراء في لبنان قد أعلنت في بيان مساء الأربعاء، «إعادة فتح معبر المصنع مع اتخاذ إجراءات مشدّدة لتأمين سلامة حركة المسافرين والبضائع، وتجهيزه بالمعدات الضرورية لمنع أي عملية تهريب»، حسبما ذكرت «الوكالة الوطنية للإعلام» اللبنانية.

وسبق أن هددت إسرائيل يوم السبت الماضي باستهداف الطريق الواصل إلى «معبر المصنع» على الحدود السورية - اللبنانية المقابل لمنفذ جديدة يابوس، بحجة أن «ميليشيات (حزب الله) تستخدمه لأغراض عسكرية».

وعلّقت «الهيئة العامة للمنافذ والجمارك في سوريا» العبور مؤقتاً، وأكدت أن المعبر «مخصص حصراً لعبور المدنيين، ولا يُستخدم لأي أغراض عسكرية، ولا وجود لأي مجموعات مسلحة أو ميليشيات، وأنها لا تسمح باستخدامه لأي نشاط خارج الأطر المدنية والقانونية».

المطار...

والى ذلك، استأنف «مطار دمشق الدولي» عملياته التشغيلية مع انطلاق أولى الرحلات الجوية باتجاه مطار صبيحة كوكجن الدولي في إسطنبول صباح الخميس، بعد إعادة فتح الأجواء السورية، إيذاناً بعودة تدريجية لحركة النقل الجوي وتعزيز مستوى الربط الإقليمي.

مسافرون في مطار دمشق الدولي الخميس (سانا)

وأوضح مدير الاتصال الحكومي في «الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي» علاء صلال، في تصريح لوكالة «سانا» الرسمية، أنه جرى إبلاغ الشركات العاملة بقرار فتح الأجواء واستئناف العمل في مطار دمشق الدولي، وبانتظار قيام الشركات المشغلة بجدولة الرحلات.

وأضاف صلال: «إن القرار جاء بالتنسيق مع الجهات الإقليمية والدولية، وبما يضمن أعلى معايير السلامة وكفاءة وانسيابية الحركة الجوية، وفق المعايير الدولية».

وكان رئيس الهيئة العامة، عمر الحصري، قد أعلن، الأربعاء، إعادة فتح جميع الممرات الجوية التي أغلقت سابقاً، واستئناف الحركة الجوية عبر الأجواء السورية، إضافة إلى استئناف العمل في مطار دمشق الدولي، وعودة العمليات التشغيلية فيه بشكل منتظم.

ركاب أول رحلة إلى إسطنبول بعد إعادة فتح المطار (سانا)

ويأتي استئناف المطار عملياته التشغيلية بعد فترة من تعليق الطيران، نتيجة تصاعد التوترات الإقليمية خلال الأسابيع الماضية؛ حيث أدت الضربات المتبادلة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، إلى إغلاق مؤقت للمجالات الجوية بعدد من الدول، حفاظاً على سلامة الملاحة الجوية.


بيروت تفقد أمانها... وسكانها يغادرونها تحت وطأة الخوف من الآتي

المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
TT

بيروت تفقد أمانها... وسكانها يغادرونها تحت وطأة الخوف من الآتي

المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)
المبنى الذي استهدف بقصف إسرائيلي في منطقة تلة الخياط في بيروت يوم الأربعاء (رويترز)

لم تعد بيروت تلك العاصمة التي يلجأ إليها سكانها طلباً للأمان، بل تحوّلت في لحظة إلى مدينة يُخيّم عليها الخوف والقلق. فالهجوم الإسرائيلي، يوم الأربعاء، الذي استهدف مناطق عدة وأسقط مئات القتلى والجرحى، وضع أهلها أمام واقع جديد قاسٍ؛ حيث لم يعد البقاء خياراً بديهياً، بل مغامرة محفوفة بالمخاطر. وبين مَن يملك القدرة على المغادرة ومَن لا خيار لديه سوى البقاء، تنكشف صورة مدينة بدأت تفتقد الأمان تدريجياً، ويغادرها ناسها بحثاً عن ملاذ أكثر استقراراً.

نزوح تحت وقع الخوف

بعد القصف الذي استهدف بيروت، قرر عدد كبير من سكانها مغادرتها، لا سيما أن المناطق التي استُهدفت تعدّ إلى حد كبير مناطق يسكنها ميسورون، وهؤلاء تمكنوا من الانتقال إلى منازل الاصطياف أو شاليهات في مناطق خارج بيروت. لكن ليس للجميع القدرة على المغادرة، إذ تبقى الأزمة أكثر قسوة على من لا يملكون خيارات بديلة، «ولا سيما منهم النازحون الذين لجأوا إلى بيروت، واستأجروا منازل فيها أو يعيشون في مراكز نزوح، بحيث لم يعد لديهم أي خيار إلا التسليم للقدر».

«سلامة العائلة أولاً»

هذا الواقع فرض نفسه على قرارات كثير من العائلات؛ حيث يقول محمد السيد، أحد سكان بيروت: «منذ بدء الحرب كنت حريصاً على البقاء في بيتي في بيروت لأسباب عدة، أهمها الخوف من أن يدخل غرباء إلى المنزل في غيابنا... أما اليوم ومع التصعيد الذي حصل، لم تعد بيروت آمنة بالنسبة إلينا، وباتت سلامة عائلتي هي الأولوية». ويُضيف: «من هنا اتخذت قراري بالانتقال إلى الشمال؛ حيث أملك بيتاً بانتظار ما ستؤول إليه الأمور».

ويتابع: «لا نريد أن نعيش لحظات الرعب والخوف التي عشناها يوم الأربعاء... الأمور باتت خارج السيطرة، ولم يعد بيدنا حيلة إلا المغادرة علّنا ننجو»، مشدداً على أن «الوضع الأمني في بيروت يختلف عن كل المراحل، حتى خلال الاحتلال الإسرائيلي عام 1982 لم تعمد إسرائيل إلى قصف العاصمة على غرار ما تفعل اليوم».

عناصر الدفاع المدني في أحد المواقع التي استهدفت في منطقة عين المريسة في بيروت الأربعاء (رويترز)

وفي السياق نفسه، يروي ماهر (م)، وهو من أبناء بيروت الذين لا يملكون منزلاً خارجها، تجربته قائلاً: «منزلنا في منطقة فردان، القريبة من تلة الخياط التي قُصف مبنى فيها يوم الأربعاء. عشنا لحظات رعب لا تُنسى أنا وزوجتي وأطفالي الثلاثة، فانتقلتُ إلى قريب لي كان قد استأجر أحد الشاليهات في منطقة جونية شرق بيروت»، متابعاً: «علّها تكون آمنة أكثر، علماً بأننا بتنا على يقين أنه لم تعد هناك أي منطقة آمنة».

وأضاف: «السبب فيما آلت إليه الأمور هو اختباء عناصر (حزب الله) بين المدنيين، غير آبهين بتداعيات ذلك»، لافتاً إلى أن «الشخص لم يعد يشعر بالأمان في بيته ومدينته؛ لأنه لا يعرف مَن قد يكون في المبنى الذي يسكنه»، خصوصاً أنه «رغم كل محاولات المراقبة هم يستخدمون هويات مزورة، ما يخرج الأمور عن القدرة على السيطرة».

سقوط الخطوط الحمراء

وانطلاقاً من الوقائع الميدانية، يرى الخبير العسكري، رياض قهوجي، أن «الخطوط الحمراء سقطت، ولم يعد هناك أي منطقة آمنة لا في بيروت ولا غيرها بالنسبة إلى الإسرائيلي»، لافتاً إلى أنه «سبق أن نقل عبر عدة جهات إلى المسؤولين اللبنانيين أن الجيش الإسرائيلي سيطارد عناصر (حزب الله) وقيادييه، وسيستهدفهم في كل مكان، وفي كل المناطق اللبنانية التي يوجدون فيها»، محذراً من أن «يوم الأربعاء الدموي قد يتكرر في أي لحظة». ويضيف أن «الخطوط الحمر الوحيدة هي التي وضعها الأميركي، وهي رفض استهداف البنى التحتية للدولة اللبنانية».

عمليات بحث عن الضحايا تحت أنقاض أحد المباني التي استهدفت في بيروت الأربعاء (أ.ب)

وفي تهديد ومؤشر واضح لهذا الواقع، كان قد قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي صراحة إثر الهجوم الإسرائيلي بمائة غارة في وقت واحد، يوم الأربعاء: «(حزب الله) غادر معاقل الإرهاب في الضاحية، وتموضع نحو شمال بيروت، وإلى المناطق المختلطة في المدينة»، وتوجه لهم بالقول: «لا يوجد مكان آمن بالنسبة لكم. سيواصل جيش الدفاع ملاحقتكم والعمل بقوة كبيرة ضدكم أينما كنتم».

«الكتائب» للتأكد من عدم وجود «حزب الله» بين المدنيين

في المقابل، ترتفع الأصوات في لبنان الرافضة لاستخدام المناطق السكنية؛ حيث عبّر المكتب السياسي في حزب «الكتائب اللبنانية»: «عن استيائه الشديد لتراخي الإجراءات الأمنية التي تسمح باستعمال بعض المناطق ملاذاً لتسلل مسلحين خارجين عن الشرعية»، مطالباً في بيان إثر الاجتماع الأسبوعي بـ«ضرورة انتشار الجيش والقوى الأمنية في مختلف المناطق، وتشديد المراقبة والتدقيق، للتأكد من عدم وجود عناصر من تنظيم ميليشيات (حزب الله) المحظورة بين المدنيين».

كما جدد المطالبة بـ«ضرورة مكاشفة اللبنانيين ومصارحتهم بنتائج التحقيقات في سلسلة الأحداث الأمنية المرتبطة بالحرب... داعياً الدولة إلى وضع الرأي العام أمام الحقائق كاملة، ومن دون أي مداراة، بما يُعزّز الثقة ويمنع تكرار هذه المآسي».

عناصر الدفاع المدني يقومون بعمليات بحث عن الضاحية تحت أنقاض المبنى الذي استهدف يوم الأربعاء (أ.ف.ب)


«الوزراء اللبناني» يقرر حصر السلاح بيد القوى الشرعية في بيروت

أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)
أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)
TT

«الوزراء اللبناني» يقرر حصر السلاح بيد القوى الشرعية في بيروت

أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)
أفراد من الجيش اللبناني يؤمّنون موقع غارة إسرائيلية نُفّذت يوم الأربعاء في منطقة الخياط ببيروت (رويترز)

طلب مجلس الوزراء اللبناني الخميس من الجيش والأجهزة الأمنية المباشرة بتعزيز بسط سيطرة الدولة في محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بيد القوى الشرعية، وذلك غداة الغارات الإسرائيلية الدامية على العاصمة ومناطق أخرى.

وقال رئيس الحكومة نواف سلام في ختام اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون: «حفاظاً على سلامة المواطنين وأمنهم وممتلكاتهم، يُطلب إلى الجيش والقوى الأمنية المباشرة فوراً بتعزيز بسط سيطرة الدولة الكاملة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها بالقوى الشرعية وحدها».

وارتفع عدد ضحايا الغارات الإسرائيلية الواسعة على لبنان أمس الأربعاء إلى 203 قتلى وأكثر من ألف جريح، وفق إعلان وزير الصحة اللبناني ركان ناصر الدين اليوم.

وقال وزير الصحة اللبناني، في تصريح اليوم قبل جلسة الحكومة في قصر بعبدا: «هناك 203 شهداء وأكثر من ألف جريح جراء الغارات الإسرائيلية أمس».

وبدأت جلسة مجلس الوزراء المنعقدة في قصر بعبدا بدقيقة صمت على أرواح الشهداء».

وفي وقت سابق اليوم (الخميس)، قُتِل أكثر من 10 أشخاص بينهم نساء وأطفال في قصف إسرائيلي استهدف مبني سكنياً في جنوب لبنان، وفق إعلام محلي.

ووفق «الوكالة الوطنية للإعلام»: «ارتكب العدوان الإسرائيلي مجزرة جديدة في بلدة الزرارية بقضاء صيدا، حيث استهدف أحد المباني السكنية، مما أدَّى إلى استشهاد أكثر من 10 بينهم نساء وأطفال».